Indexed OCR Text
Pages 221-240
أنواع القتل : أولاً - يقول الحنفية(١): القتل خمسة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما جری مجرى الخطأ، والقتل بالتسبب. فالعمد: ما تعمد فيه القاتل ضرب غيره بسلاح، كالسيف والسكين والرمح والرصاص ، أو ما أجري مجرى السلاح في تفريق أجزاء الجسد، كالمحدد من الخشب ، والحجر ، والنار، والإبرة في مقتل. وذلك لأن العمد معناه القصد وهو أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه ولا معرفته، إلا بدليل يدل عليه، وهو استعمال الآلة القاتلة، فجعلت الآلة دليلاً على القصد، وأقيمت مقامه باعتبارها مظنة لوجوده، كما أن السفر مظنة المشقة . وشبه العمد عند أبي حنيفة : أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح، أي بما لا يفرق الأجزاء، كاستعمال العصا والحجر والخشب الكبيرين، أي أن القتل بالمثقل يعتبر شبه عمد؛ لأنه لا يقتل به غالباً، ويقصد به التأديب، والفتوى بقول الإمام. وقال الصاحبان : القتل بالمثقل كالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة عمد. وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالباً كالحجر والخشب الصغيرين ، أو كالعصا الصغيرة، أو اللطمة. وبناء عليه يكون الضرب بما لا يغلب فيه الهلاك كالعصا والحجر الصغيرين والسوط واللطمة متفقاً على كونه شبه عمد بين أئمة الحنفية الثلاثة. واختلفوا في الحجر الكبير والعصا الكبيرة ونحوهما، كالإلقاء من سطح أو جبل ولا يرجى منه النجاة، فهو شبه عمد عند أبي حنيفة، عمد عند الصاحبين. (١) تكملة فتح القدير: ٢٤٤/٨ وما بعدها، البدائع: ٢٣٣/٧، الدر المختار: ٣٧٥/٥، اللباب شرح الكتاب: ٠١٤١/٣ - ٢٢١ - والقتل الخطأ: هو الذي لا يقصد به القتل أو الضرب، وهو نوعان: ١ - خطأ في القصد أو ظن الفاعل: وهو أن يرمي شخصاً يظنه صيداً، فإذا هو إنسان، أو يظنه حربياً فإذا هو مسلم، أي أن الخطأ راجع إلى فعل القلب وهو القصد . ٢ - خطأ في الفعل نفسه: وهو أن يرمي غرضاً (الغرض: هو الهدف الذي يرمي إليه) أو صيداً، فيصيب آدمياً، أو يقصد رجلاً، فيصيب غيره، أي أن الخطأ راجع إلى أداة الرمي. وما أجري مُجرى الخطأ: هو المشتمل على عذر شرعي مقبول، كانقلاب نائم على آخر فيقتله. والقتل بالتسبب: هو الحادث بواسطة غير مباشرة، كمن حفر حفرة أو بئراً في غير ملكه، في طريق عام بغير إذن السلطات، فوقع فيها إنسان ومات، أو وضع حجراً أو خشبة على قارعة الطريق، فعثر به إنسان، فمات، ومثل شهود القصاص إذا رجعوا عن شهادتهم، بعد قتل المشهود عليه(١). ثانياً - يرى أكثر العلماء ومنهم الشافعية والحنابلة(٢): أن القتل ثلاثة أنواع: قتل عمد، وشبه عمد (٣)، وخطأ. والقتل العمد: هو قصد الفعل العدوان والشخص بما يقتل غالباً، جارحٍ، أو مثقل، مباشرة، أو تسبباً، كحديد وسلاح وخشبة كبيرة، وإبرة في مقتل، أو غير (١) البدائع : ١٣٩/٧ . (٢) مغني المحتاج: ٣/٤ ، المغني : ٦٣٦/٧ وما بعدها . سمي بذلك ، لأنه أشبه العمد في القصد ، ويسمى أيضاً خطأ عمد ، وعمد خطأ ، وخطأ شبه عمد . (٣) - ٢٢٢ - مقتل كفخذ وألية إن حدث تورم وألم واستمرا حتى مات، أو كأن قطع إصبع إنسان، فسرت الجراحة إلى النفس ومات. وشبه العمد: هو قصد الفعل العدوان والشخص بما لا يقتل غالباً، كضرب بحجر خفيف أو لكمة باليد، أو بسوط، أو عصا صغيرين أو خفيفين، ولم يوال بين الضربات، وألا يكون الضرب في مقتل، أو المضروب صغيراً أو ضعيفاً، وألا يكون حر أو برد مساعد على الهلاك، وألا يشتد الألم ويبقى إلى الموت. فإن كان شيء من ذلك فهو عمد؛ لأنه يقتل غالباً. ولا قصاص في شبه العمد، وإنما فيه دية مغلظة نبينها في بحث الديات. والخطأ: هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء لا للفعل، ولا للشخص، كأن وقع شخص على آخر فمات، أو رمى شجرة أو دابة، فأصابت الرمية إنساناً فمات، أو رمی آدمیاً فأصاب غيره فمات. وبما أن هذا التقسيم أشهر التقاسيم فإني سأعتمده في بحث أنواع القتل وعقوباته. ثالثاً - مشهور مذهب المالكية(١): أن القتل نوعان: عمد، وخطأ، لأنها المذكوران فقط في القرآن الكريم، لبيان حكم نوعي القتل، فمن زاد قسماً ثالثاً أو رابعاً زاد على النص، وأنكر مالك شبه العمد. أما العمد: فهو أن يقصد القاتل القتل مباشرة بضرب بمحدد أو مثقل، أو تسبباً بإحراق أو تغريق أو خنق، أو سُمّ أو غيرها، كمنع طعام أو شراب قاصداً به موته، فمات، أو قصد مجرد التعذيب، سواء بما يقتل غالباً أو بما لا يقتل غالباً، إن فعل ذلك لعداوة أو غضب لا على وجه التأديب. فإن كان القتل بسبب الضرب على وجه اللعب أو التأديب فهو من الخطأ، إن كان الضرب بنحو قضيب، لا بنحو سيف. (١) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ٢٤٢/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٤٤، بداية المجتهد: ٣٩٠/٢. - ٢٢٣ - وأما الخطأ: فهو ألا يقصد الضرب ولا القتل، كما لو سقط إنسان على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً . وشبه العمد: هو أن يقصد الضرب ولا يقصد القتل، والمشهور عندهم أنه كالعمد(١). ويلاحظ مما سبق أن الفقهاء اتفقوا على بعض حالات القتل العمد كالقتل بسلاح، وعلى حالة القتل الخطأ، واختلفوا في حالات ثلاثة: هي القتل شبه العمد، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب. كما يلاحظ أن الفقهاء اعتمدوا في إثبات العمد وشبهه والخطأ، على الآلة المستعملة في القتل باعتبارها دليلاً مادياً أو حسياً على توافر القصد أي (العمد) وعدم توفره. وفي عصرنا الحاضر حيث تعددت أساليب القتل، ينبغي البحث في ظروف القتل وملابساته، وفي قرائن الأحوال، للحكم على نية القاتل، أهو متعمد، أم مخطئ . المبحث الثاني - القتل العمد وعقابه تعال وفيه مطلبان - المطلب الأول - أركان القتل العمد. المطلب الثاني - عقوبات القتل العمد. المطلب الأول- أركان القتل العمد: للقتل العمد أركان ثلاثة: هي أن يكون القتيل آدمياً حياً معصوم الدم، وأن يحدث القتل نتيجة لفعل الجاني، وأن يقصد الجاني إحداث الوفاة (٢). (١) القوانين الفقهية : ص ٣٤٥ . (٢) التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم الاستاذ عبد القادر عودة : ١٢/٢ وما بعدها . - ٢٢٤ _ الركن الأول - القتيل آدمي حي معصوم الدم: القتل العمد الموجب للقصاص: هو الحادث اعتداء على آدمي حي معصوم الدم(١) على التأبيد، فلا قصاص بالاعتداء على غير الإنسان، أو على الميت الذي فارق الحياة، أو على غير معصوم الدم عصمة مؤقتة غير دائمة، كالمرتد أو الحربي(٣)، أو المستأمن(٣) في دار الإسلام؛ لأن المستأمن لم تثبت له عصمة مطلقة دائمة، وإنما عصمته مؤقتة أثناء إقامته في دار الإسلام، فهو في الأصل حربي، ودخل دار الإسلام لحاجة عارضة، ثم يعود إلى وطنه الأصلي، فكان في عصمة دمه شبهة الإباحة بالعود إلى دار الحرب، فلا يقتص من قاتله عمداً، وإنما يعزر، لافتئاته على مصلحة الحاكم. كذلك لاقصاص عند الجمهور بقتل الباغي(٤) لعدم العصمة، واعتقاد أهل العدل (جماعة المسلمين في دار الإسلام) إباحة دمه . وإباحة دمه عند غير الحنفية(٥) مقصورة على حالة الحرب الدائرة بين قومه والبغاة وبين أهل العدل. ويرى الحنفية أن عدم عصمة البغاة مطلقة في أي حال بمجرد البغي (١) وأساس العصمة عند الحنفية(٢): هو الوجود في دار الإسلام، فيعد المسلم والذمي والمستأمن معصوم الدم بسبب وجوده في دار الإسلام. أما الحربي أو المسلم في دار الحرب، فليس معصوماً، ولا عقاب على قاتله، لكونه في دار الحرب. البدائع: ٣٣٦/٧، ٢٥٢، الدر المختار: ٣٧٥/٥، اللباب شرح الكتاب : ١٤٣/٣، مغني المحتاج : ٨/٤ . (١) الحربي : عدو، وهو الذي ينتمي لدولة محاربة ، أو هو الذي بيننا وبين بلاده عداوة وحرابة، والإجماع على (٢) أنه مهدر الدم والمال ، أي مباح الدم والمال . (٣) المستأمن : هو من دخل دار الإسلام بأمان مؤقت فيا دون السنة . الباغي : هو أحد البغاة الخارجين على الإمام يبغون خلعه ، وكان لهم منعة وشوكة ، معتمدين على تأويل (٤) سائغ لنص شرعي . (٥) الشرح الكبير للدردير: ٣٠٠/٤، المهذب: ٢٢٠/٢، مغني المحتاج: ١٢٥/٤، المغني : ١١٣/٨. (٦) البدائع : ٢٣٦/٧ . تكملة الفتح : ٢٥٥/٨، البدائع: ٢٥٢/٧، اللباب مع شرح الكتاب : ١٤٤/٣ . (٧) الفقه الإسلامي جـ٦ (١٥) - ٢٢٥ _ وأما عند الجمهور غير الحنفية (١): فأساس العصمة هو الإسلام أو الأمان. فيعدّ المسلم والذمي والمستأمن والمهادن معصوماً، إما بسبب الإسلام بالنسبة للمسلم ولو كان في دار الحرب، أو بسبب الأمان بالنسبة لغير المسلم المعاهد، فلا تباح دماؤهم ولا أموالهم، ويعاقب قاتلهم على القتل العمد، إلا أنه لا يقتل المسلم بالكافر عندهم(٢) كما سنوضح فيما بعد، ويقتل قاتل المسلم ولو كان في دار الحرب. ويظهر أثر الخلاف بين الرأيين في قتل المسلم في دار الحرب. ووقت العصمة عند الحنفية: مختلف فيه بين الإمام وصاحبيه(٢). فأبو حنيفة: يرى أن وقت العصمة هو وقت الفعل أي فعل القاتل لا غير، فمن رمى إنساناً مسلماً فجرحه، ثم ارتد المجروح بعد الجرح، ومات وهو مرتد، لا يقتص منه؛ لأن فعل الجاني لا يصير قتلاً إلا بفوات حياة القتيل، وقد فاتت حياة المقتول في وقت لم يكن فيه معصوماً، فكان دمه هدراً، لكن على الجاني دية المقتول عند أبي حنيفة؛ لأنه يسأل عن الجرح الذي أحدثه في معصوم عند بدء فعله. وقال الصاحبان: وقت العصمة هو وقت الفعل ووقت الموت جميعاً؛ لأن للفعل تعلقاً بالقاتل والمقتول، فهو فعل القاتل، وأثره يظهر في المقتول بفوات الحياة، فلا بد من ملاحظة العصمة في الوقتين جميعاً، فلا قصاص على الجاني في المثال السابق ولا دية عليه عندهما. فالإمام وصاحباه اتفقوا على عدم القصاص واختلفوا في إیجاب الدية. وقال زفر: إن وقت العصمة هو وقت الموت لا غير. كذلك اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في تحديد وقت العصمة عند الرمي . فقال الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي : ٢٣٩/٤، مغني المحتاج : ١٤/٤، المغني : ٦٤٨/٧. (١) (٢) المغني : ٦٥٢/٧ . البدائع : ٢٥٣/٧، التشريع الجنائي الإسلامي: ٢٣/٢ وما بعدها . (٣) - ٢٢٦ - أبو حنيفة: العبرة بوقت الرمي لا وقت الإصابة، لأن الإنسان يسأل عن فعله، ولا فعل منه سوى الرمي . وقال الصاحبان: العبرة بوقت الإصابة لا وقت الرمي؛ لأن المعول عليه هو وقت التلف، ووقت التلف هو وقت الإصابة. ۔۔ فمن رمى غيره برصاصة، فارتد المرمي بعد الرمي وقبل الإصابة، يكون الجاني مطالباً بالدية عند أبي حنيفة؛ لأنه كان معصوماً عند الرمي، وليس مطالباً عند الصاحبين؛ لأن المجني عليه لم يكن معصوماً وقت الإصابة. واتفق غير الحنفية (مالك والشافعي وأحمد)(١) مع الصاحبين في رأيها بتحديد وقت العصمة، وهو وقت الفعل (ضرباً أو جرحاً) ووقت الموت معاً، أي حال البدء وحال الانتهاء، فيشترط كون المجني عليه معصوماً من حين الضرب أو الجرح إلى حين الموت. فلو قطع شخص يد مسلم، فارتد، ثم مات بسراية الجرح، فالنفس هدر، أي لم يجب في النفس قصاص ولا دية ولا كفارة؛ لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون . لكن اختلف غير الحنفية في تحديد وقت العصمة حالة الرمي، فقال المالكية والشافعية: إنه وقت الرمي. وقال الحنابلة: إنه حالة الإصابة. الركن الثاني - القتل نتيجة لفعل الجاني: لا تعد الجريمة قتلاً إلا إذا ارتكب الجاني فعلاً من شأنه إحداث الموت. فإن حدث الموت بفعل لا يمكن نسبته إلى الجاني، أو لم يكن فعله مما يحدث الموت، فلا يعد الجاني قاتلاً. (١) الشرح الكبير للدردير: ٢٣٨/٤ وما بعدها، ٢٤٩، مغني المحتاج: ٢٣/٤، المغني: ٦٥٣/٧ - ٦٥٦. - ٢٢٧ - والفعل القاتل يصح أن يكون ضرباً أو جرحاً، أو ذبحاً أو حرقاً أو خنقاً أو تسميماً أو غير ذلك(١). ونبحث في هذا الركن أمرين: أداة القتل، والأفعال المكونة للقتل العمد. أداة القتل: تختلف أدوات القتل قوة وضعفاً في مدى التأثير على الجسم والتأثر بها، لذا حدد الفقهاء لكل منها حكماً وأثراً معيناً، واختلفوا فيما بينهم في ترتيبها كما أشرنا في بيان أنواع القتل إجمالاً . أولاً - رأي الحنفية(٢): اشترط أبو حنيفة في أداة القتل العمد: أن تكون مما يقتل غالباً، ومما يعد للقتل، وهي كل آلة جارحة أو طاعنة ذات حد لها مَوْر في الجسم، أي تفرق أجزاء الجسم، سواء أكانت من الحديد أو الرصاص أو النحاس، أو الخشب المحدد أو الحجر المحدد ، أو نحوها كالسيف والبندقية والسكين والرمح ، والإبرة في مقتل، أم ما يعمل عمل هذه الأشياء في الجرح والطعن، كالنار والزجاج وليطة القصب(٣) والمروة المحددة(٤)، والرمح الذي لا سنان له ونحوها. وسواء أكان الحديد وشبهه من المعادن مما له حد يبضع (يقطع الجلد ويشق اللحم) بضعاً، أم هو مثقل ليس له حد يرض رضاً، كالعمود وصنجة الميزان وظهر الفأس والمروة، ونحوها . (١) التشريع الجنائي ، عودة : ٢٥/٢ . البدائع : ٢٣٣/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٩٧/٦ وما بعدها ، تكملة فتح القدير : ٢٤٤/٨ ، الدر المختار ورد (٢) المختار : ٣٧٥/٥ . الليطة : قشر القصب اللازق به . (٣) المروة : حجر أبيض براق يقدح به النار . (٤) - ٢٢٨ - أما أداة القتل شبه العمد: فهي كل آلة تقتل غالباً، ولكنها ليست جارحة ولا طاعنة كالخشبة الكبيرة، والحجر الثقيل، ويقصد به غير القتل كالتأديب ونحوه، فإن قصد به الإتلاف فهو عمد. ودليل الإمام قوله عليه السلام: ((ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتلُ السوط أو العصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها))(١). واتفق أبو حنيفة مع صاحبيه على أن القتل شبه عمد في حالتين وهما : ١ - أن يقصد الجاني القتل بعصا صغيرة أو بحجر صغير أو بلطمة، أو بسوط ضرب به ضربة أو ضربتين ولم يوال الضربات، ونحوها مما لا يقتل غالباً. ٢ - الضرب بالسوط الصغير الذي يوالي به الضربات حتى يموت المجني عليه. وقيل في الحالة الثانية عند الصاحبين: إنها عمد محض. واختلف الإمام مع صاحبيه في حالتين أخريين هما: ١ - استعمال العصا الكبيرة والحجر الكبير والمدقة الكبيرة ونحوها. ٢ - الإلقاء في بئر أو من سطح أو جبل، ولا يرجى منه النجاة. فعند الإمام: هما شبه عمد. وعند الصاحبين: هما عمد. قال الحنفية(٢): والصحیح قول الإمام، وبه يفتى في شبه العمد . أما التغريق في الماء القليل وموت الغريق، فليس عمداً ولا شبه عمد، باتفاق الحنفية . (١) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن عبد الله بن عمرو . (٢) رد المحتار: ٣٧٦/٥، اللباب شرح الكتاب : ١٤٢/٣، تبيين الحقائق : ١٠١/٦. - ٢٢٩ _ ثانياً - مذهب الشافعية والحنابلة: اكتفى الشافعية والحنابلة(١) في تحديد أداة القتل العمد: بأن تكون مما يقتل غالباً، سواء أكان القتل بمحدد أم بمثقل. والمحدد: هو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين ونحوهما من أي معدن کحدید ورصاص ونحاس وذهب وفضة، أو غير معدن کزجاج وحجر وقصب وخشب له حد قاطع. والمحدد لا ينظر فيه إلى غلبة الظن في حصول القتل، بدليل مالوقطع شحمة أذنه أو أغلته فمات، كان عمداً. والمثقل: هو ماليس له حد يجرح ولا سن يطعن، كالعصا والحجر، فإن كان المثقل مما يقتل غالباً، أي يغلب على الظن حصول الموت به عند استعماله، كان القتل عمداً موجباً للقصاص. وإن كان المثقل مما لا يقتل غالباً، كان القتل شبه عمد موجباً للدية. وبناء عليه يكون القتل عمداً إذا استعمل الجاني سلاحاً نارياً أو سلاحاً أبيض كالسيف ونحوه، أو معدناً أو غير معدن له حد جارح يقطع الجلد واللحم، أوله مور(٣) وغور في الجسم كالمسلّة والنشاب، أو الإبرة المغروزة في مقتل. أو استعمل ما يقتل غالباً كالعصا الغليظة والعمود والخشبة الكبيرة والحجر، أو كانت الأداة مما تقتل كثيراً كالعصا والسوط والحجر الصغير، واللكزة واللطمة، إذا كرر الضرب بما ذکر حتى قتله، أو ضربه في مقتل أو کانت تقتل نادراً في بعض الظروف کما في حال ضعف المضروب لمرض أو صغر، أو في زمن حرأو برد مفرط، أو اشتد الألم وبقي إلى الموت. فإن استعمل الجاني أداة لا تقتل غالباً كالضرب بالسوط أو العصا الخفيفين، ولم يوال الضربات، ولم يكن الضرب في مقتل، أو المقتول صغيراً أو ضعيفاً، ولم يكن في (١) مغني المحتاج: ٣/٤ - ٤، المهذب: ١٧٥/٢، المغني: ٦٣٧/٧ - ٦٤٠، كشاف القناع: ٥٨٧/٥. أي يفرق أجزاء الجسد . (٢) - ٢٣٠ - حر أو برد معين على الهلاك، ولم يشتد الألم ويستمر إلى الموت، كان القتل شبه عمد. ودليل الشافعية والحنابلة: هو نفس الحديث الذي استدل به الحنفية وهو ((ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل)) وقالوا: إن الحديث محمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط، وقرن به الحجر، فدل على أنه أراد ما يشبههما. واستدلوا أيضاً بحديث آخر: «إن جارية وجدت، وقد رض رأسها بین حجرین، فقيل لها: من فعل بك هذا، أفلان أو فلان، حتى سمي بهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله مفع برض رأسه بالحجارة))(١) قالوا: فثبت القصاص في هذا أي في المثقل، بالنص، وقيس عليه الباقي، مما يدل على شرعية القصاص في القتل بالمثقل. ثالثاً - مذهب المالكية: إن أداة القتل العمد عند المالكية(٢): هي كل آلة يقتل بها غالباً كالمحدد مثل السلاح، والمثقل مثل الحجر، أو ما لا يقتل بها غالباً كالعصا والسوط ونحوهما، سواء قصد الجاني بالضرب قتل المجني عليه، أو لم يقصد قتلاً، وإنما قصد مجرد الضرب، أو قصد قتل شخص معتقداً أنه ((زيد)) فإذا هو ((عمرو)): إن حصل الضرب لعداوة أو غضب لغير تأديب، ففي كل ذلك القَوَد (٣). ويعتبر كالضرب: الإحراق أو التغريق أو الخنق أو التسميم، أو منع الطعام أو الشراب، سواء قصد الموت أم مجرد التعذيب. فإن كان الضرب على وجه اللعب أو التآدیب، فهو قتل خطأ، إن كان بنحو (١) رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه . وهو دليل أيضاً على أنه يقتل الرجل بالمرأة ، وعليه إجماع العلماء . ودليل أيضاً على أنه يجوز القود بمثل ماقتل به المقتول ، وإليه ذهب الجمهور . (٢) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ٢٤٢/٤ ، القوانين الفقهية: ص ٣٤٤ . القود : القصاص ، وسمي بذلك ؛ لأن الجاني المقتص منه كانوا في الغالب يقودونه بشيء يربط به أو بيده ، (٣) كالحبل وغيره ( المغني: ٦٨٣/٧، رد المحتار: ٣٧٦/٥). - ٢٣١ - قضيب (أي عصا)، لا بنحوسيف، وكما لوسقط على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً . وهذا في غير الأب، وأما الأب فلا يقتل بولده، ما لم يقصد إزهاق روحه، كأن یضجعه ویذبحه . وبه يتبين أن القتل عند مالك نوعان فقط كما بينا سابقاً: عمد، وخطأ، وليس هناك ما يسمى ((شبه العمد)) فقد أنكره مالك، وقال: ((ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا)» وجعله من قسم العمد . الأفعال المكونة للقتل العمد : القتل العمد الموجب للقصاص في الجملة، مع اختلاف الفقهاء في بعض أنواعه: هو تسعة أقسام(١)، أبحثها هنا، مع بيان الرأي الأرجح في عصرنا الحاضر. ١ - القتل بمحدد: المحدد: هو كل آلة جارحة أو طاعنة لها مور في البدن، أي تفرق أجزاء الجسد، مثل الأسلحة النارية الحديثة المختلفة، والسلاح الأبيض، والأخشاب والأحجار المحددة والزجاج والعظم ونحوها. ويكاد أن يكون هناك اتفاق بين الفقهاء على أن القتل بالمحدد هو قتل عمد موجب للقصاص، مع ملاحظة ضوابط المذاهب في بيان ما يوجب القصاص، على ما بينا في المبحث السابق. فالحنفية اشترطوا أن تكون قاتلة غالباً ومعدة للقتل. واكتفى الشافعية والحنابلة بأن تكون الآلة محددة، ولم يشترطوا غلبة الظن في حصول القتل بها . (١) راجع كشاف القناع: ٥٨٧/٥ وما بعدها، المغني : ٦٣٧/٧ - ٦٤٦. - ٢٣٢ - ولم يشترط المالكية شيئاً في آلة القتل، وإنما يكفي وجود العدوان. وبناء عليه: إذا أحدث الجاني جرحاً كبيراً، فهو قتل عمد بالاتفاق، وإن أحدث جرحاً صغيراً في مقتل كالعين والقلب والخاصرة، باستعمال إبرة أو شوكة، فهو قتل عمد اتفاقاً . وإن استعمل الإبرة في غير مقتل كفخذ وألية فهو شبه عمد عند الحنفية؛ لأن الإبرة معدة للخياطة، ولا تستعمل في القتل عادة(١)، وعمد عند الشافعية(٢) إن تورم محل الغرز وتألم، واستمر الأمران حتى مات. فإن لم يظهر للغرز أثر، بأن لم يشتد الألم، ومات في الحال، فهو قتل شبه عمد، وقيل: هو عمد. ويعد الغرز عند الحنابلة(٣) في غير مقتل قتل عمد إن بالغ الجاني في إدخال الإبرة في البدن؛ لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل. وكذا إن كان الغور يسيراً، أو الجرح لطيفاً، واستمر حتى مات يكون عمداً فيه القود. وإن مات في الحال ففيه وجهان : أحدهما - لاقصاص فيه، والثاني - فيه القصاص، وبه يظهر أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في حال استعمال الإبرة . وجعل مالك الجرح والغرز قتلاً عمداً، في مقتل أو غير مقتل إذا لم يكن الفعل على وجه اللعب أو التأديب(9). 5 ٢- القتل بالمثقل، أو بغير المحدد: هو ماليس له حد، كالعصا والحجر. واختلف الفقهاء في شأنه، هل يوجب القود لأنه عمد، أم الدية لأنه شبه عمد ؟ فقال أبو حنيفة: القتل بمثقل إلا الحديد وما في معناه من نحاس وصنجة (١) رد المحتار : ٣٧٥/٥ . (٢) مغني المحتاج : ٤/٤ - ٥. (٣) المغني : ٦٣٧/٧ - ٦٣٨ . الشرح الكبير : ٢٤٢/٤ . (٤) - ٢٣٣ - ٢٠٠ ميزان(١) شبه عمد (٢). واستثناء الحديد لأنه يعمل عمل السلاح، لقوله تعالى: ( وأنزلنا الحديد فیه بأس شديد، ومنافع للناس﴾. ودلیله حدیث ((ألا إن في قتیل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل)) فإذا أوجب الرسول عليه السلام فیه الدیة، كان شبه عمد وليس عمداً. وقال الصاحبان: القتل مثقل كحجر عظيم أو خشبة عظيمة إذا كان مما يقتل غالباً عمد؛ لأنه لما كان يقتل غالباً، صار بمنزلة الآلة الموضوعة له. فإذا لم يكن المثقل قاتلاً غالباً، كان القتل شبه عمد، ولو توالى الضرب. ورأى الشافعية والحنابلة(٣): أن القتل بالمثقل الذي يقتل غالباً، سواء أكان كبيراً، أم صغيراً وكان في مقتل أو في مرض أو حر أو برد شديدين، أم والى الضربات: هو قتل عمد؛ لأنه يقتل غالباً، ولعموم الآيات الدالة على وجوب القصاص في القتل، ولإيجاب النبي عليه السلام القصاص على يهودي قتل امرأة بحجر، ولقوله عليه السلام: ((ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُوديّ، وإما أن يقاد))(٤). وأما الحديث الذي استدل به أبو حنيفة السابق فهو محمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر، فدل على أنه أراد 5 ما یشبهها، كما بينا. وقال المالكية(٥) : القتل بمثقل قتل عمد، سواء أكان مما يقتل غالباً أم لا يقتل غالباً، ما دام الفعل عدواناً، لا على وجه اللعب والتأديب. (١) سنجة الميزان بالسين أفصح من الصاد . الدر المختار ورد المختار: ٣٧٥/٥، اللباب شرح الكتاب : ١٤١/٣ وما بعدها . (٢) (٣) مغني المحتاج : ٤/٤، المغني : ٦٣٨/٧. متفق عليه بين البخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة من حديث أبي هريرة . (٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ٢٤٢/٤ . (٥) - ٢٣٤ _ والحقيقة أن الذي يلاحظ حالات القتل العمد العدوان وظروفه من غيظ وحقد وعصبية جامحة يرجح رأي المالكية في القتل بمحدد أو بمثقل. ٣- القتل بالمباشرة: المباشرة: ما أثر في التلف وحصله دون واسطة، وكان علة للموت، والقتل بالمباشرة: أن يقصد الجاني عين المجني عليه بالفعل المؤدي إلى الهلاك بلا واسطة(١)، كالجرح أو الذبح بالسكين، والخنق، فإنه يؤدي بذاته إلى موت المجني عليه . وقد اتفق الفقهاء على أن القتل بطريق المباشرة موجب للقصاص، واشترط الحنفية(٢) لإيجاب القصاص أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً. والمباشرة إما أن تكون من قاتل واحد، أو من جماعة. فإن حدث القتل من شخص واحد بانفراده، وجب القصاص من القاتل. وأما إن حدث القتل من جماعة اشتركوا في الجريمة، فإما أن يتم الاشتراك في حال التعاقب أو في وقت واحد. قتل الجماعة بالواحد : يجب شرعاً باتفاق الأئمة الأربعة قتل الجماعة بالواحد، سداً للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلاً، إذ يتخذ الاشتراك في القتل سبباً للتخلص من القصاص. ثم إن أكثر حالات القتل تتم على هذا النحو، فلا يوجد القتل عادة إلا على سبيل التعاون والاجتماع. وقد بادر الصحابة إلى تقدير هذا الأمر، فأفتوا بالقصاص الشامل. وأول حادثة حدثت هي في عهد عمر، وهي أن امرأة بمدينة صنعاء، غاب عنها زوجها، وترك (١) مغني المحتاج : ٦/٤ . (٢) البدائع : ٢٣٩/٧ . - ٢٣٥ - عندها ابناً له من غيرها، فاتخذت لنفسها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام خليل المرأة، ورجل آخر، والمرأة وخادمها ، فقطعوه أعضاء، وألقوا به في بئر. ثم ظهر الحادث وفشا بين الناس، فأخذ أمير اليمن خليل المرأة فاعترف، ثم اعترف الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: أن اقتلهم جميعاً، وقال: ((والله لو تمالاً عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً))(١). وحكم حالتي الاشتراك في القتل يظهر فيا يأتي(٢): أولاً - القتل المباشر على التعاقب: كأن يشق رجل بطن آخر، ثم يأتي غيره فيحز رقبته، فالقصاص على الثاني إن كان عمداً، وإن كان خطأ فالدية على عاقلته؛ لأنه هو القاتل، لا الأول، فإن عليه التعزير فقط. وتتم هذه الحالة بانفراد كل من المشتركين عن الآخر، لا مجتمعين، فلا يكون بینھا توافق أو تمالؤسابق . ثانياً - القتل المباشر حالة الاجتماع: كأن تحدث جراحات معاً من عدة جناة، فيجرح كل منهم جرحاً مهلكاً، أو يطلق كل منهم عياراً نارياً، فيصيب المجني عليه إصابة قاتلة، فيجب القصاص عند الحنفية على كل المشتركين إذا باشروا القتل؛ لأن كل واحد منهم يعد قاتلاً عمداً. وبهذا يظهر أن الحنفية لا يفرقون بين حالة التوافق (وهو قصد القتل دون اتفاق سابق) وبين التالؤ (وهو في اصطلاح المالكية قصد القتل بعد اتفاق سابق على ارتكاب الجريمة)، وإنما المهم حدوث الإصابة فعلاً وأن يكون فعل الجاني قاتلاً، بدليل قولهم في القتل العمد: ((وتشترط المباشرة من (١) أخرجه مالك في موطئه عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل نفراً: خمسة ، أو سبعة برجل قُتلوه غيلة، وقال: (( لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به)) وعن مالك رواه محمد بن الحسن في موطئه والشافعي في مسنده والبخاري في صحيحه وابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني في سننه . البدائع: ٢٣٨/٧، تكملة الفتح: ٢٧٨/٨، اللباب شرح الكتاب : ١٥٠/٣، الدر المختار: ٣٩٤/٥ وما بعدها ، (٢) تبيين الحقائق : ١١٤/٦ وما بعدها . - ٢٣٦ _ الكل، بأن جرح كل واحد جرحاً سارياً)) وقال التمرتاشي: ((ويقتل جمع بمفرد إن جرح كل واحد جرحاً مهلكاً، وإلا لا)) أي أن المهم عندهم هو حدوث مباشرة القتل. وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (١): تقتل الجماعة غير المتمالئين (أي غير المتفقين سابقاً) بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، فيما لو انفرد بالجناية ومات المجني عليه، وضربوه عمداً عدواناً، أي لابد من كون فعل كل واحد من الجماعة قاتلاً. وفي هذه الحالة يتفق الجمهور مع الحنفية. وكذلك يقتل عند الجمهور الجماعة المتمالئون (المتواطئون) على القتل بالواحد إن قصد الجميع الضرب، وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل، أي ولو لم يكن فعل كل واحد قاتلاً، كأن ضربوه بسياط أو بحجر صغير، فمات، لئلا يتخذ التواطؤ (الاتفاق السابق) ذريعة إلى درء القصاص. وهذا هو الأصح عند الشافعية والحنابلة، إلا أنهم يخالفون المالكية في اشتراط كون كل مشترك في ارتكاب الفعل له صفة الفاعل للجريمة، ويكفي عند المالكية حضور الجميع، وإن لم يتول القتل إلا واحد، إذا كان غير الضارب مستعدأ للضرب، ولو لم يضرب غيره، وإنما كان ربيئة أي رقيباً. وبه يظهر أن الجمهور يختلفون مع الحنفية في هذه الحالة (القتل بالتالؤ) لكني أرجح مذهب الجمهور، لفعل عمر رضي الله عنه في قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وإجماع الصحابة على فعله. والخلاصة: أنه إذا باشر الجميع القتل يقتل الجميع باتفاق المذاهب. وأما الشريك: الذي لم يباشر فعلاً من أفعال القتل، وإنما اقتصر على الاتفاق على القتل دون حضور القتل، أو على التحريض أو الإعانة على القتل دون مباشرة (١) الشرح الكبير للدردير: ٢٤٥/٤، القوانين الفقهية لابن جزي: ص ٣٤٥، المهذب: ١٧٤/٢ ، مغني المحتاج: ١٢/٤، ٢٠، ٢٢ ، المغني: ٦٧١/٧ وما بعدها، كشاف القناع: ٥٩٨/٥، بداية المجتهد : ٣٩٢/٢. - ٢٣٧ - القتل، فيعاقب بالتعزير، ومنه القتل إذا شاء الإمام عند غير المالكية. ويعاقب بالقصاص عند المالكية. معنى التمالؤ: هذا ويلاحظ أن الفقهاء اختلفوا في تحديد معنى التالؤ(١). فقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم: التالؤ هو توافق إرادات الجناة على الفعل ولو دون أن يكون بينهم اتفاق سابق، بحيث يباشرون الجناية، أي يجتمعون على ارتكاب الفعل في فور واحد ولو دون سابقة من تدبير أو اتفاق. وقال المالكية: إن التالؤ يتطلب اتفاقاً سابقاً على ارتكاب الفعل، وإن التوافق على الاعتداء لا يعتبر تمالؤاً، لكن يقتل الجميع إذا قصدوا الضرب، وحضروا الجناية، وإن لم يتول القتل إلا واحد منهم، وكان الآخر رقيباً مثلاً، بشرط أن يكونوا بحيث لو استعين بهم أعانوا. ويقتل عند المالكية أيضاً الجمع غير المالئين بقتل شخص واحد إذا ضربوه عمداً عدواناً ومات مكانه، ولم تتميز الضربات، أو تميزت ولكن لم تعرف الضربة القاتلة. قتل الواحد بالجماعة - تعدد القتلى: يقتل أيضاً الواحد بالجماعة قصاصاً، ولا يجب عند الحنفية(٢) والمالكية(٣) مع القود شيء من المال، فليس للجماعة إلا القصاص؛ لأن الجماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به، فكذلك إذا قتلهم واحد، قتل بهم، كالواحد بالواحد. وحق أولياء المقتول في القتل مقدور الاستيفاء لهم، فلو أوجبنا معه المال، لكان زيادة على القتل، وهذا لا يجوز. وإني أميل لهذا الرأي. الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي : ٢٤٥/٤ ، وراجع التشريع الجنائي الإسلامي : ٣٩/٢ = ٤٢، ١٢٦ وما (١). بعدها . (٢) البدائع : ٢٣٩/٧، الدر المختار: ٣٩٥/٥، تبيين الحقائق: ١١٥/٦، تكملة الفتح: ٢٧٨/٨. (٣) المغني : ٦٩٩/٧ ، الميزان الكبرى للشعراني : ١٤٣/٢. - ٢٣٨ _ وقال الشافعية(١): لا يقتل القاتل إلا بواحد، سواء اتفق أولياء الدم على طلب القصاص، أو لم يتفقوا؛ لأن الماثلة مشروطة في القصاص، ولا مماثلة بين الواحد والجماعة، فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة، وإنما يقتل الواحد بالواحد، وتجب الديات للباقين. واشتراك أولياء الدم في حق المطالبة بالقصاص لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق. وبناء عليه: إن قتل الواحد جماعة على الترتيب، قتل بأولهم ، إن لم يعف لسبق حقه. وإن قتلهم معاً دفعة واحدة، كأن جرحهم أو هدم عليهم جداراً، فماتوا في وقت واحد، أو أشكل أمر المعية والترتيب، فيقتص من الجاني لواحد من القتلة بالقرعة وجوباً، والباقين من المستحقين الديات، لتعذر القصاص عليهم، كما لومات الجاني مثلاً. وقال الحنابلة(٢): إن اتفق أولياء القصاص على القود أو قتل الجاني قتل بهم، وإن أراد أحدهم القود، والآخر الدية، قتل لمن أراد القود، وأعطي الباقون الدية من مال الجاني، سواء قتلهم دفعة واحدة أو دفعتين، ودليلهم قول النبي ماقال: ((فمن قتل له قتيل، فأهله بين خِيرَتين: إن أحبوا قَتَلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل)»(٣) أي الدية، ولأن الجنايات المتعددة لا تتداخل في حالة الخطأ، فلا تتداخل في حالة العمد. مغني المحتاج : ٢٢/٤ ، المهذب : ١٨٣/٢. (١) (٢) المغني : ٦٩٩/٧ وما بعدها . سبقت الإشارة لتخريجه إجمالاً وقد رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) عن أبي هريرة بلفظ: ((من (٣) قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل)) ولفظ الترمذي: ((إما أن يعفو، وإما أن يقتل)) وفي رواية لأحمد وأبي داود وابن ماجه عن أبي شريح الخزاعي: ((فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو)) قال ابن عباس: ((فالعفو أن يقبل في العمد الدية والاتباع بالمعروف)». - ٢٣٩ - ـة ٤ - القتل بالتسبب : السبب: ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله، أي أنه المؤثر في الموت لا بذاته، ولکن بواسطة، كحفر بئر في طريق عام بدون إذن من السلطات وتغطيتها بحيث يسقط المارفيها ويموت، وشهادة زور على بريء بالقتل، وإكراه رجل على قتل رجل آخر، وحكم جائر من حاكم على رجل بالقتل. والسبب أنواع ثلاثة(١): الأول- حسي : كالإكراه على القتل. الثاني - شرعي: كشهادة الزور على القتل، وحكم الحاكم على رجل بالقتل كذباً أو مع العلم بالتهمة متعمداً الأذى . الثالث - عرفي: كتقديم الطعام المسموم لمن يأكله، وحفر بئر وتغطيتها في طريق القتيل. وحكم القتل بالتسبب إجمالاً: أنه عند الحنفية(٢) لا يوجب القصاص؛ لأن القتل تسبيباً لا يساوي القتل مباشرة، والعقوبة قتل مباشر. فمن حفر حفرة أو بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيها إنسان، ومات، لا قصاص على الحافر؛ لأن الحفر قتل بالسبب لا بالمباشرة. كما لاقصاص على شهود الزور إذا رجعوا عن شهادتهم بعد قتل المشهود عليه. أما الإكراه على القتل فيوجب القصاص عند الحنفية على المكره؛ لأنه قتل مباشرة، والإكراه يجعل المستكره آلة بيد المكره، ولا قصاص على الآلة. وقال الجمهور غير الحنفية(٢): يجب القصاص بالسبب، إذا قصد المتسبب إحداث (١) مغني المحتاج : ٦/٤ . (٢) البدائع : ٢٣٩/٧، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٠١/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٥٣/٨ . (٣) الشرح الكبير للدردير: ٢٤٣/٤، ٢٤٦، مغني المحتاج : ٦/٤، المهذب: ١٧٦/٢ وما بعدها ، المغني : ٦٤٥/٧ ، كشاف القناع: ٥٩١/٥ - ٥٩٣ ، ٦٠١ وما بعدها . ٠ - ٢٤٠ -