Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤ - رفع الدعوى إلى القضاء من أولياء القتيل؛ لأن القسامة يمين، واليمين
لا تجب بدون الدعوى، کما في کل الدعاوى.
واشترط المالكية والشافعية والحنابلة(١) اتفاق الأولياء على الدعوى، فإن
اختلفوا لم تثبت القسامة. وعبر الشافعية عن ذلك بقولهم: ألا تتناقض دعوى
المدعي، فلوادعى على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعى على آخر أنه شريكه أو أنه
القاتل منفرداً، لم تسمع الدعوى الثانية، لمناقضتها الدعوى الأولى(٣).
٥ - إنكار المدعى عليه؛ لأن اليمين وظيفة المنكر، فإن اعترف فلا قسامة.
٦ - المطالبة بالقسامة؛ لأنها أيمان، واليمين حق المدعي، وحق الإنسان يوفى عند
طلبه، كما في سائر الأيمان. ولهذا يختار أولياء القتيل من يتهمونه. ولو طولب من
عليه القسامة، فنكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يقر؛ لأن اليمين حق مقصود
بنفسه، لا أنه وسيلة إلى المقصود، وهو الدية، بدليل أنه يجمع بينه وبين الدية. قال
الحارث بن الأزمع لسيدنا عمر رضي الله عنه: ((أنبذل أيماننا وأموالنا؟ فقال: نعم)).
وذلك بخلاف اليمين في سائر الحقوق فإنها ليست مقصودة بنفسها، بل هي وسيلة إلى
المقصود، وهو المال المدعى، فلا يجمع بينهما، فلو حلف المنكر أو المدعى عليه برئ.
المغني: ٧١/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٧٠/٦، مغني المحتاج: ١١٠/٤، الدردير: ٢٨٨/٤.
(١)
هذا وقد اشترط الشافعية في كل دعوى بدم أو غيره كغصب وسرقة وإتلاف ستة شروط هي ما يأتي :
(٢)
وشركة وعدد الشركاء .
١ - أن يكون محل الدعوى معلوماً غالباً بأن يفصل المدعي ما يدعيه من عمد وخطأ وشبه عمد ، ومن انفراد
٣ - أن يكون موضوع الدعوى ملزماً، فلا تسمع دعوى هبة شيء أو بيعه أو إقراره به حتى يقول : وقبضته
بإذن الواهب ، ويلزم البائع أو المقر التسليم إلي .
٣ - أن يعين المدعي في دعواه المدعى عليه، واحداً كان أو جمعاً معيناً كثلاثة حاضرين .
٤ - أن يكون المدعي مكلفاً (بالغاً عاقلاً) حالة الادعاء ، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون ، ولا سكران متعدٍ
بسكره .
٥ - أن يكون المدعى عليه أيضاً مكلفاً مثل المدعي، فلا تصح الدعوى على صبي ومجنون .
٦ - ألا تتناقض دعوى المدعي (راجع مغني المحتاج: ١٠٩/٤ وما بعدها ) .
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٢٦)
- ٤٠١ -

٧ - أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل مملوكاً لأحد الناس، أو في حيازة
أحد، وإلا فلا قسامة ولا دية؛ لأن كل واحدة منهما تجب بترك الحفظ اللازم، فإذا لم
يكن المحل ملك أحد أو في يد أحد، لا يلزم أحد بحفظه، فلا تجب القسامة والدية.
وإنما تجب الدية في بيت المال؛ لأن حفظ المكان العام على العامة أو الجماعة، ومال
بیت المال مالهم.
وتطبيقات ذلك في الأمثلة التالية (١):
- إذا وجد قتيل في فلاة (صحراء أو برية) من الأرض، ليست ملكاً لأحد، فإن
كان موضعه في مكان يسمع فيه الصوت من قرية أو بلد، فعليهم القسامة. وإن كان
في مكان لا يسمع فيه الصوت، فلا قسامة فيه ولا دية على أحد. وإنما تؤخذ ديته من
بیت المال.
- إن وجد القتيل في وسط نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل، وكان يجري على
سطح الماء، فلا قسامة ولا دية على أحد؛ لأن النهر العظيم ليس ملكاً لأحد، ولا في
يد أحد. وإنما تجب الدية في بيت المال.
وأما إذا لم يكن يجري على سطح الماء، وكان محتبساً بالشاطئ (جانب النهر) أو
في جزيرة، فالقسامة على أقرب القرى من ذلك المكان إذا كانوا يسمعون الصوت؛
لأنهم مسؤولون عن نصرة هذا الموضع، وهو تحت تصرفهم، فكان في أيديهم.
وأما إن وجد في نهر صغير، فالقسامة والدية على أهل النهر؛ لأن النهر مملوك
لهم.
- ولا قسامة في قتيل يوجد في المساجد الجامعة العامة، أو الشوارع أو الجسور أو
(١) البدائع: ٢٨٩/٧ وما بعدها، اللباب: ١٧٤/٣ - ١٧٦، تكملة فتح القدير: ٣٩٢/٨ - ٣٩٦، الدر المختار:
٤٤٥/٥ وما بعدها ، ٤٤٨ .
- ٤٠٢ -

الأسواق العامة، أو في السجن؛ لأن هذه الأماكن ليست مملوكة لأحد، ولا في يد
أحد. والدية في بيت المال.
فإن كان في مسجد مَحلَّة، فالقسامة على أهلها .
- وإن وجد القتيل في سفينة، فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين؛
لأنها في أيديهم.
والسيارة أو العربة مثل السفينة .
وإذا وجد القتيل على دابة، ومعها رجل قائد أو سائق أو راكب، فالقسامة
عليه، والدية على عاقلته، دون أهل المحلة؛ لأنها في يده.
ومثله، لو وجد القتيل في دار إنسان : القسامة عليه، والدية على عاقلته.
فإن وجد على دابة تسير، وليست في يد أحد، فلا قسامة ولا دية، وإنما الدية
علی بیت المال.
- وإن وجد القتيل بين قريتين، بحيث يبلغ الصوت أهل كل منهما، ليتمكنوا
من النصرة، فالقسامة والدية على أقربها إليه.
5
والخلاصة : أن كل مكان يكون التصرف فيه لعامة المسلمين لا لواحد منهم ولا لجماعة
يحصون ، لاقسامة ولا دية على أحد، وإنما الدية على بيت المال؛ لأن الغرم بالغنم.
المطلب السادس - كيفية القسامة (صيغتها وحالفها):
اختلف الفقهاء فيمن يبدأ بحلف الأيمان الخمسين، هل المدعون أم المدعى عليهم؟
أ - فقال الحنفية(١): يبدأ بتحليف المدعى عليهم، كما هو الأصل في أن اليمين على
البدائع: ٢٨٦/٧، اللباب مع الكتاب: ١٧٢/٣، تبيين الحقائق: ١٧٠/٦.
(١)
٠
- ٤٠٣ -

المدعى عليه، ويتخيرهم ولي الدم؛ لأن اليمين حقه، فيختار من يتهمه بالقتل،
فيحلف كل واحد منهم: ((بالله ماقتلته، ولا علمت له قاتلاً)).
واستدلوا بما أخرجه البخاري عن سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار:
((أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة)) وفيه ((فقال رسول الله مع الله:
تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: مالنا بينة، قال: فيحلفون لكم، قالوا: ما نرضى
بأيمان يهود، وكره رسول الله القر أن يبطل دمه، فوداه بمائة بعير من إبل
الصدقة)»(١).
واحتجوا أيضاً بما أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن
رجال من الأنصار: ((أن رسول الله عَ اتّ قال ليهود، وبدأ بهم: يحلف منكم خمسون
رجلاً (أي خمسين يميناً) فأبوا، فقال للأنصار: احلفوا، فقالوا: نحلف على الغيب
يا رسول الله؟! فجعلها رسول الله { الم دية على بهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم))(٣).
واستدل الكاساني(٣) بما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي
مَّ، فقال: يا رسول الله، إني وجدت أخي قتيلاً في بني فلان، فقال عليه الصلاة
والسلام: اجمع منهم خمسين، فيحلفون بالله: ما قتلوه، ولا علموا له قاتلاً، فقال:
يا رسول الله، ليس لي من أخي إلا هذا؟ فقال: بل لك مائة من الإبل)»(٤) فدل
الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم، وهم أهل المحلة، وعلى وجوب الدية
عليهم مع القسامة .
فإن حلفوا قضي عليهم (أي على أهل المحلة) بالدية في القتل العمد، وعلى
عاقلتهم (عاقلة أهل المحلة) في القتل الخطأ.
(١)
نصب الراية : ٣٩٢/٤ .
نصب الراية ، المكان السابق ، قال ابن رشد في بداية المجتهد : ٤٢١/٢: وهو حديث صحيح الإسناد لأنه رواه
(٢)
الثقات عن الزهري عن أبي سلمة بن أبي عبد الرحمن .
(٣)
البدائع : ٢٨٦/٧ .
هذا الحديث غريب كما قال الزيلعي في نصب الراية : ٣٩٣/٤ وما بعدها .
(٤)
- ٤٠٤ -

وإن امتنع المدعى عليهم أو بعضهم عن الحلف، حبسوا حتى يحلفوا؛ لأن اليمين
فيه مستحقة لذاتها، تعظيماً لأمر الدم(١).
٣ - وقال المالكية والشافعية والحنابلة وداود الظاهري(٣): يبدأ المدعون أولياء
القتيل بالأيمان الخمسين، عملاً بحديث سهل بن أبي حثمة المتقدم وفيه: ((أتحلفون
خمسين يميناً، وتستحقون دم صاحبكم؟)) فيحلف كل ولي (بالغ عاقل) منهم أمام
الحاكم والمدعى عليه، وفي المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس: «بالله الذي
لا إله إلا هو: لقد ضربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان)). ويشترط أن تكون اليمين
قاطعة (على البت) في ارتكاب المتهم الجريمة .
ويشترط عند المالكية) أن تكون الأيمان متوالية، فلا تفرق على أيام أو
أوقات؛ لأن للموالاة أثراً في الزجر والردع.
ولا يشترط عند الشافعية على المذهب والحنابلة(٤) موالاتها؛ لأن الأيمان من
جنس الحجج، والحجج يجوز تفريقها، كما لو شهد الشهود متفرقين .
فإذا لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليه خمسين، وبرئ، فيقول: ((والله
ماقتلته، ولا شاركت في قتله، ولا تسببت في موته)» لقول النبي ے: «فتبرئكم يهود
بأيمان خمسین منهم» أي یتبرؤون منكم.
فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، برئ المتهمون، وكانت دية
القتيل في بيت المال عند الحنابلة(٥)، خلافاً للمالكية والشافعية.
البدائع: ٢٨٩/٧، اللباب مع الكتاب: ١٧٢/٣، تكملة فتح القدير: ٣٨٨/٨، تبيين الحقائق: ١٧٠/٦.
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٤٢١/٢، الدردير: ٢٨٩/٤ وما بعدها، ٢٩٣°، مغني المحتاج: ١١٤/٤ - ١١٦، المغني: ٦٨/٨،
٧٧ ، كشاف القناع: ٧٤/٦، القوانين الفقهية : ص ٣٤٨ .
(٣)
الدردير : ٢٩٣/٤.
(٤)
مغني المحتاج : ١١٥/٤، كشاف القناع : ٧٦/٦ .
(٥)
المغني : ٧٨/٨ .
- ٤٠٥ -

وإن نكل (امتنع) المدعى عليهم عن اليمين، ردت الأيمان عند الشافعية(١) على
المدعين، فإن حلفوا عوقب المدعى عليهم، وإن لم يحلفوا لا شيء لهم.
وعند المالكية(٢): من نكل من المدعى عليهم، حبس حتى يحلف أو يموت في
السجن، وقيل: يجلد مائة ويحبس عاماً .
ولا يحبس عليها عند الحنابلة(٣) كسائر الأيمان.
المطلب السابع - من تجب عليه القسامة (أو من يدخل القسامة):
تجب القسامة على الورثة كلهم عند بعض الفقهاء، وعلى بعض الورثة عند
آخرین.
آ - فقال الحنفية(٤): تجب أيمان القسامة على بعض الورثة وهم الرجال
البالغون، فلا قسامة على صبي أو مجنون أو امرأة؛ لأن سبب وجوبها هو التقصير في
النصرة، وعدم حفظ موضع القتل، وهؤلاء ليسوا أهلاً لذاك.
والصبي أو المجنون لا يدخل في القسامة في أي موضع وجد القتيل، سواء وجد في
غير ملكه، أو في ملكه. أما اشتراكه في الدية مع العاقلة فيدخل معها إن وجد القتيل
في ملكه؛ لأن وجوده في ملكه كمباشرته القتل، والصبي والمجنون مؤاخذان بضمان
الأفعال المالي.
والمرأة لا تدخل في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها. أما إن وجد
(١)
مغني المحتاج : ١١٦/٤ .
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٩٦/٤ ، القوانين الفقهية : ص ٣٤٨ .
(٣)
المغني : ٧٨/٨ .
البدائع: ٢٩٤/٧، تكملة الفتح: ٣٨٦/٨، ٣٨٩ وما بعدها، تبيين الحقائق : ١٧١/٦، الدر المختار : ٤٤٤/٦،
(٤)
٤٤٦ وما بعدها .
- ٤٠٦ -

في دارها أو في قرية لها، ليس بها غيرها، فعليها القسامة؛ لأنها أهل لليمين،
فتستحلف وتكرر عليها الأيمان في قول الطرفين (أبي حنيفة ومحمد). وقال أبو
يوسف: لاقسامة عليها، وإنما على عاقلتها؛ لأنها ليست من أهل النصرة.
وتدخل المرأة مع العاقلة في الدية في هذه المسألة، استثناء من نظام العاقلة.
ولا يحلف ولي القتيل مع أهل المحلة، ولا يقضى له بالجناية بيمينه؛ لأن اليمين
شرعت للدفع، لا للاستحقاق.
والقسامة والدية تجب على الأقرب من عاقلة من وجد القتيل فیھم، فرب الدار
وقومه أخص، ثم أهل المحلة، ثم أهل المصر. وقوم الشخص أو قبيلته يرتبون أيضاً:
الأقرب فالأقرب.
ولا يدخل عند أبي حنيفة ومحمد السكان ( كالمستاجرين والمستعيرين) مع الملاك
في القسامة؛ لأن المالك هو المختص بنصرة البقعة دون السكان. وقال أبو يوسف:
هي عليهم جميعاً؛ لأن ولاية التدبير تكون بالسكنى وبالملك.
والقسامة عند الطرفين على أهل الخطة(١) دون المشترين، ولو بقي من أهل
الخطة واحد. وقال أبو يوسف: الكل مشتركون؛ لأن ضمان الشيء إنما يجب بترك
الحفظ، ممن له ولاية الحفظ، والولاية تتحقق بالملك، والكل هنا ملاك. ويظهر أن
هذا الرأي في الظروف الحاضرة هو الأولى بالاتباع(٢).
(١) الخطة: ما اختط للبناء، والمراد هنا: ماخطه الإمام حين فتح البلدة وقسمها بين الغانمين . والمقصود بما خطه
الإمام : أي ما أفرزه وميزه من أراض وأعطاه لأحد الناس .
(٢)
قال ابن عابدين في رد المحتار : ٤٤٧/٥: والحاصل أنه إذا كان في محلة أملاك قديمة وحديثة وسكان ، فالقسامة
على القديمة دون أخويها ؛ لأنه إنما يكون ولاية تدبير المحلة إليهم . وإذا كان فيها أملاك حديثة وسكان فعلى
الحديثة . وإذا كان سكان فلا شيء عليهم . قال في شرح الطحاوي : قيل هذا في عرفهم ، وأما في عرفنا فعلى
المشترين ؛ لأن التدبير إليهم .
- ٤٠٧ -

وإذا حلف أهل المحلة وجبت الدية في مالهم إن كانت الدعوى في قتل عمد،
وعلى عواقلهم إن كانت في قتل خطأ.
وإذا كان مكان وجود القتيل مملوكاً تجب القسامة على الملاك، والدية على
عاقلتهم، وإذا لم يكمل أهل المحلة خمسين رجلاً، كررت الأيمان عليهم حتى يتم خمسون
يميناً؛ لأنها الواجبة بالسنة، فيجب إتمامها ما أمكن. ولا يبحث عن فائدة تكرار
الأيمان على هذا النحو، لثبوتها هكذا بالسنة.
٢ - والمالكية (١) فرقوا بين نوعي القتل: العمد والخطأ، فقالوا:
في الخطأ: يحلف أيمان القسامة ورثة القتيل، وإن كان الوارث واحداً أو امرأة
أو أخاً أو أختاً لأم، وإذا تعدد الورثة توزع الأيمان على قدر الميراث، ويجبر الكسر
واحداً على صاحب الكسر الأكثر، وينتظر حضور الغائب حتى يحلف، والصبي حتى
يبلغ، فيحلف حصته من أيمان القسامة فقط، وأخذ نصيبه من الدية. وإن نكل
ورثة المقتول خطأ حلفت عاقلة القاتل، كل واحد منهم يميناً واحدة. فإن لم يكن
عاقلة حلف الجاني الخمسين وبرئ، فإن نكل غرم حصته، وإن نكل بعض الورثة
حلف البعض الآخر جميع الأيمان، وأخذ حصته فقط من الدية.
ومن نكل من العاقلة يغرم حصته فقط من الدية للناكلين من ورثة القتيل.
وأما في القتل العمد: فيحلف العصبة من النسب، سواء ورثوا أم لا. ولا يحلف
أقل من رجلين منهم. ولا يحلف النساء في العمد لعدم قبول شهادتهن فيه. فإن لم
يوجد غير النساء، صار المقتول كمن لا وارث له، فترد الأيمان على المدعى عليه،
فيحلف خمسين يميناً أنه : ماقتل.
(١) الشرح الكبير: ٢٩٣/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٤٨ وما بعدها .
- ٤٠٨ -

٣ - وقال الشافعية(١): يشترك جميع الورثة رجالاً ونساءً في أيمان القسامة،
وتوزع الأيمان الخمسون عليهم بحسب أنصبائهم من الإرث. ويجبر الكسر للواحد.
٤ - وقال الحنابلة(٢): تختص الأيمان بالورثة الذكور المكلفين، وهم ذوو الفروض
والعصبات على قدر إرثهم إن كانوا جماعة، ويجبر الكسر واحداً، وإن كان الوارث
واحداً حلفها أي الخمسين يميناً، ولا يدخل في القسامة: النساء والصبيان والمجانين،
لقول النبي ◌ُ ◌ّ: ((يقسم خمسون رجلاً منكم، وتستحقون دم صاحبكم)) ولأن القسامة
حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة، ولأن الصبي أو المجنون
لا يثبت بقوله حجة، فلو أقر أحدهما على نفسه لم يقبل إقراره، فلأن لا يقبل قوله في
حق غيره أولى.
المطلب الثامن - ما يجب بالقسامة (أو الأثر المترتب عليها):
اتفق الفقهاء على أن الدية تجب بالقسامة على العاقلة في القتل خطأ أو شبه
عمد، مخففة في الأول، ومغلظة في الثاني .
أما في القتل العمد: فيرى الحنفية، والشافعية في المذهب الجديد(٣) : أنه لا يجب
القصاص، وإنما تجب الدية حالَّة في مال المقسم عليه (المتهم)، لخبر البخاري: ((إما أن
تدوا صاحبكم، أو تأذنوا بحرب)) فقد أطلق النبي عَ لّ إيجاب الدية، ولم يفصل بين
العمد والخطأ، ولو صلحت أيمان القسامة لإيجاب القصاص لذكره النبي مع الز، ولأن
القسامة حجة ضعيفة، مشتملة على شبهة؛ لأن اليمين تفيد غلبة الظن ، فلا توجب
القصاص، احتياطاً لأمر الدماء التي لا تراق بالشبهة، كالإثبات بالشاهد واليمين.
(١)
مغني المحتاج : ١١٥/٤ .
(٢)
كشاف القناع: ٧٤/٦ ، المغني : ٨٠/٨ .
تكملة فتح القدير: ٣٨٨/٨، الدر المختار ورد المختار: ٤٤٦/٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١٧٢/٣،
(٣)
مغني المحتاج : ١١٦/٤ وما بعدها .
- ٤٠٩ -

وقد روي إيجاب الدية عن عمر وعلي في قتيل وجد بین قریتین علی أقربها
إليه.
وقال المالكية والحنابلة(١): يجب القصاص بالقسامة في القتل العمد. لكن عند
المالكية: إذا تعدد المتهمون لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد. وعند الحنابلة:
لا قصاص إذا وجد مانع يمنع منه کعدم المكافأة. غير أن هذا القيد في کل قصاص.
واستدلوا على إيجاب القصاص بخبر الصحيحين: ((أتحلفون وتستحقون دم
صاحبكم)) أي دم قاتل صاحبكم(٢)، وفي رواية ((فيدفع إليكم برمته)) وفي لفظ مسلم:
((فيسلم إليكم))؛ ولأن القسامة حجة يثبت بها العمد أي القصد بالاتفاق، فیثبت بها
القصاص كشهادة الرجلين. وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول: ((أن النبي
راتم أقاد بالقسامة بالطائف)».
الله تعالى
بداية المجتهد : ٤٢٣/٢، الشرح الكبير للدردير: ٢٨٨/٤، ٢٩٧، كشاف القناع: ٧٦/٦، المغني: ٦٨/٨ وما
(١)
بعدها ، ٧٧ ، ٨٥ .
وأجاب الشافعي في الجديد عن الحديث بأن التقدير : بدل دم صاحبكم .
(٢)
- ٤١٠ -

الباب الرابع
الجهاد وتوابعه
يشتمل على أربعة فصول:
١ - حكم الجهاد وقواعده.
٢ - انتهاء الحرب بالإسلام أو بالمعاهدات.
٣ - حكم الأنفال والغنائم.
٤ - حكم الأسرى والسبي.
لله تعالى
- ٤١١ -

الله تعالى

الفصل الأول
حكم الجهاد وقواعده
يتكلم الفقهاء عادة عن العلاقات الدولية العامة والخاصة بين المسلمين وغيرهم فيما
يسمونه ((كتاب السير))(١). والسير: جمع سيرة، وهي السنة والطريقة، ويقصد بها
هنا سيرة الرسول ص لته في غزواته، وذلك يشمل البحث في حقيقة الجهاد والمكلفين
بالقتال وواجبات المسلمين قبل بدء المعركة وفي أثنائها وبعد انتهائها، وحكم
المعاهدات من أمان وهدنة وعقد ذمة، وحكم الأنفال والغنائم وكيفية تقسيم خمس
الغنية، وحكم أموال المسلمين التي استولى عليها الأعداء، وحكم الأسرى، وحكم
المرتدین .
وسأذكرهنا هذه الموضوعات مجملة؛ لأن تفصيلها يحتاج إلى مؤلف ضخم(٢).
معنى الجهاد: الجهاد لغة : بذل الجهد وهو الوسع والطاقة: مأخوذ من الجهد
بالضم، أو المبالغة في العمل: مأخوذ من الجهد بالفتح. واصطلاحاً عند الحنفية: هو
الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله بالمال والنفس، قال تعالى: ﴿انفروا خفافاً
وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾
السير: بكسر السين وفتح الياء. وللإمام محمد بن الحسن كتابان: ((السير الكبير)) و ((السير الصغير)) من
(١)
كتب ظاهر الرواية ، وقد وصفت بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب .
(٢)
انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي - رسالتنا التي حصلنا بها على درجة الدكتوراه في الحقوق بمرتبة الشرف
الأولى مع التبادل مع الجامعات الأجنبية ، ط ثالثة .
- ٤١٣ -

وقال سبحانه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في
سبيل الله، فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى
بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم﴾(١)
وعرفه غير الحنفية بما يقارب هذا التعريف، فقال الشافعية مثلاً: ((هوقتال
الكفار لنصرة الإسلام»(٣).
وأنسب تعريف للجهاد شرعاً أنه: بذل الوسع والطاقة في قتال الكفار
ومدافعتهم بالنفس والمال واللسان.
فضل الجهاد ومنزلته في الإسلام:
الجهاد في الإسلام ذروة سنامه، وسياج مبادئه، وطريق الحفاظ على بلاد
الإسلام والمسلمين. فهو من أهم مبادئ الإسلام العظمى؛ لأنه سبيل العزة والكرامة
والسيادة، لهذا كان فريضة محكمة، وأمراً ماضياً إلى يوم القيامة، وما ترك قوم الجهاد
إلا ذَلّوا وغُزوا في عقر دارهم وخذلهم الله، وسلط عليهم شرار الناس وأراذلهم.
قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ ﴿إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيَقْتلون ويُقْتلون، وعداً عليه
حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي
بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم﴾.
٠٠٠
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تبين فضل الجهاد، وأنه أفضل الأعمال عند
الله تعالى، سئل رسول الله مَ افي: ((أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله،
البدائع : ٩٧/٧، فتح القدير: ٢٧٦/٤ وما بعدها، الدر المختار: ٢٣٨/٣.
(١)
(٢)
حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب : ٣٩١/٢ ، وانظر آثار الحرب للمؤلف: ص ٣١ وما بعدها .
- ٤١٤ -

قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور))(١). وقال
النبي ظافر: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها))(٢).
والمجاهد الذي يجود أو يضحي بنفسه في سبيل الله، سبيل الجماعة والقيم العليا،
يتمتع بالخلود والرفعة والمكانة في تاريخ البشرية وعند الله تعالى حيث يجعله في
مصاف الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً،
بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحین بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم
يلحقوا بهم من خلفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
ولقد تمنى نبي الله أن يجوز درجة الشهادة في سبيل الله، فقال: «والذي نفس
محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل))(٣)
وقال: ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن))(٤). بل إن الشهيد نفسه يتمنى العودة إلى
دار الدنيا، قال النبي عليه: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له
ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات
لما يرى من الكرامة»(٥) .
٠
وقد عقد الرسول الكريم مقارنة دقيقة بين قتلى الحرب فقال (٦): ((القتلى ثلاثة
رجال: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى
يقتل، ذلك الشهيد الممتحن، في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة
النبوة . ورجل مؤمن قَرَف(٧) على نفسه من الخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(١)
رواه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه .
(٢)
(٣)
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
(٤)
رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه .
(٥)
راجع كتاب الجهاد لعبد الله بن المبارك: ص ٣٠ .
(٦)
قرف الذنب واقترفه : إذا كسبه وعمله .
(٧)
- ٤١٥ -

الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مصصة (١) محت ذنوبه وخطاياه، إن
السيف محَّاء للخطايا، وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم
سبعة أبواب، وبعضها أسفل من بعض. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله في سبيل
الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فذلك في النار، إن السيف لا يمحو
(٢)
النفاق)) (٢).
فريضة الجهاد:
إن لم يكن النفير عاماً: فالجهاد فرض كفاية، ومعناه أنه يفترض على جميع
من هو أهل للجهاد، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لقوله عز وجل :
﴿ فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلاًّ وعد الله
الحسنى﴾ فالله سبحانه وعد الحسنى كلاً من المجاهدين والقاعدين عن الجهاد، ولو
كان الجهاد فرض عين لما وعد القاعدين الحسنى؛ لأن القعود يكون حراماً.
وقوله سبحانه: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، ولأن المقصود من الجهاد - وهو الدعوة إلى
الإسلام، وإعلاء الدين الحق، ودفع شر الكفرة وقهرهم - يحصل بقيام البعض به، فإذا
قاموا به يسقط عن الباقين .
وإن ضعفوا عن مقاومة الكفرة، فعلى من يجاورهم من المسلمين، الأقرب،
فالأقرب: أن يجاهدوا معهم وأن يمدوهم بالسلاح والمال.
ولا يجوز للمرأة الاشتراك في الجهاد إلا بإذن زوجها؛ لأن القيام بحقوق
الزوجية فرض عين، كما لا يجوز الجهاد للولد بدون إذن أبويه أو أحدهما إذا كان الآخر
أي مطهرة من دنس الخطايا .
(١)
أخرجه من حديث عتبة بن عبد السلمي الدارمي ، والطيالسي ، وابن حبان والبيهقي وأحمد والطبراني ،
(٢)
ورجال أحمد رجال الصحيح خلا أبا المثنى ، المملوكي وهو ثقة .
- ٤١٦ -

ميتاً؛ لأن بر الوالدين فرض عين، فيكون مقدماً على فرض الكفاية .
وأقل الجهاد مرة في السنة كإحياء الكعبة، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ لا يرون أنهم
يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) قال مجاهد: نزلت في الجهاد ولفعله مع الإ منذ أمر
به(١) .
فإن كان النفير عاماً: كأن هجم العدو على بلد إسلامي: فالجهاد فرض عين
على كل قادر من المسلمين، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ قيل:
نزلت في النفير. وقوله عز وجل: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب
أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ فإذا عم النفير خرجت
المرأة بغير إذن زوجها، وجاز للولد أن يخرج بدون إذن والديه.
ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع
الأول - إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف
وتعين عليه المقام لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله
کثیراً﴾.
الثاني - إذا نزل الكفار ببلد، تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
الثالث - إذا استنفر الإمام قوماً، لزمهم النفير معه، لقول الله تعالى: ﴿ يا أيها
الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) ، وللحديث
المتفق عليه: ((إذا استنفرتم فانفروا)).
وهذا الحكم المذكور في فرضية الجهاد باتفاق الفقهاء(٢).
(١)
مغني المحتاج : ٢٠٩/٤ ، المغني : ٣٤٨/٨ .
(٢)
المغني : ٣٤٦/٨ .
البدائع: المرجع السابق: ص ٩٨ ، تبيين الحقائق: ٢٤١/٣، فتح القدير: ٢٧٨/٤، الدر المختار: ٢٣٩/٣،
(٣)
آثار الحرب : ص ٨٧ .
الفقه الإسلامي جـ٦ (٢٧)
- ٤١٧ -

شروط الجهاد: يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط(١): الإسلام، والبلوغ،
والعقل، والحرية، والذكورة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة.
فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع. وأما الحرية؛ فلأن
النبي ◌ُ ◌ٍّ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد.
وأما الذكورة فلحديث عائشة عند البخاري وغيره: قلت: يا رسول الله، نرى .
الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد: حج مبرور)). وأما
السلامة من الضرر أي العمى والعرج والمرض، فلقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى
حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج). وأما وجود النفقة فلقوله
تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون
حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها.
وهذا كان في الماضي، وأما في عصرنا فالدولة تمد المجاهد بالسلاح والنفقة.
المكلفون بالجهاد: يفترض الجهاد على القادر عليه، فمن لاقدرة له لا جهاد
عليه، فلا يطالب بالجهاد: الأعمى، والأعرج، والمريض مرضاً مزمناً أو غير مزمن،
والمقعد(٢) والشيخ الهرم، والضعيف والأقطع(٢) والذي لا يجد ما ينفق، والصبي، والمرأة
والعبد؛ لأن الأخيرين مشغولان بخدمة الزوج والسيد؛ ولأن الصبي غير مكلف،
وليس أهلاً للقتال، بدليل ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر قال: ((عُرضتُ على
رسول الله مز يل يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في المقاتلة)» الحديث.
وأما كون الباقين لاقتال عليهم فلعجزهم، وقد نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ ليس على
الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج ... ) الآية نزلت في
(١)
المغني : ٣٤٧/٨ .
(٢)
المقعد كما في المغرب : هو الذي أقعده الداء عن الحركة . وقيل: المقعد: المتشنج الأعضاء . والزمِن : الذي
طال مرضه .
(٣) هو المقطوع اليد .
- ٤١٨ -

أصحاب الأعذار حين همّوا بالخروج مع النبي ◌ُ ◌ّ حين نزلت آية التخلف عن
الجهاد. وقال سبحانه: ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون
ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾(١).
ولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها إلا أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، الصيرورة
القتال حينئذ فرض عين.
ما يجب قبل القتال : أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية
طاعته فيا يراه من ذلك، وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون
من بإزائهم من المشركين، ويأمر بإعداد الحصون وحفر الخنادق، وجميع المصالح.
ويؤمّر في كل ناحية أميراً يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد(٢). فإذا ساءت العلاقة بين
المسلمين وغيرهم من الكفار ووجدت دواعي القتال، وقرر الحاكم المسلم خوض المعركة
مع العدو، فيجب حينئذ إنذار العدو ياعلان الجهاد أو إبلاغ الدعوة الإسلامية.
وقد اختلف الفقهاء في حكم إبلاغ الدعوة على ثلاثة آراء:
الأول- يجب قبل القتال تقديم الدعوة الإسلامية مطلقاً، أي سواء بلغت
الدعوة العدو أم لا، وبه قال مالك والهادوية والزيدية، لقوله تعالى: ﴿ستُدعون
إلی قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسامون﴾.
الثاني - لا يجب ذلك مطلقاً، وهو رأي قوم كالحنابلة.
الثالث - تجب الدعوة لمن لم يبلغهم الإسلام، فإن انتشر الإسلام، وظهر كل
الظهور، وعرف الناس لماذا يُدعون، وعلى ماذا يقاتلون، فالدعوة مستحبة تأكيداً
المراجع السابقة ، البدائع: ص ٩٨ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ص ٢٤١ ، فتح القدير: ص ٢٨٣ ، الدر
(١)
المختار : ص ٢٤١ .
المغني : ٣٥٢/٨ .
(٢)
- ٤١٩ -

للإعلام والإنذار، وليست بواجبة، وهذا رأي جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية
والإباضية . قال ابن المنذر : هو قول جمهور أهل العلم ، وقد تظاهرت الأحاديث
الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ماظاهره الاختلاف من الأحاديث(١).
فمن الأحاديث التي توجب الإبلاغ: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:
((ما قاتل رسول الله من قوماًقط إلا دعاهم) (٣) وما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه، قال:
((كان رسول الله دائه إذا أمَّر أميراً على جيش أوسرية أوصاه في خاصیته بتقوى الله ومن
معه من المسلمين خيراً .. ثم قال : وإذا لقيت عدوك من المشر کین فادعهم إلى ثلاث خصال
أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم: أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك،
فاقبل منهم، وكف عنهم ... فإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف
عنهم، وإن أبوافاستعن بالله عليهم وقاتلهم ... )) الحديث(٣).
ومن الأحاديث التي لا توجب الإبلاغ أو الدعوة إلى الإسلام: ما روي عن
عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله مُ اته أغار على بني المصطَلِق وهم غارّون (أي
غافلون) وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم(٤). ومنها ما رواه
أسامة بن زيد أن رسول الله ماتر كان عهد إليه فقال: ((أغر على أبنى(٥) صباحاً،
وحرّق)»(٦) والغارة لا تكون مع الدعوة.
راجع آثار الحرب للمؤلف ، الطبعة الثانية: ص ١٥٢ وما بعدها ، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٣٥ .
(١)
(٢)
رواه أحمد والبيهقي وأبو يعلى والطبراني والحاكم وعبد الرزاق ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد : ٣٠٤/٥ ورجاله
رجال الصحيح ( راجع نيل الأوطار: ٢٣٠/٧ وما بعدها ، نصب الراية: ٣٧٨/٣ ).
رواه الجماعة إلا البخاري ، وصححه الترمذي ( راجع نيل الأوطار، المرجع السابق ، جامع الأصول :
(٣)
٢٠١/٣، نصب الراية: ٣٨٠/٣ ، سبل السلام: ٤٦/٤، الإلمام: ص ٤٨٤ ).
رواه أحمد والشيخان (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق: ص ٢٣٢، جامع الأصول: ٢٠٤/٣ ، نصب
(٤)
الراية: ص ٣٨١ ، سبل السلام: ص ٤٥ ، الإلمام: ص ٤٨٦ ) .
(٥)
أبنى - كحبلى : موضع بفلسطين بين عسقلان والرملة .
رواه أبو داود وابن ماجه (راجع سنن أبي داود: ٣٥٢/١، سنن ابن ماجه: ص ٢٠٩ ، نصب الراية: ٣٨٢/٣،
(٦)
نيل الأوطار : ٢٥٠/٧ ).
- ٤٢٠ -