Indexed OCR Text

Pages 1-20

الفِقْةِ الإِسْلامِ وَالْلَةُ
الشّامل للأدلّة الشرعيّة والآراء المذهبيّة وأهمّ النظريّات الفِقهِيّة
وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها
وَفَهْرَة الفَبَائيَّة للمَوْضُوعَات وَأَهَمَ المَائِلِ الفِقهِيَّة
((مَنْ يُرِدِ اللهُبِهِ خَيرًّا يُفْقِّهُهُ فِي الِدِينِ))
تأليف
الدكتور وهبة الزحيلي
الجزء السادس
الفق العام
دار الفكر

الله تعالى
الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م
ط ١ ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع
الاقتباس منه ، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من
دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق
سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب (٩٦٢) - س.ت ٢٧٥٤
هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy
الصف التصويري : على أجهزة.C.T.T السويسرية
الإفشاء (أوفست) : في المطبعة العلمية بدمشق

◌ِهِ لَّهِ الرَّحْمُ
بيـ
الله تعالى
الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالْلِيَّةُ

.الله تعالى
فـ

القِسْرِ الخامس
الفَقْرُ الخَطَرُ
(١)
يشتل على ما يأتي :
الباب الأول - الحدود الشرعية
الباب الثاني - التعزير
الباب الثالث - الجنايات وعقوباتها : القصاص والديات
الباب الرابع- الجهاد وتوابعه
الباب الخامس - القضاء وطرق إثبات الحق
الباب السادس - نظام الحكم في الإسلام
(١) يراد بالفقه العام: ماله صلة بالدولة إما بمارسة السلطة العامة على مواطنيها كالقضاء ، وإما بمباشرة علاقاتها
الدولية مع الدول الأخرى، ويقابله ((الفقه الخاص)) الشامل لعلاقات الأفراد فيما بينهم أو بينهم وبين الله عز
وجل .
- ٥ -

لله تعالى

الباب الأول
الحدود الشرعيّة
يشتمل هذا الباب على تمهيد وستة فصول هي ما يأتي:
الفصل الأول - حد الزنا
الفصل الثاني - حد القذف
الفصل الثالث - حد السرقة
الفصل الرابع - حد الحرابة
8
الفصل الخامس - حد الخمر والمسكرات (حد المسكر)
:
الفصل السادس - حد الردة
- ٧ -

وقف لله تعالى

تمهيد
هدفنا: كلما نقب الإنسان في آفاق الفقه وكتب الفقهاء المسلمین، ازداد إيمانا
بخلود شريعة الاسلام في تنظيم الحياة، وسلامة الفكر الإسلامي، وعبقرية الفقهاء،
وعظمة الفقه، الذي لا تقتصر أحكامه على الدليل النقلي من القرآن والسنة فحسب،
وإنما تتغلغل في أعماق الوجدان والعقل الإنساني لتجد لها ما يؤيدها ويدعمها حتى
اليوم، ويساندها من أجل التطبيق العملي، ويشد أزرها للنهوض من جديد في حكم
العلاقات الاجتماعية والمعاملات المتكررة يومياً بين الأفراد، وفي العلاقات الدولية
أيضاً.
والهدف من الأخذ بأحكام الإسلام هو إقامة مجتمع إسلامي عزيز كريم نظيف
آمن مطمئن، لا محل فيه لإعطاء الدنية أو الاستسلام للعدو، ولا قرار فيه للجريمة
والفوضى، ولا اعتبار للشذوذ والانحراف، والفساد أو المنكر والمعصية، وذلك بقدر
الإمكان، وضمن مبادئ الإسلام التي من أهمها مبدأ الستر على المعصية الخفية غير
المعلنة، ومبدأ درء الحدود- لا التعزيرات - بالشبهات.
ومما يشدنا إلى إسلامنا بحق أن الناس جربوا في عصرنا المستورد من القوانين
والأنظمة، والأفكار والثقافات والمعارف المتعددة، المصطبغة كلها بصبغة مادية
ضيقة أو بحتة، وآب الواعون في النهاية إلى حظيرة الاسلام ليجدوا فيه الحل
الأفضل، بعد أن أفلست البضاعة المستوردة، في تقدم الفرد والجماعة، وانكشف
طلاؤها المزيف بزيف الحضارة، التي أخذنا منها الساقط الحقير، وتركنا الجوهر أو
:
النافع المفيد، فنقم الناس على تلك الأنظمة والثقافات، لما أدت إليه من إفساد
- ٩ -

الضمائر والأفكار، وزرع الشك وعدم الثقة بالنفس، واهتزاز القيم والفضائل
والأخلاق، ولم تفلح في النهاية إلا في إبقائنا ضعفاء عالة على الغير، مجهولي الهوية،
ليست لنا ذاتية مستقلة، إسلاماً أو عروبة ، شرقاً أو غرباً .
وبدافع قوي من الشعور أو اللاشعور اتجه المجتمع الى الإسلام - طريق الخلاص،
ولكنهم ظلوا في فلك العبادات وحدها يعملون، فأصبحت نظم الحياة في جانب،
والعبادة في جانب، فصاروا في ازدواجية وترنح وتناقض، وحيرة وملل،
واضطراب جديد أقل سوءاً من البعد النهائي عن الإسلام.
ولا نجاة من تلك الازدواجية إلا بتطبيق كامل لشرعة الله في المعاملات
والجنايات والحدود وغيرها، وتغيير القوانين الوضعية. وبالفعل برقت آمال في
اتجاهات صادقة نحو قوانين الشريعة في دنيا العرب والإسلام لتطهير المجتمع من
الرذيلة والانحراف، وإثبات الذات، ومعالجة شؤون الحياة بفكر الإسلام السياسي
والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، ولتحطيم قيود الذل والهوان، ودحر العدوان
بمختلف أشكاله، ومحاربة الاستغلال بكل أصنافه، والاعتماد على النفس، وجمع
المسلمين تحت راية القرآن، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والإفادة من فقه
الشريعة الذي لا يخرج عن هذين المصدرين .
وأحسَّ كل مسلم أن سبيل العزة، ورد العدوان، وتخليص الأراضي والحقوق
المغتصبة، هو بالانضمام تحت راية الجهاد المقدس لإعلاء كلمة الله تعالى، على النحو
الذي وُجد به العدو، وجمّع قواته، وقاتلنا تحت شعار مذهبه العنصري البغيض.
ومعرفة أحكام العقود، كما بينا سابقاً، وتنظيم الجهاد في الفقه، وتفصيل الكلام
عن الحدود والجنايات، والقضاء الإسلامي العادل، ومبادئ الحكم الإسلامي، فرع
من تلك الدوحة العظيمة والثروة الكبرى لفقهنا الذي له من المكانة العالية عند كل
رجال التشريع والفقه والقضاء في العالم.
٠٠
- ١٠ -

ومع الأسف الشديد وصف بعض الجاهلين هذا الفقه الخصب بأنه ((مجرد ركام))
تأثراً منهم بحب الغرب، وشعوراً منهم بالنقص، وعدم الثقة بالنفس، وجهلاً فاضحاً
بما تتطلبه الحياة من فرضيات واحتمالات كثيرة موجودة في ظل تطبيق القوانين
الحالية، ويحلولهم بعدها التطفل على موائد الغرب، وترديد ماقال ((المسيو فلان
والمسترفلان)) متجاهلين أو تاركين عمداً ما قاله شيخ الإسلام العظام، الذين
ما زالت أفكارهم ونظرياتهم وجهودهم مرقى العظماء، ومطمح العلماء، ومأوى
الفلاسفة والمفكرين.
فإلى فقه الاسلام يا جيلنا، وإلى ثروته الخصبة، وإلى ينابيعه العذبة لتعترف
منها ما تراه مناسبا لعصرك، فالله يسَّرلك الطريق باختيار السمح السهل من
الأحكام، وزودك باليقين الصادق والعقل الناضج والحس المرهف لأخذ الصالح،
وكشف الحق في مهاده، وقمع الباطل في وهاده. وحينئذ تعلم أن رفع راية الإسلام
تتطلب تهيئة أرضية صلبة لها، من الواقع العملي المتمثل بالفقه الإسلامي، والفكر
الإسلامي، والدعوة الإسلامية البناءة؛ لأن الدعوة ليست مجرد عاطفة تؤجج، أو
هيكل فارغ المضمون والمحتوى والمنهج. وإعداد هذه الأرضية إنما هو من أجل ضمان
بقاء هذه الدعوة، حتى لا تهتز أمام تحرك العواصف الهوجاء، أو تدابير الأعداء.
ففي فقه الإسلام بكل مذاهبه إذاً دليل على صلاحية الإسلام للتطبيق في كل
عصر، وطريق لتحقيق تماسك الشخصية الإسلامية، فهو عامل بناء وتجميع وتوحيد
لا تفريق وتمزيق كما يرى السطحيون، وأما اختلاف الفقهاء فليس الا في الفروع
والجزئيات الاجتهادية لا في الأصول والغايات، لكن ما أشد الحاجة حينئذ لعرض
الفقه بأسلوب سهل حديث مدعم بالدليل الصحيح، لموازنة الآراء الفقهية، وتعرف
سبيل الترجيح بينها، أو اختيار الأصلح المناسب للزمن منها .
وهذا ما حاولت فعله في إعداد هذا الكتاب، بعد بذل جهود - الله أعلم بها-
- ١١ -

لتحقيق كل رأي فقهي ، ومعرفة حكم كل مسألة في متاهات الكتب القديمة، رجاء
تحقيق النفع به والإفادة منه.
تعریف الحد :
الحد في اللغة : المنع، ولذا سمي البواب حداداً لمنعه الناس عن الدخول،
وسميت العقوبات حدوداً، لكونها مانعة من ارتكاب أسبابها ، وحدود الله: محارمه؛
لأنها ممنوعة، بدليل قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾، وحدود الله
أيضاً : أحكامه أي ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان ، وسميت حدوداً؛
لأنها تمنع عن التخطي إلى ما وراءها، بدليل قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله
فلا تعتدوها ﴾ .
والحد في الشرع في اصطلاح الحنفية: عقوبة مقدرة واجبة حقاً لله تعالى،
فلا يسمى التعزير حداً؛ لأنه ليس بمقدر، ولا يسمى القصاص أيضاً حداً؛ لأنه وإن
كان مقدراً، لكنه حق العباد، فيجري فيه العفو والصلح، وسميت هذه العقوبات
حدوداً ؛ لأنها تمنع من الوقوع في مثل الذنب.
والمراد من كونها حقاً لله تعالى: أنها شرعت لصيانة الأعراض والأنساب
والأموال والعقول والأنفس عن التعرض لها (١). غير أن بعض هذه الحدود كحد الزنا
وشرب الخمر حق خالص لله تعالى، أي حق للمجتمع، وبعضها الآخر مثل حد القذف
فيه حق لله ، وحق للعبد، أي أنه يشترك فيه الحق الشخصي والحق العام(١).
والحد في اصطلاح الجمهور غير الحنفية: عقوبة مقدرة شرعاً، سواء أكانت حقاً
لله أم للعبد .
المبسوط السرخسي: ٩ ص ٣٦، فتح القدير: ٤ ص ١١٢، البدائع: ٧ ص ٣٣، تبيين الحقائق للزيلعي:
(١)
٣ ص ١٦٣، حاشية ابن عابدين: ٣ ص ١٥٤ ، مغني المحتاج : ٤ ص ١٥٥ .
(٢)
الجريمة والعقوبة لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: ص ٦٤ وما بعدها .
- ١٢ -

والحدود أنواع : حد الزنا وحد القذف وحد السرقة وحد الحرابة أو قطع
الطريق وحد شرب الخمر ونحوه ، قال الحنفية : الحدود خمسة هي : حد السرقة وحد ،
الزنا وحد الشرب وحد السُكْر وحد القذف(١). أما قطع الطريق فهو داخل تحت
مفهوم السرقة بالمعنى الأعم ، ويضاف إليها لدى غير الحنفية حدان آخران وهما حد
القصاص وحد الردة، فيصبح مجموع الحدود سبعة في رأي هؤلاء باعتبار أن الحد هو
عقوبة مقدرة حدها الله تعالى وقدرها ، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها، وباعتبار أن
الحد يشمل في الأصح ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الناس ، ومنها
القصاص .
وعلى هذا يكون لدينا اصطلاحان في الحدود: أولهما - مذهب الحنفية المشهور:
وهو تخصيص الحد بالعقوبة المقدرة المقررة حقاً لله تعالى، أي لصالح الجماعة، وهي
خمسة أنواع بيناها، بإدخال حد الحرابة في حد السرقة ، والتفرقة بين حد الخمر (ماء
العنب النيء المتخمر) وحد السكر للأشربة المسكرة المتخذة من غير العنب كالشعير
والذرة والعسل ونحوها .
وثانيهما - مذهب الجمهور غير الحنفية وهو إطلاق لفظ الحد على كل عقوبة
مقدرة ، سواء أكانت مقررة رعاية لحق الله تعالى أم لحق الأفراد، وهي سبعة أنواع،
منها القصاص وحد الردة. وسأذكر هذه الأنواع السبعة مبيناً أن جرائم الحدود ثمانية
وهي : الزنا والقذف، وشرب المسكر، والسرقة، والحرابة، والبغي، والردة، والقتل
العمد الموجب للقصاص، على أساس أن عقوباتها جميعاً مقدرة شرعاً . وقال ابن جزي
المالكي(٣) : الجنايات أي الجرائم الموجبة للعقوبة ثلاث عشرة وهي : القتل والجرح،
(١)
البدائع، المرجع السابق .
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٣٤٤، ط فاس .
- ١٣ -

والزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي، والحرابة، والردة، والزندقة،
وسب الله ، وسب الأنبياء والملائكة ، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام .
ويلاحظ أن الجناية هي الجريمة في اصطلاح الفقه الاسلامي. قال
الماوردي(١) : الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، كما يلاحظ
أن عقوبة الزندقة والمذكور بعدها هنا هي القتل، كعقوبة الردة. وقد أفردت
الجنايات ببحث مستقل ؛ لأن الكلام عنها لدى فقهائنا لا يقتصر على ما يوجب
القصاص الذي هو حدّ عند الجمهور، وإنما يشمل بحث الديات والاعتداء على
الحيوان، وكيفية التعويض عن الأضرار الناجمة من سقوط الحائط أو البناء، وطرق
إثبات الجناية .
الحكمة من تشريع الحدود :
إن الحكمة من هذه الحدود أو العقوبات هو زجر الناس وردعهم عن اقتراف تلك
الجرائم، وصيانة المجتمع عن الفساد، والتطهر من الذنوب، قال ابن تيمية: ((من رحمة
الله سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على
بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسرقة،
فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام،
وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه
الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع التسأن ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء،
ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من
حكمته ورحمته، ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن
(١) الأحكام السلطانية : ص ٢١١
- ١٤ -

التظالم والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب.
(١)
غيره حقه(١))).
هل في قطع اليد تعذيب وقسوة وتنكيل ؟ : إن في تطبيق عقوبة
القطع زجراً مناسباً للمجرم ولأمثاله في المجتمع، فهو رحمة بالناس عامة، وقد جاء في
المذكرة الإيضاحية لقانون حدي السرقة والحرابة رقم ١٤٨ لسنة ١٩٧٢ الصادر في ليبيا
ما يأتي: ولقد يحلو لبعض المرتابين والمتشككين أن يصفوا عقوبة القطع - (أي في
حدي السرقة والحرابة ) بأنها لا تتفق مع المدنية والتقدم، ويرمونها بالعنف والغلظة .
وهؤلاء يركزون النظر على شدة العقوبة ويتناسون فظاعة الجريمة وآثارها الخطيرة
على المجتمع، إنهم يتباكون على يد سارق أثيم تقطع ، ولا تهولهم جريمة السرقة
ومضاعفاتها الخطيرة، كم من جرائم ارتكبت في سبيل السرقة، كم من جرائم اعتداء
على الأشخاص وإحداث عاهات حسام وقعت على الأبرياء بسبب السرقة، كم من
أموال اغتصبت وثروات سلبت وأناس تشردوا بسبب السطو على أموالهم ومصدر
رزقهم ، كل ذلك لا يخطر ببال المشفقين على أيد قليلة تقطع في سبيل أمن المجموع
واستقراره .
ألا يتساءل هؤلاء، أيهما أهون على المجتمع : أن تقطع يد أو يدان في كل عام،
وتختفي السرقة، ولا تكاد تقطع يد بعد ذلك، ويعيش الناس مطمئنين على أموالهم
وأنفسهم ، أم يحبس ويسجن ويحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة والمؤبدة في جريمة السرقة
وحدها ، في أغلب الدول، عشرات الآلاف كل عام، ثم لا تنقضي السرقة، بل تزداد
وتتنوع وتستفحل، فما زلنا نسمع عن مصارف بأسرها تسرق، وقطارات تنهب في
وضح النهار، وخزائن تسلب، وجرائم على الأموال تصحبها جرائم على الأشخاص
والأعراض لاتقع تحت حصر، ولا يكاد يلاحقها علم ولا فن ولا سلطة .
(١) راجع رسالته في القياس: ص ٨٥، والسياسة الشرعية له: ص ٩٨، وانظر مثل ذلك في قواعد الأحكام للعز بن
عبد السلام: ١٦٣/١ - ١٦٥ ومثله أيضاً قول ابن القيم في أعلام الموقعين: ٩٥/٢، ١٠٧ وما بعدها .
- ١٥ -

ثم إن الجرائم الخطيرة لا يفلح في صدها ومقاومة أخطارها إلا عقوبات شديدة
فعالة، فاسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إِذا كان موسوماً
بالرخاوة والضعف. والعقاب الناجح هو ذلك الذي ينتصر على الجريمة، وليس ذلك
الذي تنتصر عليه الجريمة. ثم إن الشرعيين الوضعيين لم يستغلظوا عقوبة الإعدام
بالنسبة إلى بعض الجرائم الخطيرة، وما من شك في أن هذه العقوبة أشد من عقوبة
القطع في السرقة والحرابة، فالعبرة إذاً بالعقوبة المناسبة والفعالة في مقاومة الجريمة .
والحقيقة التي لا مراء فيها أن قطع يد سارق أو عدو معدود من السراق أهون
كثيراً من ترك السرقة ترتع في المجتمع تروع الآمنين بما تفضي إليه من العديد من
الجرائم والمنكرات.
ولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الاسلامي عندما طبق الحدود، عاش آمناً
مطمئناً على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد
عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه. وقد كانت الحجاز - بل وسائر
الجزيرة العربية - مرتعاً خصباً لأشنع جرائم السرقة وقطع الطريق، حتى على
حجاج بيت الله الحرام رجالاً ونساء، فلم يكن يعود إلى بلده منهم إلا النذر اليسير.
فما أن طبقت الحجاز - أي الدولة السعودية - هذين الحدين حتى استتب الأمن
وانقطعت السرقات، وانهارت عصابات قطع الطريق ، حتى أصبحت البلاد مضرب
المثل المستغرب في انقطاع دابر جريمتي السرقة وقطع الطريق ، رغم أن ما قطع من
الأيادي منذ تطبيق الحدود لا يمثل إلا عدداً ضئيلاً جداً لا يوازي ما كان يقطعه
قطاع الطريق من رقاب الأبرياء في هجمة واحدة. ويذكر أن عدد الأيدي التي
قطعت في المملكة السعودية ستة عشر يداً خلال أربعة وعشرين عاماً.
ومما تقدم جميعه يتضح أن القسوة التي تتسم بها عقوبة القطع في السرقة
والحرابة، هي في الواقع رحمة عامة بالمجتمع في مجموعه حتى يتخلص من شرور هاتين
الجريمتين، وأخطارهما الوبيلة، فإن التضحية بعدد محدود جداً من الأيدي والأرجل
- ١٦ -

بالنسبة لأناس آثمين خارجين على حكم الله ، أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتك بآلاف
الأبرياء في أرواحهم وأبدانهم وثرواتهم ، بل إن شدة العقوبة ذاتها رحمة بمن توسوس
لهم أنفسهم بالإجرام حيث تمنعهم تلك الشدة من الإقدام على الجريمة، فتحول بينهم
وبين التردي في مهاوي الإجرام، فهي شدة في نطاق محدود، تفضي إلى رحمة واسعة
شاملة بالنسبة إلى المجتمع الواسع العريض، كيف لا ، وشريعة الإسلام هي شريعة
الرحمة، أليس الله هو القائل: ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ وهو الرحمن الرحيم
حيث نذكر الله في كل وقت وحين. والرسول يقول: ((الراحمون يرحمهم الرحمن))(١)،
بل أمرنا بالشفقة على الحيوان . وشريعة هذا شأنها لا يمكن أن تحمل أحكامها في
الحدود على محمل الشدة والقسوة، وإنما هي رحمة بالناس في مجموعهم. والنظر إلى أثر
الحدود على القلة التي تتعرض لها دون نظر إلى أثرها في المجتمع ككل ، هو نظر مقلوب
ومعكوس . ويكاد أن يكون نظراً مغرضاً ومريباً؛ لأن العبرة بمصلحة الناس في
مجموعهم ، وليست بمصلحة مجرمين ثبت جرمهم ، ولم يدرأ عنهم الحد شبهة .
ومع ذلك فلا يغرب عن البال أن الإسلام حريص كل الحريص على ألا يقام
الحد، إلا حيث يتبين على وجه اليقين ثبوت ارتكاب الجرم، وذلك بتشدده في
وسائل الإثبات. ثم إنه بعدئذ يدرأ الحد بالشبهات ، كل هذا تفادياً لتوقيع الحدود إلا
في حالات استثنائية محضة، ويكفي توقيعها في هاتيك الحالات حتى يتحقق أثرها
الفعال في منع الجريمة وتضييق الخناق عليها إلى أقصى حد ممكن . بل إن تطبيق
بعض الحدود كالجلد - بأصوله الشرعية - أحب إلى كثير من العصاة من الحبس في
غياهب السجون مدة من الزمن ، قلت أم كثرت. وأما الرجم فهو مجرد قتل بوسيلة
إعلامية زاجرة تمثل انتقام المجتمع ممن سطا على الأعراض .
(١) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بلفظ ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من
في السماء، والرحمة شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله)) وشجنة: عروق الشجر
المشتبكة .
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٢)
- ١٧ -

الفرق بين الحدود والتعازير:
ذكر القرافي المالكي عشرة فروق بين الحدود والتعازير وهي ما يأتي(١):
١ - التقدير: إن عقوبات الحدود والقصاص مقدرة مقدماً في الشرع للجرائم
الموجبة لها، وليس للقاضي تقدير العقوبة بحسب ظروف المجرم أو ظروف الجريمة .
أما عقوبات التعزير فمفوض تقديرها إلى القاضي ، يختار العقوبة المناسبة بحسب
ظروف المتهم وشخصيته وسوابقه ودرجة تأثره بالعقوبة، ودرجة ظروف الجريمة
وأثرها في المجتمع .
لكن يلاحظ أن إعطاء هذه السلطة التقديرية للقاضي في التعزير مقيد
بضوابط أهمها اختيار ما يراه مناسباً من العقوبات المشروعة في التعزير، للحالات
التي تعرض عليه، وتعتبر من المعاصي. فضلاً عن أن القاضي المسلم في غاية العدالة
والورع، وينبغي أن يكون عند المالكية والشافعية والحنابلة بالغاً رتبة الاجتهاد.
وبه يتبين أن سلطته ليست تحكمية لاضابط لها، أو ليس فيها ضمانات للمتهمين، أو
أن المتهم قد يضار بها، حتى بخطأ القاضي أو بجهله، إن لم يكن بميله وظلمه(٣). ومع
ذلك فلا بأس بتقنين العقوبات واعتماد الدولة نظاماً محدداً للجرائم والعقوبات
التعزيرية ، فإن أصل التفويض في تقدير التعزير هو للإمام أي رئيس الدولة إذا
كان مجتهداً، وتصدى للقضاء، فإذا ناب عنه قضاة متخصصون ، تقيدوا بما يقيدهم به
من أنظمة وقواعد .
هذا وقد اتفق الفقهاء على عدم تحديد أقل التعزير، ولكنهم اختلفوا في تحديد
(١)
الفروق: ١٧٧/٤ - ١٨٣.
(٢)
رسالة التعزير للدكتور عبد العزيز عامر: ص ٥٠.
- ١٨ -

أكثره، فقال المالكية : هو غير محدود، بدليل إجماع الصحابة على أن معن بن زائدة(١)
زور كتاباً على عمر رضي الله عنه، ونقش خاتماً مثل خاتمه، فجلده مائة، فشفع فيه
قوم ، فقال : أذكروني الطعن ، وكنت ناسياً، فجلده مائة أخرى، ثم جلده بعد ذلك
مائة أخرى، ولأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات ، ولأن الخليفة عمر بن
عبد العزيز رحمه الله قال: تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور.
وقال أبو حنيفة : لا يجاوز بالتعزير أقل الحدود، وهو أربعون جلدة: (حد
العبد ) بل ینقص منه سوط واحد .
وللشافعي قولان : أصحهما كرأي أبي حنيفة. وسنوضحه في بحثه أيضاً،
ودليلهم خبر في الصحيحين: أن رسول الله ما تلٍ قال: ((لا تجلدوا فوق عشر، في غير
حدود الله تعالى))(٢) وقد أجيب عن هذا الحديث بسبب تقرير هؤلاء الفقهاء الزيادة
على عشرة أسواط بأنه محمول على التأديب للمصالح ، الصادر من غير الولاة كالسيد
يضرب عبده، والزوج يضرب زوجته، والأب يضرب ولده. أو أن المراد به جلد غير
تعـ
المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم.
وقال الحنابلة(٣): لا يبلغ بتعزير الحر أدنى حدوده، إلا فيا سببه الوطء، فيجوز
أن يبلغ بالتعزير عليه في حق الحرمائة جلدة بدون نفي . وقيل : لا يبلغ المائة، بل
ينقص منه سوطاً، ويجوز النقص منه على ما يراه السلطان .
٢ - وجوب التنفيذ: الحدود، والقصاص إذا لم يكن عفو من ولي الدم واجبة التنفيذ
على ولاة الأمر، فليس فيها عفو ولا إبراء ولا شفاعة ولا إسقاط لأي سبب من الأسباب.
يظهر أنه معن بن أوس، وهو غير معن المشهور بحلمه، وهو غير صحابي أيضاً .
(١)
(٢)
روى الجماعة إلا النسائي عن أبي بردة: ((لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله تعالى)) (نيل
الأوطار: ١٤٩/٧).
(٣)
القواعد لابن رجب: ص ٣١١، المغني: ٣٢٤/٨.
- ١٩ -

وأما التعزير فيمختلف فيه، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد (الجمهور): إن كان
التعزير لحق الله تعالى وجب تنفيذه كالحدود، إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير
الضرب من الملامة والكلام يحقق المصلحة . أي أن التعزير، إذا كان من حق الله
تعالى، لا يجوز للإمام تركه، لكن يجوز فيه العفو والشفاعة إن رؤيت في ذلك
المصلحة، أو كان الجاني قد انزجر بدونه .
أما التعزير الذي يجب حقاً للأفراد، فإن لصاحب الحق فيه أن يتركه بالعفو أو
بغيره، وهو يتوقف على رفع الدعوى إلى القضاء، لكن إذا طلبه صاحبه لا يكون
لولي الأمر فيه عفو ولا شفاعة ولا إسقاط.
وقال الشافعي : التعزير غير واجب على الإمام، إن شاء أقامه، وإن شاء
تركه، بدليل ماثبت في الصحيح أن رسول الله عز القر لم يعزر الأنصاري الذي قال له
في حق الزبير في أمر السقي: أن كان ابن عمتك؟! يعني فسامحته (١)، ولأن التعزير
غير مقدر، فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج(٢).
وأساس الخلاف بين الحدود والتعازير في هذا: أن الحدود خالصة لله تعالى، وأن
القصاص من حق الأفراد، فيجوز لهم العفو عنه، وأن التعزير منه ما هو من حق الله
تعالى، ومنه ما هو من حق الأفراد .
٣ - الاتفاق مع الأصل أو القاعدة العامة: إن التعزير موافق الأصل أو القاعدة
العامة التي تقرر ضرورة اختلاف العقوبة باختلاف الجريمة. أما الحدود فلا تختلف
(١) راجع نيل الأوطار: ٣٠٧/٥، أعلام الموقعين: ٩٩/٢، جامع الأصول: ٥٦٥/٩ ، والحديث رواه البخاري
ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير .
(٢)
ورد على الاستدلال بالحديث بأن التعزير حق لرسول الله ◌َفي ، فله تركه ، بخلاف حق الله تعالى لا يجوز
تركه ، وكذلك رد على الاستدلال بأنه غير مقدر : بأن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب
ونصيب الإنسان في بيت المال .
- ٢٠ -