Indexed OCR Text

Pages 601-620

لأنه للمصلحة العامة، فيختص بنفقته بيت المال، عملاً بالحديث النبوي: ((الخراج
بالضان))(١) .
فإن لم يكن في بيت المال شيء، أجبر الحاكم الناس على إصلاح النهر، إن امتنعوا
عنه، دفعاً للضرر، وتحقيقاً للمصلحة العامة. قال عمر في مثله: ((لو تركتم، لبعتم
أولادكم)).
وتفرض مؤنة الاصلاح على الأغنياء الموسرين الذين لا يطيقون الاصلاح
بأنفسهم ، كما هو الشأن في تجهيز الجيوش. ويكلف القادرون على العمل بأنفسهم،
وتكون نفقتهم على الأغنياء .
الثاني : النهر المملوك لأهله العام الداخل في المقاسم، ويمكن قسمته ، ويشترك
به جماعة هم أصحاب النهر، فهو عام من وجه، وخاص من وجه : نفقة إصلاحه على
أهله؛ لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخصوص ، فعليهم إصلاحه لأن الغنم
بالغرم . ومن أبى منهم يجبر على الإنفاق ، دفعاً للضرر العام الذي يلحق بقية الشركاء.
فالمملوك: بأن دخل في المقاسم: عام وخاص ()، والخاص وهو النوع الثالث:
هو ما يشترك فيه فئة محصورة . والعام : هو المملوك لجماعة غير محصورة
الثالث : النهر المملوك لأهله الخاص بفئة محدودة : نفقة إصلاحه على أهله
أيضاً؛ لأن نفعه عائد إليهم. لكن إن امتنع جميعهم عن الإصلاح ، لم يجبرهم الحاكم،
كالممتنع عن عمارة أرضه وداره. فإن امتنع بعضهم دون الآخرين ، فقيل : يجبر
الآبي؛ لأن النفع للكل، وقيل : لا يجبر؛ لأن في إجباره اضراراً به. ويمكن دفع
رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) عن عائشة وضعفه البخاري ( سبل السلام: ٣٠/٣).
(١)
المملوك الداخل في المقاسم: عام وخاص. والفاصل بينهما: أن ما تستحق به الشفعة خاص وهو النوع الثالث، ومالا
تستحق به الشفعة عام. واختلف في تحديد الخاص: فقيل: هو ما كان لعشرة، أو عليه قرية واحدة. وقيل: لما
دون أربعين أو مائة أو ألف. والأصح: تفويضه لرأي المجتهد ، فيختار أي قول شاء.
(٢)
- ٦٠١ -

الضرر عن شركائه برجوعه عليه بحصته من النفقة ، إذا تم الإصلاح بأمر القاضي .
واختلف في كيفية الكري على الشركاء ، إذا احتاج النهر في مسيله إلى
إصلاح منطقة ليست في أعلاه: فقال أبو حنيفة : مؤنة كري النهر المشترك على
الشركاء من أعلاه، فإذا جازوا أرض رجل منهم دون حاجة إلى الكري ، برئ من
مؤنة الكري ؛ لأن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي ، وقد حصل لصاحب الأعلى،
فلا يلزمه نفع غيره .
وقال الصاحبان : الكري على الشركاء جميعهم ، من أوله إلى آخره، بحصص
الشرب والأراضي ؛ لأن لصاحب الأعلى حقاً في الأسفل، لاحتياجه إلى تسييل
ما فضل من الماء فيه . وهذا الرأي هو المعقول في تقديري .
واتفق أئمة الحنفية على أن الإصلاح إذا كان من أعلى النهر، فمؤنة إصلاحه على
الشركاء جميعاً، لتوقف انتفاعهم به على إصلاحه .
المطلب الثاني - حق الشفة :
يلحق حق الشفة بحق الشرب ، وتكاد تكون أحكامهما واحدة مع بعض الفوارق
البسيطة :
معنى حق الشفة : هو حق الانتفاع بالماء لشرب الإنسان والاستعمال المنزلي
من طبخ وغسل ونحوهما ، ولسقي البهائم بالشفاه لدفع العطشَ ونحوه. أو هو حاجة
الإنسان إلى الماء لشربه أو لشرب دوابه ولانتفاعه المنزلي(١).
وأحكامه تختلف بحسب نوع الماء. والمياه أربعة أقسام(٢):
(١) مختصر المعاملات الشرعية للشيخ علي الخفيف: ص ١٨.
(٢): تكملة الفتح: ١٤٤/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٤٠/٦، البدائع: ١٨٨/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٣١١/٥
وما بعدها .
- ٦٠٢ -

الأول - ماء البحار: لكل واحد من الناس فيها حق الشفة وسقي الأراضي،
والانتفاع بها بأي وجه؛ لأنها غير مملوكة، والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس
والقمر والهواء .
الثاني - ماء الأنهار العظيمة كالفرات ودجلة والنيل ، وسيحون وجيحون
ونحوها : للناس فيه الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي ؛ لأنها مباحة في الأصل لكل
إنسان شرباً وسقياً، ما لم يضر بالجماعة؛ لأن دفع الضرر عنهم واجب ، ولأن الانتفاع
بالمباح إنما يجوز إذا لم يضر بأحد، كتخريب النهر أو كسر ضفته، فتغرق القرى
والأراضي .
الثالث - ماء الأنهار الصغيرة المملوكة الخاصة بقوم محصورين وهو المسمى عند
الفقهاء ((ماء المقاسم)): حق الشفة ثابت فيه، للضرورة، ولأن الأصل في الماء اشتراك
الناس فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ
والنار)» ولأن استصحاب الماء إلى كل مكان أمر متعذر، والناس بحاجة إليه، فلو
منعوا منه ، وقعوا في حرج عظيم .
لكن إذا كان ماء النهر أو البئر المملوك لجماعة في أرض مملوكة : فلصاحب
الأرض أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء بقربه (١).
فإن لم يجد يقال له: إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه، بشرط ألا يضر النهر أو
البئر كأن يكسر ضفته أي جانبه؛ لأن للمضطر أو المحتاج حق الشفة في ماء النهر أو
البئر أو الحوض عند الحاجة .
فلو منعه صاحب الأرض، وهو أو دابته في حالة عطش ، كان له أن يقاتله
بالسلاح ليأخذ قدر ما يدفع عن نفسه الهلاك، لقول عمر السابق: ((هلا وضعتم فيهم
(١) حد القرب: ميل كما في التيم، والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع: ٦١/٦ سم، فالميل: ١٨٤٨ م.
- ٦٠٣ -

السلاح؟)) ولأنه قصد إتلافه بمنع الشفة عنه، وهو حقه ؛ لأن ماء البئر أو النهر
ونحوهما مباح غير مملوك .
والأصح أن للناس الأخذ من هذا الماء ونقله للوضوء وغسل الثياب ؛ لأن منعه
من الدناءة، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره
سفسافها))(١).
٠ - . ..
والأصح أن لصاحب الماء منع من أراد الأخذ منه لسقي الشجر أو الخضر في
داره، بحمله بالجرار ونحوها إلا بإذنه .
مم
كذلك إذا كانت الشفة تأتي على الماء كله، بأن كان جدولاً صغيراً، والمواشي
الواردة عليه كثيرة ، فقال أكثر الفقهاء منهم الحنفية : للمالك حق المنع، لأنه يلحقه
ضَرَرَ به، كسقي الأرض
الرابع - الماء المحرز في الأواني : مملوك لصاحبه بالإحراز، فلا يحق لغيره
الانتفاع به إلا بإذن صاحبه ، لا شرباً ولا سقياً ولا غيره .
لكن للمضطر الذي يخاف على نفسه من الهلاك بسبب العطش، ولم يجد سوى
هذا الماء المحرز: أن يأخذ هذا الماء من صاحبه، ولو بالقوة، لكن بغير سلاح إذا كان
الماء فاضلاً عن حاجة صاحبه، كما بينا في حق الشرب .
المطلب الثالث - حق المجرى :
تعريفه ، وأحكامه .
تعريف حق المجرى : هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء، في
إجراء الماء إلى أرضه لسقيها . وقد يكون المجرى نفسه مملوكاً لصاحب المجرى ، أو
(١) رواه الطبراني عن الحسين بن علي ، وهو حديث حسن .
- ٦٠٤ _
-------

لصاحب الأرض التي هو فيها وهو الكثير، أولهما معاً، أو مشتركاً بين كثيرين .
أحكامه : المبدأ العام في الشرع أنه ليس لصاحب الأرض منع جاره من إمرار
الماء في أرضه، عملاً بقول عمر المتقدم، لمن منع جاره من إرسال الماء في أرضه: ((والله
لیرن به، ولو على بطنك)».
وليس لصاحب الأرض أيضاً أن ينقل المجرى من مكانه إلا برضا أصحاب الحق
فيه، ولهم الحق في ترميمه ، ومنع تسرب الماء منه ، وتعميقه، وتقوية جانبيه. كما أن
لصاحب الأرض مطالبتهم بإصلاحه، حتى لا يتسرب الماء منه ، فيتلف مزروعاته .
وإذا كان المجرى مشتركاً بين جماعة، فليس لأحدهم سده إلا برضا الجميع على أن
يسده كل واحد في نوبته. فإن منعوه من سده، كان له رفع الماء إلى أرضه بآلة (١)،
ودليل اشتراط رضا الجميع بسد المجرى هو قاعدة: ((يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر
عام)).
وحق المجرى إن كان قديماً في أرض الغير يترك على حاله(٢)، عملاً بقاعدة :
((القديم يترك على قدمه))، ولا يُزال، إلا إذا كان فيه ضرر على صاحب الأرض، عملاً
بقاعدة: ((الضرر لا يكون قديماً)).
وإن أريد إحداث مجرى جديد: فإن كان في طريق عام ، أنشئ بإذن السلطة،
لمنع الضرر وتحقيق المصلحة العامة .
وإن كان في أرض مملوكة لغيره، أحدث بإذن المالك، ولكن ليس للمالك المنع
من إحداثه، ما لم يلحق به ضرر بسببه، عملاً بقول عمر السابق: « والله لیرن به ولو
البدائع: ١٩٠/٦ وما بعدها، الأموال ونظرية العقد: ص ١٧٦ وما بعدها ، مختصر المعاملات الشرعية :
(١)
ص ٢٠.
(٢)
الدر المختار ورد المختار : ٣١٤/٥، الخراج لأبي يوسف : ص ٩٩.
- ٦٠٥ _

(١)
على بطنك )».
.
المطلب الرابع - حق المسيل :
تعریفه، وحكمه .
-----
٤٠ - -
حق المسيل : هو حق تصريف الماء الزائد عن الحاجة، أو غير الصالح، إلى
المصارف والمجاري العامة ، بواسطة مجرى سطحي أو أنبوب مستور، سواء من أرض
أو دار أو مصنع .
والفرق بينه وبين حق المجرى : هو أن حق المجرى لجلب الماء الصالح للأرض،
وحق المسيل لتصريف الماء غير الصالح عن الأرض أو الدار ونحوها .
والمسيل قد يكون مملوكاً للمنتفع به، أو لصاحب الأرض التي يمر فيها، وقد
یکون في مرفق عام .
وإذا تعينت أرض الجار لإحداث المسيل، لم يجز لمالكها المعارضة أو الممانعة فيه ،
إلا إذا ترتب عليه ضرر بيّن. ويظل هذا الحق قائماً، وإن تغيرت صفة الأرض المقرر
لها، كأن كانت أرضاً زراعية، فصارت منزلاً أو مصنعاً مثلاً.
وإذا كان حق المسيل قديماً ، بقي على حاله، ما لم يكن ضاراً بالمصلحة العامة أو
الخاصة، فيجب حينئذ إزالته؛ لأن ((الضرر يزال))، ولا يحتج بتقادم الضرر؛ لأن
((الضرر لا يكون قديماً)).
(١) والقصة هي: روى مالك في موطئه (٢١٨/٢) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه : أن الضحاك بن خليفة
ساق خليجاً له من العريض ، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة ، فأبى محمد ، فقال له الضحاك : لم
تمنعني ، وهو لك منفعة، تشرب به أولاً وآخراً ، ولا يضرك ؟ فأبى محمد ، فكلم فيه الضحاك عمر بن
الخطاب ، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة ، فأمره أن يخلي سبيله ، فقال محمد : لا ، فقال عمر : لم تمنع
أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك ؟ فقال محمد: لا ، والله، فقال عمر:
والله ليمرن به ، ولو على بطنك . فأمره عمر أن يمر به ، ففعل الضحاك . وانظر الخراج ليحيى بن آدم :
ص ١١٠.
_ ٦٠٦ -
----

وتجب نفقات إصلاح المسيل، على المنتفع به، إذا كان في ملكه، أو في ملك
غيره. فإن كان في أرض عامة، فنفقة الإصلاح على بيت المال(١).
المطلب الخامس - حق المرور:
تعریفه، وأحكامه .
حق المرور: هو حق أن يصل الإنسان إلى ملكه، داراً أو أرضاً، بطريق يمر
فيه، سواء أكان من طريق عام، أم من طريق خاص مملوك له أو لغيره، أولهما معاً.
وحكمه يختلف بحسّب نوع الطريق :
أ- فإن كان الطريق عاماً: فلكل إنسان حق الانتفاع به، لأنه من المباحات،
سواء بالمرور، أو بفتح نافذة أو طريق فرعي عليه، أو إنشاء شرفة ونحوها ، وله
إيقاف الدواب أو السيارات أو إنشاء مركز للبيع والشراء. ولا يتقيد إلا
بشرطين(٢) :
الأول: السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين، إذ لا ضرر ولا ضرار(٣).
8
الثاني : الإذن فيه من الحاكم .
فإن أضر المار أو المنتفع بالآخرين، كأن أعاق المرور، منع . وإن لم يترتب على
فعله ضرر، جاز بشرط إذن الحاكم عند أبي حنيفة، ولا يشترط الإذن عند
الصاحبين، على ما سنبين في حق التعلي. كذلك لا يشترط إذن الإمام عند الشافعية
(١)
أملية مختصر المعاملات الشرعية للخفيف : ص ٢٠ وما بعدها .
الدر المختار ورد المختار: ٣١٩/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٤٢/٦ وما بعدها، جامع الفصولين : ١٩٧/٢ ،
(٢)
تكملة الفتح: ٣٣٠/٨ وما بعدها ، مغني المحتاج : ١٨٢/٢ .
أي لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء ، بمعنى أنه لا يجوز إنشاء الضرر ، ولا مقابلة الضرر بمثله .. والضرر في
(٣)
الجزاء : أن يتعدى المجازي عن قدر حقه في القصاص وغيره .
- ٦٠٧ -

والحنابلة(١) كقوله عليه السلام: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به)).
وقال المالكية(٢): من بنى في طريق المسلمين أو أضاف شيئاً من الطريق إلى
ملكه ، منع منه باتفاق .
وقال الشافعية(٢): الطريق النافذ أي الشارع لا يتصرف فيه بما يضر المارّة في
مرورهم فيه ؛ لأن الحق فيه للمسلمين كافة، فلا يشرع فيه جناح أي روشن،
ولا ساباط ( أي سقيفة على حائطين والطريق بينهما) يضر الناس كلّ منهما .
ب - وأما إن كان الطريق خاصاً: فحق الانتفاع به مقصور على صاحبه أو أهله
أو المشتركين فيه ، فليس لغيرهم أن يفتح عليه باباً أو نافذة إلا بإذن منهم، ولكل
الناس حق المرور فيه عند زحمة الطريق العام، وليس لأصحابه سده أو إزالته،
احتراماً لحق العامة فيه .
كذلك ليس لأحد من أصحاب الحق في الطريق الخاص الارتفاق به على غير
الوجه المعروف إلا بإذن الشركاء كلهم ، حتى المشتري من أحدهم بعد الإذن ، كإحداث
غرفة ، أو بناء شرفة ، أو ميزاب ونحوه (٤).
المطلب السادس - حق التعلي :
تعريفه، وحكم تصرف المالك الأعلى أو الأسفل في ملكه .
حق التعلي : هو حق القرار الدائم أو الاستناد لصاحب الطبقة العليا، على
الطبقة السفلى ، والانتفاع بسقوفها ، مثل الملكية المشتركة للطوابق الحديثة .
مغني المحتاج : ٣٦٩/٢ ، المغني : ٥٤٤/٥ .
(١)
(٢)
القوانين الفقهية : ص ٣٤١ .
(٣)
مغني المحتاج : ١٨٢/٢ .
الدر المختار ورد المختار: ٣٢٠/٥، تكملة الفتح، تبيين الحقائق : المكان السابق ، القوانين الفقهية :
(٤)
ص ٣٤١ ، مغني المحتاج : ١٨٤/٢ .
- ٦٠٨ -

وهذا حق دائم ثابت لصاحب العلو، على حساب السفل ، فيكون للعلو حق
البقاء والقرار على ذلك السفل ، دون أن يتملك عند الحنفية سقفه، فلا يزول الحق
بهدمه، أوانهدام السفل، أو هما معاً، ويظل هذا الحق قائماً ، يجري فيه التوارث.
وقال المالكية(١) : السقف الذي بين الطابقين لصاحب السفل، وعليه
إصلاحه وبناؤه إن انهدم ، ولصاحب العلو الجلوس عليه ، أي كما قال الحنفية .
وقال الشافعية (٢): السقف مشترك بين صاحب العلو والسفل كالجدار بين
ملكين ، لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه ساتر لصاحب السفل وأرضه لصاحب
العلو، فلصاحب العلو الاستناد إليه، وليس لأحدهما دق وتد أو فتح كوة ونحوه مما
يضايق إلا بإذن الآخر. ولصاحب العلو الانتفاع بالسقف بحسب العادة، وإذا انهدم
المشترك بين اثنين ليس لأحدهما إجبار الآخر على العمارة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر
والممتنع يتضرر بتكليف العمارة .
ولا يباع حق التعلي عند الحنفية استقلالاً، فبيعه غير صحيح، لأنه ليس بمال .
وقال غير الحنفية: يجوز بيعه استقلالاً؛ لأن الحقوق أموال عندهم. وهذا هو
المعقول والأصح فقهاً وعرفاً وعملاً .
واختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في مدى حق التصرف لكل من صاحب العلو
وصاحب السفل(٣):
فقال أبو حنيفة : الأصل في تصرفات المالك في ملكه، إذا تعلق به حق الغير:
(١)
القوانين الفقهية : ص ٣٤١ .
(٢)
مغني المحتاج : ١٩٣/٢، روضة الطالبين للنووي: ٢١٩/٤، ٢٢٦.
(٣)
تبيين الحقائق: ١٩٤/٤ - ١٩٦، فتح القدير: ٥٠٢/٥ وما بعدها، ٥٠٦، البدائع: ٢٦٤/٦ وما بعدها، الدر
المختار ورد المختار : ٢٧٥/٤ - ٣٧٧ .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٩)
- ٦٠٩ -

الحظر؛ لأنه تصرف في محل تعلق به حق محترم للغير، فليس للجار التصرف في ملكه
من غير رضا صاحب الحق ، وإن لم يضره هذا التصرف .
وبناء عليه : ليس لصاحب السفل أن يحدث في بنائه أي تغيير، كدق وتد ، أو
فتح نافذة، أو رفع جدار، إلا برضا صاحب العلو، وإن لم يضر به . وليس لصاحب
العلو زيادة بناء يوهن السفل .
وقال الصاحبان: الأصل في تصرف الجار الإباحة ؛ لأنه تصرف في ملكه،
والملك يقتضي إطلاق التصرف، كما يشاء المالك، إلا إذا لحق بسببه ضرر بالغير،
فيمنع حينئذ المالك منه، وبناء عليه: لصاحب السفل أو الطابق الأدنى أن يصنع
ما لا يضر بالبناء الأعلى .
وهذا الرأي هو المعقول، والأصح في تقديري، وهو الاستحسان المفتى به عند
. (١)
الحنفية(١).
الله
صا فى ملكه.
المطلب السابع - حق الجوار:
تعريفه، ومدى صلاحيته أو حق الجار بالتصرف في ملكه .
حق الجوار : المراد به هو حق الجوار الجانبي : وهو الناشئ عن تلاصق الحدود
وتجاورها، ويكون لكل من الجارين الحق في الارتفاق بعقار جاره، على ألا يلحق
به ضرراً بيناً فاحشاً.
والامتناع عما يوذي الجار واجب ديانة، لقوله ◌ُ له: (( لا يدخل الجنة من
لا يأمن جاره بوائقه)»(٣) أي غوائله وشروره، ومع ذلك للفقهاء آراء قضائية في منع
انظر الدر المختار : ٣٧٥/٤ .
(١)
رواه مسلم عن أبي هريرة .
(٢)
- ٦١٠ -
....

الضرر بالجار(١) :
فقال أبو حنيفة بمقتضى القياس ، والشافعية والظاهرية : لصاحب الملك أن
يفعل في ملكه ما يشاء، وهو مطلق التصرف في خالص ملكه، وإن ألحق الضرر
بغيره ، فله فتح ما شاء من النوافذ، وهدم ما شاء من الجدران ، وحفر ما رأى من
الآبار، وإنشاء ما يشاء من المصانع، واتخاذ ما أراد من السكنى أو المتجر.
لكن في الجدار المشترك: قال الشافعية في الجديد(٢): ليس لأحد الشريكين
وضع جذوعه عليه بغير إذن شريكه، وليس له أن يدق وتدا أو يفتح كوَّة أو نحوهما
مما يضايق فيه عادة إلا بإذن شريكه، ولا أن يستند إليه ويسند متاعاً لا يضر، وله
ولغيره مثل هذا الانتفاع في جدار الأجنبي ؛ لأنه لا ضرر على المالك، فلا يضايق
فيه، بل له الانتفاع ، ولو منعه المالك .
وقال الصاحبان بمقتضى الاستحسان الذي أخذت به المجلة : يتقيد استعمال
مالك العقار وتصرفه بما لا يؤدي إلى ضرر بيّن فاحش بجاره، ولقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار)). وهذا هو المفتى به عند الحنفية.
والضرر البين الفاحش: ما يكون سبباً لهدم أو سقوط بناء الجار، أو ما يوهن
البناء، أو ما يوذي الجار أذىّ بالغاً على وجه دائم، أو ما يؤدي إلى سلخ حق الانتفاع
بالكلية : وهو ما يمنع من الحوائج الأصلية ، كأن يحول داره إلى فرن أو مصنع للحديد
أو مطحنة للحبوب ، أو حمام أو تنور أو يبني جداراً يمنع به الضرر عن جاره .
فإن فعل شيئاً مما ذكر، منع منه، وأمر یازالته، وكان ضامناً ما يترتب عليه من
تلف بدار جاره، سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبب.
(١) البدائع: ٢٦٤/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٥٠٦/٥، المبسوط: ٢١/١٥، الام: ٢٢٢/٣ وما بعدها، ط
الأميرية ، المحلى: ٢٤١/٨، م ١٣٥٥، مختصر المعاملات الشرعية: ص ٢٣ .
(٢)
مغني المحتاج : ١٨٩/٢ .
- ٦١١ -

وقال المالكية والحنابلة(١): يتقيد استعمال المالك بألا يضر بالآخرين،
ولو بالنية والقصد، فإن لم تكن له مصلحة ظاهرة في التصرف، أو لم يقصد سوى
الإضرار بالآخرين ، منع منه؛ لأن المسلم ممنوع من قصد الإضرار.
لكن المشهور عند المالكية أن الشخص لا يمنع إذا أراد أن يعلي بنياناً يمنع جاره
الضوء والشمس ، ويمنع إذا أراد أن يبني بنياناً يمنع الهواء. واتفق المالكية على منع
أنواع من الضرر المحدث، هي: فتح كوة أو طاقة يكشف منها على جاره، فيؤمر
بسدها أو سترها ، وأن يبني شخص في داره فرناً أو حماماً أو کیر حداد، أو صائغ، مما
يضر بجاره دخانه، فيمنع منه إلا إن احتال في إزالة الدخان . وأن يصرف ماءه على
دار جاره أو على سقفه، أو يجري في داره ماء، فيضر بحيطان جاره. ومن طرق
تجنب الضرر: كاتم الصوت وعازل الجزارة، وصفاية الدخان .
والخلاصة : أن الاتجاه الأقوى في الفقه الإسلامي يجيز للمالك أن يتصرف في
ملكه بما لا ضرر فيه على الجار، أما ما بان ضرره الفاحش ، أو أشكل فيه الحال، فإنه
ممنوع.
وإذا كان الشيء قديماً قبل الجوار، يظل قائماً ، ما لم يكن فيه ضرر بالجار
الجديد .
(١)
الموافقات : ٣٤٩/٢ ، القوانين الفقهية: ص ٣٤١ .
- ٦١٢ -
.---

الفصل الخامس
عقود استثمار الأرض
المزارعة، المساقاة ، المغارسة
العقد الأول - المزارعة أو المخابرة
١
تعريفها ، ومشروعيتها ، وركنها وصفة العقد ، وشرائطها ، وأنواعها أو أحوالها ،
وحكمها وانتهاؤها وحالات فسخها، وفيه مباحث خمسة :
المبحث الأول - تعريف المزارعة ومشروعيتها وركنها وصفة
العقد :
أولاً - تعريف المزارعة : المزارعة لغة. مفاعلة من الزرع: هو الإنبات.
وشرعاً: عقد على الزرع ببعض الخارج(١). وعرفها المالكية: بأنها الشركة في
الزرع(٢). وعرفها الحنابلة بأنها : دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها، والزرع
(٣)
بينهما (٢).
وتسمى أيضاً المخابرة (من الخبار: وهي الأرض اللينة)، والمحاقلة، ويسميها
أهل العراق: القَراح. ووصف الشافعية(٤) المخابرة بأنها : عمل الأرض ببعض ما يخرج
البدائع: ١٧٥/٦، تبيين الحقائق: ٢٧٨/٥، الدر المختار: ١٩٣/٥، تكملة الفتح: ٣٢/٨.
(١)
(٢)
الشرح الكبير: ٣٧٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٨٠ .
(٣)
المغني: ٣٨٢/٥، كشاف القناع: ٥٢٣/٣.
مغني المحتاج : ٣٢٣/٢ وما بعدها .
(٤)
- ٦١٣ -

منها ، والبذر من العامل. والمزارعة : هي المخابرة، ولكن البذر فيها يكون من
المالك .
ثانياً - مشروعيتها : لم يجز أبو حنيفة وزفر المزارعة ، وقالا : هي فاسدة،
وبعبارة أخرى: المزارعة بالثلث والربع في رأيها باطلة(١). وكذلك لم يجز الشافعي
المزارعة وإنما تجوز عند الشافعية فقط تبعاً للمساقاة للحاجة، فلو كان بين النخل
بياض صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل بشرط اتحاد العامل ، وعسر إفراد
النخل بالسقي، والبياض بالعمارة: وهي الزراعة لانتفاع النخل بسقي الأرض
وتقليبها . والأصح أنه يشترط : ألا يفصل العاقدان بين العقدين وإنما يؤتى بها على
الاتصال، وألا يقدم المزارعة على المساقاة ، لأنها تابعة ، والتابع لا يقدم على متبوعه.
ولا تجوز المخابرة عند الشافعية تبعاً للمساقاة، لعدم ورود مشروعيتها(٢). ودليل أبي
حنيفة وزفر والشافعي على عدم مشروعية المزارعة أن النبي صَ لّ نهى عن المخابرة(٣):
وهي المزارعة . ولأن أجر المزارع: وهو مما تخرجه الأرض إما معدوم لعدم وجوده عند
العقد، أو مجهول لجهالة مقدار ما تخرجه الأرض، وقد لا تخرج شيئاً، وكل من
الجهالة وانعدام محل العقد مفسد عقد الإجارة.
وأما معاملة النبي ◌ُ ◌ّ أهل خيبر - كما سيأتي - فكان خراج مقاسمة(٤) كثلث أو
ربع غلة الأرض ، بطريق المن والصلح، وهو جائز.
العناية بهامش تكملة الفتح: ٣٢/٨، وتقييدهم بالثلث والربع باعتبار العادة في ذلك، ولتقرير محل النزاع ، إذ
(١)
لو لم يعين المقدار فسدت اتفاقاً .
(٢)
مغني المحتاج: ٣٢٤/٢، المهذب : ٣٩٤/١ .
أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ، وأخرجه أيضاً عن ابن عمر: أن رافع بن خديج روى أن رسول الله مئّ
(٣)
نهى عنه ( نصب الراية: ١٨٠/٤) وروى مسلم أيضاً عن ثابت بن الضحاك ((أن رسول الله مع الله نهى عن
المزارعة)) وروى أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري حديث رافع بالنهي عن كراء الأرض ( نيل الأوطار:
٢٧٥/٥، ٢٨٠ ) .
الخراج نوعان : خراج وظيفة: وهو فرض جزء مقطوع معلوم سنوياً على جزء معلوم من مساحة الأرض
(٤)
المفتوحة. وخراج مقاسمة: وهو فرض مقدار نسبة محددة من غلة الأرض كالنصف مثلاً .
- ٦١٤ _
7

وقال صاحبا أبي حنيفة ( أبو يوسف ومحمد)، ومالك وأحمد وداود الظاهري،
وهو رأي جمهور الفقهاء: المزارعة جائزة، بدليل أن النبي ◌ُ التّ عامل أهل خيبر
بشطرما يخرج من ثمر أو زرع(١). ولأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز
كالمضاربة ، لدفع الحاجة ، فصاحب المال قد لا يحسن الزراعة، والعامل يتقنها ،
فيتحقق بتعاونها الخير والإنتاج والاستثمار. والعمل والفتوى عند الحنفية على قول
الصاحبين ، لحاجة الناس إليهم ولتعاملهم . وهذا هو الراجح .
ثالثاً - ركن المزارعة وصفة العقد: ركن المزارعة عند الحنفية: الإيجاب
والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل : دفعت إليك هذه الأرض مزارعة
بكذا ، ويقول العامل : قبلت، أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا
تم العقد بينهما (٢).
فأطرافها ثلاثة : صاحب الأرض أو المالك ، والعامل أو المزارع، ومحل العقد،
المتردد بين أن يكون منفعة الأرض أو عمل العامل. وهي عند الحنفية : عقد إجارة
ابتداء ، شركة انتهاء، فإن كان البذر من العامل فالمعقود عليه منفعة الأرض، وإن
كان من صاحب الأرض فالمعقود عليه منفعة العامل .
وقال الحنابلة(٢): ولا تفتقر المزارعة والمساقاة إلى القبول لفظاً، بل يكفي
الشروع في العمل قبولاً، كالوكيل .
وأما صفة المزارعة : فهي عند الحنفية كبقية الشركات عقد غير لازم. وقال
المالكية (٤): وتلزم بالبذر ونحوه أي بإلقاء الحب على الأرض لينبت، أو بوضع
(١) رواه الجماعة ( أحمد والأئمة الستة) عن ابن عمر، وروي أيضاً عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ( نيل
الأوطار : ٢٧٢/٥ ) .
(٢)
البدائع : ١٧٦/٦ .
(٣)
كشاف القناع : ٥٢٨/٣ وما بعدها .
(٤)
الشرح الصغير : ٣٩٢/٣ .
- ٦١٥ -

الزريعة في الأرض مما لا بذر لحبه كالبصل ونحوه. والمعتمد عند المالكية أن شركات
الأموال تلزم بالصيغة .
وقال الحنابلة(١) : المزارعة والمساقاة عقدان غير لازمين، لكل طرف فسخهما،
ويبطل العقد بموت أحد المتعاقدين .
المبحث الثاني - شرائط المزارعة :
اشترط الصاحبان من الحنفية(٢) في المزارعة شرائط: في العاقد، وفي الزرع
والمزروع، وفي الخارج من الزرع، وفي الأرض المزروعة، وفي محل العقد، وفي آلة
الزراعة ، وفي مدة المزارعة .
شروط العاقد : يشترط شرطان عامان في العقود .
أ- أن يكون العاقد عاقلاً (مميزاً): فلا تصح مزارعة المجنون والصبي غير المميز؛
لأن العقل شرط أهلية التصرفات .
وأما البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة، فتجوز مزارعة الصبي المأذون ،
كالإجارة . والمزارعة استئجار ببعض الناتج .
٢ - ألا يكون مرتداً - في رأي أبي حنيفة - لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده،
فلا تصح للحال . ولا يشترط هذا الشرط عند الصاحبين ، فتعتبر مزارعة المرتد نافذة
للحال .
أما المرتدة فتصح مزارعتها باتفاق الحنفية .
شرط الزرع: أن يكون معلوماً ، بأن يبين ما يزرع؛ لأن حال المزروع
(١)
غاية المنتهى : ١٥٤/٢ .
(٢)
البدائع: ١٧٦/٦ - ١٨٠. تكملة الفتح مع العناية: ٣٤/٨ وما بعدها، الكتاب مع اللباب: ٢٣٠/٢ ، تبيين
الحقائق : ٢٧٩/٥ ، الدر المختار : ١٩٣/٥.
- ٦١٦ -

يختلف باختلاف الزرع ، بالزيادة والنقصان ، فرب زرع يزيد في الأرض، وآخر
ينقصها. ومقتضى الاستحسان: أن بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط ، إذا نص
على المزارعة ، فإن ما يزرع مفوض للعامل .
شرط المزروع: أن يكون قابلاً لعمل الزراعة: وهو أن يؤثر فيه العمل
بالزيادة بحسب العادة .
شروط الخارج الناتج من الزرع : تشترط شروط إذا لم تتحقق فسد العقد
وهي :
١ - أن يكون معلوماً في العقد؛ لأنه بمثابة الأجرة وجهالتها تفسد الإجارة.
٢ - أن يكون مشتركاً بين العاقدين : فلو شرط تخصصه بأحدهما فسد العقد.
٣ - أن يكون الناتج معلوم القدر كالنصف والثلث والربع ونحوه ؛ لأن ترك
التقدير يؤدي إلى الجهالة المفضية إلى المنازعة ١٨٠
٤ - أن يكون الناتج جزءاً مشاعاً بين العاقدين، فلو شرط لأحدهما مقدار
معلوم كأربعة أمداد أو بقدر البذر، لم يصح العقد، لجواز ألا ينتج إلا ذلك القدر.
ولا يصح أيضاً اشتراط كون الناتج على السواقي أو الجداول لأحدهما ، لاحتمال
ألا ينبت الزرع إلا في ذلك الموضع .
ولا يصح أيضاً اشتراط كون التبن لأحدهما، وللآخر الحب ؛ لأن الزرع قد
تصيبه آفة ، فلا ينعقد الحب، ولا يخرج إلا التبن .
شروط الأرض المزروعة : يشترط في الأرض المزروعة ما يأتي :
١ - أن تكون صالحة للزراعة: فلو كانت سبخة أونزة، لا يجوز العقد ؛ لأن
المزارعة عقد استئجار ببعض الناتج، والسبخة والنزة لا تجوز إجارتها ، فلا تجوز
مزارعتها .
- ٦١٧ _

٠
٢ - أن تكون معلومة: فإن كانت مجهولة لا تصح المزارعة؛ لأنها تؤدي إلى
المنازعة .
٣ - التخلية بين الأرض والعامل، فتسلم إلى العامل مخلاة: وهو أن يوجد من
صاحب الأرض التخلية بين الأرض وبين العامل، فلو شرط العمل على رب الأرض
أو عليهما معاً، لا تصح المزارعة ، لانعدام التخلية .
شرط محل العقد: أن يكون المعقود عليه في المزارعة مقصوداً بحسب العرف
والشرع: أي من الأعمال الزراعية عرفاً وشرعاً، من حيث إنها إجارة أحد أمرين:
إما منفعة عمل العامل: بأن كان البذر من صاحب الأرض. وإما منفعة الأرض : بأن
كان البذر من العامل .
وإذا اجتمع الأمران في الاستئجار، فسدت المزارعة، وتفسد إذا كان العمل غير
زراعي كقطع الأحجار ونقلها ورصف جوانبها مثلاً بالحجارة؛ لأنها ليست من
أعمال المزارعة .
شرط آلة الزراعة : أن تكون الآلة من دابة أو آلة حديثة أمراً تابعاً في العقد ،
لا مقصوداً، فإن جعلت أمراً مقصوداً، فسدت المزارعة .
شرط مدة المزارعة : أن تكون المدة معلومة ، فلا تصح المزارعة إلا بعد بيان
المدة؛ لأنها استئجار ببعض الناتج، ولا تصح الإجارة مع جهالة المدة، والمدة
متعارفة، فتفسد بما لا يتمكن العامل فيها، وبما لا يعيش إليها أحد العاقدين .
والمفتى به أن المزارعة تصح بلا بيان مدة ، وتقع على أول زرع واحد (١).
وفي الجملة : تصح المزارعة عند الصاحبين بشروط ثمانية :
(١) الدر المختار: ١٩٣/٥.
- ٦١٨ -

١ - أهلية العاقدين ٢ - وتعيين مدة العقد، والمفتى به أنه لا يشترط ذلك.
٣ - وصلاحية الأرض للزراعة. ٤ - والتخلية بين الأرض والعامل . ٥ - وأن يكون
الناتج مشتركاً مشاعاً بين العاقدين تحقيقاً لمعنى الشركة. ٦ - وبيان من عليه البذر
منعاً للمنازعة، وإعلاماً للمعقود عليه: وهو منافع الأرض أو منافع العامل . ٧ -
وبيان نصيب كل من العاقدين(١) سواء من قدم البذر أو من لم يقدمه. ٨ - وبيان
جنس البذْر ليصير الأجر معلوماً؛ لأن الأجر جزء من الناتج ، فلا بد من بيانه، ليعلم
أن الناتج من أي نوع؛ لأنه ربما يعطي بذراً لا يحصل الناتج به إلا بعمل كثير.
والاستحسان : أن بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط .
شروط المزارعة عند المالكية (٢):
اشترط المالكية ثلاثة شروط للمزارعة :
١ - السلامة من كراء الأرض بأجر ممنوع كراؤها به، بألا تقع الأرض أو بعضها
في مقابلة بذر، أو طعام ولو لم تنبته الأرض كعسل، أو ما تنبته ولو غير طعام
كقطن وكتان ، إلا الخشب، أي إنه لا بد لصحة المزارعة من كرائها بذهب أو فضة أو
عرض تجاري أو حيوان. ولا بد من كون البذر من صاحب الأرض والعامل معاً، فلو
كان البذر من أحدهما والأرض للآخر، فسدت المزارعة .
وسبب اشتراط هذا الشرط: ورود النهي في السنة عن كراء الأرض بما يخرج
منها(٣) . فلا تصح في مقابل جزء من الخارج.
(١) المذكور في الهداية: بيان نصيب من لا بذر من قبله، لأنه يستحق عوضاً بالشرط ، فلا بد من أن يكون
معلوماً ، وما لا يعلم لا يستحق شرطاً بالعقد . لكن قال قاضي زاده معلقاً عليه : لا شك أن بيان نصيب كل
من المتعاقدين مما لا بد منه في عقد المزارعة ، فعد بان نصيب من لا بذر من قبله ، من الشرائط دون بيان
نصيب الآخر ، مما لا يجدي كبير طائل . فتأمل ( تكملة الفتح: ٣٤/٨) .
(٢)
الشرح الكبير: ٣٧٢/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٤٩٤/٣ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٨٠ .
(٣)
رواه أحمد والبخاري والنسائي من حديث رافع بن خديج ( نيل الأوطار : ٢٧٥/٥).
- ٦١٩ -

٢ - تكافؤ الشريكين أو تساويها فيما يخرجان أو يقدمان: بأن يقابل أجر
الأرض مساوغير بذر كعمل حيوان ونحوه، وعلى قدر الربح الواقع بينهما ، كأن
تكون أجرة الأرض مئة، وما يقابلها من تقديم حيوان وعمل سوى البذرمئة،
والربح بينهما مناصفة ، فتصح وإلا فسدت. ويجوز لأحدهما التبرع للآخر بالزيادة
من عمل أو ربح ، بعد لزوم الشركة .
٣ - تماثل البذرين المقدمين من كليهما نوعاً كقمح أو شعير أو فول. فإن اختلف
بذر أحدهما عن الآخر، كأن أخرج أحدهما من البذر غير ما أخرجه الآخر، فدت
المزارعة ، ولكل ما أنبته بذره .
ومذهب مالك وابن القاسم، وهو الراجح الذي به الفتوى : أنه لا يشترط كما في
شركة الأموال - خلط البذرين حقيقة ولا حكماً، بل إذا خرج كل منهما ببذره وكان
بذر كل منهما مستقلاً عن الآخر، فالشركة صحيحة .
والخلاصة : أن المالكية يشترطون تقديم البذر من كلا العاقدين ، وتساويها فيه
نوعاً، وتماثلهما في الربح وفيا يقدم كل منهما من شيء عيني كالأرض ، وما يقابلها من
منفعة حيوان وعمل، وألا تكون المزارعة بجزء ناتج من الأرض، وإنما بعوض آخر غير
محصول الأرض. ويلاحظ أن هذه الشروط شديدة لا تنطبق مع واقع المزارعة
القائم.
أما الشافعية(١) : فلم يشترطوا في المزارعة التي تصح تبعاً للمساقاة أن يتساوى
العاقدان في الجزء المشروط من الثمر والزرع، فيصح أن يشرط للعامل نصف الثمر،
وربع الزرع مثلاً. كذلك حددوا محل منع كراء الأرض بما يخرج منها بما إذا كان
المشروط من خصوص بقعة معينة . وقالوا : إن المزارعة : هي عمل الأرض بما يخرج
منها ، والبذر من المالك .
(١) مغني المحتاج: ٣٢٣/٢ -٣٢٥ .
- ٦٢٠ -
- - .
----