Indexed OCR Text

Pages 321-340

على الغني من العاقلة: نصف دينار ذهب أو قدره، وعلى المتوسط(١) ربع دينار
أو ثلاثة دراهم، كل سنة من الثلاث السنوات؛ لأنها وجبت مواساة متعلقة بالحول،
فتتكرر بتكرره كالزكاة. فيصبح جميع ما يلزم الغني في الثلاث السنين ديناراً
ونصفاً، والمتوسط يلزمه نصف دينار وربع.
رابعا -هل تحمل العاقلة خطأ الحاكم ؟
تتحمل العاقلة الخطأ الشخصي للإمام والحاكم: وهو الذي لا صلة له بالحكم
والاجتهاد .
أما الخطأ الناجم عن الحكم والاجتهاد ففيه رأيان(٢):
قال الجمهور (الشافعية في قول راجح والمالكية والحنابلة): يجب على عاقلته
أيضا، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء، فأجهضت
جنينها، فقال عمر لعلي: عزمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك(٣)، أي
قريش، ولأن الحاكم جانٍ، فكان خطؤه على عاقلته كغيره.
وقال الحنفية(٤): عقل (أي تعويض) خطأ الحاكم في بيت المال؛ لأن الخطأ
يكثر في أحكامه واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته مجحف بهم ، ولأن الحاكم نائب
عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله، فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه. وهذا هو
رأي العز بن عبد السلام من الشافعية (٥).
الغني : هو من يملك فاضلاً عن نصاب الزكاة وهو عشرون ديناراً ، والمتوسط : من يملك عشرين ديناراً .
(١)
(٢)
المغني: ٧٨٠/٧ وما بعدها، ٨٣٣، المهذب : ١٩٢/٢، ٢١٢ ، مغني المحتاج: ٨١/٤، حاشية الدسوقي على الشرح
الكبير : ٢٥٢/٤، ٢٦٨.
رواه عبد الرزاق في مصنفه ( نصب الراية : ٣٩٨/٤ ) .
(٣)
الدر المختار: ٣٩٧/٥، مجمع الضمانات للبغدادي : ص ١٧٢، نظرية الضمان للمؤلف: ص ٣٢ وما بعدها .
(٤)
قواعد الأحكام : ١٦٥/٢، نظرية الضمان للمؤلف: ص٣٣٦ وما بعدها .
(٥)
- ٣٢١ -
الفقه الإسلامي جـ٦ (٢١)

خامساً -من هي العاقلة، وهل تتحمل الدية في العصر الحاضر؟
العاقلة: هي التي تتحمل العقل أي الدية، وسميت الدية عقلاً؛ لأنها تعقل
الدماء من أن تسفك، أي تمسكه، ومنه سمي العقل؛ لأنه يمنع القبائح.
واختلف الفقهاء في تحديد العاقلة على رأيين :
١ - فقال الحنفية(١): العاقلة: هم أهل الديوان (٣)، إن كان القاتل من أهل
الديوان، وهم الجيش أو العسكر الذين كتبت أساميهم في الديوان: وهو جريدة
الحساب. أو هم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين، أي أهل الرايات
والألوية، تؤخذ من عطاياهم أو من أرزاقهم (٣) لا من أصول أموالهم. بدليل فعل عمر
رضي الله عنه، فإن الدية كانت على أهل النصرة، وكانت بأنواع: بالقرابة، والحلف،
والولاء، والعقد، فلما دوّن عمر الدواوين جعل العقل (الدية) على أهل الديوان
بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم(٤).
وإن لم يكن القاتل من أهل الديوان، فعاقلته: قبيلته وأقاربه، وكل من
يتناصر هو بهم؛ لأنه يستنصر بهم. فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل
نسباً على ترتيب العصبات: الأقرب فالأقرب، فيقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم
بنوهم، وأما من لم يكن له عاقلة كاللقيط والحربي أو الذمي الذي أسلم فعاقلته بيت
المال في ظاهر الرواية. والقاتل داخل مع العاقلة، فیکون- كما بينا-فيما يؤدي مثل
الدر المختار: ٤٥٣/٥ وما بعدها ، البدائع : ٢٥٥/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٧٧/٦ وما بعدها، الكتاب مع
(١)
اللباب : ١٧٨/٣ وما بعدها .
الديوان : اسم للدفتر الذي يضبط فيه أسماء الجند وعددهم وعطاؤهم . وكان عمر أول من دون الدواوين في
(٢)
العرب .
(٣). العطاء: ما يعطى للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، لا بقدر الحاجة ، بل بصبره وعنائه في أمر
الدين . والرزق : ما يفرض للجندي في بيت المال ، بقدر الحاجة ، في كل شهر، أو مياومة كالرواتب اليوم .
راجع نصب الراية : ٣٩٨/٤ .
(٤)
- ٣٢٢ -

:
أحدهم؛ لأنه هو الجاني، فلا معنى لإخراجه، ومؤاخذة غيره، بل هو أولى بتحمل تبعة
فعله .
ولا يدخل في العاقلة آباء القاتل وأبناؤه(١) ولا الأزواج؛ لأنه لا يتحقق بهم
الكثرة، ولا النساء والصبيان والمجانين؛ لأن تحمل العاقلة تبرع بالإعانة، وهؤلاء
ليسوا من أهل التبرع.
ولا تتحمل العاقلة جناية العبد، والعمد، ولا ما لزم صلحاً ولا اعترافاً، لقول
الشعبي السابق ذكره، ولأنه لا يتناصر بالعبد، ولأن الإقرار مقصور على نفس المقر،
فلا يتعدى إلى العاقلة، إلا أن يصدقوه في إقراره، ولأن ما لزم بالصلح عن دم العمد،
يجب فيه القصاص، فإذا صالح عنه الجاني کان بدله في ماله.
كما لا تتحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً
كما بينا، وما نقص عن هذا المقدار، فهو في مال الجاني.
٢ - وقال جمهور الفقهاء (المالكية على المعتمد والشافعية والحنابلة)(٢): العاقلة: هم
قرابة القاتل من قبل الأب، وهم العصبة النسبية كالإخوة لغير أم والأعمام، دون أهل
الديوان، بدليل ما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ◌ُ ◌ّ قضى في المرأة
بديتها على عصبة القاتل(٣).
ويدخل عند المالكية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: الآباء والأبناء
(١)
رد المحتار : ٤٥٤/٥ ، وقيل : يدخل الآباء والأبناء .
(٢)
الشرح الكبير مع الدسوقي : ٢٨٢/٤، الشرح الصغير: ٣٩٧/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٤٧ ، بداية
المجتهد: ٤٠٥/٢، مغني المحتاج: ٩٥/٤ وما بعدها، المهذب: ٢١٢/٢، المغني: ٧٨٣/٧ - ٧٩١، كشاف القناع :
٥٨/٦ وما بعدها .
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ( نيل الأوطار: ٦٩/٧ ).
- ٣٢٣ -

خلافاً لما قال الحنفية؛ لأنهم أحق العصبات بميراث الجاني، فكانوا أولى بتحمل عقله
أي دیته.
واستثنى الشافعية كالحنفية الأصل من أب وإن علا، والفرع من ابن وإن
سفل؛ لأنهم أبعاض الجاني، فكما لا يتحمل الجاني الدية لا يتحمل أبعاضه وهم الآباء
والأبناء.
وروى النسائي: «لا يؤخذ الرجل بجريرة (أي جريمة) ابنه» وفي رواية لأبي
داود في خبر المرأتين اللتين اقتتلتا، من هذيل، السابق(١): ((وبرأ الولد)) أي من
العقل، وقيس به غيره من الأبعاض. وفيها أيضاً ((وبرأ زوجها)). ويقدم الأقرب
فالأقرب من العصبة: البنوة، ثم الأبوة عند من يدخلهم في العاقلة، ثم الأخوة، ثم
العمومة. وأعمام الأب ثم بنوهم مقدمون على أعمام الجد ثم بنوهم.
ومن لم تكن له عاقلة أديت ديته من بيت المال، لقوله مؤلفة: ((أنا وارث من
لا وارث له، أعقل عنه وأرثه))(٢). فإن فقد بيت المال فالواجب عند المالكية
والشافعية على الجاني، والجاني أحد العاقلة؛ لأن الدية عندهم تلزمه ابتداء، ثم
تتحملها العاقلة. وليس عند الحنابلة على القاتل في هذه الحالة شيء، كما أنه ليس
واحداً من العاقلة؛ لأن الدية عندهم لزمت العاقلة ابتداء.
وتوزع الدية على أفراد العاقلة قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم، صحيحهم
ومريضهم، ولو هرماً وزمِناً وأعمى؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ قضى في امرأة بني لَحْيان التي
(١) رواه أبو داود عن جابر، ونصه ((ان امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج
وولد، فجعل رسول الله وَاتّ دية المقتول على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها)» (نيل الأوطار:
٨١/٧ ) .
(٢)
أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان .
- ٣٢٤ _

توفيت بسبب الاعتداء عليها وعلى جنينها بأن العقل على عصبتها (١)، كما أن النبي
عَ التّ في حادثة أخرى قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها(٢).
ولا تؤخذ الدية من فقير من العاقلة ولا امرأة ولا صبي ولا زائل العقل؛ لأن
تحمل الدية للتناصر، والمواساة، والفقير لا يقدر على المواساة، وغيره ليس من أهل
النصرة .
ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جُنَّ قبل آخر الحول لم يلزمه شيء؛ لأنه مال
يجب في آخر العام على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة.
مصير نظام العواقل في الوقت الحاضر:
إن نظام العواقل مستثنى من القاعدة العامة في تحمل كل مخطئ وزر نفسه،
ولكن دون أن يلزم العاقلة شيء من ذنب الجاني أخروياً. والسبب في هذا الاستثناء
هو مواساة القاتل ومناصرته وإعانته والتخفيف عنه، ودعم أواصر المحبة والألفة
والإصلاح بين أفراد الأسرة، والحفاظ على حقوق المجني عليه حتى لا تذهب الجناية
عليه هدراً إذا كان القاتل فقيراً، وأغلب الناس فقراء، فكان في ذلك النظام عدالة
ومساواة في المجتمع، حتى لا يحرم أحد من التعويض بسبب فقر الجاني. ثم إن هذا
النظام فيه تقدير للباعث الذي يشاهد عند القاتل، إذ لولا استنصاره بأسرته
واعتماده على قوتهم لتثبت في الأمر ملياً، وصدرت أفعاله عن روية كاملة ووعي تام،
لذا اعتبر الفقه الاسلامي أن الجناية الواقعة منسوبة ضمناً إلى كل فرد من أفراد
العاقلة، فأوجبت الدية عليهم جميعاً(٣). وكان بذل المال من العاقلة بديلاً عن النصرة
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(٢) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
(٣)
راجع الجريمة والعقوبة لأستاذنا محمد أبي زهرة : ص ٤٢٣ وما بعدها ، المسؤولية الجنائية لأستاذنا الشيخ محمود
شلتوت: ص٣٨ ، التشريع الجنائي الإسلامي: ١٩٨/٢ وما بعدها، نظرية الضمان للمؤلف: ص ٢٨٩ .
- ٣٢٥ _
.... ... .
...........

التي كانت في الجاهلية، حیث کانت القبيلة تمنع الجاني وتحميه کیلا يدنو منه أولیاء
القتيل للأخذ بالثأر.
وبالرغم من كل هذه المزايا، فإن نظام العاقلة كان مناسباً للبيئة التي كانت فيه
الأسرة الواحدة متماسكة البنيان، متناصرة فيما بينها على السراء والضراء. أما وإنه قد
تفككت الأسر، وتحللت عرى الروابط بين الأقارب، وزالت العصبية القبلية، ولم
يعد الاهتمام بالنسب أمراً ذا بال، فلم يبق بالتالي محل لنظام العواقل، لفقدان معنى
التناصر بين أفراد الأسرة.
يرشد إليه أن نظام العاقلة تطور- في رأي الحنفية -من الأسرة إلى العشيرة،
فالقبيلة، ثم إلى الديوان، ثم إلى الحرفة(١) (أو النقابة في عصرنا) ثم إلى بيت المال.
وبما أن نظام العشيرة قد زال، وبيت المال قد تغير نظامه، واختلف النظام
الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض،
وصار كل امرئ معتمداً على نفسه دون قبيلته كما في النظام الحاضر، فإن دية القتل
الخطأ أو شبه العمد، أصبحت في زماننا هذا واجبة في مال الجاني وحده، وقد نص
عليه الحنفية(٢). وهذا موافق لرأي أبي بكر الأصم والخوارج الذين يجعلون الدية على
القاتل لا على العاقلة، أخذاً بعموم الآيات والأحاديث التي تقرر مبدأ المسؤولية
الفردية أو الشخصية عن الأفعال(٣). وهو أيضاً منسجم مع رأي باقي المذاهب الذين
قرروا وجوب الدية على الجاني إذا لم توجد له عاقلة ولم يوجد بيت المال.
!
قال الحنفية : لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة ( اللباب: ١٧٨/٣ ).
(١)
(٢)
الدر المختار ورد المختار : ٤٥٦/٥ .
(٣)
مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر: ١٢٣/٢.
- ٣٢٦ _

المطلب الثاني - العقوبة الأصلية الثانية : الكفارة:
القتل شبه العمد عند جمهور الفقهاء(١) القائلين به وهم غير المالكية: تجب فيه
كفارة؛ لأنه ملحق بالخطأ المحض في عدم القصاص، وتحمل العاقلة ديته، وتأجيلها
ثلاث سنين، فجرى مجرى الخطأ في وجوب الكفارة على الجاني.
والكفارة كما بينا في القتل العمد: هي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجدها في ملكه،
أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته لشراء الرقبة وإعتاقها، أو لم يجد الرقبة فعلاً، وجب
عليه صيام شهرين متتابعين، كما ورد في النص القرآني.
والمالكية(٢) يعتبرون شبه العمد مثل العمد لا يوجب كفارة.
النوع الثاني -العقوبة البدلية في القتل شبه العمد:
إذا سقطت الدية لسبب ما، حل محلها التعزير، وعلى الحاكم عند المالكية
٤
تعزير القاتل بما يراه مناسباً. وجمهور الفقهاء يتركون الخيار في التعزير للحاكم، كما
بينا في تعزير القاتل عمداً. وأما الصوم فهو خصلة من خصال الكفارة التي هي عقوبة
أصلية، ولكنها تأتي مُرتَّبة بعد العجز عن عتق الرقبة.
النوع الثالث - العقوبة التبعية في القتل شبه العمد:
يعاقب القاتل شبه العمد بعقوبتين أخريين عدا الدية، وهما الحرمان من
الميراث والحرمان من الوصية، على النحو المبين في جزاء القتل العمد، عملاً بعموم
حديثين هما: ((ليس للقاتل ميراث)) و((ليس لقاتل وصية)) لكن الأول صحيح
والثاني في سنده متروك يضع الحديث.
تكملة فتح القدير : ٢٥١/٨، البدائع: ٢٤٩/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٤٠٧/٥، مغني المحتاج : ١٠٧/٤ ،
(١)
المهذب: ٢١٧/٢، المغني: ٩٧/٨، كشاف القناع: ٦٥/٦ .
(٢)
الشرح الصغير للدردير: ٤٠٥/٤، بداية المجتهد: ٤٠١/٢، الشرح الكبير: ٢٦٦/٤.
- ٣٢٧ -

المبحث الرابع - القتل الخطأ وعقوبته:
القتل الخطأ كما عرفنا: هو ألا يقصد الضرب ولا القتل، مثل لو سقط على غيره
فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً، فهو نوع واحد عند الجمهور. ونوعان عند
الحنفية؛ لأنهم يعتبرون حالة سقوط النائم على غيره، مما جرى مجرى الخطأ.
ولا قصاص في الخطأ وشبهه باتفاق الفقهاء، وإنما له عقوبتان فقط:
أصلية: وهي الدية والكفارة، وتبعية: وهي الحرمان من الميراث والوصية.
وكذلك عقوبات القتل شبه الخطأ عند الحنفية هي مثل عقوبات الخطأ
(الكفارة، والدية على العاقلة، وحرمان القاتل من الميراث والوصية) وأما القتل
بالتسبب عند الحنفية كحافر البئر فله عقوبة واحدة هي الدية على العاقلة، ولیس
فيه كفارة ولا حرمان من الميراث والوصية(١)، وهو عند الجمهور كالقتل الخطأ.
أما الصيام فهو أحد خصلتي الكفارة المنصوص عليها في القرآن الكريم في آية
عقوبة القتل الخطأ: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى
أهله ... فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين .. ﴾ (النساء - ٩٢) وقد ذكر في الآية
ثلاث كفارات: الأولى بقتل المسلم في دار الاسلام خطأ، والثانية بقتله في دار الحرب
وهو لا يعرف إيمانه، والثالثة بقتل المعاهد وهو الذمي.
ولا تعزير في الخطأ باتفاق الفقهاء.
أما دية الخطأ فهي - كما بينا في العمد - خمسة أي تؤخذ أخماساً: ٢٠ بنت مخاض،
و٢٠ ابن مخاض، و٢٠ بنت لبون، و٢٠ حقه، ٢٠ جذعة، وهو مذهب الحنفية
والحنابلة. وجعل المالكية والشافعية عشرين بني لبون مكان ((عشرين بني مخاض)».
(١) تكملة فتح القدير : ٢٥٢/٨ وما بعدها .
- ٣٢٨ -

واستدل كل من الفريقين برواية عن ابن مسعود(١).
واتفق الفقهاء(٢) على أن دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً
بقضاء النبي ◌ُؤاّ بدية الخطأ على العاقلة(٣)، وبفعل عمر وعلي رضي الله عنهما بجعل
هذه الدية على العاقلة في ثلاث سنين(٤).
والتأجيل عند الحنفية يشمل ما تحمله العاقلة والجاني معاً، وأما عند الجمهور
فيجب حالاً كل مالا تحمله العاقلة؛ لأنه بدل متلف، فلزم حالا كقيم المتلفات . أما
الذي تحمله العاقلة فيجب مواساة، فلزم التأجيل تخفيفاً على متحمله غير الأصلي.
والسبب في إلزام العاقلة الدية: أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة،
قاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفاً
عنه؛ إذ كان معذوراً في فعله بسبب عدم قصده، وينفرد هو بالكفارة.
ولا تتغلظ دية الخطأ عند الحنفية والمالكية . وتتغلظ عند الشافعية والحنابلة في
حالات ثلاث، کما بينا في دية العمد .
وأما كفارة القتل الخطأ: فتجب في مال القاتل، ولا يشاركه في تحمل شيء
منها أحد(٥)؛ لأنه هو المتسبب بها، ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني،
ولا يكفر عنه بفعل غيره؛ لأنها عبادة(١). واتفق الفقهاء على وجوب كفارة القتل
راجع نيل الأوطار: ٧٦/٧ وما بعدها، نصب الراية: ٣٥٦/٤ - ٣٦٠.
(١)
المغني : ٧٧٠/٧ وما بعدها .
(٢)
(٣)
نيل الأوطار : ٨٠/٧ وما بعدها .
(٤)
نصب الراية: ٣٣٤/٤، ٣٩٩ .
المغني: ٧٧١/٧، ٩٢/٨، مغني المحتاج: ١٠٧/٤، البدائع: ٢٥٢/٧، الدر المختار: ٢٧٧/٥ ، الشرح الصغير:
(٥)
٤٠٥/٤ وما بعدها .
هذا ولم يبق في عصرنا بسبب إلغاء الرق الا صيام شهرين متتابعين كفارة عن القتل الخطأ ؛ لأن المقصود من
(٦)
الرقبة هو العتق، والله تعالى قال ((فمن لم يجد)) أي من لم يجد رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به
اليها من الثمن ، فعليه صيام شهرين متتابعين .
- ٣٢٩ -

الخطأ إذا لم يكن المقتول ذمياً ولا عبداً، وأوجبها الجمهور غير المالكية بقتل الذمي
أيضاً. وقال المالكية: لا تجب الكفارة في قتل الذمي؛ لأنه مهدر الدم في الجملة بسبب
كفره.
وأما الحرمان من الميراث والوصية: فقد سبق الكلام عنه في عقوبة القتل
العمد .
ـفـ
الله تعالى
- ٣٣٠ -

الفصل الثاني
الجناية على مادون النفس
الجناية على مادون النفس: هي كل اعتداء على جسد إنسان من قطع عضو، أو
جرح، أو ضرب، مع بقاء النفس على قيد الحياة.
وهي عند الحنفية (والمالكية الذين لا يقولون بشبه العمد): إما عمد أو خطأ.
والعمد : ما تعمد فيه الجاني الفعل بقصد العدوان، كمن ضرب شخصاً بحجر بقصد
إصابته. والخطأ: هو ماتعمد فيه الجاني الفعل دون قصد العدوان كمن يلقي حجراً
من نافذة فيصيب رأس إنسان فيوضحه، أو يقع نتيجة تقصير كمن ينقلب على نائم
فیکسر ضلعه(١).
ـعا
وليس فيما دون النفس عند الحنفية شبه عمد، وإنما هو عمد أوخطأ؛ لأن شبه العمد:
هو الضرب بماليس بسلاح أوما في حكمه، كالضرب بالمثقل من حجر أو عصا كبيرة.
فوجوده يعتمد على آلة الضرب ، والقتل هو الذي يختلف حكمه باختلاف الآلة، أما إتلاف
ما دون النفس فلا یختلفحكمه باختلافالآلة، وإنما ينظر فيه الى النتيجةالحاصلة، وهو
حدوث الإتلاف أو قصد الاعتداء، فاستوت الآلات كلها في دلالتها على قصد الفعل،
فكان الفعل إما عمداًأو خطأ فقط. وعقوبة شبه العمد عندهم هي عقوبة العمد، بدليل
قولهم: «ما یکون شبه عمد في النفس فهو عمد فیما سواها))(٣).
التشريع الجنائي الاسلامي : ٢٠٤/٢ .
(١)
تكملة فتح القدير: ٢٧١/٨، البدائع: ٢٣٣/٧، ٣١٠، اللباب مع الكتاب : ١٤٧/٣.
(٢)
- ٣٣١ -
٠٫٠

ويتصور الشافعية والحنابلة(١) شبه العمد فیما دون النفس، کان یضرب رأس
إنسان بلطمة، أو بحجر صغير لا يشج غالباً، فيتورم الموضع الى أن يتضح العظم.
ويقولون: ((لاقصاص الا في العمد، لا في الخطأ وشبه العمد)». وعقوبة شبه العمد
عندهم كعقوبة الخطأ .
والكلام في هذا الفصل على نوعي الجناية على مادون النفس عمداً أو خطأ في
مبحثين :
المبحث الأول - عقوبة الجناية العمدية على مادون النفس :
الجناية العمدية على مادون النفس: إما أن تكون على الأطراف بقطعها أو
تعطيل منافعها، أو تكون بإحداث جُرْح في غير الرأس وهي الجراح، أو في الرأس
والوجه وهي الشجاج.
والقاعدة المقررة في عقوبة هذه الجناية: هي(٢) أنه كلما أمكن تنفيذ القصاص
فيه (وهو الفعل العمد الخالي عن الشبهة) وجب القصاص، وكل مالا يمكن فيه
القصاص (وهو الفعل الخطأ، وما فيه شبهة) وجب فيه الدية أو الأرش.
وعلى هذا تكون - في الجملة - عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها): هو القصاص أو
الدية والتعزير، وعقوبة تعطيل منافع الأعضاء (إذهاب معاني الاعضاء) في الواقع
العملي: هو الدية، أو الأرش(٣). وعقوبة الجراح والشجاج: القصاص أو الأرش أو
حكومة العدل(٤).
مغني المحتاج: ٢٥/٤ ، كشاف القناع : ٦٣٨/٥ .
(١)
(٢)
البدائع: ٢٣٤/٧ ، تكملة فتح القدير : ٢٧٠/٨ .
الأرش : هو المال الواجب المقدر شرعا في الجناية على مادون النفس من الأعضاء .
(٣)
حكومة العدل : هي المال الذي يقدره القاضي بمعرفة الخبراء فيإ ليس فيه مقدار محدد شرعا كاليد الشلاء
(٤)
ونحوها مما ذهب نفعه ، والجرح والتعطيل ونحوهما .
- ٣٣٢ -

ففي هذا المبحث أربعة مطالب:
المطلب الاول- عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها):
الأطراف عند الفقهاء: هي اليدان والرجلان، ويلحق بها أو يجري مجراها
الأصبع، والأنف والعين والأذن، والشفَة والسن، والشعر والجفن ونحوها.
وعقوبة إبانة الأطراف: إما القصاص، أو الدية والتعزير بدلاً عنه، إذا امتنع
القصاص لسبب من الأسباب.
العقوبة الأصلية الأولى - القصاص:
يشترط لتطبيق القصاص في الطرف والجُرْح(١) ولغيرهما مما دون النفس،
الشروط العامة المشروطة للقصاص في النفس، ويضاف إليها شروط خاصة .
أما الشروط العامة: فهي عند الحنفية(٣) أن يكون الجاني عاقلاً بالغاً،
متعمداً مختاراً، غير أصل للمجني عليه، وكون المجني عليه معصوماً ليس جزءاً للجاني
ولا ملكه، وكون الجناية مباشرة لا تسبباً، وأن يكون القصاص ممكناً بإمكان الماثلة.
وأضاف الجمهور(٣) كما بينا في القتل العمد: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني،
ولا فرق عندهم بين أن تكون الجناية مباشرة أو تسبباً.
وبناء عليه تكون موانع القصاص العامة ما يأتي:
١ - الأبوة: يمتنع القصاص من الوالد لولده فيا دون النفس كالنفس الحديث
((لا يقاد الوالد بولده)) باتفاق المذاهب الأربعة، حتى عند الإمام مالك؛ لأن الضرب
الطرف : ماله حد ينتهي اليه كأذن ويد ورجل . والجرح بضم الجيم : هو أثر الجراحية . وليس المراد به نفس
(١)
الجرح بفتح الجيم ، لأنه هو الفعل .
(٢)
البدائع : ٢٩٧/٧ .
(٣)
الشرح الكبير للدردير: ٢٥٠/٤، مغني المحتاج: ٢٥/٤، المغني: ٧٠٣/٧، كشاف القناع: ٦٣٨/٥.
- ٣٣٣ -

عدوانا أي تعدياً لا على وجه اللعب أو التأديب الذي ينشأ عنه جرح، لاقصاص فيه
عنده؛ لأنه من الخطأ(١).
٢- انعدام التكافؤ: ينعدم التكافؤ بين الجاني والمجني عليه فيما دون النفس في
حالتين أو ثلاث عند الحنفية، وفي حالتين أخريين عند غير الحنفية (الجمهور).
أما حالتا انعدام التكافؤ عند الحنفية: فهما الاختلاف في الجنس، وعدم التماثل
العددي، فلا قصاص فيا دون النفس بين الرجل والمرأة(٢)؛ لأن الأطراف عندهم
كالأموال، واذا لم يتحقق التماثل بين دية المرأة والرجل، إذ أن ديتها نصف دية
الرجل، فلا تماثل بينهما في دية الأطراف، وإذا انعدم التماثل والمساواة بين أرشي المرأة
والرجل، امتنع القصاص بين طرفيها .
وإذا تعدد الجناة كأن قطعوا يد رجل أو أصبعه أو قلعوا سنه لاقصاص عليهم،
لعدم الماثلة بين الأيدي واليد، والمماثلة فيما دون النفس شرط أساسي للقصاص.
وعليهم دية الطرف المقطوع (٣).
وعند الجمهور: يقتص الرجل بالمرأة وبالعكس، وتقطع الأيدي الكثيرة باليد
الواحدة .
وأما حالتا انعدام التكافؤ عند الجمهور: فهما الحرية والإسلام كما في قصاص
النفس .
فلا قصاص بالقطع عندهم من الحر للعبد، ويقطع العبد بالحر، والعبد بالعبد.
ويقول الحنفية في هذا خلافاً لمبدئهم في القصاص بالنفس: لاقصاص مطلقا بين الحر
الشرح الكبير للدردير والدسوقي : ٢٤٢/٤، ٢٥٠ .
(١)
(٢)
تكملة فتح القدير : ٢٧١/٨ ، اللباب مع الكتاب : ١٤٧/٣ .
تكملة فتح القديرة: ٢٨٠/٨، البدائع : ٢٩٩/٧ .
(٣)
- ٣٣٤ -

والعبد، وبالعكس، ولا بين العبيد أنفسهم، لعدم التماثل، أو للتفاوت في القيمة؛ إذ أن
قيمة كل عبد تختلف عن قيمة غيره(١)، أي أن الحرية وعكسها العبودية حالة ثالثة لمنع
القصاص فيما دون النفس عند الحنفية.
ولا قصاص عند الجمهور فيما دون النفس من المسلم للذمي لكافر، ولكن يقطع
الذمي بالمسلم عند الشافعية والحنابلة، لعدم التكافؤ في النفس، ولا يقطع الذمي
بالمسلم عند المالكية؛ لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين،
ولا مساواة بين المسلم والكافر مطلقاً(٢).
٣- كون الاعتداء شبه عمد عند الشافعية والحنابلة: كأن يلطم شخص
غيره فيفقأ عينه، أو يرميه بحصاة فيشل يده، أو يحدث ورماً ينتهي بموضحة، فلا
قصاص عندهم في هذه الحالة، وإنما تجب الدية المقررة شرعاً للعين أو اليد.
ويقتص من الجاني عند المالكية والحنفية في هذه الحالة؛ لأن شبه العمد فيا
دون النفس له حكم العمد، لتوافر صفة الاعتداء، وما دون النفس يكفي فيه مجرد
قصد الاعتداء، والاعتداء بأي آلة أمر متصور ممكن، بعكس القتل، فلا يكون الا
بآلة مخصوصة، كما بينا سابقاً .
٤ - أن يكون الفعل تسبباً عند الحنفية: فهم يشترطون للقصاص
بالجناية على النفس أو مادون النفس أن تكون الجناية مباشرة لا تسببا كما أشرنا.
ويخالفهم الجمهور فيه.
٥ - أن تكون الجناية واقعة في دار الحرب عند الحنفية: فلا قصاص
عندهم في النفس أو ما دونها على جناية وقعت في دار الحرب لعدم ولاية الإمام
عليها، خلافاً لباقي الأئمة.
تكلة فتح القدير : ٢٧١/٨ وما بعدها ، اللباب مع الكتاب : ١٤٧/٣ .
(١)
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٥٠/٤ ، مغني المحتاج: ٢٥/٤ .
- ٣٣٥ _

٦ - تعذر استيفاء القصاص: يمتنع القصاص في النفس أو ما دونها عند
الفقهاء إذا لم يمكن الاستيفاء؛ لأن القصاص يتطلب الماثلة، فإذا لم يتحقق التماثل فلا
قصاص، وينتقل الى الدية (١). فلا تقطع إبهام اليد اليمنى ذات المفصلين من الجاني،
بقطعه إبهاماً ذات مفصل واحد من المجني عليه، لكونها كانت مقطوعة المفصل الأول
قبل الجناية، لعدم التماثل.
وأما الشروط الخاصة للقصاص في الجناية على مادون النفس : فهي
التي ترجع الى أساس واحد، وهو تحقيق التماثل. ومقتضاه تحقيق التماثل بين الجناية
والعقوبة في أمور ثلاثة: التماثل في الفعل، والتماثل في المحل (أو الموضع والاسم)
والتماثل في المنفعة (أو الصحة، والكمال)(٢). وأضاف الحنفية التماثل في الأرشين، وقد
سبق بيانه في مانع القصاص العام بسبب انعدام التكافؤ عندهم بين المرأة والرجل،
وبين الحر والعبد؛ لأن ما دون النفس عندهم له حكم الأموال؛ لأنه خلق وقاية
للنفس كالأموال، فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر في إتلاف الأموال.
والدليل على اشتراط التماثل: قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص) وقوله عز
وجل: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
بمثل ما اعتدى عليكم﴾ ولأن دم الجاني معصوم الا بمقدار جنایته، فما زاد عليها
معصوم يمنع التعرض له، فلا تصح الزيادة في القصاص على قدر الجناية(٣). وبناء
عليه تكون موانع القصاص الخاصة بما دون النفس ثلاثة هي :
١ - عدم التماثل في الفعل (أو عدم إمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة):
يشترط لجواز استيفاء القصاص: الأمن من الحيف (أي الجور والظلم)، ولا يؤمن من
البدائع : ٢٩٧/٧ وما بعدها ، المغني: ٧٠٣/٧، كشاف القناع: ٦٣٩/٥، المهذب: ١٧٨/٢ وما بعدها، الشرح
(١)
الكبير للدردير : ٢٥٠/٤ .
(٢)
البدائع : ٢٩٧/٧ وما بعدها، المغني: ٧٠٣/٧، كشاف القناع: ٦٣٩/٥ - ٦٥١.
(٣)
المغني : ٧٠٣/٧ .
- ٣٣٦ -

الحيف إلا إذا كان القطع في الأطراف من المفاصل كمفصل الزند أو مفصل المرفق أو
الكتف من اليد أو مفصل الكعب أو الركبة أو الورك من الرجل، أو كان له حد
ینتهي اليه کارن الأنف (وهو ما لان منه).
فإن كان القطع من غير مفصل، أو لم يكن له حد ينتهي اليه كالقطع من قصبة
الأنف، أو من نصف الساعد أو العضد أو الساق أو الفخذ، فلا قصاص عند الحنفية
والراجح عند الحنابلة(١)، وتجب دية اليد أو الرجل.
ويجب القصاص حينئذ عند المالكية(٢) كلما أمكن، ولم يحدث خطر أو خوف؛
لأن الماثلة مع الإمكان حق لله لا يجوز تركها لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾.
ويرى الشافعية(٣) أنه يقتص من أقرب مفصل الى محل الجناية دونه، ويعطى
المجني عليه حكومة (تعويض) الباقي لتعذر القصاص فيه، فإن قطع رجل يد آخر من
نصف الساعد، فللمجني عليه أن يقتص من الكوع (الرسغ)؛ لأنه داخل في جناية
يمكن القصاص فيها، ويأخذ الحكومة (التعويض) في الباقي؛ لأنه كسر عظم لا تمكن
المماثلة فيه، فانتقل الى البدل. وإن قطع رجل يدآخر من نصف العضد، فللمقطوع
أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة (التعويض) في الباقي، وله أن يقتص من
الكوع (الرسغ) ويأخذ الحكومة في الباقي؛ لأن الجميع مفصل واحد في الجناية،
وليس له الاقتصاص من الكوع اذا كان القطع من المرفق ؛ لأنه يتمكن من القصاص
في محل الجناية، أما في الحالة المتقدمة فلا يمكنه الاقتصاص في موضع الجناية.
ولاقصاص باتفاق الأئمة في كسر العظام كعظم الصدر أو الصلب أو العنق،
ويجب فيها الأرش كاملاً؛ لأن التماثل غير ممكن(٤).
(١)
البدائع : ٢٩٨/٧، كشاف القناع : ٦٣٩/٥ .
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٥١/٤ - ٢٥٣، ٢٥٥.
(٣)
مغني المحتاج: ٢٩/٤، المهذب: ١٨٠/٢.
البدائع: ٣٠٨/٧، الشرح الكبير للدردير: ٢٥٣/٤، المهذب: ١٧٨/٢، مغني المحتاج: ٢٨/٤.
(٤)
- ٣٣٧ _
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٢٢)

كما لاقصاص بالاتفاق فيما بعد (أو فوق) الموضحة من الشجاج؛ لأن الاستيفاء
دون حيف غير ممكن. ويقتص من الموضحة لإمكان القصاص، ولا يقتص فيما دون
الموضحة الا عند المالكية(١).
ولا قصاص في الضرب بالسوط والعصا واللطمة والوكزة اذا لم تترك أثراً؛ لأن
المماثلة فيها غير ممكنة(٢) وإنما فيها التعزير. واستثنى المالكية السوط، ففي الضرب به
قصاص. ويرى ابن القيم القصاص في اللطمة ونحوها .
٢ - عدم المماثلة في الموضع قدراً ومنفعة: فلا تقطع اليد بغير اليد،
ولا اليمنى باليسرى، ولا الإبهام أو السبابة بغيرها لعدم التجانس، ولا تقلع السن الا
بمثلها ثنية أو ناباً أو ضرساً، ولا الأعلى بالاسفل أو بالعكس، لاختلاف المنفعة(٢).
٣- عدم التماثل في الصحة والكمال: فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا
الرجل الصحيحة بالشلاء، ولا يؤخذ الكامل بالناقص كيد أو رجل كاملة بأخرى
ناقصة الأصابع. إلا أن الإمام مالك يرى قطع اليد أو الرجل الناقصة إصبعا بالكاملة
بلا غرم على الجاني، ولا خيار للمجني عليه في نقص الأصبع، فإن نقصت أكثر من
أصبع خير المجني عليه بين القصاص وأخذ الدية. وان نقصت يد المجني عليه أو رجله
أصبعاً يقتص من الجاني الكامل الأصابع، فإن نقصت أكثر من أصبع كأصبعين فأكثر
لا يقتص لها من يد أو رجل كاملة(٤).
البدائع: ٣٠٩/٧، الشرح الصغير: ٣٤٩/٤ وما بعدها، مغني المحتاج : ٢٦/٤، كشاف القناع: ٦٥٢/٥، الشرح
(١)
الكبير : ٢٥٢/٤ .
(٢)
البدائع : ٢٩٩/٧، الدردير في الكبير: ٢٥٢/٤، وفي الصغير: ٣٥٣/٤، مغني المحتاج : ٢٩/٤، كشاف القناع:
٦٤٠/٥، المغني: ٦٠/٨، إعلام الموقعين: ٣١٨/١.
البدائع: ٢٩٧/٧، الشرح الكبير للدردير: ٢٥١/٤ ، المهذب: ١٧٩/٢ وما بعدها ، كشاف القناع : ٦٤٦/٥ وما
(٣)
بعدها .
البدائع: ٣٠٠/٧ - ٣٠٣، الشرح الكبير للدردير: ٢٥٢/٤ - ٢٥٤ وما بعدها، المهذب: ١٨١/٢، كشاف
(٤)
القناع : ٦٤٩/٥ وما بعدها .
- ٣٣٨ -

وأحسن نموذج تطبيقي للقصاص فيا دون النفس هو قوله تعالى: ﴿ و کتبنا
عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالاذن،
والسن بالسن، والجروحَ قصاص﴾ [المائدة - ٤٥].
أداة القصاص فيما دون النفس :
لا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا بآلة يخشى منها الزيادة سواء
أكان الجرح بها أم بغيرها، وإنما يستعان بجرَّاح مختص يستخدم الموسى أو المبضع
الجراحي ونحوهما، ويطلب القصاص من الجاني في الجراحات بأرفق مما جنى به،
فإذا كان الجرح بحجر أو عصا اقتص منه بالموسى(١).
سراية القصاص فيما دون النفس :
السراية: هي حدوث مضاعفات أو آثار تترتب على تطبيق العقوبة الشرعية،
تؤدي الى إتلاف عضو آخر أو موت النفس البشرية. فإذا سرى الجرح الحاصل
بالقصاص من العضو الى النفس، فأدى للموت، سمي الفعل سراية النفس أو الإفضاء
للموت، واذا سرى الى عضو آخر، سمي الفعل سراية العضو.
وعلى هذا إذا اقتص من طرف الجاني، فسری القصاص الی النفس، ومات، فهل
هناك ضمان أم لا؟ فيه رأيان للفقهاء:
١ - قال أبو حنيفة(٢): إذا اقتص شخص من آخر لقطع يده، فقطع المجني عليه
يد الجاني، فمات من القطع، ضمن الدية؛ لأنه استوفى غير حقه، إذ حقه القطع.
وكذلك يضمن الأرش أي دية العضو اذا قطع شخص أصبعاً من يد رجل، فشلت
الکف، أو شلت أصبع آخر جنبها، فعلیه دیة الید.
البدائع : ٣٠٩/٧، الدسوقي على الدردير: ٢٦٥/٤، المهذب: ١٨٦/٢ ، المغني : ٧٠٤/٧ .
(١)
(٢)
البدائع: ٣٠٥/٧، ٣٠٧، تكملة فتح القدير: ٣١٩/٨، تبيين الحقائق: ١٣٦/٦.
- ٣٣٩ -

والقاعدة عنده فيه وفي أمثاله هي أن ((الجناية اذا حصلت في عضو، فسرت الى
عضو آخر، والعضو الثاني لاقصاص فيه، فلا قصاص في العضو الأول أيضا، ولكن
فيه الدية)) أي على العاقلة.
ولو كان الموت حادثاً بسبب التأديب، كالضرب الحاصل من الأب أو الوصي أو
المعلم، يضمن المتسبب الدية؛ لأن التأديب هو الفعل الذي يبقى فيه المؤدَب حياً
بعده، فاذا سرى، تبين أنه قتل، وليس بتأديب، فيسأل الفاعل ؛ لأنه متعد في فعله،
غير مأذون في القتل، أي أن الفاعل ضامن الدية في كل الحالات، سواء أكان عمله
مشروعاً أم غير مشروع.
وقال الصاحبان(١): لاشيء على المقتص في الحالة الأولى وهي قطع اليد
قصاصاً؛ لأن الموت حصل بفعل مأذون فيه، وهو القطع. كما لاشيء عليه في الحالة
الثالثة (التأديب)؛ لأن الفاعل مأذون في تأديب الصبي وتهذيبه، والمتولد من الفعل
المأذون فيه لا يكون مضموناً، كما لو عزر الإمام إنسانا فمات، أو قطع الحاكم يد
السارق، فمات.
وتجب دية اليد في الحالة الثانية (شل اليد) ولا قصاص.
٢ - وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): لاضمان على المقتص بسريان
القصاص الى النفس أو العضو، أو المنفعة؛ لأن السراية حصلت من فعل مأذون فيه،
مثل بقية الحدود، ويؤيده أن عمر وعلياً قالا: ((من مات من حد أو قصاص: لا دية
له، الحقُ قتَله)) (٣). وهذا موافق لرأي الصاحبين.
(١)
المراجع السابقة .
الشرح الكبير للدردير: ٢٥٢/٤، المهذب: ١٨٨/٢، ١٩٠، المغني : ٧٢٧/٧ .
(٢)
رواه سعيد بن منصور في سننه .
(٣)
- ٣٤٠ -