Indexed OCR Text

Pages 61-80

وقال الشافعية: الأصح استحباب الحفر للمرأة إن ثبت زناها بالبينة، لئلا
تنكشف، بخلاف ما إذا ثبت زناها بالإقرار لتتمكن من الهرب إن رجعت عن
إقرارها .
وقال المالكية والحنابلة: لا يحفر للمرأة، لعدم ثبوته. قال ابن رشد: وبالجملة
فإن الأحاديث في ذلك مختلفة. وقال أحمد (١): أكثر الأحاديث على ألا حفر، فإن
النبي ◌ُ اله لم يحفر للجهنية ولا لماعز، ولا لليهوديين(٢).
وأما حالة المحدود قياماً أو قعوداً في أثناء الجلد: فقال الحنفية: يقام الرجل،
وتضرب المرأة قاعدة، وينزع عن الرجل ثيابه إلا الإزار، ويجرد عن ثيابه في كل
الحدود والتعزير إلا حد القذف، فيكتفى بنزع الحشو والفرو.
وأشد الضرب: هو التعزير إذا رأى الإمام ذلك للزجر والردع، ثم الجلد في
الزنا، ثم حد الشرب، ثم حد القذف؛ لأن جناية الزنا أعظم من جناية الشرب
والقذف؛ لأن القذف نسبة الى الزنا، فكان دون حقيقة الزنا، ولأن قبح الزنا ثبت
شرعاً وعقلاً. أما جريمة نفس الشرب فقد ثبتت شرعاً لا عقلاً، ولهذا كان الزنا
حراماً في كل الأديان بخلاف الشرب، والخمر أيضا يباح عند المخمصة والإكراه، ولا
يباح الزنا عند الإكراه وغلبة الشهوة، وكذا وجوب الجلد ثبت في الزنا بنص
الكتاب العزيز، وأما حد الشرب فثبت بالاجتهاد.
(١)
المراجع السابقة .
(٢)
كونه ◌َّ لم يحفر لماعز: ثابت في رواية أبي سعيد الخدري كما أسلفنا بيانه، وأما عدم الحفر للجهنية فهو
استدلال بظاهر الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الا ابن ماجه عن عمران بن حصين ، فانه
قال: ((فأمر بها رسول الله عَّل، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها)) فلم يذكر الحفر،
قال ابن حجر في التلخيص: («لكنه استدلال بعدم الذكر، ولا يلزم منه عدم الوقوع» وكذلك الحديث الذي
رواه أحمد والشيخان عن ابن عمر في قصة رجم اليهوديين لم يذكر فيه الحفر ( راجع التلخيص الحبير :
ص ٣٥٣ ، نيل الأوطار: ٩٢/٧، ١١١، سبل السلام: ١١/٤، جامع الأصول: ٢٧٧/٤ ) .
- ٦١ -

وأما المرأة فلا ينزع عنها ثيابها إلا الفرو والحشو في كل الحدود؛ لأن كشف
عورتها حرام، والفرو والحشو يمنعان وصول الألم الى المضروب، والستر حاصل
بدونها، فينزعان ليتحقق الزجر، والزجر واجب(١).
وقال مالك: يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها ما عدا ما بين السرة والركبة؛
لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه(٢).
وقال الشافعي وأحمد: لا يجرد المحدود في الحدود كلها فيما عدا الفروأوالجبة
المحشوة، فإنها تنزع عنه؛ لأنه لو ترك عليه ذلك، لم يبال بالضرب، وما عدا المذكور
لا يجرد، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: ((ليس في هذه الأمة
مدّ، ولا تجريد، ولا غَل ولا صفَد))(٣) وجلد أصحاب رسول الله عَ لّ، فلم ينقل عن
أحد منهم مد ولا تجريد، ولا ينزع عنه ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان(٤).
أداة الحد ( كيفية الضرب والرجم):
يقام حد الرجم بالضرب بالمدَر (الطين المتحجر) وبالحجارة المعتدلة (أي بملء
الكف) لا بحصيات خفيفة لئلا يطول تعذيبه، ولا بصخرات تقضي عليه بسرعة لئلا
يفوت التنكيل المقصود (٥) .
وأما الجلد: فيكون بسوط لاثمرة له، ولا يمدد المحدود على الأرض، كما يفعل
البدائع : ٦٠/٧، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٧١/٣، المبسوط: ٧١/٩ وما بعدها، فتح القدير: ١٢٨/٤.
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٤٢٩/٢ ، حاشية الدسوقي : ٣٥٤/٤ .
(٣) رواه الطبراني، قال الهيثمي: وهو منقطع الاسناد ، وفيه جويبر، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد: ٢٥٣/٦) الغل
بالفتح : شد العنق بجبل أو غيره ، والصفد بالتحريك : القيد وهو الغل في العنق أيضاً .
(٤)
المهذب: ٢٧٠/٢، مغني المحتاج: ١٩٠/٤، المغني : ٣١٣/٨ وما بعدها .
راجع مغني المحتاج: ١٥٣/٤، فتح القدير: ١٢٦/٤، المنتقى على الموطأ: ١٣٤/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦ .
(٥)
- ٦٢ -

اليوم؛ لأنه بدعة، ولا يرفع الجلاد يده إلى ما فوق رأسه(١)؛ لأنه يخاف منه الهلاك أو
تمزيق الجلد، ويضرب ضربة متوسطة ليست بمبرحة، ولا بالتي لا مسَّ فيها، حتى
لا يؤدي إلى الهلاك، ويتحقق معنى الانزجار. والدليل فعل عمر وعلي وابن مسعود
حيث ضربوا حداً بسوط بين سوطين(٣). ويلاحظ أنه لا خلاف بين العلماء في أن
ضرب المحدود في غير حد الخمر يكون بالسوط. أما حد الخمر: فقال بعضهم: يقام
بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، لما روى أبو هريرة أن رسول الله من في أتي برجل
قد شرب، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: ((فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله،
والضارب بثوبه»(٣).
مكان الضرب في حد الجلد :
يجب عند الحنفية ألا يجمع الضرب في عضو واحد؛ لأنه يؤدي الى إتلاف
العضو، أو الى تمزيق جلده، وإنما يفرق الضرب على الأعضاء من الكتفين والذراعين
والعضدين والساقين والقدمين، ويتقى المواضع الخوفة التي يخشى من ضربها القتل،
وهو الوجه والرأس والصدر والبطن والأعضاء التناسلية(٤). قال علي للجلاد:
((أضربه وأعط كل عضو منه حقه، واتق وجهه ومذا کیره)»(٥) .
بدليل فعل عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا للجلاد: ((لا ترفع يدك حتى ترى بياض إبطك)) رواه البيهقي
(١)
( راجع التلخيص الحبير : ص ٣٦١ ) .
رواه البيهقي، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن أبي كثير، ويؤيد فعلهم : ما رواه الموطأ عن
(٢)
زيد بن أسلم من فعل الرسول ◌ُلتزم أنه دعا بسوط بين سوطين لجلد رجل اعترف بالزنا (راجع جامع
الأصول: ٣٤٠/٤، نصب الراية: ٣٢٣/٣، التلخيص الحبير: ص ٣٦١، نيل الأوطار: ١١٤/٧).
( وراجع فقهاً البدائع: ٦٠/٧، فتح القدير: ١٢٦/٤، تبيين الحقائق: ١٦٩/٣ ، حاشية ابن عابدين:
١٦١/٣، مغني المحتاج: ١٩٠/٤، المهذب: ٢٨٧/٢، حاشية الدسوقي: ٣٥٤/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٤٦).
رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة (راجع نيل الأوطار: ١٣٨/٧).
(٣)
(٤)
البدائع: ٦٠/٧، فتح القدير: ١٢٦/٤، المهذب : ٢٧٠/٢ .
قال الهيثمي : غريب مرفوعاً ، وروي موقوفاً على علي ، رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور
(٥)
والبيهقي من طرق عن علي ( راجع نصب الراية: ٣٢٤/٣ ، التلخيص الحبير: ص ٣٦١ ، سبل السلام :
٣٢/٤) .
- ٦٣ -

وقال مالك: يضرب في الحدود الظهر وما يقاربه(١).
وقال الشافعي: يفرق الضرب على الأعضاء ويتقى الوجه والفرج والخاصرة
وسائر المواضع المخوفة. ودليلهم قول علي السابق، وما روي عن عمر أنه أتي بجارية قد
فجرت، فقال: ((اذهبا بها، واضرباها، ولا تخرقا لها جدداً)) ولأن القصد من الحد
الردع دون القتل(٣).
وقال أحمد: يضرب في الأعضاء كلها ما عدا ثلاثة: وهي الرأس والوجه والفرج
من الرجل والمرأة جميعاً؛ لأن ما عدا هذه الأعضاء ليس بمقتل، فأشبهت الظهر،
ودليلهم قول علي السابق للجلاد: اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه (٣).
مكان إقامة الحد :
قال الحنفية والحنابلة : ينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس؛ لقوله
تعالى: ﴿وليشهد عذابَهما طائفة من المؤمنين)، ولأن المقصود من الحد هو زجر
(٤)
الناس(٤).
وقال الشافعية والمالكية: يستحب حضور جماعة، وأن يكونوا أربعة على
(٥)
الأقل(٥).
وقال الجمهور منهم الحنفية والشافعية والحنابلة(٦): لا تقام الحدود في المساجد
(١)
بداية المجتهد : ٤٢٩/٢ ، حاشية الدسوقي : ٣٥٤/٤ .
(٢)
مغني المحتاج : ١٥٤/٤، المهذب: ٢٧٠/٢، الميزان: ١٧٣/٢ .
(٣)
المغني لابن قدامة: ٣١٣/٨ وما بعدها .
(٤)
البدائع: ٦٠/٧ ، المغني : ١٧٠/٨.
مغني المحتاج: ١٥٢/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦، المهذب: ٢٧٠/٢.
(٥)
المهذب : ٢٨٧/٢ ، المبسوط : ١٠١/٩ ، المغني ، المرجع السابق .
(٦)
- ٦٤ -

لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل بالولد الوالد))(١)
وقوله أيضا: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم، وشراء كم وبیعکم،
وإقامة حدودكم، وجمّروها في جُمعكم، وضعوا على أبوابها المطاهر))(٢).
ولأن تعظيم المساجد واجب، ولهذا نهينا عن سل السيوف في المساجد، ولأنه
لا يؤمن أن يخرج من المحدود تجاسة تلوث المسجد، فيجب الاحتياط في أمرها وتنزيه
المسجد عنها (٢).
حكم الميت بالرجم: قال الجمهور: إذا مات المرجوم يغسل ويكفن ويصلى
عليه ويدفن(٤)؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في ماعز: ((اصنعوا به
ماتصنعون موتاكم))(٥).
------- --- ------------- ---<<<
لله تعال
(١) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس . وفي إسناده اسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قبل
حفظه ، وأخرجه أبو داود والحاكم وابن السكن والدارقطني والبيهقي من حديث حكيم بن حزام ، ولا بأس
باسناده ، ورواه البزار من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدي ، وهو ضعيف لتدليسه ، ورواه ابن ماجه من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه ابن لهيعة ( راجع جامع الأصول : ٣٤٦/٤ ، التلخيص الحبير :
ص ٣٦١، مجمع الزوائد: ٢٨٢/٦، سبل السلام: ٣٢/٤).
رواه البزار من حديث ابن مسعود ، ثم قال : يرويه موسى عن عمير ، قال البزار : ليس له أصل من حديث
(٢)
ابن مسعود ، ورواه ابن ماجه والطبراني في الكبير عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع ، ورواه
الطبراني في الكبير أيضاً عن معاذ ( راجع نصب الراية: ٤٩٢/٢، الترغيب والترهيب : ١٩٩/١ ).
(٣)
البدائع : المرجع السابق .
البدائع : ٦٣/٧ ، المغني لابن قدامة : ١٦٦/٨.
(٤)
(٥)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن بريدة . وروى حديث الصلاة عليه جابر بن عبد الله عند البخاري ، وأبو
أمامة بن سهل عند الزبيدي ( راجع نصب الراية: ٣٢٠/٣ ، تحفة الفقهاء : ١٩٢/٣ ).
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٥)
- ٦٥ -

ثلاثة مباحث ختامية
١ - حكم اللواط :
قال مالك والشافعي وأحمد: إن اللواط يوجب الحد؛ لأن الله سبحانه غلظ
عقوبة فاعله في كتابه المجيد، فيجب فيه حد الزنا، لوجود معنى الزنا فيه.
وقال أبو حنيفة: يعزر اللوطي فقط، إذ ليس في اللواط اختلاط أنساب، ولا
يترتب عليه غالباً حدوث منازعات تؤدي الى قتل اللائط، وليس هو زنا (١).
وحد اللائط في رأي المالكية والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: هو الرجم
بكل حال، سواء أكان ثيباً أم بكراً، لقوله عليه السلام: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم
لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) وفي لفظ: ((فارجموا الأعلى والأسفل)»(٢).
وحد اللائط عند الشافعية: هو حد الزنا، فإن كان اللائط محصناً، وجب عليه
الرجم، وإن كان غير محصن، وجب عليه الجلد والتغريب، لما روى أبو موسى
الأشعري رضي الله عنه أن النبي عّ لّ قال: ((إذا جاء الرجل الرجل فهما زانيان، واذا
أتت المرأة المرأة فهما زانيتان)) ولأنه حد يجب بالوطء، فاختلف فيه البكر والثيب،
قياساً على حد الزنا بجامع أن كلاً منهما إيلاج محرم في فرج محرم(٢).
٢ - حكم إتيان البهيمة :
اتفق الأئمة الأربعة على أن واطئ البهيمة يعزره الحاكم بما يردعه؛ لأن الطبع
السليم يأبى هذا الوطء، فلم يحتج الى زاجر بحد، بل يعزر، وفي سنن النسائي عن ابن
(١)
العناية على هامش فتح القدير : ١٥٠/٤ .
(٢)
حاشية الدسوقي : ٣١٤/٤ ، المغني: ١٨٧/٨، المنتقى على الموطأ: ١٤٢/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٥ .
(٣)
الميزان للشعراني: ١٥٧/٢، المهذب: ٢٦٨/٢، مغني المحتاج : ١٤٤/٤ ، تخريج الفروع على الأصول: ص ١٨٤ .
- ٦٦ -

عباس رضي الله عنهما: ((ليس على الذي يأتي البهيمة حد))(١)، ومثل هذا لا يقوله
صحابي الا عن توقيف، ونقل عن الرسول م له .
واختلفوا في حكم البهيمة الموطوءة: فقال المالكية: حكمها كغيرها في الذبح
والأكل فلا تحرم ولا تكره.
وقال الشافعية: لا تذبح في الأصح، وإن كانت مأكولة وذبحت، حل أكلها على
الأصح، ولكنه يكره لشبهة التحريم. وإن كانت البهية لغيره، وجب عليه ضمانها إن
كانت مما لا تؤكل، وضمان ما نقص بالذبح إذا كانت تؤكل؛ لأنه هو السبب في إتلافها
وذبحها .
وقيل عند الحنفية : إنها تذبح ولا تؤكل .
وقال الحنابلة: يجب قتلها، سواء أكانت مأكولة أم غير مأكولة، لقوله عليه
السلام: ((من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة))(٢)، ولأن في بقائها تذكيراً بالفاحشة:
فيعير بها صاحبها(٣).
لله تعالى
٣ - حد إتيان الميتة :
قال المالكية؛ يحد من أتى ميتة في قبلها أو دبرها؛ لأنه وطء في فرج آدمية،
.. أخرجه الترمذي وأبو داود، وفي لفظ ((من أتى بهيمة فلا حد عليه)) (راجع جامع الأصول: ٣٠٨/٤ ،
(١)
التلخيص الحبير: ص ٣٥٢ ، نيل الأوطار: ١١٨/٧ ).
رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من طريق عمرو بن أبي عمر عن ابن عباس ، قال الترمذي عن هذا
(٢)
الحديث : ( لا نعرفه الا من حديث عمرو بن أبي عمر) وضعفه أبو داود بحديث ابن عباس السابق : ( ليس
على الذي يأتي البهية حد ) قال الترمذي : هذا أصح من الأول ( راجع المراجع السابقة ، ونصب الراية :
٣٤٢/٣، مجمع الزوائد: ٢٧٣/٦ ) .
(٣)
انظر فتح القدير: ١٥٢/٤، البدائع ٣٤/٧ ، حاشية الدسوقي: ٣١٦/٤، المغني: ١٨٩/٨ ، مغني المحتاج :
١٤٦/٤، المهذب : ٢٦٩/٢ .
- ٦٧ -

فأشبه وطء الحية، ولأنه أعظم ذنباً وأكثر إثماً؛ لأنه انضم الى الفاحشة هتك حرمة
الميتة(١).
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم: لا يحد واطئ الميتة؛ لأن
هذا ينفر الطبع عنه، فلا يحتاج الى الزجر عنه بحد كشرب البول، بل يعزر
(٢)
ويؤدب(٢).
لله
الله تعالى
C
(١)
حاشية الدسوقي : ٣١٤/٤ .
(٢)
البدائع : ٣٤/٧، المغني: ١٨١/٨، مغني المحتاج : ١٤٥/٤، المهذب: ٢٦٩/٢ .
- ٦٨ -

الفصيل الثاني
حَدّ القذف
خطة الموضوع :
توضيح حد القذف في المباحث الستة الآتية:
المبحث الأول: مشروعية حد القذف وسبب وجوبه ومقداره.
المبحث الثاني: تعريف القذف لغة، وتفسيره شرعاً .
المبحث الثالث : شرائط وجوب حد القذف.
المبحث الرابع : صفة حد القذف.
المبحث الخامس : إثبات القذف.
المبحث السادس: صلاحيات القاضي في إثبات القذف.
المبحث الأول- مشروعية حد القذف وسبب وجو به ومقداره:
مشروعيته: القذف محرم من الكبائر، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله عَ اقّ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، ماهن؟ قال:
الشرك بالله عز وجل، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا،
- ٦٩ -

وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))(١).
وحد القذف مشروع بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم
الفاسقون ﴾.
سبب وجوبه: يجب الحد بسبب القذف بالزنا؛ لأنه نسبة إلى الزنا، تتضمن
إلحاق العار بالمقذوف، فيجب الحد دفعاً للعار عنه، وصيانة لسمعته(٢).
مقداره : حد القذف مقدر بثمانين جلدة بنص الآية السابقة، ويضم إليه عقوبة
أدبية أخرى هي رد الشهادة والتفسيق، فلا تقبل شهادته بعدئذ إلا إذا تاب في رأي
غير الحنفية .
المبحث الثاني - تعريف القذف لغة وتفسيره شرعاً:
القذف لغة: هو الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل في الرمي بالمكاره لعلاقة
المشابهة بين الحجارة والمكاره في تأثير الرمي بكل منهما؛ لأن في كل منهما أذى،
فالقذف إذاية بالقول. ويسمى فرية - بكسر الفاء، كأنه من الافتراء والكذب(٣).
وأما في الاصطلاح الشرعي: فهو نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم.
وبعبارة أخرى تُخصص المراد هنا: هو نسبة آدمي مكلف غيره، حراً، عفيفاً،
مسلماً، بالغاً عاقلاً أو مطيقاً، للزنا، أو قطع نسب مسلم. وهذا التعريف عند
. (٤)
المالكية(٤).
أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ( راجع التلخيص الحبير: ص ٣٥٥ ، الإلمام لابن دقيق
(١)
العيد : ص ٥١٨ ، نيل الأوطار: ٢٥٢/٧).
(٢)
البدائع : ٤٠/٧ .
فتح القدير: ١٩٠/٤، حاشية الدسوقي: ٣٢٤/٤، مغني المحتاج: ١٥٥/٤، المغني: ٢١٥/٨.
(٣)
انظر حاشية الدسوقي : ٣٢٤/٤ وعرفه ابن جزي في القوانين الفقهية: ص ٣٤٢ بتعريف أوجز: وهو الرمي
(٤)
بوطء حرام في قبل أو دبر أو نفي من النسب للأب ( خلاف النفي من الأم ) أو تعريض بذلك .
- ٧٠ -

وقد فسره الحنفية بقولهم : القذف نوعان:
- أن يقذفه بصريح الزنا، وما يجري مجرى الصريح، وهو نفي النسب(١).
فالأول: أن يقذفه بصريح الزنا الخالي عن الشبهة، الذي لو أقام القاذف عليه
أربعة من الشهود، أو أقر به المقذوف، لزمه حد الزنا .
والثاني: أن ينفي نسب إنسان من أبيه المعروف، فيقول: ((لست بابن فلان)) أو
((هو ليس بأبيك)) فيكون قاذفاً، كأنه قال: ((أمك زانية)).
وبيانه: إذا قال رجل لآخر: يا زاني، أو زنيت، أو أنت زاني، يحد ؛ لأنه قذفه
بصريح الزنا، وكذلك لوقال له: ((يا ابن الزاني)) أو ((يا ابن الزانية)» فهو قاذف
لأبيه أو أمه.
أما لو قال له: ((لست لأمك)) فلا يكون قذفاً، إذ أنه كذب محض؛ لأنه نفي
النسب من الأم، ونفي النسب من الأم لا يتصور؛ لأن أمه ولدته حقيقة. وكذا لو
قال له: ((لست لأبويك)) لأنه نفى نسبه عنهما، ولا ينتفي عن الأم؛ لأنها ولدته،
فيكون كذباً .
هذا بخلاف مالوقال: ((لست لأبيك)) فهو قاذف لأمه؛ لأن ذلك ليس بنفي لولادة
الأم، بل هو نفي النسب عن الأب، ونفي النسب عن الأب يكون قذفاً للأم.
ولو قال: ((أنت ابن فلان)) لعمه أو لخاله، أو لزوج أمه، في غير حال الغضب،
لا يكون قذفاً عند الحنفية؛ لأن العم يسمى أباً، وكذلك الخال، وزوج الأم، قال الله
سبحانه: ﴿قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل﴾ وإسماعيل كان عم
يعقوب عليه السلام، وقد سماه أباً .
(١) انظر التفصيل في البدائع: ٤٢/٧ وما بعدها، المبسوط: ١١٩/٩ وما بعدها، فتح القدير والعناية: ١٩٠/٤،
٢٠٢، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٩٩/٣ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ١٨٥/٣ وما بعدها .
- ٧١ -

وقال جل وعلا عن يوسف عليه السلام: ﴿ورفع أبويه على العرش) قيل:
إنها أبوه وخالته، وإذا كانت الخالة أماً كان الخال أباً، وقال الله تعالى: ﴿إن ابني من
أهلي﴾ قيل في التفسير: إنه كان ابن امرأته من غيره.
فإن كان ذلك في حال الغضب على سبيل الشتم يكون قذفاً .
ولو قال: ((لست بابن فلان)) لجده، لم يكن قاذفاً؛ لأنه صادق في كلامه
حقيقة؛ لأن الجد لا يسمى أباً حقيقة بل مجازاً.
ولو قال الرجل: ((يا زانية)» لا يجب الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً
لمحمد والشافعي. دليل محمد والشافعي: أن الهاء قد تدخل صلة زائدة في الكلام مثل:
﴿ ما أغنى عني مالية، هلك عني سلطانية) ومعناه مالي وسلطاني، والهاء زائدة،
فيحذف الزائد فيبقى قوله: ((يا زاني)» وقد تدخل الهاء في الكلام للمبالغة في الصفة
مثل: علاّمة ونسابة ونحوهما، فلا يختل به معنى القذف، كما لوقال لامرأة: ((يا
زاني)» يجب الحد بالاتفاق .
.d
ودليل الشيخين: أنه قذفه بما لا يتصور، فيلغو، ودليل عدم التصور أنه قذفه
بفعل المرأة وهو التمكين؛ لأن الهاء في الزانية هاء التأنيث كالضاربة والقاتلة والسارقة
ونحوها، وهو لا يتصور من الرجل، بخلاف ما إذا قال لامرأة: ((يا زاني))؛ لأنه أتى
بمعنى الاسم، وحذف الهاء في نعت المرأة لا يخل بمعنى القذف، وهاء التأنيث قد تحذف
في الجملة كالحائض والطالق والحامل ونحوها .
فيفهم منه حكم ما لو قال لامرأته: ((يا زاني)) فإنه يحد بالاتفاق بين الحنفية
والشافعية. ولو قال: ((يا زانئ» بالهمزة وعنى به الصعود، يحد ؛ لأن العامة لا تفرق
بين المهموز والملين، وبعض العرب يهمز الملين، فيبقى مجرد النية، فلا يعتبر.
ولو قال: ((زنأت في الجبل)» وعنى به الصعود، فلا يصدق، ويحد عند أبي
حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد : يصدق ولا يحد .
- ٧٢ -

دليل محمد: أن الزنا الذي هو فاحشة ملين، والزنا الذي هو صعود مهموز. فإذا
قال: عنيت به الصعود، فقد عنى به ما هو موجب اللفظ لغة، فلزم اعتباره.
ودليل الشيخين: أن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفاً وعادة، والعامة
لا تفصل بين المهموز والملين، فلا يصدق في الصرف عن المتعارف.
وقال الشافعية(١): إن قال: زنأت في الجبل، فليس بقذف من غيرنية؛ لأن
الزنا هو الصعود في الجبل، بدليل قول الشاعر:
وارق إلى الخيرات زناً في الجبل
وإذا قال: ((زنأت على الجبل)) فيحد بالاتفاق؛ لأنه لا تستعمل كلمة ((على)) في
الصعود، فلا يقال: صعد على الجبل، وإنما يقال: صعد في الجبل.
ولو قال: ((يا ابن القحبة)) لم يكن قاذفاً؛ لأن هذا الاسم كما يطلق على الزانية،
يستعمل في المهيأة المستعدة للزنا وإن لم تزن، فلا يجعل قذفاً مع الاحتمال.
وكذلك لوقال: ((يا ابن الدعية)» لا يحد؛ لأن الدعية هي المرأة المنسوبة إلى
قبيلة لا نسب لها منهم، فلا يدل على كونها زانية، لجواز ثبوت نسبها من غيرهم.
ولكن إذا تغير العرف، وأصبح استعمال اللفظين الأخيرين مقصوداً به القذف
في عرف الناس وعاداتهم ، وجب الحد .
هذا كله في القذف بصريح الزنا، أو بما يجري مجرى الصريح، وفيما ليس قذفاً
بالزنا، فما حكم القذف بطريق الكناية والتعريض ؟ وجوابه فيما يأتي:
(١) المهذب : ٢٧٣/٢ .
- ٧٣ -

هل التعريض بالقذف يوجب الحد ؟
اتفق الفقهاء على أن القذف إذا كان بلفظ صريح بالزنا، وجب الحد. واختلفوا
إذا كان بتعريض مثل: أن يقول لمن يخاصمه: ((ما أنت بزان)»، «ما يعرفك الناس
بالزنا))، ((يا حلال ابن الحلال)). أو يقول: «ما أنا بزان، ولا أمي بزانية، ولا أبي
بزان)».
فقال الحنفية: إن التعريض لا يوجب الحد، وإن نوى به القذف؛ لأن
التعريض أمر خفيف في الأذى عادة، وهو بمنزلة الكناية المحتملة للقذف ونحوه، ولا
يحد الشخص بالاحتمال، لقوله عليه السلام: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)).
كذلك لا يحد بالألفاظ المشتركة بين الزنا وغيره، أو بما يدل صراحة على وطء
غیر الزنا .
مثال الأول: أن يقول لامرأة: ((وطئك فلان وطأ حراماً)) أو ((فجر بك فلان))
أو يقول لرجل: ((وطئت فلانة حراماً)) أو ((جامعتها حراماً)) فلا يحد، إذ قد يكون
الوطء حراماً ولا يكون زنا، فكان قذفه محتملاً، ولا يجب الحد مع الاحتمال.
ومثال الثاني: أن يقول لرجل: ((يا لوطي)) أو ((تعمل عمل قوم لوط)) فلا يحد ؛
لأنه في الأول نسبه إلى قوم لوط فقط، وفي الثاني قذفه باللواط، وهو ليس زنا عند
أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه، كما سبق بيانه بالتفصيل(١).
وقال المالكية: التعريض بالقذف يوجب الحد إن أفهم تعريضه القذف بالزنا
بالقرائن، كالخصام، كأن يقول: ((أما أنا فلست بزان)) أو ((أنا معروف)) لأنه ثقيل
على غالب الناس، والكناية قد تقوم في العادة والاستعمال مقام الصريح، وإن كان
اللفظ فيها مستعملاً في غير موضعه أي مقولاً بالاستعارة، وهذا معنى قول الأدباء:
(١) انظر المبسوط: ١٢٠/٩، فتح القدير: ١٩١/٤، البدائع: ٤٢/٧ - ٤٤، تبيين الحقائق: ٢٠٠/٣.
- ٧٤ _

الكناية أبلغ من الصريح. وقد وقعت هذه القضية في زمان عمر، فشاور فيها
الصحابة، فاختلفوا فيها عليه، فرأى عمر فيها الحد، فجلد القاذف(١).
وقال الشافعية: التعريض إن نوی به القذف، وفسره به وجب الحد، فهو
بمنزلة الكناية، والكناية توجب الحد؛ لأن ما لا تعتبر فيه الشهادة كانت الكناية فيه
مع النية بمنزلة الصريح كالطلاق والعتاق. وإن لم ينو به القذف لم يجب الحد، سواء
أكان التعريض في حال الخصومة أم غيرها؛ لأنه يحتمل القذف وغيره، والحدود تدرأ
بالشبهات(٢). ومن الكناية عندهم أن يقول: يا فاجر، يا خبيث، يا حلال ابن
الحلال، فإن نوى به القذف، وجب به الحد، وإن لم ينو به القذف، لم يجب به الحد،
سواء أكان القول في حال الخصومة أم في غيرها؛ لأنه يحتمل القذف وغيره.
وقال الحنابلة: اختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف: في رواية
لا حد عليه، وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر. وفي رواية : عليه الحد بدليل
فعل عمر السابق ذكره(٣).
القذف باللواط: قال الشافعية(٤): إن قال شخص لغيره: لطت أولاط بك
فلان باختيارك، فهو قذف؛ لأنه قذفه بوطء يوجب الحد، فأشبه القذف بالزنا.
وإن قال: يا لوطي، وأراد أنه على دين قوم لوط لا يحد؛ لأنه يحتمل ذلك. وإن أراد
أنه يعمل عمل قوم لوط وجب الحد. والقذف باللواط موجب للحد عند الجمهور غير
الحنفية .
بداية المجتهد : ٤٣٢/٢، حاشية الدسوقي : ٣٢٧/٤، المنتقى على الموطأ: ١٥٠/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٧ .
(١)
(٢)
المهذب : ٢٧٣/٢ .
(٣)
المغني : ٢٢٢/٨.
المهذب : ٢٧٣/٢ .
(٤)
- ٧٥ _

قذف الجماعة: قال الحنفية والمالكية: إذا قذف الشخص جماعة يحد حداً
واحداً، كأن يقول: ((كلكم زان))، أو يقول لكل واحد منهم في مجلس، أو متفرقين:
((يا زاني)) أو ((فلان زان، وفلان زان)). ودليلهم أن هلال بن أمية قذف امرأته
بشَريك بن سحماء، فرفع الأمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلاعن بينهما، ولم يحد
هلالاً لقذفه شريك بن سحماء(١)؛ لأن القذف جناية توجب حداً، فإذا تكرر كفى
حد واحد، كما لو سرق من جماعة، أو زنى بنساء(٢).
وقال الشافعي، وزفر من الحنفية: إذا قذف شخص جماعة، فيجب لكل واحد
منهم حد، سواء أكان القذف لكل واحد على انفراد أم بكلمة واحدة؛ لأنه ألحق العار
بقذف كل واحد منهم، فلزمه لكل واحد منهم حد، كما لو أفرد كل واحد منهم
بالقذف(٣).
وقال الحنابلة: إن قذف الجماعة بكلمة واحدة، فيحد حداً واحداً، إذا طالبوا
جميعاً، أو طالب واحد منهم؛ لأن مطلق الآية: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ لم
يفرق فيها بين قذف واحد أو جماعة، ولأنه قذف واحد، فلم يجب إلا حد واحد. فإن
قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد؛ لأن القذف حق للآدمي، وحقوق الآدميين
لا تتداخل كالديون والقصاص(٥)، أي لا يجزئ بعضها عن بعض.
(١) أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات من حديث أنس بن مالك، قال: ((أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن
سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته ، فقال له النبي ◌َّ: البينة وإلا فحد في ظهرك ، فقال : يا رسول الله ،
إن الله يعلم أني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهري من الحد ، فأنزل الله عز وجل آية اللعان ، ولاعن
النبي ◌َّ وفرق بينهما)» والحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس (راجع نصب الراية: ٣٠٦/٣، سبل
السلام : ١٦/٤ ) .
المبسوط: ١١١/٩، البدائع: ٤٢/٧، ٥٦، حاشية الدسوقي: ٣٢٧/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٥٨ ، بداية
(٢)
المجتهد : ٤٣٣/٢ .
المهذب: ٢٧٥/٢، الميزان : ١٦٠/٢.
(٣)
المغني : ٢٣٣/٨ وما بعدها .
(٤)
- ٧٦ -

تكرار القذف : قال الشافعية(١): إن كرر القاذف القذف بنفس الزنا السابق
الذي حد عليه، يعز. الأذى، ولم يحد؛ كما فعل عمر مع أبي بكرة الذي کرر قذف
المغيرة. وإن قذفه بزنا آخر قبل أن يقام عليه الحد، يلزمه في الصحيح حد واحد؛
لأنها حدان من جنس واحد، لمستحق واحد، فتداخلا کما لو زنى، ثم زنى.
وقال المالكية(٢): من قذف شخصاً واحداً مراراً كثيرة، فعليه حد واحد إذا لم
يحد لواحد منها، اتفاقاً، فإن قذفه فحد، ثم قذفه مرة أخرى، حد مرة أخرى اتفاقاً.
وأيد الحنابلة(٣) ذلك فقالوا: إن اجتمعت حدود الله في جنس، بأن زنى أو سرق
أو شرب مراراً، تداخلت، فلا يحد سوى مرة، فإن كانت من أجناس وفيها قتل،
استوفي وحده، وإلا وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف.
المبحث الثالث - شرائط وجوب حد القذف:
اشترط الحنفية لوجوب حد القذف ستة أنواع من الشرائط، يتعلق بعضها
بالقاذف، وبعضها بالمقذوف، وبعضها بها جميعاً، وبعضها بالمقذوف به، وبعضها
بالمقذوف فيه، وبعضها بنفس القذف.
أولاً - شروط القاذف:
يشترط في القاذف ثلاثة شروط متفق عليها :
١ - العقل: فلا عبرة بكلام المجنون.
٢ - البلوغ: فلا يجد القاذف إذا كان صبياً كالمجنون، والسبب في عدم العقاب أن
الحد عقوبة، فتستدعي كون القذف جناية، وفعل الصبي والمجنون، لا يوصف بكونه
(١)
المهذب : ٢٧٥/٢ .
(٢)
القوانين الفقهية : ص ٣٥٧ وما بعدها .
غاية المنتهى : ٣١٥/٣ .
(٣)
- ٧٧ -

جناية. ولا فرق بين كون القاذف مسلماً أو كافراً التزم حقوق المسلمين من مرتد أو
ذمي أو معاهد. واشترط الشافعية كون القاذف مختاراً غير مكره.
٢
٣ - عدم إثباته ما قذف به بأربعة شهود، فإن أتى بهم وشهدوا على المقذوف
بالزنا، لم يحد حد القذف، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴾(١) واشترط أبو حنيفة أن يأتي الشهود جماعة؛ لأن
الشاهد الواحد إذا شهد بانفراده صار قاذفاً، فوجب عليه الحد، وخرج عن كونه
شاهداً، فلا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع. ولم يشترط الجمهور هذا
الشرط، إذ الآية مطلقة، بل تفريقهم أولى؛ لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ. وأجاز
الحنفية كون الزوج أحد الشهود الأربعة. وقال الجمهور: يلاعن الزوج، ويحد
الشهود الثلاثة ؛ لأن الشهادة بالزنى قذف.
ثانياً - شروط المقذوف:
يشترط في المقذوف بالاتفاق شرطان"
:
ـله تعالـ
(٢)
١ - أن يكون المقذوف محصناً: رجلاً كان أو امرأة. وشرائط إحصان القذف
خمسة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا. وبناء عليه لا يجب
الحد بقذف الصبي والمجنون والرقيق والكافر، ومن لا عفة له عن الزنا.
أما اشتراط العقل والبلوغ: فلأن الزنا لا يتصور من الصبي والمجنون، فكان
قذفهما بالزنا کذباً محضاً، فیوجب التعزير، لا الحد.
(١)
البدائع : ٤٠/٧ .
انظر البدائع، المرجع السابق، فتح القدير: ١٩١/٤، المبسوط : ١١٦/٩، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٠٠/٣ ،
(٢)
حاشية ابن عابدين : ١٨٤/٣، المهذب: ٢٧٢/٢، ٢٧٦، الدردير مع الدسوقي : ٣٢٥/٤ وما بعدها ، المغني :
٢١٥/٨، ٢٢٧ وما بعدها .
- ٧٨ -

..... ..-- --- -...
............
وأما الحرية: فلأن الله سبحانه وتعالى شرط الإحصان في آية القذف، وهي
قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ والمراد من المحصنات هنا: الحرائر
لا العفائف عن الزنا. فلو أريد من المحصنات: العفائف، لكان تكراراً مع ما بعده من
الأوصاف الآتية.
وأما الإسلام والعفة عن الزنا، فلقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات
الغافلات المؤمنات) والغافلات: العفائف عن الزنا .
وتفسير العفة عن الزنا: هو ألا يكون المقذوف قد وطئ في عمره وطأ حراماً،
في غير ملك، ولا نكاح أصلاً، ولا في نكاح فاسد فساداً مجمعاً عليه في عهد السلف،
مثل وطء المرأة بشبهة : بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها ، سقطت عفته.
... ...........
ومن لا يجب عليه الحد، لعدم إحصان المقذوف أو للتعريض بالقذف، على
الخلاف السابق فيه، عزر؛ لأنه آذى من لا يجوز إيذاؤه.
... .....................
٢- أن يكون المقذوف معلوماً: فإن كان مجهولاً لا يجب الحد، كما إذا قذف جماعة
على النحو الذي سبق بيانه، أوقال لجماعة: «ليس فيكم زان إلا واحد)) أوقال
الرجلين: ((أحدكما زان)) فإنه في هذه الصور الثلاث لا يجب الحد؛ لأن المقذوف
مجهول.
والمذهب لدى الشافعية(١): أنه إذا قذف الوالد ولده، أو قذف الجد ولد ولده،
لم يجب عليه الحد؛ لأن الحد عقوبة تجب لحق الآدمي، فلم تجب للولد على الوالد
كالقصاص. وإن قذف زوجته، فماتت، وله منها ولد، سقط الحد؛ لأن المطالبة حق
للولد، ولم يثبت له هذا الحق على والده. وإن كان لها ابن آخر من غيره، وجب له
الحد، لثبوت حقه فيه.
(١) المهذب : ٢٧٢/٢.
- ٧٩ -

ثالثاً - ما يشترط في القاذف والمقذوف معاً:
يشترط بالاتفاق ألا يكون القاذف أباً للمقذوف، ولا جده وإن علا، ولا أمه
ولا جدته وإن علت. فإن كان كذلك، فلا حد عليه، للأوامر التي تطالب
بالإحسان إلى هؤلاء، وفي إقامة الحد ترك للتعظيم والاحترام الواجب شرعاً(١).
رابعاً - ما يشترط في المقذوف به:
يشترط أن يكون القذف بصريح الزنا، أو بما يجري مجرى الصريح. وقد سبق
تفصيله في مطلب تفسير القذف شرعاً .
خامساً - شرط المقذوف فيه أي المكان:
يشترط أن يكون القذف حاصلاً في دار العدل، فإن حصل في دار الحرب أو في
دار البغي، فلا يجب الحد؛ لأن الإمام هو الذي يقيم الحد، ولا ولاية له على دار
الحرب، ولا على دار البغي(٢) في رأي الجمهور، وقال الشافعية: يستحق الباغي الحد.
سادساً - ما يشترط في نفس القذف:
يشترط أن يكون القذف مطلقاً عن الشرط والإضافة إلى وقت. فإن كان معلقاً
بشرط أو مضافاً إلى وقت، لا يجب الحد؛ لأن ذكر الشرط أو الوقت يمنع وقوعه قذفاً
للحال، وعند وجود الشرط أو الوقت يجعل كأنه نجز القذف، فكان قاذفاً تقديراً مع
انعدام القذف حقيقة، فلا يجب الحد. فإذا قال رجل لآخر: ((إن دخلت هذه الدار
فأنت زان)) فدخل، فلا حد عليه. وكذلك إذا قال لغيره: ((أنت زان غداً)) أو ((أنت
زان رأس شهر كذا)» فجاء الغد والشهر، لا حد عليه(٣).
البدائع: ٤٢/٧، المهذب: ٢٧٢/٢، الدردير مع الدسوقي: ٣٢٧/٤، المغني: ٢١٩/٦.
(١)
(٢)
البدائع : ٤٥/٧ .
البدائع: المرجع السابق.
.(٣)
- ٨٠ -