Indexed OCR Text
Pages 421-440
فالحديثان الأولان وغيرهما يعتبران الدعوة إلى الإسلام شرطاً في جواز القتال، والحديثان الآخران يجيزان الإغارة على العدو بدون دعوة جديدة، نظراً لأنه سبق له بلوغ الدعوة، وإزاء هذا التعارض في الظاهر قال أرباب الرأي الأول والثاني: إن بعض الأحاديث ينسخ بعضها، أو يخصص الفعل بزمن النبوة. وقال الجمهور: يلجأ إلى الجمع والتوفيق بين الأحاديث؛ لأنه لا يلجأ إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة ، وأما ادعاء التخصيص فلا دليل عليه. فمن لم تبلغه الدعوة يجب دعاؤه إلى الإسلام، فإذا بلغته استحب ذلك(١). وعلى هذا فيجوز أن نبدأ العدو بالقتال والإغارة والبيات عليهم(٢)؛ لأنه قد وصلتهم أنباء الدعوة الإسلامية. من يقتل ومن لا يقتل من الأعداء: يجوز قتل المقاتلة الذين يشتركون في الحرب برأي أو تدبير أوقتال، ولا يجوز قتل غير المقاتلة من امرأة أو صبي أو مجنون أو شيخ هرم، أو مريض مقعد، أو أشل، أو أعمى، أو مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مقطوع اليد اليمنى، أو معتوه، أو راهب في صومعته، أو قوم في دار أو كنيسة ترهبوا، والعَجَزة عن القتال، والفلاحين في حرثهم إلا إذا قاتلوا بقول أو فعل أو رأي أو إمداد بمال، بدليل أن ربيعة بن رفيع السُّلَمي أدرك دريد بن الصِّمة يوم حنين، فقتله وهو شيخ كبير جاوز المائة، لا ينتفع إلا برأيه، فبلغ ذلك رسول الله عَّ ولم ينكر عليه(٣). ويجوز قتل المرأة إذا كانت مَلِكة الأعداء؛ لأن في قتلها تفريقاً لجمعهم، وكذلك إذا كان ملكهم صبياً صغيراً وأحضروه معهم في المعركة، لا بأس بقتله إذا كان في قتله تفریق جمعهم. (١) آثار الحرب : ص ١٥٣ وما بعدها . (٢) البيات - بفتحتين : الإغارة ليلاً ، يقال: بَيْت الأمر : دبره ليلاً . (٣) روي ذلك في الصحيحين عن أبي موسى ( نيل الأوطار : ٢٤٨/٧) . - ٤٢١ - وأما أدلة عدم جواز قتلهم إذا لم يقاتلوا: فمنها قوله تع الى: ((لا تقتلوا امرأة ولا وليدا))(١) وقد ثبت أن رسول الله ◌َ ◌ّ ((نهى عن قتل النساء والصبيان)) (٢). وقال لأحد صحابته: الحق خالداً فقل له: ((لا تقتلوا ذرّية ولا عسيفاً)) (٣). وعن ابن عباس أن النبي ◌ُؤالٍ كان إذا بعث جيوشه قال: ((لا تقتلوا أصحاب الصوامع))(٤). وعن أنس أن رسول الله ◌ُّ الِ قال: «انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلّوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين))(٥). هذا في حال الحرب والقتال. أما بعد انتهاء القتال وهو ما بعد الأسر والأخذ: فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال، وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل يباح قتله بعد الأخذ والأسر إلا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل، فإنه يباح قتلهما في حال القتال إذا قاتلا، ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال إذا أسرا، حتى وإن قتلا جماعة من المسلمين في القتال؛ لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة، فأما القتل في حال القتال فلدفع شر عالـ (١) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس ولفظه: (( .. ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً)» (راجع مجمع الزوائد : ٣١٦/٥) . رواه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر أنه قال: ((وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ◌َ ◌ّل ، فنهى (٢) الرسول مَّل عن قتل النساء والصبيان)). ورواه الموطأ أيضاً، وفي رواية لأحمد وأبي داود: ((ما كانت هذه لتقاتل)) ( راجع القسطلاني شرح البخاري : ١٤٢/٥، سنن ابن ماجه : ١٠١/٢ ، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: ٣١٩/٢، نيل الأوطار: ٢٤٦/٧، جامع الأصول: ٢٠٨/٣ وما بعدها، نصب الراية: ٣٨٦/٣ ، مجمع الزوائد : ٣١٥/٥ ) . رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن رباح بن ربيع ( نيل الأوطار ، المرجع (٣) السابق، جامع الأصول ، المرجع السابق، مجمع الزوائد: ص٣١٦٠، نصب الراية: ص ٣٨٨) والذرية: الولدان . والعسيف : الأجير . أخرجه أحمد عن ابن عباس ( نيل الأوطار، المرجع السابق : ص ٢٤٧ ). (٤) أخرجه أبو داود عن أنس، ( نيل الأوطار، المرجع السابق: ص ٢٤٦ ، سنن أبي داود : ٥٢/٣ ، والمراجع (٥) السابقة ) . - ٤٢٢ - المقاتل، فإذا وجد الشر منهما فأبيح قتلهما لدفع الشر، كما قال الكاساني(١). وينبغي للمسلمين ألا يغدروا (أي يخونوا بنقض العهد) ولا يغلّوا (أي يسرقوا من الغنية) ولا يمثّلوا بالأعداء: بأن يشقوا أجوافهم ويرضخوا رؤوسهم ونحو ذلك. قال بعض الحنفية: وإنما تكره المُثْلة بعد الظفر بهم، أما قبله فلا بأس بها(٢). هذا هو مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة والشيعة الزيدية والشافعي في أحد قوليه). وقال الشيعة الإمامية والظاهرية وابن المنذر والشافعي في أظهر قوليه: يجوز قتل ما عدا النساء والصبيان(٣). التدمير والتخريب: لا بأس عند الضرورة الحربية بإحراق حصون العدو بالنار، وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم، وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم، ونصب المجانيق(٤) ونحوها من مدافع اليوم على حصونهم وهدمها، لقوله تعالى: ﴿يُخرِبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين). ولأنه عليه الصلاة والسلام أحرق البويرة: وهي موضع بقرب المدينة، ولأن في إرسال الماء ونحوه كسر شوكتهم وتفریق جمعهم. ولا أس برميهم بالنبال ونحوها من وسائل القتال الحديثة، البرية والبحرية والجوية، وإن كان فيهم مسلمون من الأسارى والتجار؛ لأن رميهم ضرورة، ويقصد الكفار بالضرب لا المسلمين؛ لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق. وكذا يجوز ضرب الكفار إن تترسوا بأطفال المسلمين وأسراهم، للضرورة وسداً لذريعة الفساد التي قد تترتب على ترك قتلهم، لكن يقصد الكفار بالضرب كما (١) راجع البدائع: ١٠١٨٧ وفي شرح اللباب على الكتاب: ١٢٠/٤: لا بأس بقتل غير الصبي والمجنون بعد الأسر، لأنه من أهل العقوبة . (٢) راجع الموضوع في آثار الحرب : ص ٤٩٤ وما بعدها . (٣) راجع الموضوع في آثار الحرب : ص ٤٩٤ وما بعدها . المجانيق : جمع منجنيق ، وهي التي يرمى بها الحجارة . (٤) - ٤٢٣ - أشرنا . وإن أصيب مسلم فلادية ولا كفارة. ولا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار، لقوله عز له - فيما رواه مسلم عن عائشة - لرجل تبعه يوم بدر: ((ارجع فلن أستعين بمشرك))؛ ولأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار (١)، وقد أجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، وقيد الشافعية ذلك أيضاً بالحاجة؛ لأن النبي عَ لٍ - فيما رواه مسلم - استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، وتعاونت خزاعة مع النبي ◌ُ ◌ّ عام فتح مكة، وخرج قُزمان وهو من المنافقين مع الصحابة يوم أحد، وهو مشرك(٢). ما يجب على المجاهدين حال القتال : يجب على المجاهدين حال التحام القتال، وفي أثناء المعركة الثبات أمام عدوهم إذا غلب على ظنهم أنهم يقاومونهم، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً، لعلكم تفلحون﴾ وعلى المسلم أن يثبت أمام اثنين من الكفار، قال تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين﴾. فإن غلب على ظن المقاتلين المسلمين أنهم سيُغلبون ويقتلون، فلا بأس أن يفروا من عدوهم منحازين إلى فئة يستنصرون بها من المسلمين. ولا عبرة بالعدد، حتى إن الواحد، إذا لم يكن معه سلاح، فلا بأس أن يفر من اثنين مسلحين، أو من واحد مسلح، أو بسبب عجز لمرض ونحوه، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً، فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة، فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير﴾(٢). البدائع : ١٠٠/٧ وما بعدها ، الكتاب مع اللباب : ١١٧/٤ وما بعدها . (١) نيل الأوطار : ١٣٦/٧، القسطلاني شرح البخاري : ١٧٠/٥ . (٢) (٣) آثار الحرب : ص ٧٥٠ وما بعدها ، البدائع : ٩٨/٧ وما بعدها . - ٤٢٤ - ويؤيده ما روى ابن عمر قال: ((بعث رسول الله ◌ُ الّ سرية قِبَل نجد ، وأنا فيهم ، فحاص المسلمون حيصة ( يعني انهزموا من العدو) فلما قدمنا المدينة، قلنا: نحن الفرارون، فقال النبي ◌ُ في: بل أنتم العكارون(١) في سبيل الله، أنا لكم فئة، لترجعوا معي إلى الجهاد في سبيل الله))(٢)، فهذا إقرار من الرسول صلوات الله وسلامه عليه لفعل هذه السرية التي لم تستطع متابعة القتال أمام قوة الأعداء، وإن كانت حالة الحرب ما زالت قائمة معهم. ويحرم على المسلمين بيع أهل الحرب السلاح والكُرَاع (الخيول) ونحوها من وسائل القتال التي تقوي العدو كالحديد، ولا يتاجر بها إلى الأعداء(٣). لله تعالى لله العكارون : العطافون الراجعون إلى الجهاد مرة أخرى . (١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (جامع الأصول: ٢٢٢/٣، نيل الأوطار: ٢٥٢/٧). (٢) الكتاب مع اللباب : ٠١٢٣/٤ (٣) - ٤٢٥ - الفصل الثاني انتهاء الحرب بالإسلام أو بالمعاهدات ينتهي القتال بطرق متعددة منها اعتناق الإسلام، أو عقد معاهدة مع المسلمين أو بالأمان. المبحث الأول- انتهاء القتال بالإسلام: نتكلم عن طرق اعتناق الإسلام، وعن أحكام إعلان الإسلام في ظروف القتال. أما طرق اعتناق الإسلام، فمنها الصريح، ومنها الضمني، ومنها التبعي. فإعلان الإسلام صراحة: يكون بالنطق بالشهادتين أو بالشهادة مع التبري من عقيدته السابقة. والكفار في هذا الأمر أصناف أربعة: صنف ينكرون وجود الله وهم الدهرية، وصنف ينكرون وحدانية الخالق وهم الوثنية والمجوس، وصنف يقرون بوجود الله ووحدانيته إلا أنهم ينكرون النبوة والرسالة، وصنف ينكرون فقط رسالة سيدنا محمد مالٍ . فإن كان الكافر من الصنف الأول والثاني، فيكفي أن يقول ليُحكم بإسلامه: لا إله إلا الله، أو يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، بدليل قوله ◌ُ له: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))(١). (١) هذا حديث متواتر عن تسعة عشر صحابياً بألفاظ، منها: ما رواه مسلم والبخاري وأبو داود وغيرهم عن أبي = - ٤٢٦ - وعن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله مُ التّ يقول: من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)(١). وعن ثوبان مولى رسول الله تعٍ في قصة حبر من أحبار اليهود أنه قال للنبي: ((لقد صدقت، وإنك لنبي)) ثم انصرف(٢). وإن كان الكافر من الصنف الثالث: فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، وإنما لا بد من أن ينطق بالشهادة الأخرى، فيقول: أشهد أن محمداً رسول الله. وحينئذ یحکم یاسلامه. وإن كان من الصنف الرابع، فلا يكفيه النطق بالشهادتين، وإنما ينبغي عليه أن يتبرأ من الدين الذي عليه من اليهودية أو النصرانية. ولا يقبل إسلامه أيضاً إذا قال: أنا مؤمن، أو مسلم، أو آمنت، أو أسلمت؛ لأن اليهود والنصارى يدعون أنهم مؤمنون، أو مسلمون على النحو الذي هم عليه. هذا ما قرره الإمام محمد، وكان ذلك بحسب زمنه، أما الآن فالمفتى به ما قاله ابن عابدين : يكفي أن يقول اليهودي والنصراني: أنا مسلم؛ لأن اليهود والنصارى يمتنعون من قول: ((أنا مسلم)) فإذا قال أحدهم: «أنا مسلم)) فهو دليل إسلامه (٣). وأما الوثني مثلاً فيحكم بإسلامه إذا قال: أنا مسلم ونحوه، بدليل حديث المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، وقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمتُ = هريرة، ومنها : ما رواه الشيخان عن ابن عمر، ومنها : ما رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي عن أنس ، ومنها غير ذلك ( راجع العيني شرح البخاري : ٢١٥/١٤ ، شرح مسلم: ٢١٠/١ ، سنن البيهقي : ١٨٢/٩، نيل الأوطار: ١٩٧/٧ وما بعدها، نصب الراية: ٣٧٩/٣ ، النظم المتناثر: ص ٢٩). (١) أخرجه مسلم ( راجع شرح مسلم: ٢١٢/١ ، جامع الأصول : ١٦١/١ ) . (٢) أخرجه مسلم ( راجع صحيح مسلم : ٩٩/١ ) . رد المحتار على الدر المختار : ٣١٥/٣. (٣) - ٤٢٧ - لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله معت قل: لا تقتله(١). وأما إعلان الإسلام ضمناً: فمثل أن يصلي الكتابي أو المشرك مع جماعة من المسلمين؛ لأن الصلاة على هذه الهيئة لم تكن في شرائع من قبلنا، فكان ذلك دليلاً على الدخول في الإسلام. هذا عند الحنفية والحنابلة. وقال الشافعي: لا يحكم بإسلامه؛ لأن الصلاة ليست دليلاً على الإيمان حال الانفراد، فكذلك حال الاجتماع. وأما الحكم بالإسلام تبعاً: فهو أن الصبي يحكم بإسلامه تبعاً لأبويه عند وجودهما، أو وجود أحدهما، كما إذا أسلم أحد الأبوين، فالولد يتبع المسلم منها؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كما أنه يحكم بإسلامه أيضاً إذا سبي الصبي وحده، وأدخل في دار الإسلام فهو مسلم تبعاً للدار (٣). وأما الأحكام المترتبة على اعتناق الإسلام من قبل الكفار: فهي عصمة الدماء والأموال، لقوله سؤال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). وبناء عليه إذا أسلم أهل بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يتغلب عليهم المسلمون، حرم قتلهم ، ولا سبيل لأحد على أموالهم التي في أيديهم أو الودائع في بلاد الإسلام للحديث السابق، ولقوله عليه السلام: ((من أسلم على مال فهو له))(٣). فإن تغلبنا عليهم بالحرب، كان عقار من أسلم وزوجته وأولاده الكبار فيئاً للمسلمين؛ لأن العقار من جملة دار الحرب، وزوجته كافرة حربية لا تتبعه في (١) أخرجه البخاري ومسلم ( راجع شرح مسلم: ٩٨/٢ ، الإلمام: ص ٠٤٦٥). آثار الحرب: ص ٦٤٣ وما بعدها، البدائع: ١٠٢/٧ وما بعدها ، رد المحتار على الدر المختار: ٣١٦/٣ ، المغني : (٢) ١٤٣/٨. (٣) رواه البيهقي وأبو يعلى وأبو عدي في الكامل مرفوعاً عن أبي هريرة بلفظ: ((من أسلم على شيء فهو له)). ( راجع مجمع الزوائد : ٣٣٥/٥ ، سنن البيهقي: ١١٣/٩، نيل الأوطار: ١١/٨، نصب الراية: ٣١٠/٣). - ٤٢٨ - الإسلام، وكذا أولاده كفار حربيون، ولا تبعية لهم؛ لأنهم على حكم أنفسهم. كذلك يعصم الإسلام عند جمهور العلماء صغار الأولاد والحَمْل، إذا أسلم الأب أو الأم، سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام؛ لأن الطفل تابع لأبيه أو لأمه في الإسلام مطلقاً، إذ الولد يتبع خير الأبوين ديناً بالاتفاق. قال تعالى: ﴿والذين آمنوا واتَّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾. وقال الحنفية: إذا أسلم كافر في دار الإسلام لم يكن أولاده الصغار مسلمين بإسلامه، إذا كانوا في دار الحرب، لانقطاع التبعية بتباين الدارين، فكانوا من جملة الأموال يدخلون في الفيء. وأما الزوجة والأولاد الكبار: فقد اتفق أئمة المذاهب الأربعة والشيعة الإمامية والزيدية والظاهرية على أن إسلام الشخص لا يعصم زوجته ولا أولاده الكبار البالغين، إذ أن للزوجة والأولاد الراشدين حكم أنفسهم كفراً وإسلاماً، لقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ ﴿ كل امرئ بما كسب رهين﴾(١). المبحث الثاني - انتهاء القتال بالأمان نتكلم عن الأمان ببيان ركنه وشروطه وحكمه وصفته وما يبطل به ومكانه ومدته والمصلحة فيه . تعريف الأمان وركنه ونوعاه: الأمان في اللغة: ضد الخوف، وفي اصطلاح الشرعيين كما عرفه الشافعية: عقد يفيد ترك القتل والقتال مع الحربيين. وركنه: اللفظ الدال على الأمان، نحو قول المجاهد: أمنتكم أو أنتم آمنون، أو أعطيتكم الأمان، ونحوها . (١) آثار الحرب: ص ٦٥٠ - ٦٥٢ والمراجع المذكورة فيه . -- - ٤٢٩ - وهو إما عام أو خاص: فالعام: ما يكون لجماعة غير محصورين كأهل ولاية، ولا يعقده إلا الإمام أو نائبه، كعقد الهدنة وعقد الذمة؛ لأن هذا العقد من المصالح العامة التي يختص الإمام بالنظر فيها . والخاص: ما یکون للواحد أو لعدد محصور کعشرة فما دون . ولا يجوز لأکثر من ذلك كأهل بلدة كبيرة، لما فيه من افتئات على الإمام، وتعطيل للجهاد. وما نص عليه الحنفية من إعطاء الفرد حق تأمين أهل حصن أو مدينة لا دليل عليه؛ لأن الأحاديث الواردة في الأمان محصورة في حالات فردية معينة كما سنرى. والعام: إما مؤقت وهو الهدنة، أو مؤبد وهو عقد الذمة(١). شروط الأمان : اشترط الحنفية لصحة الأمان شروطاً أربعة(٢): ١ - أن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار في حال القوة. ٢ - العقل: فلا يجوز أمان المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقل شرط في أهلية التصرف. ٣ - البلوغ وسلامة العقل عن الآفات المرضية. ٤ - الإسلام: فلا يصح أمان الكافر ولو ذمياً، وإن كان يقاتل مع المسلمين ؛ لأنه متهم بالنسبة للمسلمين، فلا تؤمن خيانته، والأمان مبني على مراعاة مصلحة المسلمين، والكافر مشكوك في تقديره المصلحة. ولا تشترط الحرية، فيصح أمان العبد عند الجمهور، ولم يجز أبو حنيفة أمان آثار الحرب : ص ٢٢٥ وما بعدها ، ٢٨٥ وما بعدها . (١) (٢) البدائع: ١٠٦/٧، فتح القدير: ٢٩٨/٤ ، تبيين الحقائق: ٢٤٧/٣، الدر المختار : ٢٤٩/٣ . - ٤٣٠ - العبد المحجور عن القتال إلا أن يأذن له مولاه بالقتال؛ لأن الأمان عنده من جملة العقود، والعبد محجور عليه، فلا يصح عقده. وقال الصاحبان: يصح أمان العبد، لأنه مؤمن ذو قوة وامتناع يتحقق منه الخوف، والأمان يكون بسبب الخوف. وكذلك لا تشترط الذكورة، فيصح أمان المرأة لحديث: ((إن المرأة لتأخذ للقوم، يعني تجير على المسلمين))(١) وحديث: ((قد أجرنا من أجرت ياأم هانئ))(٢). ولا تشترط السلامة عن العمى والزمانة والمرض، فيصح أمان الأعمى والزمن والمريض. ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، والأسير فيها، والحربي الذي أسلم هناك؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون تقدير المصلحة في الأمان، ولأنهم متهمون في نظر المجاهدين لكونهم تحت سلطة العدو. وكذلك الجماعة ليست بشرط، فيصح أمان الواحد. ويوافق الحنفيةَ في أغلب هذه الحالات: جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية، فهم يرون أن الأمان يصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ولو كان عبداً لمسلم أو كافر، أو فاسقاً، أو محجوراً عليه لسفه أو تفليس، أو امرأة، أو أعمى، أو مقعداً أو زَمِناً أو مريضاً أو خارجاً على الإمام؛ لأن الخوارج مسلمون، قال علي رضي الله عنه: «إخواننا بغوا علينا)). والأدلة لما ذكر من القرآن والسنة والمعقول هي ما يأتي : رواه الترمذي عن أبي هريرة ، وقال : حسن غريب ( نيل الأوطار : ٢٨/٨) (١) (٢) حديث متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أم هانئ ( نيل الأوطار: ١٧/٨ ) - ٤٣١ - أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ والنص عام يشمل كل مسلم . وأما السنة: فقول الرسول مَ لٍ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً))(١)، وفي رواية ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم))(٣)، وقد أنفذ الرسول مؤاتل أمان أم هانئ لرجل أو رجلين من أحمائها قائلاً لها: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ))(٣) وكذلك أجاز الرسول عليه السلام أمان ابنته زينب لزوجها أبي العاص بن الربيع الذي كان قادماً بتجارة إلى المدينة، فأصابتها إحدى سرايا المسلمين(٤). وأما المعقول: فهو أن الواحد من المسلمين من أهل القتال والمنعة، فيخافه العدو، ويهتم هو بتحقيق مصلحة الجماعة الإسلامية، فيتم منه الأمان دون حاجة إلى إجازة الإمام؛ لأن فعله تصرف صدر من ذي أهلية له، ووقع في محله(٥). الصرف : التوبة أو الحيلة ، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه عن علي بن أبي طالب ، وأخرج (١) البخاري نحوه عن أنس بن مالك ، وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة ، وأخرجه غيرهم ( راجع نصب الراية : ٣٩٣/٣ وما بعدها، صحيح البخاري : ١٠٢/٤، القسطلاني: ٢٢٩/٥، ٢٣٦، منتخب كنز العمال من مسند أحمد : ٢٩٥/٢، نيل الأوطار: ٢٨/٨، مجمع الزوائد: ٢٨٣/٦، ٣٢٩/٥). (٢) معنى الحديث أن المسلمين يتساوون في القصاص والديات ، لافضل لشريف على وضيع ، وإذا أعطى أدنى رجل منهم أماناً فليس للباقين نقضه، ومعنى (( وهم يد )) أي يتناصرون على الملل المحاربة لهم . أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والموطأ والترمذي والبيهقي عن أم هانئ ( راجع العيني شرح البخاري : (٣) ٩٣/١٥، القسطلاني: ٢٢٨/٥، سنن أبي داود: ١١٢/٣، سنن البيهقي: ٩٤/٩، نصب الراية: ٣٩٥/٣، جامع الأصول : ٢٥٩/٣ ) . أخرجه الطبراني عن أم سلمة وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف ويؤيده أيضاً حديث رواه الترمذي (٤) وقال: حسن غريب عن أبي هريرة بلفظ: ((إن المرأة لتأخذ للقوم - يعني تجير على المسلمين)) (راجع نصب الراية: ٣٩٥/٣ وما بعدها، نيل الأوطار: ٢٨/٨، مجمع الزوائد: ٣٣٠/٥). (٥) راجع آثار الحرب : ص ٢٢٢، ٢٢٨ وما بعدها . - ٤٣٢ - حكم الأمان: يقتضي الأمان ثبوت الأمن والطمأنينة للمستأمنين، فيحرم قتل رجالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، واغتنام أموالهم، واسترقاقهم، ولا يجوز أيضاً ضرب الجزية عليهم؛ لأن فعل شيء مما ذكر غدر، والغدر حرام. ويشمل حكم الأمان نفس المستأمن، وأولاده الصغار، وماله عند الحنابلة والحنفية استحساناً؛ لأن الإذن بالدخول يقتضي ذلك. وقال الشافعية: يدخل في الأمان مال المستأمن وأهله بلا شرط إن كان الإمام هو الذي أعطى الأمان . ويرى الهادوية والمالكية: أن الأمان يتبع الشرط(١). رقابة الدولة: للإمام مراقبة كل أمان يصدر من الأفراد، وعلى التخصيص أمان المرأة والعبد والصبي ونحوهم، ولكن لا يتوقف عند أكثر الفقهاء نفاذ الأمان على إجازة الإمام. وقال ابن الماجشون وسحنون المالكيان: أمان المرأة موقوف على إذن الإمام. ورد عليهما بحديث عائشة - فيما رواه البيهقي وأبو داود والترمذي- ((إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين، فيجوز)) وفي رواية: ((أمان المرأة جائز إذا هي أعطت القوم الأمان)) وروى الترمذي عن أبي هريرة حديث: ((إن المرأة لتأخذ للقوم، يعني تجير على المسلمين)). صفة الأمان: يرى الحنفية أن الأمان عقد غير لازم، حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض نقضه؛ لأنه جوازه عندهم مشروط بتحقيق المصلحة، فإذا صارت المصلحة في النقض نقض، ونبذ للمستأمن، أي أُلقي إليه عهده(٢). راجع التفصيل في آثار الحرب : ص ٢٤٥ وما بعدها . (١) (٢) البدائع : ١٠٧/٧، البحر الرائق: ٨١/٥، مخطوط السندي: ٤٥/٨، فتح القدير: ٣٠٠/٤ ، الكتاب مع اللباب : ١٢٦/٤ . الفقه الإسلامي جـ ٦ (٢٨) - ٤٣٣ - ويرى جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية الزيدية أن الأمان عقد لازم من جانب المسلمين، ويبقى اللزوم مع بقاء عدم الضرر؛ لأن الأمان حق على المسلم، فليس له نبذه إلا لتهمة أو مخالفة(١). ما ينتقض به الأمان : إذا كان الأمان مؤقتاً إلى مدة معلومة ينتهي بمضي الوقت من غير حاجة إلى النقض. وإن كان الأمان مطلقاً غير محدد بوقت: فانتقاضه عند الحنفية إما بنقض الإمام، لكن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم، وإما بطلب العدو نقضه، وحينئذ يدعوهم الإمام إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى التعاقد بعقد الذمة، فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم قاتلهم ، احترازاً عن الغدر. وأجاز جمهور الفقهاء للإمام أن ينبذ عقد الأمان إذا حصل فقط ضرر للمسلمين لقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنین﴾(٢). عالـ مدة الأمان: إذا دخل الحربي إلى دار الإسلام مستأمناً، لم يمكّن من الإقامة فيها سنة فما فوقها، لئلا يصيرعيناً للأعداء وعوناً علينا. ويقول له الإمام أو نائبه إذا أمنه وأذن له في الدخول إلى دارنا : إن أقمت في دارنا تمام السنة وضعت عليك الجزية، فإن أقام تمام السنة أخذت منه الجزية، وصار ذمياً لالتزامه ذلك، ولم يترك بعدها أن يرجع إلى دار الحرب؛ لأن عقد الذمة لا ينقض. وإن عاد المستأمن إلى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمي، أو ترك ديناً في ذمة مسلم أو ذمي، فقد صار دمه مباحاً بالعود لبطلان أمانه، وما كان في دار راجع آثار الحرب ، والمراجع التي فيه : ص ٢٩٣ . (١) آثار الحرب : ص ٣٦١ ، البدائع ، المرجع السابق . (٢) - ٤٣٤ _ الإسلام من ماله، فهو موقوف (أي مجمّد بتعبير العصر). فإن أسر أوقتل، سقطت ديونه؛ لأن يد من عليه الدين أسبق إليه من يد الجماعة العامة، فيختص به، وصارت الوديعة ونحوها مما في دارنا فيئاً؛ لأنها في يده حكماً، فتصير فيئاً تبعاً لنفسه(١). المصلحة في الأمان : اشترط الحنفية والمالكية(٢): أن يكون الأمان لمصلحة؛ لأن الحرب مع العدو مستمرة. واكتفى الشافعية والحنابلة(٣) عدم وجود الضرر من الأمان ولا تشترط المصلحة. فلا يجوز الأمان لجاسوس ونحوه، إذ لاضرر ولا ضرار في الإسلام. مكان الأمان: دار الإسلام ؛ هي مكان الأمان إذا كان المؤمّن هو الإمام أو أمير الجيش، فللمستأمن التنقل في كل البلاد الإسلامية إلا إذا قيد الأمان في موطن معين أو كان القيد شرعياً، والقيد الشرعي مختلف في تحديده بين الفقهاء(٤)، ففي رأي أبي حنيفة: يجوز للكافر دخول أي مكان في دار الإسلام، حتى الحرم المكي والمسجد الحرام، فله الدخول والإقامة في حرم مكة والمسجد مدة مقام المسافر - ثلاثة أيام بلياليها - وأجاز الحنفية لغير المسلم دخول المساجد كلها ومنها المسجد الحرام، من غير إذن؛ لأنه ليس المراد من آية ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا كما كانوا يعملون في الجاهلية. (١) الكتاب مع اللباب : ١٣٥/٤ . فتح القدير: ٣٠٠/٤، الشرح الكبير: ١٨٥/٢، الشرح الصغير: ٢٨٦/٢ . (٢) (٣) نهاية المحتاج : ٢١٧/٧ ، مغني المحتاج : ٢٣٨/٤، كشاف القناع: ٩٧/٣ ، ط مكة. (٤) شرح السير الكبير: ٩٣/١، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١٧٦/٢، أحكام القرآن للجصاص: ٨٨/٣ ، مواهب الجليل الحطاب: ٣٨١/٣، الدردير مع الدسوقي: ١٨٥/٢، المهذب: ٢٥٧/٢، الأم: ١٠٠/٤، المغني : ٥٢٩/٨ . - ٤٣٥ - ومنع الشافعية والحنابلة غير المسلم، ولو لمصلحة من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد من المسجد الحرام: الحرم المكي بإجماع المفسرين، بدليل قوله تعالى عقب ذلك: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ والعيلة: هي الفقر بانقطاع التجارة حال المنع من دخول الحرم. ويمنع غير المسلمين أيضاً في هذين المذهبين من دخول الحجاز أو الاستيطان فيه إلا بإذن الإمام ولمصلحة المسلمين كحمل رسالة أو إدخال تجارة يحتاج إليها المسلمون، وذلك لمدة ثلاثة أيام فقط، ودليلهم حديث أحمد ومسلم والترمذي عن عمر: ((لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك إلا مسلماً)» والمراد من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة، كما حكى ابن حجر عن الجمهور، بدليل رواية أحمد: ((أخرجوا اليهود من الحجاز)» وبفعل عمر رضي الله عنه - فيما روى البخاري والبيهقي - حيث أجلى اليهود والنصارى من الحجاز فقط دون جزيرة العرب، وأقرهم في اليمن مع أنها من جزيرة العرب. وأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام، بأمان، لمدة ثلاثة أيام أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام، ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب (الحجاز واليمن) لعموم حديث عمر السابق: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً)) وحديث ابن عباس - فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجه أبو داود -: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) وحديث عائشة عند أحمد: ((لا يترك بجزيرة العرب دينان)) وحديث أبي عبيدة بن الجراح فيا يرويه أحمد والبيهقي: ((أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب)) وما أخرجه مالك عن الزهري مرسلاً: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) وأما حديث ((أخرجوا يهود أهل الحجاز)) فلا يصلح لتخصيص العام، لما تقرر لدى علماء أصول الفقه من أن التخصيص بموافق العام - ٤٣٦ - لا يصح، وعبارتهم هي: ((إفراد فرد من أفراد العام بحكمه لا يخصص العام)). المبحث الثالث - انتهاء الحرب بالهدنة: الكلام عن الهدنة أو الصلح المؤقت أو الموادعة يتناول البحث في ركنها وشرطها وحكمها وصفتها وما تنتقض به ومدتها . تعريف الموادعة وصيغتها: الموادعة: هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر، دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام(١). وعاقدها هو الإمام أو نائبه باتفاق الفقهاء، فإن عقدها أحد الأفراد، عدّ ذلك افتياتاً على الإمام أو نائبه، ولم يصح العقد عند الجمهور. ويصح عند الحنفية إذا تولاه فريق من المسلمين بغير إذن الإمام إذا توافرت المصلحة للمسلمين فيه؛ لأن المعول عليه وجود المصلحة، وقد وجدت، ولأن الموادعة أمان، وأمان الواحد كأمان الجماعة (٢). وصيغتها: لفظ الموادعة أو المسالمة أو المصالحة أو المعاهدة أو المهادنة ونحوها . وركنها: الإيجاب والقبول بين الإمام أو نائبه، وحاكم الأعداء. وشرطها: أن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار أقوياء؛ لأن الموادعة ترك القتال، فلا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال. والحقيقة أن هذا الشرط حالة من الحالات التي يطلب فيها باتفاق العلماء وجود المصلحة من عقد الهدنة، والمصلحة كما تتحقق حال ضعفنا، تتحقق بأغراض أخرى كرجاء إسلام الكفار، أو عقد الذمة، أو التعاون معهم لدفع عدوان غيرهم، أو لإقرار السلام، وتبادل المنافع راجع آثار الحرب ، والمراجع التي فيه : ص ٦٦٢ . (١) (٢) البدائع: ١٠٨/٧، الدسوقي: ١٨٩/٢، مغني المحتاج: ٢٦٠/٤، المغني: ٤٦٢/٨، الفروق: ٢٠٧/١ . - ٤٣٧ - الاقتصادية ونحوها(١)، قال تعالى: ﴿ولا تهنوا وتدعوا إلى السَّم وأنتم الأعلون، والله معكم﴾ وقال سبحانه: ﴿وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ وقد وادع رسول الله عائل أهل مكة عام الحديبية على إنهاء الحرب عشر سنين(٢). ولا بأس بأن يتم الصلح على عوض مالي يدفعه المسلمون إلى الكفار عند الاضطرار، أو يدفعه الأعداء للمسلمين إذا كان في الدفع مصلحة للمسلمين؛ لأن الله تعالى أباح لنا الصلح مطلقاً في قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ فيجوز ببدل أو بغير بدل، ولأن المقصود من الصلح هو دفع الشر والخطر، فيجوز بأية وسيلة، وهذا باتفاق الفقهاء(٣). حكم الهدنة: يترتب على الموادعة أو الهدنة إنهاء الحرب بين المتحاربين، ويأمن الأعداء - كما في عقد الأمان - على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم؛ لأن الموادعة عقد أمان أيضاً، وبناء عليه يجب كف أذانا أو أذى الذميين عنهم حتى يتأتى ناقض للعهد منهم(٤). صفة عقد الهدنة: يرى الحنفية أن الهدنة عقد غير لازم محتمل للنقض، فللإمام أن ينبذ عهد الكفار إليهم، كلما رأى في النبذ مصلحة للمسلمين، لقوله تعالى: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ فإذا بلغهم الخبر جاز بدؤهم بالقتال. آثار الحرب: ص ٦٦٩، البدائع ١٠٨/٧، فتح القدير : ٢٩٣/٤. (١) انظر المعاهدة في القسطلاني شرح البخاري: ٢٣٦/٥، العيني شرح البخاري : ١٣/١٤ وما بعدها ، شرح مسلم : (٢) ١٣٥/١٢ وما بعدها، نيل الأوطار: ٣١/٨ وما بعدها، نصب الراية: ٢٣٨٨/٣، أخرج الحديث أبو داود عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وأصله في البخاري ، وأخرج مسلم بعضه عن أنس ، ورواه أحمد والبيهقي . (٣) راجع آثار الحرب: ص ٦٧٠ ، البدائع، المرجع السابق: ص ١٠٩، الدر المختار: ٢٤٧/٣ ، اللباب شرح الكتاب : ١٢٠/٤ . آثار الحرب : ص ٦٨٢ ، ٦٨٦ . (٤) - ٤٣٨ - ولا بد من النبذ تحرزاً عن الغدر، ولا بد من تقدير مدة يبلغ خبر النبذ إلى جميعهم. ولا ينبذ إليهم إن بدؤوا بخيانة باتفاقهم؛ لأنهم صاروا ناقضين للعهد، فلا حاجة إلى نقضه. أما إن نقض جماعة منهم العهد، فإن كان نقضهم بإذن ملكهم، صاروا ناقضين للعهد؛ لأنه باتفاقهم معنى . وإن لم يكن نقضهم بإذن ملكهم، ودخلوا بلادنا، وقطعوا الطريق وكان لهم منعة، وقاتلوا المسلمین علانية، یکون فعلهم نقضاً للعهد في حقهم دون غيرهم. فإن لم یکن لهم منَعة، حوربوا، ولا یکون فعلهم نقضاً للعهد في حقهم(١). وقرر جمهور الفقهاء أن الهدنة عقد لازم لا يجوز نقضه إلا إذا وجدت خيانة، أو غدر من العدو، بقيام إمارات تدل عليه؛ وإن لم توجد فيجب الوفاء لهم بالعهد، كما هو مقتضى آية النبذ السابق ذكرها: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ... ﴾(٢). ما ينتقض به عقد الهدنة: قال الحنفية: إذا كانت الهدنة مؤقتة ينتهي العقد بانتهاء المدة المحددة دون حاجة إلى النبذ . 5 وإن كانت الهدنة مطلقة غير معينة المدة، أي متروكة لرأي الإمام: فإما أن تنتقض صراحة بنبذ العهد من المسلمين أو من غيرهم، وإما أن تنتقض ضمناً أو دلالة بأن يوجد من الأعداء ما يدل على النبذ كقطع الطريق من قبل جماعة من الكفار، یاذن ملیکھم. وفي الجملة: لا تنتقض الهدنة عند الحنفية إلا بخيانة العدو متفقين. والخيانة: كل (١) الكتاب مع اللباب : ١٢٠/٤ وما بعدها . (٢) البدائع : ١٠٩/٧ ، آثار الحرب: ص ٣٦١ وما بعدها . - ٤٣٩ - ما ناقض العهد والأمان مما هو شرط فيه أو جرى به العرف والعادة، مثل مقاتلة المسلمين أو مظاهرة عدو عليهم. وقال الجمهور: تنتقض الهدنة إذا نقضها العدو بقتال أو بمناصرة عدو آخر، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، أو بسب الله تعالى أو القرآن الكريم أو رسولهټێے، أو التجسس على المسلمين، أو الزنا بمسلمة ونحوها(١). واستدلوا على النقض بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ وقوله سبحانه: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) وقوله عز وجل: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم لعلھم ینتهون ﴾. ومن أدلة الجمهور أيضاً: ما روى البيهقي وغيره أنه لما نقضت قريش عهد النبي ◌َ فقل أي صلح الحديبية، خرج إليهم، فقاتلهم وفتح مكة، بسبب مظاهرة بعضهم لبعض(٢). ومن المعروف أن بني النضير لما أرادوا قتل رسول الله عائل بإلقاء الجدار عليه نقض عهدهم، كما روى البيهقي وغيره (٣). مدة الهدنة: اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لابد من أن يكون مقدراً بمدة معينة، فلا تصح المهادنة إلى الأبد من غير تقدير بمدة، وإنما هي عقد مؤقت؛ لأن الصلح الدائم يفضي إلى ترك الجهاد. ومع هذا الاتفاق فإنهم اختلفوا في المدة التي تجوز بها الهدنة . فقال الشافعية: إذا كان بالمسلمين قوة فتجوز الهدنة لمدة أربعة أشهر فما فوقها إلى البدائع : المرجع السابق ، آثار الحرب : ص ٣٨٠ وما بعدها . (١) (٢) رواه البيهقي عن مروان بن الحكم ، والمسور بن مخرمة ( نصب الراية: ٣٩٠/٣). وراجع شرح مسلم : ٩١/١٢ . (٣) - ٤٤٠ -