Indexed OCR Text

Pages 141-160

المبحث الخامس - ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم
وجوب الحد أو سقوطه:
يسقط حكم قطع الطريق بعد وجوبه بأمور:
١ - تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق.
٢ - رجوع القاطع عن إقراره بقطع الطريق.
٣ - تكذيب المقطوع عليه البينة.
٤ - ملك القاطع الشيء المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده عند جمهور
الحنفية خلافاً لغيرهم، على نحو ما ذكرنا في السرقة.
٥ - توبة القاطع قبل قدرة السلطان عليه، لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من
قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ وهذا باتفاق الأئمة(١).
ويترتب على سقوط الحد بالتوبة، أو على عدم وجوب الحد لمانع بأن فات شرط
من شروط الحد السابق ذكرها كنقصان النصاب : أنه إذا كان المال موجوداً يجب رده
إلى صاحبه، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً يجب الضمان .
فإن قتلوا بسلاح يجب القصاص عند الحنفية، وإن قتلوا بعصا أو حجر، فعلى
عاقلة القاتل الدية لورثة المقتول، ويجب القصاص عند الجمهور في القتل العمد،
سواء أكان بسلاح أم بغيره .
وإن جرحوا، فالجراحات فيها القصاص فيما يمكن فيه القصاص، والأرش (أي
الضمان) فيما لا يمكن(٣).
البدائع : ٩٦/٧ ، المنتقى على الموطأ : ١٧٤/٧.
(١)
البدائع، المرجع السابق، فتح القدير: ٢٧١/٤، المهذب : ٢٨٥/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٦٣.
(٢)
- ١٤١ -

:
البغاة
١
أولاً - تعريف البغي: البغي لغة: إما الطلب كما في قوله تعالى: ﴿ماكنا
نبغي﴾ أو التعدي. وهو في اصطلاح الفقهاء كما عرفه ابن عرفة المالكي: الامتناع من
طاعة من تثبت إمامته في غير معصية بمغالبة، ولو تأولاً(١). والبغي حرام لقول
النبي ◌ُّ: «من نزع يده من طاعة إمامه، فإنه يأتي يوم القيامة، ولا حجة له، ومن
مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية))(٢)، وقال عليه الصلاة والسلام
أيضاً: ((من حمل علينا السلاح فليس منا))(٣).
وعرف الحنفية البغاة: بأنهم قوم لهم شوكة ومنعة، خالفوا المسلمين في بعض
الأحكام بالتأويل، وظهروا على بلدة من البلاد، وكانوا في عسكر، وأجروا
أحكامهم، كالخوارج وغيرهم. أما الخوارج أو الحرورية: فهم قوم خرجوا على علي
واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم وسبي نسائهم، وكفروا أصحاب رسول الله څ}
ورأوا أن كل ذنب كفر(٤)، وكانوا متشددين في الدين تشدداً زائداً.
(١)
حاشية الدسوقي : ٣٠٠/٤ .
الأحاديث في هذا المعنى كثيرة: منها: ما أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَلَّم:
(٢)
((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية .. )) الحديث ، ومنها : مارواه الحاكم عن
ابن عمر بلفظ: ((من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه ، ومن مات وليس عليه
إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية)) ومنها : ما رواه أحمد والشيخان عن ابن عباس قال : قال رسول
الله مؤلفٍ: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً ، فمات، فميتته جاهلية )) وفي
لفظ: (( من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً ، فمات عليه
إلا مات ميتة جاهلية)) ومنها: ما روي عن أبي ذر ومعاوية وأبي الدرداء وغيرهم كثير (راجع جامع
الأصول: ٢٥٦/٤، مجمع الزوائد: ٢١٩/٥، ٢٢٠، ٢٢٤، نيل الأوطار: ١٧١/٧، ١٧٣ ).
أخرجه أحمد والشيخان من حديث ابن عمر ، وأبي موسى الأشعري ، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ،
(٣)
وسلمة بن الأكوع. ( راجع نيل الأوطار : ١٧٣/٧ ، سبل السلام: ٢٥٧/٣) .
(٤) فتح القدير: ٤٠٨/٤ وما بعدها، تحفة الفقهاء: ٢٥١/٣ الطبعة الأولى، حاشية ابن عابدين: ٣٣٨/٣.
- ١٤٢ -

وأما غيرهم من البغاة فلم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي
ذراريهم.
وعرف المالكية البغاة: بأنهم الذين يقاتلون على التأويل، مثل الطوائف
الضالة كالخوارج وغيرهم، والذين يخرجون على الإمام، أو يمتنعون من الدخول في
طاعته؛ أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة وشبهها (١). وعرفهم الحنابلة بقولهم: هم
الخارجون على إمام ولو غير عدل، بتأويل سائغ ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم
مطاع. ويحرم الخروج على الإمام ولو غير عدل(٢).
:
ثانياً - أحكام البغاة:
أ- قتالهم واستتابتهم:
إذا لم يكن للبغاة منعة، فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا.
وإن تأهبوا للقتال، وكان لهم منَعة (مكان محصن) وشوكة (سلاح)، يدعوهم
الإمام إلى التزام الطاعة، ودار العدل، والرجوع إلى رأي الجماعة أولاً، كما يفعل مع
أهل الحرب. فإن أبوا ذلك قاتلهم أهل العدل حتى بهزموهم ويقتلوهم، ويجوز قتل
مدبريهم وأسراهم، والإجهاز على جريحهم عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء(٣). ولا
يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدؤوه؛ لأن قتالهم لدفع شرهم. ودليل هذه الأحكام:
هو قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت
إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا
بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين﴾ وقال مخافر لعلي رضي الله عنه:
(١)
القوانين الفقهية : ص ٣٦٤ .
(٢)
غاية المنتهى : ٣٤٨/٣ وما بعدها .
(٣)
حاشية الدسوقي: ٣٠٠/٤، مغني المحتاج: ١٢٧/٤، المغني: ١١٤/٨، الكتاب مع اللباب : ١٥٤/٤ وما بعدها .
- ١٤٣ -

((إنك تقاتل على التأويل، كما تقاتل على التنزيل))(١).
ولا بأس أن يقاتل البغاة بسلاحهم، ويرتفق بخيولهم إن احتاج المسلمون إليه؛
لأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى.
وأما أموالهم: فيحبسها عنهم الإمام إلى أن يزول بغيهم، فإذا زال ردها إليهم؛
لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين(٢).
ب- ضمان ما أتلفوه من الأنفس والأموال:
قال الحنفية والمالكية والحنابلة، والشافعية في أظهر القولين عندهم: لا يضمن
البغاة المتأولون ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال، بدليل ما روى الزهري،
فقال: ((كانت الفتنة العظمى بين الناس، وفيهم البدريون، فأجمعوا - أي في وقائعهم
كوقعة الجمل وصفِّين - على ألا يقام حد على رجل استحل فرجاً حراماً بتأويل
القرآن، ولا يقتل رجل سفك دماً حراماً بتأويل القرآن، ولا يغرم مال أتلفه بتأويل
القرآن))(٣)؛ ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على
الأخرى كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، فلا
يشرع كتضين أهل الحرب.
واتفق العلماء أيضاً على أنه لا إثم ولا كفارة على أهل العدل بقتلهم أهل البغي،
ولا يضمنون ما أتلفوه عليهم، لخبر الزهري السابق، ولأن العادل قد فعل ما أمر به،
رواه أحمد وإسناده حسن عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند رسول الله عَ ل فقال: ((فيكم من يقاتل على
(١)
تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)) وفي رواية ((إن منكم)) ثم في بعض الروايات عين رسول الله ا هل المقصود
بهذا الخطاب ، وهو سيدنا علي (راجع مجمع الزوائد: ٢٤٤/٦، ١٣٣/٩).
المبسوط: ١٢٤/١٠ وما بعدها، البدائع: ١٤٠/٧ وما بعدها، فتح القدير : ٤٠٩/٤ وما بعدها ، تبيين
(٢)
الحقائق : ٢٩٥/٣ ، الكتاب مع اللباب : ١٥٥/٤ .
(٣)
ذكره أحمد في رواية الأثرم واحتج به ( راجع نيل الأوطار : ١٦٩/٧ ).
- ١٤٤ _

وقتل من أحل الله قتله، وأمر بمقاتلته. وكذلك الأموال مهدرة كالأنفس، لأنهم إذا لم
يضمنوا الأنفس، فالأموال أولى(١).
وإذا أتلف البغاة أو العادلون مال بعضهم بعضاً، قبل تمكن المنعة للبغاة، أو بعد
انهزامهم، فإنهم يضمنون ما أتلفوه من الأنفس والأموال، لأنهم حينئذ من أهل دار
الإسلام، فتكون الأنفس والأموال معصومة .
وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر، لم يأخذه
الإمام ثانياً؛ لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يحمهم. فإن صرف البغاة هذا
المال في حقه، أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه، وإن لم يكونوا صرفوه في
حقه، أفتي أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا دفعه؛ لأنه لم يصل إلى
.(٢)
مستحقه .
جــ عقوبة جرائم البغاة:
إذا قطع البغاة الطريق على أهل العدل من المسافرين، فلا يجب عليهم الحد؛
لأنهم يدعون إباحة أموالهم عن تأويل، ولهم منعة.
ولو سرق الباغي مال العادل لا يقطعه الإمام، لعدم ولايته على دار البغي،
ولخبر الزهري السابق الذكر. وفي الجملة: لا تقام الحدود على البغاة عند الحنفية،
لعدم ولاية الإمام على دار البغي. ويوافقهم المالكية والحنابلة في عدم ضمان ما أتلفوه
حال الحرب من نفس أومال، ولا تقام عليهم الحدود(١).
(١) المبسوط: ١٢٨/١٠، البدائع: ١٤١/٧، فتح القدير: ٤١٤/٤، بداية المجتهد: ٤٤٨/٢، حاشية الدسوقي :
٣٠٠/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٦٤، المهذب: ٢٢٠/٢، مغني المحتاج: ١٢٥/٤، المغني : ١١٣/٨، كشاف
القناع: ١٢٨/٤، شرح مسلم للنووي: ١٧٠/٧، غاية المنتهى : ٣٥١/٣ .
(٢)
الكتاب مع اللباب : ١٥٦/٤ .
(٣)
القوانين الفقهية: ص ٣٦٤ ، المغني : ١١٣/٨.
الفقه الإسلامي جـ٦ (١٠)
- ١٤٥ _

وقال الشافعي: يقطع الباغي إذا أصاب شيئاً من أموال المسلمين، ولو في داره؛
لأنه جانٍ ، فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها ؛ لأن الجاني يستحق التغليظ دون
التخفيف.
وإذا سرق الباغي مال العادل في دار الإسلام يقطع، وإن استحله؛ لأنه لا منعة
له (١) . وفي الجملة: حكم البغاة عند الشافعية في ضمان النفس والمال والحد في غير حال
الحرب حكم أهل العدل. وإن ارتكب الباغي جريمة القتل: الصحيح عندهم أنه
لا يتحتم قتله، ويجوز العفو عنه، لقول علي بعد أن جرحه ابن ملجم: أطعموه
واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت(٢).
د- الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين :
البغاة باتفاق أئمة المذاهب كما عرفنا: هم الذين يخرجون على الإمام يبغون
خلعه، أو منع الدخول في طاعته، أو يبغون منع حق واجب بتأويل في ذلك كله.
وبهذا التأويل يمتازون عن المحاربين.
ويفترق حكم قتالهم عن قتال المشركين بأحد عشر وجهاً كما أبان القرافي
(٣)
المالكي(٢):
وهي أن يقصد بالقتال ردعهم لاقتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على
جريجهم ، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على
قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، وتنصب عليهم الرعَّادات، ولا تحرق عليهم
البساتين، ولا يقطع شجرهم.
البدائع : ١٤١/٧، تحفة الفقهاء : ٢٥٢/٣، المهذب: ٢٢١/٢ .
(١)
المهذب: ٢٢١/٢ ، مغني المحتاج : ١٢٩/٤، ٢٧٧/٢ وما بعدها .
(٢)
الفروق: ١٧١/٤، وانظر أيضاً القوانين الفقهية: ص ٣٦٤ .
(٣)
- ١٤٦ -
٠

وقتال الحربيين المشركين كقتال البغاة إلا في خمسة أوجه :
يقاتلون أي الحربيون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا
من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم، وما أخذوه
من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب إذا أخذ ذلك.
فـ
الله تعالى
- ١٤٧ -

الفصل الخامس
حد المسكر (الخمر والمسكرات)
خطة الموضوع :
نتكلم عن حد الشرب وحد السُّكْر بحسب اصطلاح الحنفية، ثم نبين رأي
غيرهم، في المباحث الآتية :
المبحث الأول- تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السكر وشروط الحد
ومقدار الحد .
المبحث الثاني - أنواع الأشربة المحرمة والمباحة.
8
المبحث الثالث- أحكام اخمر.
المبحث الرابع - أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر.
المبحث الخامس - إثبات الشرب.
المبحث الأول - تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السُّكْر
وشروط الحد ومقدار الحد :
اعتبر الحنفية لشرب الأشربة المحرمة نوعين من الحد، وهما حد الشرب وحد
السكر، أما حد الشرب: فهو الذي يجب بشرب الخمر خاصة، حتى يجب الحد بشرب
قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها. قال ما لم: ((من
- ١٤٨ _

شرب الخمر فاجلدوه ... )) (١) والخمر كما سنبين: ماء العنب النيء المتخمر، وسميت الخمر
خمراً إما لأنها تخمر العقل، أي تستره، وإما لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وإما لأنها
تخمر نفسها لئلا يقع فيها شيء يفسدها .
وأما حد السكر: فهو الذي يجب عند السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من
الأشربة المعهودة المسكرة(٣)، التي سيأتي بيانها.
ولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها، فقالوا: كل شراب أسكر
كثيره، فقليله حرام، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد
على شاربه(٣)، لقول النبي خافٍ: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام))(٤).
ضابط السُّكْر:
قال أبو حنيفة: إن السكر الذي يتعلق به وجوب الحد، والحرمة: هو الذي
+-
روي عن اثني عشر صحابياً وهم : أبو هريرة ، ومعاوية، وابن عمر ، وقبيصة بن ذؤيب ، وجابر ،
(١)
والشريد بن سويد ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي ، وابن مسعود ،
وشرحبيل بن أوس ، وغطيف بن الحارث . فحديث أبي هريرة أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي ، وحديث
معاوية أخرجوه إلا النسائي ، وحديث ابن عمر وجابر أخرجها النسائي ، وحديث قبيصة رواه أبو داود ،
وحديث الخدري رواه ابن حبان ، وحديث غطيف رواه البزار ، وأحاديث الصحابة الآخرين رواها الحاكم ،
فهو متواتر ( راجع نصب الراية: ٣٤٦/٣ وما بعدها ، جامع الأصول : ٣٣٣/٤ وما بعدها ، مجمع الزوائد :
٢٧٧/٦، نيل الأوطار : ١٤٦/٧ ).
البدائع : ٣٩/٧، تبيين الحقائق: ١٩٥/٣، فتح القدير : ١٧٨/٤.
(٢)
(٣)
بداية المجتهد: ٤٣٤/٢، مغني المحتاج : ١٨٧/٤، المغني: ٣٠٤/٨، المهذب: ٢٨٦/٢، المنتقى على الموطأ:
١٤٧/٣ ٠
(٤)
رواه بهذا اللفظ مسلم والدارقطني عن ابن عمر، ورواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه بلفظ: (( كل
مسكر خمر، وكل مسكر حرام )) وكذلك رواه ابن حبان وعبد الرزاق والدارقطني . وروي عن صحابة آخرين
مثل أنس بن مالك وعمر بن الخطاب ، وقرة بن اياس ، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، وميمونة ، وأبي
موسى الأشعري ، وغيرهم ، حتى إنه بلغ رواة هذا الحديث ستة وعشرين صحابياً أحصيناها في تخريج أحاديث
تحفة الفقهاء : ٤٤٩/٣، فهو متواتر (وراجع أيضاً نصب الراية: ٢٩٥/٤، التلخيص الحبير: ص ٣٥٩ ، مجمع
الزوائد : ٥٧/٥ ، نيل الأوطار: ١٧٣/٨ ) .
- ١٤٩ -

يزيل العقل، بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل منطقاً، ولا يفرق بين الرجل
والمرأة، والأرض من السماء؛ لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد، لقوله
عليه السلام: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). وبناء عليه اعتبر غاية السكر وأكمله هو
الموجب للحد.
وقال الصاحبان وباقي الأئمة : السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان،
واختلاط الكلام؛ لأنه هو السكران في عرف الناس وعادتهم، فإن السكران في
متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه، ولا یعرف ثوبه من ثوب غيره، ولا
نعله من نعل غيره .
وقول الصاحبين مال إليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى كما صرح صاحب تنوير
الأبصار وغيره(١)، وهو رأي غير الحنفية.
شروط الحد :
الا
يشترط لحد المسكر شروط ثمانية(١) وهي:
8
الأول - أن يكون الشارب عاقلاً: فلا يحد المجنون.
الثاني - أن يكون بالغاً: فلا يحد الصغير.
الثالث - أن يكون مسلماً: فلا حد على الكافر في شرب الخمر، ولا يمنع منه.
الرابع-أن یکون مختاراً غير مکره.
الخامس - ألا يضطر إلى شربه لغصة.
السادس- أن يعلم أنه خمر: فإن شربه وهو يظنه شراباً آخر، فلا حد عليه.
السابع - أن يعلم أن الخمر محرمة، فإن ادعى أنه لا يعلم ذلك، فاختلف المالكية،
مختصر الطحاوي: ص ٢٧٨ ، فتح القدير : ١٨٧/٤، البدائع: ١١٨/٥، حاشية ابن عابدين: ١٨١/٣.
(١)
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٣٦١، اللباب مع الكتاب: ١٩٣/٣، المهذب: ٢٨٦/٢، المغني: ٣٠٨/٨ ، غاية المنتهى :
٠٣٣٠/٣
- ١٥٠ -

هل يقبل قوله أم لا. وقال غيرهم: لا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بين المسلمين.
الثامن - أن يكون مذهبه تحريم ما شرب: فإن شرب النبيذ من يرى أنه حلال،
فاختلف العلماء: هل عليه حد أم لا. وذكر الحنابلة أن الحد على المسكر إنما يلزم من
شربها إذا كان عالماً أن كثيرها يسكر، فأما غيره فلا حد عليه؛ لأنه غير عالم
بتحريمها ، ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها ، فأشبه من زفت إليه غير زوجته. وهذا
قول عامة أهل العلم.
مقدار الحد :
قال جمهور الفقهاء: حد الشرب والسكر ثمانون جلدة(١)، لقول علي رضي الله
عنه: ((إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون)) (٢)
ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً).
وقال الشافعية: حد الخمر وسائر المسكرات أربعون جلدة؛ لأن النبي مُ لهلم
يعين في ذلك حداً، وإنما كان يضرب السكران ضرباً غير محدود كما روى أبو
هريرة (٤)، فقدروه بأربعين. وروى أنس رضي الله عنه قال: ((كان النبي لم يضرب
(١) فتح القدير: ١٨٥/٤، البدائع: ١١٣/٥، تبيين الحقائق: ١٩٨/٣، بداية المجتهد: ٤٣٥/٢، حاشية الدسوقي :
٣٥٣/٤، المنتقى على الموطأ: ١٤٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٦١، المغني: ٣٠٤/٨، نيل الأوطار: ١٤٤/٧.
(٢)
رواه الدارقطني ومالك بمعناه والشافعي عنه عن ثور بن زيد الديلي رحمه الله ، وهو منقطع؛ لأن ثوراً لم
يلحق عمر بلا خلاف . ولكن وصله النسائي والحاكم من وجه آخر عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس ، ورواه
عبد الرزاق عن عكرمة ، ولم يذكر ابن عباس ( راجع جامع الأصول : ٣٣١/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٣٦٠ ،
نيل الأوطار : ١٤٤/٧، وانظر في نصب الراية : ٣٥١/٣ حديث السائب بن يزيد وغيره في موضوعه) .
(٣)
إن دعوى الاجماع غير مسلّمة ، فقد اختلف الصحابة في حد الخمر قبل إمارة سيدنا عمر وبعدها ، ولم يثبت عن
النبي عليه الصلاة والسلام مقدار معين ( نيل الأوطار : ١٤٢/٧).
(٤)
رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة، قال: أتى النبي ◌َ ◌ّ برجل قد شرب، فقال: اضربوه، فقال
أبو هريرة : فمنا الضارب بيده ، والضارب بنعله ، والضارب بثوبه ، فلما انصرف ، قال بعض القوم : أخزاك
الله . قال : لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان (راجع نيل الأوطار : ١٣٨/٧) ويؤيده حديث سيأتي
تخريجه عن علي في ضمان موت الذي يعزر .
- ١٥١ _

في الخمر بالجريد والنعال أربعين»(١). وقال علي كرم الله وجهه: «جلد رسول الله ما}
أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلّ سنة، وهذا أحب إلي))(٣). هذا وقد
حرمت الخمر سنة ثمان من الهجرة، كما استظهره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
ويضرب في حد الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، على ظاهر النص، لحديث
أبي هريرة المتقدم. والسوط الذي يضرب به: سوط بين سوطين، ولا يمد ولا يجرد،
ولا تشد يده؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ليس في هذه الأمة مد
ولا تجريد، ولا غل، ولا صفد)» وقد سبق تخريجه.
المبحث الثاني - أنواع الأشربة :
أولاً - الأشربة المحرمة : سبعة وهي(٣):
١ - الخمر: هو اسم للنيء (أي غير النضيج أو الذي لم تمسه النار) من ماء العنب
بعد ما غلى، واشتد وقذف بالزبد (أي الرغوة)، وسكن عن الغليان، وصار صافياً.
وهذا التعريف هو مذهب أبي حنيفة؛ لأن معنى الإسكار لا يتكامل إلا بالقذف
بالزبد، فلا یصیر خمراً بدونه.
وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: إذا غلى واشتد فهو خمر، وإن لم يسكن عن
الغليان؛ لأن معنى الإسكار يتحقق بدون القذف بالزبد، وهذا هو الأظهر عند
الحنفية، سداً لباب الفساد أمام العوام.
(١) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أنس أن النبي مَ في أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو
أربعين ... الحديث. وفي رواية ((فجلد بجريدتين نحو أربعين)) قال: وفعله أبو بكر. والجريد : سعف
النخل ( راجع جامع الأصول : ٣٣٠/٤ ٦ نيل الأوطار: ١٣٨/٧، التلخيص الحبير: ص ٣٦٠).
(٢)
رواه مسلم من حديث حصين بن المنذر من قول علي (راجع نيل الأوطار : ١٣٨/٧ وما بعدها ، التلخيص
الحبير: ص ٣٦٠ ) وراجع في الفقه: مغني المحتاج: ١٨٩/٤، المهذب: ٢٨٦/٢ وما بعدها ، السياسة الشرعية
لابن تيمية : ص ١٠٥ .
(٣)
راجع نتائج الأفكار تكملة فتح القدير : ١٥٢/٨ وما بعدها ، البدائع: ١١٢/٥، حاشية ابن عابدين : ٣١٨/٥
وما بعدها ، المبسوط : ١٣/٢٤ وما بعدها .
- ١٥٢ -

ويحرم وينجس عصير غلى، أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن. ودليل تحريم الخمر
وحكمة التحريم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم
العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم
منتهون﴾ (المائدة: ٩٠ -٩١) وقد نزلت هذه الآية في المرحلة الرابعة من مراحل
التدرج في تشريع الخمر، التي كان أولها: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون
منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ (النحل: ٦٧) وثانيها: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر،
قل: فيهما إثم كبير﴾ (البقرة: ٢١٩) وثالثها: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى
تعلموا ما تقولون﴾ (النساء: ٤٣) والحكمة واضحة هي دفع الضرر والفساد عن
الناس، فالخمر أم الخبائث.
٢ - السّكَر: هو نقيع التمر الطري الذي لم تمسه النار، أو هو النيء من ماء
الرطب(١) إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، وسكن غليانه عند أبي حنيفة.
وعند الصاحبين والأئمة الآخرين : إذا غلى، ولم يسكن غليانه، على الخلاف
السابق. ونبيذ التمر إذا لم يطبخ هو السّكّر كما حقق قاضي زاده في نتائج الأفكار.
٣ - الفضيخ: هو اسم للنيء من ماء البُشْر(٢) اليابس إذا غلى واشتد وقذف
بالزبد، أو لم يقذف، على الاختلاف السابق. وسمي فضيخاً؛ لأنه يفضخ أي يكسر
ویرض.
٤ - نقيع الزبيب: هو اسم للنيء من ماء الزبيب المنقوع في الماء حتى خرجت
الرطب : ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمر ( المصباح المنير) والبلح أول ما يرطب من البسر . وهكذا
(١)
يكون أول ثمر النخيل: طَلْع، ثم خَلاَل، ثم بلَح، ثم بُسْر، ثم رُطَب، ثم تَمْر. والزهو: البُشْر الملون ،
يقال : إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل ، فقد ظهر فيه الزهو .
البسر: ماقد أزهى من ثمر النخل ، ولم يبد فيه إرطاب ، والرطب ماقد جاوز حد البسر إلى الإرطاب ،
(٢)
والتمر اسم جنس يتناول اليابس والرطب والبسر ( المصباح المنير، المنتقى على الموطأ : ١٤٩/٣ ) .
- ١٥٣ -

٢٠.
حلاوته، من غير طبخ، واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الخلاف السابق.
٥ - الطلاء أو المثلّث: هو اسم للمطبوخ من ماء العنب إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه
وصار مسكراً على ما هو الصواب عند الحنفية، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا
قصد بشربه اللهو والطرب، كما عليه حال الأغلبية الساحقة من الشاربين، فإن قصد
بشربه التقوية أو التداوي، وهذا نادر، فيباح شربه عندهما. ويحرم مطلقاً عند
الصاحبين وباقي الأئمة.
٦ - الباذَق أو المنصَّف: هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء العنب حتى ذهب أقل
من الثلثين، سواء أكان أقل من الثلث أم النصف، وصار مسكراً. والدليل على أن
الزائد على الثلث حرام: هو ما ثبت عن سيدنا عمر أنه أحل ما ذهب ثلثاه وبقي
ثلثه، فما لم يذهب ثلثاه، فالقوة المسكرة فيه قائمة .
٧ - الجمهوري: هو الطلاء الذي يلقى فيه الماء حتى يرق ويعود إلى المقدار الذي
كان في الأصل، ثم طبخ أدنى طبخة، وصار مسكراً، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي
يوسف إذا قصد بشربه اللهو، ويحرم مطلقاً عند الصاحبين وبقية الأئمة.
ثانياً - الأشربة الحلال في رأي ضعيف هو رأي أبي حنيفة وأبي
يوسف: أربعة إذا كان القصد من شربها التقوي واستمراء الطعام والتداوي ، وهي
ما يأتي(١) :
١ - نبيذ التمر والزبيب إن طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة: وهو أن يطبخ إلى
أن ينضج أي أن يطبخ طبخاً يسيراً، وحكمه أنه يحل شربه وإن اشتد إذا شرب منه
بلا لهو ولا طرب، وما لم يسكر. فلو شرب ما يغلب على ظنه أنه مسكر فيحرم القدح
الأخير الذي يسكر بشربه؛ لأن السكر حرام في كل شراب.
(١) حاشية ابن عابدين: ٣٢٢/٣.
- ١٥٤ -

٠ ٠
٢ - الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، وإن اشتد: يحل شربه
بلا لهو، كأن يكون بقصد التقوي أو استمراء الطعام.
٣ - نبيذ العسل والتين والبُر والشعير والذرة: يحل سواء طبخ أولا، بلا لهو
وطرب. ويسمى نبيذ العسل ((البتْع)) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيذ الحنطة والشعير
((الجعَة)) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيذ الذرة ((المِزر)) إذا صار مسكراً، وهي مع ذلك
حلال عند أبي حنيفة فیا دون الإسكار(١)، كما سيأتي بيانه.
٤ - الطلاء أو المثلث العنبي وإن اشتد: وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب
ثلثاه، وبقي ثلثه: يحل شربه إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوي على
طاعة الله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما .
والرأي المختار عند الحنفية في حكم شرب هذه الأنواع الأربعة: هو الحرمة
مطلقاً، عملاً برأي محمد، كما سنبين.
لله تعالى
المبحث الثالث - أحكام الخمر:
يتعلق بالخمر الأحكام التالية(٢):
١ - يحرم شرب قليلها وكثيرها إلا عند الضرورة؛ لأنها محرمة العين. قال تعالى:
﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ فوصفها الحق
تعالی بكونها رجساً، فيدل على أنها محرمة في نفسها.
(١)
البدائع : ١١٧/٥ .
المبسوط: ٢/٢٤ وما بعدها ، البدائع : ١١٢/٥ وما بعدها، نتائج الأفكار: ١٥٥/٨ وما بعدها ، حاشية ابن
(٢)
عابدين : ٣١٩/٥، القوانين الفقهية: ص ٣٦١، المهذب: ٢٨٦/٢ وما بعدها، المغني: ٣٠٤/٨ وما بعدها .
- ١٥٥ -

وقال عليه السلام: ((حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسگر من كل
شراب))(١).
إلا أنه رخص في شربها عند ضرورة العطش أو الإكراه قدر ما تندفع به الضرورة.
ولا يجوز الانتفاع بها للتداوي وغيره؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم
علينا، قال ◌ُ ◌ّ: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حَرَّم عليكم))(٢) فإنه دل على تحريم
التداوي بما حرم الله تعالى، وأنه لم يجعل الشفاء فيه، ولما كانت الخمر محرمة، دل على
تحريم التداوي بها .
ويحرم على الرجل أن يسقي الصبيان الخمر، فإذا سقاهم، فالإثم عليه في الشرب،
دون الصغير؛ لأن خطاب التحريم موجه إليه. قال عليه الصلاة والسلام: ((شارب
الخمر كعابد الوثن))(٣) وقال و له أيضاً: ((الخمر أم الخبائث))(٤) وقال مع الم أيضاً: ((لعن
(١) رواه العقيلي من حديث علي بلفظ: ((حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب)) ويروى: ((لعينها))
وهو معلول بمحمد بن الفرات وأخرجه النسائي موقوفاً على ابن عباس باللفظ المذكور في الصلب هنا . ورواه
البزار موقوفاً أيضاً ، وكذلك أخرجه الطبراني في معجمه موقوفاً على ابن عباس ، وأخرجه عنه من طريق ابن
المسيب مرفوعاً نحوه ، وأخرجه أبو نعيم في الحلية . وأخرجه الدارقطني في سننه عن ابن عباس موقوفاً ،
وقال: وهذا هو الصواب عن ابن عباس؛ لأنه قد روي عن النبي مَ ◌ّم: ((كل مسكر حرام » (راجع نصب
الراية: ٣٠٦/٤ وما بعدها ، مجمع الزوائد: ٥٣/٥) والسكر: كل ما يسكر، ويطلق على نبيذ الرطب .
(٢)
أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان ، وأخرجه أحمد عن أم سلمة ، وأخرجه البخاري تعليقاً عن ابن مسعود ،
وصححه السيوطي .
رواه البزار عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: ((مدمن خمر
(٣)
كعابد وثن )» وفي صحيح ابن حبان عن ابن عباس نحوه . ورواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال
الصحيح عن ابن عباس بلفظ: (( مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن)) (راجع نصب الراية : ٢٩٨/٤ ،
مجمع الزوائد: ٧٠/٥، ٧٤ ، نيل الأوطار: ١٦٩/٨ ).
(٤)
رواه النسائي عن عثمان بن عفان موقوفاً ، وكذا رواه ابن أبي الدنيا ، والبيهقي في سننه موقوفاً على عثمان ،
وهو أصح ، قال: سمعت رسول الله مَاثم يقول: ((اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث)) الحديث ، وفيه قصة عن
رجل قديم. وروى الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله مَ ◌ّم قال: «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائرُ، من
شربها وقع على أمته وخالته وعمته)) وفيه ضعيف ( راجع نصب الراية: ٢٩٧/٤ ، مجمع الزوائد : ٦٧/٥ ،
التلخيص الحبير: ص ٣٦٠).
- ١٥٦ -

الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة
إلیه وآكل ثمنها))(١).
٢ - يكفر مستحلها؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به، وهو نص القرآن
الكريم في الآية السابقة: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام(٢) رجس من عمل
الشيطان، فاجتنبوه، لعلكم تفلحون ﴾.
٣ - يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك من البيع والشراء والهبة
وغيرها؛ لأن كل ذلك انتفاع بالخمر، وإنها محرمة الانتفاع على المسلم. قال النبي عليه
الصلاة والسلام: «يا أهل المدينة، إن الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر، فمن
كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا يشربها، ولا يبيعها، فسكبوها في طرق
المدينة))(٣) وقال الله: ((إن الذي حرم شربها حرم
(١) رواه أبو داود عن ابن عمر، وصححه ابن السكن، ورواه ابن ماجه وزاد: ((وآكل ثمنها)) وفي موضوعه عن
أنس بن مالك وزاد: «وعاصرها والمشتري لها والمشترى له)) رواه الترمذي وابن ماجه ورواته ثقات . وعن ابن
عباس رواه أحمد وابن حبان والحاكم ، وعن ابن مسعود ذكره ابن أبي حاتم في العلل ، ورواه البزار والطبراني
وفيه ضعيف. وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه))
رواه أبو داود ، وعن عبد الله بن عمر ( راجع التلخيص الحبير: ص ٣٥٩، مجمع الزوائد : ٧٣/٥ ) وفي بعض
ألفاظه: ((لعن رسول الله مجال الخمر وشاربها ... الحديث)).
(٢)
الميسر: القمار، قال مجاهد : كل شيء فيه قمار فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. والأنصاب جمع نصب
بفتح النون وضمها ، وهو حجر أو صنم منصوب يذبحون عنده . والأزلام: القداح، واحدها زلم - بفتح الزاي
وضمها - وهي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها على الميسر. والرجس : العذاب أو القذر والنتن ،
وسميت الأصنام رجساً لأنها سبب الرجس وهو العذاب .
(٣)
الأحاديث في تحريم الخمر متواترة، منها: ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري بلفظ: (( إن الله حرم الخمر، فمن
أدركته هذه الآية ، وعنده منها شيء ، فلا يشرب ولا يبيع ، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق
المدينة، فسفكوها)) ومنها ماأخرجه الإمام أحمد عن عائشة: ((كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق ، فملء
الكف منه حرام » والفَرق بإسكان الراء: مائة وعشرون رطلاً، وبفتحها ستة عشر رطلاً. ومنها ما أخرجه
الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان عن جابر: (( ما أسكر كثيره، فقليله حرام». (راجع
نيل الأوطار: ١٦٩/٨، نصب الراية: ٢٩٦/٤ وما بعدها، مجمع الزوائد: ٥١/٥، فيض القدير: ٤٢٠/٥).
- ١٥٧ -

بيعها)) (١)، إلا أنها تورث؛ لأن الملك في الموروث ثبت شرعاً من غير صنع العبد، فلا
يكون ذلك من باب التمليك والتملك، والخمر إن لم تكن متقومة ، فهي مال قابل
للملك في الجملة .
٤ - لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم؛ لأنها ليست متقومة في حق المسلم، وإن
کانت مالاً في حقه.
٥ - إنها نجسة نجاسة مغلظة، حتى إذا أصاب الثوب - في رأي الحنفية - أكثر من
قدر الدرهم، يمنع جواز الصلاة؛ لأن الله تعالى سماها رجساً، فقال سبحانه : ﴿ رجس
من عمل الشيطان فاجتنبوه). والظاهر أن المراد من كلمة ((رجس)) هو النجاسة
المعنوية الشرعية(٢)، إلا أن الأمر بالاجتناب يقتضي الابتعاد عن الخمر ابتعاداً
شديداً، وقد حكم الجمهور بنجاسة الخمر وسائر المسكرات المائعة فوق تحريم شربها
تنفيراً وتغليظاً، وزجراً عن الاقتراب منها(٣)، يدل لنجاستها حديث أبي ثعلبة
الخشني قال: يا رسول الله إنا بأرض أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: ((إن وجدتم
غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها)). وفي رواية أبي داود: ((إنا
نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر،
فقال رسول الله ما ائتلّ: إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها
فارحضوها (اغسلوها) بالماء، وكلوا واشربوا))(٤). قال الشوكاني: والأمر بغسل الآنية
في حديث أبي ثعلبة ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير، وشربهم الخمر فيها .
ولو سقيت بهيمة خمراً ثم ذبحت، فإن ذبحت ساعة ما سقيت به تحل من غير
أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس ، ورواه الحميدي في مسنده عن أبي هريرة ( راجع نيل الأوطار ،
(١)
المرجع السابق ) .
(٢)
تفسير المنار : ٥٨/٧ .
الفقه على المذاهب الأربعة : ١٨/١، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج: ٦٨/١.
(٣)
(٤)
أخرجه الدارقطني ( نصب الراية: ٩٥/١ ، نيل الأوطار: ١٩/١ ).
- ١٥٨ -

كراهة؛ لأنها في أمعائها، فتطهر بالغسل، وإن مضى عليها يوم أو أكثر، تحل مع
الكراهة عند الحنفية، لاحتمال أنها تفرقت في العروق والأعصاب.
ولو نقعت فيها الحنطة، ثم غسلت، حتى زال طعمها ورائحتها، يحل أكلها.
وإن وجد فيها طعم الخمر ورائحتها، لا يحل أكلها .
٦ - يحد شاربها قليلاً أو كثيراً، لقوله عليه السلام: ((ما أسكر كثيره فقليله
حرام))(١) ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك(٣).
ولو شرب خمراً ممزوجاً بالماء: إن كانت الغلبة للخمر، يجب الحد، وإن غلب
الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب الحد، إلا أنه يحرم شرب الماء الممزوج
بالخمر، لما فيه من أجزاء الخمر حقيقة.
. ٧ - إن حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار، لفعل
الصحابة رضي الله عنهم، وقياسهم على حد القذف كما عرفنا، وهذا رأي الجمهور،
وقال الشافعية: حد الخمر أو المسكر على الأحرار أربعون جلدة؛ لأن عثمان رضي الله
عنه جلد الوليد بن عقبة أربعين، وقال علي: جلد رسول الله مالا في الخمر أربعين،
وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة(٣).
(١) روي عن تسعة من الصحابة : وهم عبد الله بن عمرو، وجابر، وسعد بن أبي وقاص ، وعلي ، وعائشة ، وابن
عمر، وخوات بن جبير، وزيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، فحديث ابن عمرو رواه النسائي وابن ماجه
وغيرهما ، وحديث جابر أخرجه الدارقطني وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان ، وحديث
عائشة أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما ، وحديث ابن عمر رواه إسحاق بن راهويه في مسنده والطبراني في
معجمه ، وحديث خوات بن جبير أخرجه الحاكم وغيره ، وحديث سعد رواه النسائي والدارقطني ، وحديث
علي أخرجه الدارقطني ، وحديث زيد رواه الطبراني في معجمه ، وحديث أنس رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهما
فهو متواتر. ( راجع نصب الراية: ٣٠١/٤ وما بعدها ، مجمع الزوائد : ٥٦/٥ وما بعدها ، التلخيص الحبير :
ص ٣٥٩ ، سبل السلام: ٣٥/٤ ، نيل الأوطار: ١٧٩/٨ ).
(٢)
تفسير المنار : ٧٧/٧ .
أخرج البيهقي قصة جلد الوليد ، وأخرج مسلم عن حصين بن المنذر قول علي كرم الله وجهه .
(٣)
- ١٥٩ _

٨- إذا تخللت الخمر بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((نعم الإدام الخل))(١). ويعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث
لا يبقى فيها مرارة أصلاً عند أبي حنيفة، فلو بقي فيها بعض المرارة لا يحل؛ لأن الخمر
عنده لا يصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه، كما لا يصير خمراً إلا بعد تكامل
معنى الخمرية.
وقال الصاحبان: تصير الخمر خلاّ بظهور قليل الموضة فيها، اكتفاء بظهور
دليل الخلية فيه، كما أن الخمر تصير خمراً بظهور دليل الخمرية عندهما.
أما إذا خلل الخمر صاحبها بإلقاء علاج فيها من خل أو ملح أو غيرهما، حتى
صارت حامضاً، فیحل شربها، ویکون التخلیل جائزاً عند الجمهور، قياساً على دبغ
الجلد، فإن الدباغ يطهره، ولقوله عليه السلام: ((خير خلكم خل خمركم)) (٢) وقوله
أيضاً: ((نعم الإدام الخل)) ولم يفصل بين تخلل الخمر بنفسها والتخليل، ولأن التخليل
يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح.
وإذا صارت الخمر خلاً يطهر ما يجاورها من الإناء، ويطهر أعلى الإناء إذا غسل
بالخل. وقيل: يطهر تبعاً، وهو المفتى به (٣).
وقال الشافعي: لا يحل التخليل بالعلاج، ولا تطهر الخمر حينئذ، لأننا
مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف
رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله ، وأخرجه مسلم والترمذي عن عائشة ،
(١)
وأخرجه الحاكم عن أم هانئ، ورواه البيهقي من أيمن. وفي لفظ: ((نعم الأدم الخل )) ( راجع نصب الراية :
٣١٠/٤°، المقاصد الحسنة: ص ٤٤٧ ، الجامع الصغير: ١٨٨/٢ ).
٠٠
رواه البيهقي في المعرفة عن جابر وقال: تفرد به المغيرة بن زياد ، وليس بالقوي . ويلاحظ أن أهل الحجاز
(٢)
يسمون خل العنب خل الخمر (راجع نصب الراية : ٣١١/٤) .
المبسوط: ٧/٢٤، البدائع: ١١٣/٥ وما بعدها، نتائج الأفكار: ١٦٦/٨، حاشية ابن عابدين: ٣٢٠/٥.
(٣)
- ١٦٠ -