Indexed OCR Text
Pages 441-460
مادون سنة في الأظهر، لقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ولأن الرسول من الإ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح(١). ولا تبلغ المدة سنة؛ لأنها مدة تجب فيها الجزية. فإن كان بالمسلمين ضعف، فتجوز لعشر سنين فقط فما دونها بحسب الحاجة، لأن هذا غاية مدة الهدنة، لأنه مع الف هادن قريشاً في الحديبية هذه المدة على المعتمد. فإن لم يقو المسلمون طوال تلك المدة فلا بأس أن يجدد الإمام مدة مثلها أو دونها على رجاء أن يقووا، وإذا انقضت المدة والحاجة باقية استؤنف العقد . وهذا هو مذهب الشيعة الإمامية وظاهر كلام الإمام أحمد، وقال أبو الخطاب من الحنابلة: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر سنين على حسب ما يراه الإمام من المصلحة بعد اجتهاده. والذي يبدو أن ما نقله أبو الخطاب هو الأصح عند الحنابلة(٢). وقال الحنفية والمالكية والزيدية: ليس للهدنة مدة معينة، إنما تقدير المدة راجع إلى اجتهاد الإمام قدر الحاجة؛ لأن المهادنة عقد جاز لمدة عشر سنين ، فتجوز الزيادة عليها كعقد الإجارة(٣). المبحث الرابع - انتهاء الحرب بعقد الذمة نتكلم عن عقد الذمة ببيان ركنه وشرائطه وحكمه وصفته ومقدار الجزية ومسقطاتها . (١) راجع تلخيص الحبير، طبع القاهرة، بتعليق هاشم اليماني : ١٣١/٤، الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٧٢٠/٢ ٠ (٢) كشاف القناع : ١٠٤/٣ ط مكة . راجع التفصيل في آثار الحرب : ص ٦٧٥ وما بعدها . (٣) - ٤٤١ - تعريف عقد الذمة أو الصلح المؤبد وركنه: الذمة في اللغة العهد، وهو الأمان والضمان والكفالة. وعند الفقهاء(١): هو التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية(٢) والاستسلام من جهتهم. ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنها من المصالح العظمى التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا لا يتأتى لغير الإمام أو نائبه، لكن قال المالكية: إن عقدها غير الإمام فيأمنون، ويسقط عنهم القتل والأسر، وللإمام النظر بأن يمضيها أو يردهم لمأمنهم(٣). وركن العقد أو صيغته: إما لفظ صريح يدل عليه مثل لفظ العهد والعقد على أسس معينة، وإما فعل يدل على قبول الجزية، كأن يدخل حربي دار الإسلام بأمان، ويمكث فيها سنة، فيطلب إليه إما أن يخرج أو يصبح ذمياً، فإن اختار البقاء عندنا صار من أهل الذمة. شروط العقد: يشترط في المعقود له عقد الذمة شروط ثلاثة : أولها - ألا يكون المعاهد من مشركي العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، لقوله تعالى عن المشركين: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾، وإنما يعقد عقد الذمة مع أهل الكتاب، لقوله سبحانه: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ويعقد هذا العقد أيضاً مع المجوس؛ لأن لهم شبهة كتاب، لما قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله مع الله يقول: راجع آثار الحرب للمؤلف : ص ٦٩٢ . (١) الجزية : ما يؤخذ من أهل الذمة ، لأنها تجزئ من القتل ، أي تعصم . (٢) فتح القدير: ٣٦٨/٤، الخرشي، الطبعة الأولى: ١٦٦/٣، مغني المحتاج: ٢٤٣/٤، كشاف القناع : (٣) ٩٢/٣ ط مصر . - ٤٤٢ _ ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))(١). وعن عمر: ((أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ماتم أخذها من مجوس هجر))(١). وهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية والإباضية والشيعة الإمامية والزيدية. وقال الأوزاعي والثوري وفقهاء الشام والمالكية على المشهور في مذهبهم: تؤخذ الجزية من كل كافر، سواء أكان من العرب أم من العجم، من أهل الكتاب، أم من عبدة الأصنام(٣)، بدليل ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: ((كان رسول الله صَ لّ إذا أمَّر أميراً على جيش أوسرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً)) ثم قال: (( ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية ... )) الحديث(٤) فقوله ◌َ لّ: ((عدوك)) عام يشمل كل كافر، قال الشوكاني: هذا الحديث حجة في أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب. الشرط الثاني: ألا يكون المعاهد مرتداً، لأن حكمه القتل إذا لم يتب لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه فاقتلوه))(٥)، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء . رواه الشافعي ، ورواه الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال : لا أدري ما أصنع بالجوس ، (١) فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله عَهم يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهذا منقطع ورجاله ثقات ، ورواه أيضاً البزار والدارقطني وابن أبي شيبة مرسلاً ( جامع الأصول : ٢٦٤/٣ ، نصب الراية : ٤٤٨/٣، نيل الأوطار : ٥٦/٨). رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي ( جامع الأصول: ص ٢٦١، نصب الراية: ص ٤٤٨ ، نيل الأوطار: (٢) ٥٦/٨، سبل السلام : ٦٥/٤). (٣) راجع آثار الحرب: ص ٧١٢ وما بعدها ، الدر المختار: ٢٩٣/٣، تبيين الحقائق: ٢٧٧/٣. (٤) أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها ( راجع شرح مسلم : ٣٧/١٢ وما بعدها ) . رواه الجماعة إلا مسلماً ، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ( نصب الراية : ٤٥٦/٣، نيل الأوطار: ١٩٠/٧ ، (٥) سبل السلام : ٦٥/٤ ). - ٤٤٣ - الشرط الثالث: أن يكون العقد مؤبداً: فإن أقت الصلح لم يصح العقد؛ لأن عقد الذمة بالنسبة لعصمة الإنسان في ماله ونفسه بديل عن الإسلام، والإسلام مؤبد، فكذا بديله وهو عقد الذمة. وهذا شرط متفق عليه أيضاً(١). شروط المكلفين بالجزية : يشترط لوجوب الجزية على أهل الذمة شروط : ١- الأهلية من العقل والبلوغ: فلا تجب على الصبيان والمجانين؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال. ٢- الذكورة: فلا تجب على النساء؛ لأنهن أيضاً لسن من أهل القتال، والله سبحانه وتعالى أوجب الجزية على المقاتلين بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... ) الآية، فالمقاتلة تقتضي المشاركة، يعني وقوع القتال من الطرفين . ٣- الصحة والمقدرة المالية: فلا تجب على المريض مرضاً لمدة سنة أو أكثر السنة؛ لأن للأكثر حكم الكل، ولا تجب أيضاً على الفقير المتعطل عن العمل، ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس. ٤- السلامة من العاهات المزمنة، كالمرض المزمن والعمى والشيخوخة. ٥- الحرية، فلا تجب الجزية على العبد، لأنه ليس مالكاً للمال. وفي الجملة: اتفق الفقهاء على اشتراط البلوغ والحرية والذكورة، فلا جزية على امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا معتوه ولا زمن ولا أعمى ولا مفلوج ولا شيخ كبير؛ لأنها وجبت بدلاً عن القيام بقتال الأعداء، وهم لا يقاتلون لعدم الأهلية. ولا جزية على فقير غير معتمل (أي مكتسب ولو بالسؤال) لعدم الطاقة، ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس، إذ لا يقتلون والأصل في الجزية لإسقاط القتل، ولا جزية على العبد بأنواعه . (١) راجع البدائع: ١١٠/٧ وما بعدها، آثار الحرب: ص ٧٠٧، ٧١٣، فتح القدير: ٣٧١/٤ . - ٤٤٤ _ وخالف الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم في الشرطين الثالث والرابع، فلم يجيزوا إسقاط الجزية بالاعذار(١). حكم عقد الجزية: يترتب على عقد الذمة إنهاء الحرب بين المسلمين وغيرهم، وعصمة نفوس الكفار وأموالهم وبلادهم وأعراضهم، فلا يجوز استباحتها بعد انعقاد العقد، بدليل حديث بريدة السابق ذكره وفيه: ((فادعهم إلى أداء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)) ولقوله تعالى في آية الجزية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ فالله سبحانه طالب بالكف عن قتال أهل الكتاب عند وجود الإسلام أو بذل الجزية، وبما أن الإسلام يعصم النفس والمال وما ألحق بها، فكذا الجزية. وقال علي رضي الله عنه: ((وإنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا))(٢) وروى أبو داود والبيهقي وأحمد عن الرسول ◌ُ طلائع من حديث أسامة قال: ((ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة))(٣). والجزية نوعان : جزية صلحية: وهي جزية توضع بالتراضي والصلح، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق، فلا حد لها ولا لمن تؤخذ منه إلا ما يقع عليه الصلح، وجزية عنوية تفرض فرضاً: وهي التي يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب المسلمون على الكفار، واستولوا على بلادهم، وأقرهم الإمام على أمرهم. البدائع، المرجع السابق: ص ١١١، آثار الحرب: ص ٦٩٩، تبيين الحقائق: ٢٧٨/٤، فتح القدير: ٣٧٢/٤ ، (١) الكتاب مع اللباب : ١٤٥/٤ . آثار الحرب: ص ٧٢٨ وما بعدها ، البدائع : ١١١/٧، والأثر المروي عن علي غريب ، وأخرجه الدارقطني عن (٢) علي بلفظ (( من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا)) ( نصب الراية: ٢٨١/٣). الحديث مروي عن صفوان بن سليم رحمه الله ( راجع سنن أبي داود : ٢٣١/٣ ، سنن البيهقي : ٢٠٥/٩ ، (٣) منتخب كنز العمال من مسند أحمد: ٢٩٦/٢، جامع الأصول: ٢٥٧/٣، الفتح الكبير: ٤٨٥/١ ). - ٤٤٥ _ فيضع الإمام عند الحنفية والحنابلة على الغني الظاهر الغنى (وهو من يملك عشرة آلاف درهم فصاعداً) في كل سنة ثمانية وأربعين درهماً، منجمة أي مقسطة على الأشهر، يأخذ في كل شهر أربعة دراهم. ويضع على المتوسط الحال (وهو من يملك مائتي درهم فصاعداً) أربعة وعشرين درهماً منجمة أيضاً على الأشهر، في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل (وهو من يملك ما دون المائتي درهم، أو لا يملك شيئاً) اثني عشر درهماً منجمة أيضاً على الأشهر، في كل شهر درهماً(١). وذلك عملاً بفعل عمر رضي الله عنه الذي قسم أهل الذمة ثلاث طبقات: وهم الموسرون والمتوسطون والفقراء العاملون. ويرى المالكية: أن الجزية أربعة دنانير في كل عام على كل واحد من أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الفضة، وذكر ابن جزي المالكي(٢) أنه لا يزاد على ذلك لقوة أحد، ولا ينقص لضعفه، والراجح لدى المالكية أنه ينقص عن الفقير بحسب طاقته ووسعه . 8 وذهب الشافعية(٣) إلى أن أقل الجزية دينار، لحديث معاذ بن جبل: ((أنه مل لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله من المعافر)»(٤) وهي ثياب يمنية، نسبة إلى حي من همدان في اليمن، تنسب إليه الثياب المعافرية. ويستحب لدى الشافعية مماكسة (مشاححة) الذمي حتى يأخذ من المتوسط دينارين، ومن الغني أربعة دنانير، اقتداء بعمر رضي الله عنه، كما رواه البيهقي عنه. الكتاب مع اللباب : ١٤٣/٤ ، المغني : ٥٠١/٨ وما بعدها . (١) (٢) القوانين الفقهية : ص ١٥٦ . (٣) مغني المحتاج : ٢٤٨/٤ . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والبيهقي والدارقطني ، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث مسروق (٤) عن معاذ . - ٤٤٦ - صفة عقد الذمة : اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة عقد لازم من ناحية المسلمين، فلا يملك المسلمون نقضه بأي حال. وأما بالنسبة لغير المسلمين فهو عقد غير لازم، لكنه لا ينتقض عند الحنفية إلا بأحد أمور ثلاثة: وهي أن يسلم الذمي، أو يلحق بدار الحرب، أو يغلب الذميون على موضع فيحاربوننا، ولا ينتقض عهده بغير المذكور، كالامتناع من إعطاء الجزية، أو سب النبي يؤثرٍ، أو قتل مسلم، أو الزنى بمسلمة؛ لأن التزام الجزية باق، ويستطيع الحاكم أن يجبره على أدائها، وأما بقية المخالفات فهي معاصي ارتكبوها وهي دون الكفر، وقد أقررناه عليه، فما دونه أولی(١). ويرى جمهور الفقهاء، والشيعة الإمامية والزيدية، والإباضية: أن عهد الذمي ينتقض بمنعه أداء الجزية، أو امتناعه من تطبيق أحكام الإسلام العامة، أو بالاجتماع على قتال المسلمين؛ لأن هذه الأمور من مقتضى عقد الذمة، فارتكابها يخالف مقتضى العقد، فيوجب نقض المعاهدة. US وكذلك قالوا ما عدا الشافعية والإمامية: ينتقض العقد بارتكاب المعاصي السابقة؛ لأن فيها ضرراً على المسلمين، فأشبه الامتناع عن بذل الجزية. أما الشافعية في الأصح عندهم، فإنهم يرون أن عهد الذمة لا ينتقض بارتكاب المعاصي إذا لم يشترط النقض في العقد، فإن اشترط على أهل الذمة انتقاض العهد انتقض، مخالفة الشرط ولحوق الضرر بالمسلمين(٣). واتفق الفقهاء على أن أهل الذمة ملتزمون بتطبيق أحكام الإسلام المدنية والجنائية، وأما العبادات ونحوها مما يدينون به كشرب الخمور وتربية الخنازير البدائع ، المرجع السابق: ص ١١٢ وما بعدها، فتح القدير: ٣٨١/٤ ، تبيين الحقائق: ٢٨١/٣ ، الكتاب مع (١) اللباب : ١٤٧/٤ . (٢) راجع آثار الحرب: ص ٣٥٩، ٣٦٧ - ٣٧٤ . - ٤٤٧ - وأكلها فيتركون وما يدينون بدون تظاهر. ولكن لا يجوز لهم إحداث بيعة ولا كنيسة (١) ولا صومعة ولا بيت نار ولا مقبرة في دار الإسلام(). ولهم فقط ترميم أماكن عبادتهم هذه. آراء الفقهاء في مقدار الجزية ووقت أدائها ومسقطاتها: يرى الحنفية والحنابلة أن الجزية يختلف مقدارها بحسب حال المكلف بها، فإن كان غنياً فيجب عليه ثمانية وأربعون درهماً، وإن كان متوسط الحال فعليه أربعة وعشرون درهماً، وإن كان فقيراً عاملاً فعليه اثنا عشر درهماً كما ذكرنا. وهذا التقدير ثابت عن سيدنا عمر رضي الله عنه(٣). وقال المالكية: مقدار الجزية أربعون درهماً، أي أربعة دنانير، وينقص عن الفقير بحسب وسعه وطاقته(٤). وذكر ابن جزي أنه لا يزاد على أربعين درهماً (علماً بأن الدينار عندهم عشرة دراهم) لقوة أحد ولا ينقص لضعفه. وقال الشافعية مثل الحنفية والحنابلة : أقل الجزية دينار لكل سنة، ويؤخذ من متوسط الحال ديناران، ومن غني أربعة دنانير، اقتداء بعمر رضي الله عنه كما رواه البيهقي عنه، ودليلهم على أقل مقدار الجزية، ما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما عن معاذ رضي الله عنه: ((أنه التر لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً، البيعة بكسر الباء : وهي في الاستعمال الغالب متعبَّد النصارى ، والكنيسة متعبد اليهود . لكن في ديار مصر (١) والشام ، لا يستعمل لفظ البيعة ، بل تستعمل الكنيسة لمتعبد الفريقين . ولفظ الدير للنصارى خاصة . وأصل اللغة أن الكنيسة والبيعة تطلق على كل من معبد اليهود والنصارى . (٢) الكتاب مع اللباب : ١٤٦/٤ . البدائع: ١١٢/٧، الدر المختار: ٢٩٢/٣، تبيين الحقائق: ٢٧٦/٣، المغني: ٥٠٢/٨، وأما التقدير المذكور (٣) فمروي من طرق عن عمر منها ما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن عبيد الله الثقفي ، ورواه ابن زنجويه عن المغيرة بن شعبة ( راجع نصب الراية : ٤٤٧/٣ وما بعدها ) . الشرح الكبير للدردير : ٢٠١/٢ وما بعدها . (٤) - ٤٤٨ - أو عدله من المعافر، وهي ثياب تكون بالين))(١). ويجب أداء الجزية عند الحنفية في أول السنة؛ لأنها تجب لحماية الذمي في المستقبل. وعند سائر المذاهب: تجب الجزية في آخر السنة؛ لأنه مال يتكرر بتكرار الحول، أو يؤخذ في آخر كل حول كالزكاة(٣) . وتسقط الجزية باعتناق الإسلام باتفاق الفقهاء، لقوله عليه السلام فيما يرويه ابن عباس: ((ليس على مسلم جزية))(٣) وفي رواية للطبراني عن ابن عمر: ((من أسلم فلا جزية عليه)». وتسقط بالموت عند الحنفية والمالكية والزيدية؛ لأن الجزية في رأيهم عقوبة، فتسقط بالموت كالحدود. وعند الشافعية والحنابلة: لا تسقط بالموت وتؤخذ من التركة؛ لأنها دين وجب في الحياة، فلم يسقط بالموت كديون الناس. وتسقط الجزية أيضاً عند أبي حنيفة والزيدية بمضي السنة ودخول سنة أخرى؛ لأن الجزية عقوبة، فتتداخل مع بعضها كالحدود. وعند الصاحبين وسائر الأئمة: لا تتداخل الجزية وتجب الجزيات كلها؛ لأنها عوض، فتعتبر بمنزلة سائر الحقوق 5 المالية كالدية والزكاة وغيرهما(٤). (١) مغني المحتاج: ٢٤٨/٤، وأما حديث معاذ فرواه أبو داود والترمذي والنسائي ، وصححه ابن حبان والحاكم وقال الترمذي: حديث حسن ، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً وأنه أصح ( جامع الأصول : ٢٦١/٣ ، نصب الراية : ٤٤٥/٣ ، سبل السلام : ٤ ص ٦٦ ). (٢) المراجع السابقة . رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني ، وذكر الترمذي أنه مرسل ( سنن أبي داود : ٢٣١/٣ ، مجمع الزوائد : (٣) ١٣/٦، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: ٣٨/٢، جامع الأصول: ٢٦٧/٣، نصب الراية: ٤٥٣/٣ ، نيل الأوطار : ٦١/٨ ) . (٤) راجع آثار الحرب : ص ٦٩٤ وما بعدها ، المغني : ٥١١/٨ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ٦ (٢٩) - ٤٤٩ - حقوق الذميين وواجباتهم: للذميين حقوق وواجبات(١). أما حقوقهم فهي ما يأتي : ١ - التزام تقريرهم في بلادنا إلا الحرم المكي في رأي الجمهور غير أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد به الحرم، بدليل قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة) وأجاز أبو حنيفة لهم دخول الحرم المکي کالحجاز کله، ولكنهم لا يستوطنون به، ومنع الاستيطان لا يمنع من دخوله. ومنع المالكية استيطان الكفار في جزيرة العرب، وهي الحجاز واليمن، لكنهم أجازوا لهم دخول الحرم المكي دون البيت الحرام بأمان . وأجاز الحنابلة دخول الكفار إلى الحجاز للتجارة، ولكن لا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، وعن بعضهم : أربعة أيام. وحظر الإمام الشافعي تمكين الكافر من دخول مكة وحرمها بأي حال، فإن دخلها خفية، وجب إخراجه، وإن مات ودفن فيها، نبش وأخرج منها ما لم يتغير. ٣ - وجوب الكف عنهم ، بسبب عصمة أنفسهم وأموالهم بالعقد. ٣ - عدم التعرض لكنائسهم ولا لخمورهم وخنازيرهم ما لم يظهروها، فإن أظهروا الخمر أرقناها عليهم، وإن لم يظهروها وأراقها مسلم، ضمنها في رأي المالكية والحنفية، ولا يضمنها في رأي الشافعية والحنابلة. ويؤدب منهم من أظهر الخنزير. وأما واجباتهم فهي اثنا عشر شيئاً هي: أ - أداء الجزية عن كل رجل في كل عام مرة، وهي دينار عند الشافعي، وإن صوحوا علی أکثر من ذلك جاز، وأربعة دنانیر عند الجمهور. (١) راجع القوانين الفقهية: ص ١٥٦ وما بعدها، المهذب: ٢٥٨/٢، تحفة الأحوذي شرح الترمذي: ٢٣١/٥، المغني : ٥٢٩/٨ - ٥٣١ . - ٤٥٠ _ ٢ - ضيافة المسلمين ثلاثة أيام إذا مروا عليهم. ٣ -دفع عشر ما یتجرون به في غیر بلادهم التي يسكنونها . ٤ - ألا يبنوا كنيسة، ولا يتركوها مبنية في بلدة بناها المسلمون، أو فتحت عنوة، فإن فتحت صلحاً واشترطوا بقاءها جاز. ٥ - ألا يركبوا الخيل ولا البغال النفيسة، ولهم ركوب الخمير. ٦ - أن يمنعوا من جادة الطريق ويضطروا إلى أضيقه. ٧ - أن تكون لهم علامة يعرفون بها كالزنار ويعاقبون على تركها. ٨ - ألا يغشوا المسلمين، ولا يأووا جاسوساً. ٩ - ألا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم ليلاً ونهاراً. ١٠ - أن يوقروا المسلمين، فلا يضربوا مسلماً ولا يسبونه ولا يستخدمونه. ١١ - أن يخفوا نواقيسهم، ولا يظهروا شيئاً من شعائر دينهم. ١٢ - ألا يسبوا أحداً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يظهروا معتقدهم. - ٤٥١ - الفصل الثالث حكم الأنفال والغنائم يترتب على قيام الحرب آثار في أموال العدو تعرف لدى الفقهاء بأموال الفيء والغنائم: وهي ما وصلت من الحربيين أو كانوا سبب وصولها(١). ومن هذه الأموال ما يعرف باسم خاص يخص به الإمام أحد المجاهدين ويعرف بالأنفال. فما معنى كل لفظ على حدة وما حکمه؟ ١ - النَّفَل: النفل في اللغة: عبارة عن الزيادة، وفي الاصطلاح: عبارة عما خصه الإمام لبعض المجاهدين تحريضاً لهم على القتال، سمي نفلاً، لكونه زيادة عن حصته من الغنيمة . والتنفيل: تخصيص بعض المجاهدين بالزيادة، كأن يقول ولي الأمر: من أصاب شيئاً فله ربعه أو ثلثه، أو فهو له، أو من قتل قتيلاً فله سَلبَه(٢) أو يقول لسرية: «ماأصبتم فهو لكم)). وهذا جائز لما فيه من تحريض على القتال، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسّلب وغيرها . (١) الأحكام السلطانية للماوردي : ص ١٢١. (٢) سيأتي تفسير السلب قريباً ، وهذا نص حديث . - ٤٥٢ - ولا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبة، أو يقول لسرية (هي القطعة من الجيش): قد جعلت لكم الربع أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال. وقد قال تعالى: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ وهذا نوع من التحريض. والسّلب: هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه، ودابته التي ركبها بما عليها، وما كان معه من مال. وأما ما يكون مع خادم للمقتول على فرس آخر أو ما معه من أموال على دابة أخرى، فكله من الغنيمة التي هي من حق جماعة الغامين كلهم. هذا مذهب الحنفية(١) والمالكية(٣) الذي يقتضي أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بإذن الإمام، أي بأن ينفله له الإمام بعد انتهاء الحرب بطريق الاجتهاد . فاذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنية، ويكون القاتل وغيره في السلب سواء؛ لأنه مأخوذ بقوة الجيش، فيكون غنيمة لهم . وقال الشافعية والحنابلة : يستحق القاتل سلب المقتول في كل حال بدون إذن الإمام(٣) بدليل عموم قوله مَ الَ: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))(٤). وقد روي أن ((أبا طلحة رضي الله عنه قتل يوم خيبر عشرين قتيلاً، وأخذ أسلابهم))(٥). ٠ البدائع : ١١٤/٧ وما بعدها ، فتح القدير: ٣٣٣/٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٢٥٨/٤ . (١) (٢) بداية المجتهد: ٣٨٤/١ ، الفروق للقرافي: ٧/٣ . (٣) راجع مغني المحتاج : ٩٩/٣، المغني لابن قدامة: ٣٨٨/٨ . رواه الجماعة إلا النسائي ، ورواه الموطأ وأحمد عن أبي قتادة الأنصاري ورواه البيهقي عن سمرة ، كما رواه (٤) غيرهما. وأما حديث (( ليس لك من سلب قتيلك إلا ماطابت به نفس إمامك)) فهو منقطع (راجع جامع الأصول: ٢٩١/٣، شرح مسلم: ٥٩/١٢، مجمع الزوائد: ٣٣١/٥، نصب الراية: ٤٢٨/٣ - ٤٣٠، نيل الأوطار: ٢٦١/٧ ، سبل السلام : ٥٢/٤ ). (٥) رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم عن أنس (راجع نيل الأوطار: ٢٦٢/٧، نصب الراية: ٤٢٩/٣). - ٤٥٣ - ومنشأ الخلاف بين الفریقین: هل قوله ے: «من قتل قتیلاً فله سلبه» صادر منه بطريق الإمامة أم بطريق الفتيا؟ قال الحنفية والمالكية: إن السلب لم يكن للقاتل إلا يوم حنين، فتخصيص بعض المجاهدين به موكول إلى اجتهاد الإمام، فهو تصرف مقول بطريق الإمامة والسياسة. وما وقع منه مع قّ بالإمامة لابد فيه من إذن الإمام في كل عصر من العصور. وقال الشافعية والحنابلة: إن تنفيل السلب تصرف حادث من الرسول م الم بطريق الفتيا، لا بطريق الإمامة، وكل ما وقع منه بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض أو إذن إمام(١). وهذا الخلاف يجري في فهم حديث: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له))(٢) فهل يحتاج إصلاح الأرض لتملكها إلى إذن الإمام أم لا؟ رأيان كما لاحظنا. والتنفيل بناء على رأي الفريق الأول إنما يكون في مباح القتل، فلا يستحق بقتل غير المقاتلة كالصبي والمرأة والمجنون ونحوهم، ولا يشترط في استحقاق النفل سماع القاتل مقالة الإمام؛ لأن إسماع كل المجاهدين متعذر. ويشترط لجواز التنفيل أن يكون قبل حصول الغنيمة في أيدي الغانمين، فإن حصلت في أيديهم، فلا نفل إلا من الخمس ونحوه. وحكم التنفيل : اختصاص القاتل بالنفل، فلا يشاركه فيه أحد من الغانغين، ولكن لا يتم تملكه إلا بالإحراز في دار الإسلام عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأما عند محمد فیتم تملكه قبل الإحراز بدارنا(٣). راجع الفروق للقرافي : ١٩٥/١ ، ٧/٣ وما بعدها. (١) (٢) رواه البخاري في صحيحه عن عائشة، وروي عن سبعة آخرين من الصحابة ( راجع نصب الراية : ٢٨٨/٤). راجع الدر المختار ورد المختار عليه: ٢٦١/٤ - ٢٦٤، البدائع : ١١٥/٧. (٣) - ٤٥٤ - ٢ - الفيء: الفيء في اللغة: الرجوع، واصطلاحاً: هو المال الذي يؤخذ من الحربيين من غير قتال، أي بطريق الصلح كالجزية والخراج(١). وقد كان الفيء لرسول الله ◌َ ◌ٍّ خاصة يتصرف فيه كيف شاء، لقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير﴾ وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: ((كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عز وجل على رسوله مَ القلم، وكانت خالصة له، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكُراع(٢) والسلاح))(٣). وأما بعد الرسول مطلقة فيكون الفيء لجماعة المسلمين، يصرف في مصالح المسلمين عامة. والفرق بين الرسول وغيره من الأئمة: أن الأئمة ينصرون بالقوة المعنوية لقومهم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه منصور بما آتاه الله من هيبة خاصة به، كما قال عليه الصلاة والسلام: («نصرت بالرعب مسيرة شهر))(٤). وبناء عليه: إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان، فأخذه أحد المسلمين، يكون فيئاً لجماعة المسلمين، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة؛ لأن سبب ثبوت الملك فيه متحقق بالنسبة لجميع أهل دار الإسلام. وعند الصاحبين: يكون للآخذ خاصة؛ لأن سبب الملك وهو الأخذ والاستيلاء وجد حقيقة من الآخذ خاصة. ٣- الغنيمة: الغنية في اللغة: الفوز بالشيء بلا مشقة، واصطلاحاً: هي (١) راجع آثار الحرب : والمراجع التي فيه : ص ٥٥٣ . (٢) الكراع - بضم الكاف : اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير . (٣) رواه الشيخان وأحمد عن عمر ( نيل الأوطار: ٧١/٨، الإلمام: ص ٥٠٣ ). أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله بلفظ «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء (٤) قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة)» ويروى عن جماعة آخرين من الصحابة ، وهو حديث متواتر ( الجامع الصغير: ص ٤٧١ ، مجمع الزوائد : ٦٥/٦، تلخيص الحبير، الطبعة الجديدة بمصر: ١٤٠/٣). - ٤٥٥ _ ے ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة(١)، وللغنائم أحكام: الحكم الأول - ثبوت الحق والملك فيها : إن حق الغانمين في تملك الغنائم عند الحنفية يتدرج في مراتب ثلاثة، يثبت في أولها أصل الحق العام، ويتأكد في ثانيها هذا الحق، ويتخصص في ثالثها حق كل مجاهد به . ففي المرتبة الأولى - يتعلق أصل الحق العام في تملك الغنيمة للغانمين بمجرد الأخذ والاستيلاء، ولكن لا تثبت الملكية قبل الإحراز بدار الإسلام عند الحنفية(٢). وعند بقية الأئمة والشيعة الزيدية والإمامية: تنتقل ملكية أموال العدو إلى الغانمين بمجرد الاستيلاء، فيثبت لهم الملك في الغنية قبل الإحراز بدار الإسلام(٣). إلا أن الراجح عند الشافعية أن تملك أموال الأعداء لا يثبت إلا بالاستيلاء مع القسمة أو اختيار التملك(٤). وقد فرع الحنفية على الأصل المقرر عندهم هذه الفروع الفقهية: أ- إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه. ب- إذا باع الإمام شيئاً من الغنائم، لالحاجة المجاهدين، لا يجوز. جــ إذا أتلف أحد الغامين شيئاً، لا يضمنه. د- إذا لحق المدد الجيش في دار الحرب، فأحرزوا جميعهم الغنائم إلى دار الإسلام، يشاركونهم في القسمة. (١) آثار الحرب ، المرجع السابق . (٢) فتح القدير: ٣٠٩/٤، البدائع : ١٢١/٧ . (٣) آثار الحرب : ص ٥٥٦ وما بعدها . مغني المحتاج : ٢٣٤/٤ ، المهذب : ٢٤١/٢ . (٤) - ٤٥٦ - هـ - إذا قسم الإمام الغنيمة في دار الحرب قسمة مجازفة بدون اجتهاد ولا لحاجة المجاهدين، فإن القسمة لا تصح. وأما عند الأئمة الآخرين فإن حكم هذه الفروع على العكس تماماً مما هو مقرر لدى الحنفية . وأما فائدة ثبوت أصل الحق العام في الغنيمة عند الحنفية فهو يظهر فيما يلي: إذا أسلم الأسير في دار الحرب، فإنه لا يكون حراً، ويدخل في قسمة الغنية، وإذا أسلم قبل الأسر يكون حراً، ولا يدخل في القسمة؛ لأنه بالأسر يتعلق به حق الغانمين، فإذا وجد الإسلام قبل الأسرلم يتعلق به حق أحد. ولو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام، فإن أموالهم لا تكون خاصة بهم، وإنما يساهمون مع غيرهم من المجاهدين في القسمة والاستحقاق، بسبب اشتراكهم مع المجاهدين في الإحراز بدار الإسلام، فيكونون كالمدد اللاحق بالجيش. وكذلك ليس لأحد المجاهدين أن يأخذ شيئاً من الغنائم من غير حاجة، لثبوت أصل الحق العام للغانمين فيما غنموه، ولو لم يثبت أصل الحق، لكان المال الذي غنم بمنزلة المباح(١). وقد استدل الحنفية على مذهبهم بأن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك لأحد، وهذا المعنى لم يتوافر في الغنيمة؛ لأنها مملوكة للأعداء في الأصل، ولم تزل ملكيتهم عنها إلا بالإحراز بدار الإسلام. واستدل غير الحنفية بأن سبب الملك هو الاستيلاء التام، وقد وجد فيفيد الملك، كالاستيلاء على سائر المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما، ثم إن الأدلة (١) راجع البدائع: ١٢١/٧ وما بعدها، فتح القدير: ٣٠٩/٤ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٥١/٣ . - ٤٥٧ - الدالة على استحقاق الغنية عامة مثل قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ الآية(١). وفي المرتبة الثانية - أي بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة: يتأكد الحق العام في الغنية ويستقر على ملك الغانمين، ولكن لا يثبت الملك أيضاً عند الحنفية. ولهذا قالوا: لو مات أحد المجاهدين، يورث نصيبه، ولو باع الإمام شيئاً من الغنية أو قسمها، جاز، ولو لحقهم مدد لا يشاركون الغانمين، وإذا أتلف أحد شيئاً من الغنيمة يضمنه. وفي المرتبة الثالثة - أي بعد الإحراز والقسمة يثبت الملك الخاص لكل واحد من المجاهدين فيا هو نصيبه؛ لأن القسمة إفراز الأنصباء وتعيينها(٢). أوجه الانتفاع بالغنيمة في دار الحرب: إذا تم الاستيلاء على الغنائم، فلا بأس بالانتفاع بها عند الحنفية قبل الإحراز بدار الإسلام، وذلك بالأكل والشرب والعلف والحطب منها، لعموم حاجة الغانمين، سواء أكان المنتفع غنياً أم فقيراً؛ لأن في إلزام الغني حمل الطعام والعلف من دار الإسلام إلى دار الحرب، مدة الذهاب والإياب والإقامة، حرجاً عظيماً، فكانت الحاجة عامة. ولا يباح لهم بيع شيء مما يباح الانتفاع به، إذ لا ضرورة إلى البيع، ولو باع أحدهم شيئاً رد ثمنه إلى الغنيمة، إن تم البيع قبل قسمة الغنية. أما بعد القسمة: فإن كان البائع غنياً تصدق بقية المبيع على الفقراء، لتعذر توزيعه على الغامين، وإن كان البائع فقيراً أخذ القيمة؛ لأن المبيع، لو كان موجوداً، لكان له حق أكله. وكذلك إذا فضل شيء من الطعام والعلف مع الغانمين بعد الإحراز بدار المرجعان السابقان للشافعية ( مغني المحتاج والمهذب )، المغني: ٤٢٢/٨ . (١) (٢) راجع فتح القدير: ٣١٠/٤، البدائع : ١٢٢/٧، تبيين الحقائق: ٢٥٢/٣. - ٤٥٨ - الإسلام، فإنه قبل القسمة يرد إلى الغنية إن كان حامله غنياً، وإن كان فقيراً يأكل منه . أما بعد القسمة: فإن كان حامل الطعام أو العلف غنياً، تصدق به على الفقراء إن كان موجوداً، وبقیمته إن کان ھالکاً، وإن کان فقیراً ینتفع به. فإن لم يفضل شيء في يد من أخذ الطعام والعلف قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنه لا يجوز الانتفاع بشيء من الغنيمة بعد الإحراز بدار الإسلام، لزوال المبيح، وهي الضرورة(١). وأما ما عدا الطعام والعلف من الأموال: فلا يباح للمجاهدين أن يأخذوا شيئاً منها، لتعلق حق الجماعة بها، إلا أنه إذا احتاج أحدهم إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب، لصيانة سلاحه ودابته وثيابه، فلا بأس باستعماله، فإن استغنى عنه رده إلى المغنم؛ لأن المحظور يستباح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها(٢). وإذا أراد المسلمون العودة إلى دار الإسلام ومعهم مواشي أو أسلحة، ولم يقدروا على نقلها إلى دار الإسلام، ذبحوا المواشي وأحرقوها بعد الذبح، وأتلفوا الأسلحة حتى لا يستفيد منها العدو. الحكم الثاني - كيفية ومكان قسمة الغنائم: إن كيفية توزيع الغنائم موضحة في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير) فتقسم الغنية خمسة أسهم: الخمس لمن ذكرتهم الآية والأربعة الأخماس للغانمين، وهذا ما بينه ابن عباس: قال: كان رسول الله ﴿قلّ إذا بعث سرية، فغنموا، تبيين الحقائق، المرجع السابق: ص ٢٥٢ وما بعدها. البدائع: ١٢٤/٧، الكتاب مع اللباب : ١٢١/٤ . (١) (٢) المراجع السابقة . - ٤٥٩ _ خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ... ﴾ الآية، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحداً، ولذي القربى، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل الأسهم الأربعة الباقية: للفرس سهمين، ولراكبه سهاً، والراجل سهاً(١). ويقول بعض العلماء: تقسم الغنيمة على ستة أسهم، منها سهم الكعبة. وقال الإمام مالك: إن أمر القسمة موكول إلى نظر الإمام، ومصروف في مصالح المسلمين. وما ذكر في الآية تنبيه على أهم من يدفع إليهم الخمس(١). وسهم الرسول مَ ◌ّه عند جمهور الفقهاء: كان يأخذ منه الرسول كفايته لنفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة، ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين العامة كشراء الأسلحة ونحوها، لقوله مطل: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ماتركناه صدقة))(٣). والصحيح عند الحنفية أن سهم ذوي القربى كان يصرف للفقراء منهم دون الأغنياء. وقال جمهور الفقهاء: يشترك الغني والفقير والنساء في سهم القرابة، لإطلاق الآية: ﴿ولذي القربى) ولأن النبي ◌ُّ أعطى العباس منه، وكان من أغنياء قريش، وكان الزبير يأخذ سهم أمه صفية عمة النبي ماته . ثم اختلف الناس في سهم الرسول پڼ وسهم ذي القربى بعد وفاته. (١) رواه البيهقي: والطبراني وفي سنده متروك (راجع سنن البيهقي: ٣٢٤/٦، مجمع الزوائد: ٣٤٠/٥ ، نصب الراية : ٤٢٦/٣ وما بعدها ، تلخيص الحبير « الطبعة المصرية : ٩٩/٣ وما بعدها ) . (٢) آثار الحرب : هامش ص ٦٢٩ . حديث متواتر مروي عن ثلاثة عشر صحابياً منهم : عمر الذي روى الحديث عنه مالك بن أوس بن الحدثان (٣) الذي روى حديثه الجماعة ، إلا ابن ماجه ، واللفظ المذكور عن أبي هريرة ( راجع النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد جعفر الكتاني: ص ١٣٨ ، جامع الأصول : ٣٠٠/٣ وما بعدها ، تلخيص الحبير ، الطبعة المصرية : ١٣٤/٣ ) . - ٤٦٠ -