Indexed OCR Text

Pages 541-560

النبي بني النضير على أن يجليهم من المدينة، ولهم ما أقلت الإبل من المتعة والأموال إلا
الحلقة (السلاح) وكانت مما أفاء الله على رسوله(١).
ويوضع على هذه الأرض الخراج، ويكون تابعاً لها، فإذا اشترى مسلم بعضاً
منها ، ظل ملتزماً بضريبة الخراج ؛ لأنه يعتبر أجرة في نظير الانتفاع بالأرض ، وهذا
أمر متفق عليه بين الفقهاء(٢).
وفي الحالة الثانية: تكون الأرض ملكاً لأهلها بموجب الصلح، باتفاق
الفقهاء، ويلتزم المسلمون بتنفيذ شروط الصلح كاملة، ما دام هؤلاء قائمين على
الصلح، ولكن يوضع الخراج على الأرض يؤدونه عنها ، ويكون لبيت المال(٣)، وهذا
الخراج يعتبر في حكم الجزية، فمتى أسلموا سقط عنهم عند الجمهور والشيعة الإمامية (٤)،
بدليل ما كتب عمر بن عبد العزيز لعماله: ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض.
أما عند الحنفية والشيعة الزيدية : فلا يسقط ؛ لأن الخراج عندهم فيه معنى
المؤنة ومعنى العقوبة ، ولذا يبقى على المسلم ولا يبتدأ به(٥) .
وتعتبر دار هؤلاء المصالحين دار عهد أو صلح عند الشافعية وبعض الحنابلة(٦)،
(١)
الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي : ٥٤٢/١٠.
المدونة: ٢٦/٣، المنتقى على الموطأ: ٢١٩/٣، الخرشي: ١٤٩/٣، ط ثانية، كشاف القناع: ٧٥/٣ ، المحرر:
(٢)
١٧٩/٢، أحكام أهل الذمة: ص ١٠٦، مفتاح الكرامة: ٢٤٩/٤، المختصر النافع: ص ١٤ .
الخراج: ص ٦٣ ، تبيين الحقائق: ٢٧٤/٣، حاشية ابن عابدين: ٥٣/٢، حاشية الدسوقي: ١٧٥/٢، القوانين
(٣)
الفقهية: ص ١٤٨، الأم : ١٠٣/٤، ١٩٣، الشرح الكبير للمقدسي : ٥٤٣/١٠ ، أحكام أهل الذمة : ص ١٠٥ ،
غاية المنتهى : ٤٦٧/١ ، ويلاحظ أن هذه المصادر عند الحنابلة تقرر وجود الخراج لنا لكن ورد في كشاف
القناع: ٦٨٦/٣ باب حكم الارضين المغنومة: لا خراج على أرض صولح أهلها على أن الأرض لهم ، كأرض
اليمن والحيرة ، كما لا خراج على ما أحياه المسلمون كأرض البصرة .
لباب اللباب : ص ٧٣ ، سنن البيهقي: ١٤١/٩، المحرر في الفقه الحنبلي: ١٧٩/٢، مفتاح الكرامة : ٢٣٩/٤ ،
(٤)
المختصر النافع : ص ١١٤ .
التلويح على التوضيح: ١٥٢/٢، المنتزع المختار : ٥٧٥/١ .
(٥)
الأحكام السلطانية للماوردي: ص ١٣٣، ولابي يعلى: ص ١٣٣، كشاف القناع: ٧٥/٣ .
(٦)
- ٥٤١ _

وعند الجمهور تعتبر الدار بالصلح دار إسلام، ويصير أهلها أهل ذمة تؤخذ منهم
الجزية .
ثانياً - أحكام الأراضي في داخل الدولة :
الأراضي نوعان: أرض مملوكة وأرض مباحة. والمملوكة نوعان : عامرة
وخراب ، والمباحة نوعان أيضاً : نوع هو من مرافق البلد للاحتطاب ورعي المواشي،
ونوع ليس من مرافقها وهو الأرض الموات أو ما يسمى الآن أملاك الدولة العامة،
والمقصود بالأرض العامرة هي التي ينتفع بها من سكنى أو زراعة أو غيرها. وأما
الأرض الخراب فهي المعروفة بالأرض المملوكة الغامرة : وهي التي انقطع ماؤها أو لم
تستغل بسكنى أو استثمار أو غيرهما. وسنعطي هنا فكرة إجمالية عن حكم كل أرض .
١ - حكم الأرض المملوكة العامرة: هو أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها من غير
إذن صاحبها .
٣ - حكم الأرض الخراب التي انقطع ماؤها: هذه الأرض ملك لصاحبها، وإن
طال الزمان على خرابها ، حتى إنه يجوز له بيعها وهبتها وإجارتها وتورث عنه إذا
مات .... هذا إذا عرف صاحبها ، فإن لم يعرف ، فحكمها حكم اللقطة .
وأما الكلاً(١) الذي ينبت في أرض مملوكة فهو مباح للناس غير مملوك لأحد، إلا
إذا قطعه صاحب الأرض، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الناس شركاء في ثلاث:
الماء والكلأَ والنار)) (٢) فإذا قطع الكلا صاحب الأرض وأحرزه صار مملوكاً له؛ لأنه
الكلأَّ : الحشيش أو العشب الذي ينبت في الأرض من غير صنع أحد .
(١)
رواه أحمد وأبو داود عن بعض أصحاب النبي ◌َّرَ بلفظ ((المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلاً والنار))
(٢)
وبلفظ ((الناس شركاء .. )) ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وزاد ((وثمنه حرام)) ورواه الطبراني في معجمه
عن ابن عمر، ورواه غيرهم (راجع تحقيق وتخريج أحاديث تحفة الفقهاء : ٤٣٠/٣ وما بعدها ، نصب الراية :
٢٩٤/٤ ، سبل السلام : ٨٦/٣ ) ..
- ٥٤٢ -

استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه كالماء المحرز في الأواني والظروف وسائر
المباحات، قال معروفةٍ: ((من سبق إلى مالم يسبق إليه مسلم فهو له))(١).
والمروج غير المملوكة، والآجام(٢) غير المملوكة، والسمك وسائر المباحات
كالطير، تعتبر في حكم الكلا .
وأما الحطب والقصب في الأجمة المملوكة: فليس لأحد أن يقطعها إلا بإذن
المالك ؛ لأن ذلك مملوك لصاحب الأجمة ينبت على ملكه، وإن لم يوجد منه الإنبات
أصلاً؛ لأن ملك القصب والحطب مقصود من ملك الأجمة، فيملك بملكها ، بخلاف
الكلأ، فإنه غير مقصود، وإنما المقصود زراعة الأرض (٣).
وإذا كان الكلا مستنبتاً في أرض مملوكة، بفعل صاحبها وسقيه، كان ملكاً
خاصاً له .
٣ - حكم الأرض الموات : الأرض الموات كما عرفنا نوعان :
أحدهما : ما كان من مرافق أهل بلدة يستعمل مرعى للمواشي ومحتطباً لهم أو
مقبرة لموتاهم أو ملعباً لصغارهم، سواء أكانت داخل البلدة أم خارجها، فيكون حقاً
لهم لا مواتاً، فلا يجوز للإمام أن يقطعه لأحد، لما يترتب عليه من الاضرار بأهل
البلدة ، ولكن ينتفع بالحطب والقصب الذي في هذه الأرض من قبل أهل البلدة
وغيرهم ، وليس لهم أن يمنعوها عن غيرهم ؛ لأنها ليست مملوكة لهم .
والحد الفاصل فيما يعتبر قريباً من البلدة: هو المكان الذي يسمع فيه الرجل
صوت الشخص الذي يناديه من آخر أرض مملوكة، فإذا لم يسمع الصوت ، فهو موات
رواه أبو داود عن أسمر بن مضرس ، وصححه الضياء في المختارة ، وقال البغوي : لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا
(١)
الحديث ( نيل الأوطار : ٣٠٢/٥ وما بعدها ) .
(٢)
الاجمة بالتحريك : الشجر الكثير الملتف جمع أجم ، وأجم ، واجمات ، وجمع الجمع آجام
البدائع : ١٩٢/٦ وما بعدها .
(٣)
- ٥٤٣ -

لا يتبع تلك البلدة. ومثل أرض القرية: أرض الملح والقار(١) والنفط ونحوها مما
لا يستغني عنه المسلمون ، فهي لا تعد أرض موات، فلا يجوز إقطاعها لأحد، وإنما
تكون حقاً لجماعة المسلمين .
والثاني : مالا يكون تبعاً لقرية من القرى وهو الموات في اصطلاح الفقهاء.
والموات : هو مالا يملكه أحد ولا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه أو
لغلبة الماء عليه وما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة: بأن غلبت عليه الرمال مثلاً، ولا
يكون مملوكاً لمسلم أو ذمي، وأن يكون في رأي أبي يوسف بعيداً عن القرية بحيث إذا
وقف إنسان في طرف الدور، فصاح ، لا يسمع الصوت من كان فيه .
إلا أن هذا الشرط الأخير لا يعتبر في ظاهر الرواية، وإنما يكفي عدم ارتفاق
أهل القرية به، وإن كان قريباً منهم وهو المفتى به عند الحنفية. فإذا كانت الأرض
مملوكة لأحد لم تكن مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها فهي لقطة يتصرف بها الإمام .
وإحياء الأرض. معناه إصلاحها ببناء أو غرس أو سقي أو تفجير ماء أو حرث
بحيث تصبح الأرض منتفعاً بها(٢) . أما لو وضع حول الأرض أحجاراً أو تراباً أو
حاطها بحائط صغير، وجعل ذلك حداً، فإنه لا يملكها؛ لأن هذا ليس بإحياء
للأرض، وإنما يصير متحجراً، ويكون أحق بها من غيره باتفاق الأئمة(٢)، لقول النبي
مُ طلقة: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)). وقوله عليه السلام أيضاً
((منى مناخ من سبق)) (4).
القار : مادة سوداء تطلى بها السفن ، وقيل هو الزفت .
(١)
البدائع ، المرجع السابق: ص ١٩٤، تكملة فتح القدير: ٨ ص ١٣٦ وما بعدها ، الدر المختار : ٥ ص ٣٠٦ .
(٢)
تكملة فتح القدير : ص ١٣٨ ، البدائع: ص ١٩٥ ، الدر المختار: ص ٣٠٧ ، المراجع السابقة ، الشرح الكبير
(٣)
للدردير: ٤ ص ٧٠ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٦٦، المغني: ٥ ص ٥١٨ ، ٥٣٨ ، المهذب : ١ ص ٤٢٥ .
رواه أحمد وأصحاب السنن : أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن السيدة عائشة رضي الله عنها ، قال
(٤)
الترمذي : حديث حسن . والمناخ : مبرك الإبل ، ومحل الإقامة ( راجع تحقيق وتخريج أحاديث تحفة الفقهاء
للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني: ٢ ص ٤٤٢، نيل الأوطار: ٨ ص ٢٢ ).
- ٥٤٤ -

ومن حجر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره ؛ لأن
التحجير كما قلنا ليس بإحياء، وإنما هو إعلام بوضع الأحجار حول الأرض، وإعطاء
المحتجر الحق في ترك الأرض له مدة ثلاث سنين مأخوذ من قول عمر رضي الله عنه :
((ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق)) (١)، ولأن هذه المدة يحتاج إليها لتهيئة الأمور
والاستعداد لإتمام الأحياء .
هل يحتاج إحياء الموات إلى إذن الحاكم ؟: اختلف العلماء في ذلك ، فقال
أبو حنيفة والمالكية(٢): يحتاج إحياء الموات إلى إذن الإمام أو نائبه، لقوله عالٍ :
((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه))(٣) فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، فلا
یټلکه .
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة(٤): يجوز تملك الأرض بالإحياء، وإن لم
يأذن الإمام فيه، لقوله مُ اللّ: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم
حق) (٥) فهذا الحديث أثبت الملك للمحبي من غير اشتراط إذن الإمام، ولأن إحياء
الأرض مباح استولى عليه المحبي ، فيملكه بدون إذن الإمام، كما لو أخذ إنسان صيداً أو
حش كلاً.
رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب ( راجع نصب الراية: ٤ ص ٢٩٠ ، الخراج :
(١)
ص ٦٥ ) .
البدائع: ٦ ص ١٩٤، تكملة فتح القدير: ٨ ص ١٣٦، الدر المختار: ٥ ص ٣٠٩ ، الشرح الكبير للدردير:
(٢)
٤ ص ٦٩ .
رواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ، وفيه ضعف ( نصب الراية: ٣ ص ٤٣٠، ٤ ص ٢٩٠).
(٣)
مراجع الحنفية السابقة ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٦١ ، المغني: ٥ ص ٥١٣ وما بعدها .
(٤)
روي عن ثمانية : وهم عائشة وسعيد بن زيد ، وجابر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وفضالة بن عبيد،
(٥)
ومروان بن الحكم ، وعمرو بن عوف ، وابن عباس ، وحديث عائشة رواه البخاري وغيره ( راجع نصب
الراية: ٤ ص ٢٨٨، سبل السلام: ٣ ص ٨٣) قال هشام بن عروة في تفسير ((وليس لعرق ظالم حق)):
الظالم : أن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره ، فيغرس فيها .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٥)
- ٥٤٥ -

هل للبئر أو النهر في أرض الموات حريم(١)؟ إذا حفر الرجل بئراً في برية
أو حفر نهراً في أرض موات ، فيعتبر الحفر إحياء للأرض، ولكن هل للبئر أو للنهر
حريم ؟
اتفق الفقهاء على أن للبئر والنهر حريماً لا يجوز للآخرين التعدي عليه یاحیاء
الأرض مثلاً فيه ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل للبئر حريماً كما سنبين، إلا
أنهم اختلفوا في مقدار حريم البئر. واتفق الحنفية على أن حريم العين خمسمائة ذراع
من كل جانب، لقوله ◌ُ ◌ّ: ((للعين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون
ذراعاً))(٢) .
وأما حريم البئر والنهر ففيه خلاف: قال الحنفية: حريم بئر العطَن(٣): أربعون
ذراعاً لقوله مع قم: ((من حفر بئرً فله مما حولها أربعون ذراعاً عطناً(٤) لما شيته(٥)).
وأما حريم بئر الناضح(٦): فعند أبي حنيفة: أربعون ذراعاً، عملاً باطلاق
الحديث السابق ، ولأن حاجة الناضح تتحقق بأربعين ذراعاً من كل جانب كحاجة
بئر العطن .
الحريم : الموضع المجاور حول النهر أو البئر الذي تجب حمايته .
(١)
قال الزيلعي عن هذا الحديث : غريب . ثم بين أول الحديث من زيادة الزهري ( راجع نصب الراية :
(٢)
٤ ص ٢٩٢ ) .
بئر العطن بتحريك العين والطاء : هي التي ينزح منها الماء باليد . والعطن : موطن الابل ومبركها، أو
(٣)
مناخها حول الماء .
(٤)
أي مبركاً للماشية .
رواه ابن ماجه والطبراني عن عبد الله بن مغفل. قال ابن حجر: وإسناده ضعيف ، لأن فيه اسماعيل بن
(٥)
أسلم ، ورواه أيضاً أحمد في مسنده عن أبي هريرة بلفظ: ((حريم البئر أربعون ذراعاً من جوانبها كلها لأعطان
الإبل، والغنم، وابن السبيل أو الشارب، ولا يمنع فضل ماء، ليمنع به الكلا)) (نصب الراية: ٤ ص ٢٩١
وما بعدها ، سبل السلام: ٣ ص ٨٥ ) .
بئر الناضح : هي التي ينزح منها الماء بالبعير. والناضح : البعير .
(٦)
- ٥٤٦ -

وعند الصاحبين: حريم بئر الناضح ستون ذراعاً عملاً بالحديث السابق: ((حريم
العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً، وحريم بئر الناضح ستون
ذراعاً)» ولأنه قد يحتاج لهذه المسافة لتسيير الدابة للاستقاء.
وأما حريم النهر: فاختلف في تقديره أبو يوسف ومحمد . وقال أبو يوسف،
ورأيه هو المفتى به : يقدر بنصف أرض النهر من كل جانب. وقال محمد : يقدر بقدر
عرض النهر من كل جانب(١).
وفائدة تملك الحريم : هي أن من أراد أن يحفر فيه بئراً أو ينتفع به بشيء، فإنه
يمنع منه، ولمالك الحريم ردم البئر التي تحفر، أو تضمين الحافر النقصان ، ثم يردمه
بنفسه .
وقال المالكية: إن ما يضر بالماء حريم لكل بئر، ويزاد عليه بالنسبة لبئر الماشية
والشرب ما لا يضايق الوارد الذي يشرب من هذه البئر (٢).
وقال الشافعية: حريم البئر المحفورة في أرض الموات : هو بقدرما يقف فيه
النازح منها على رأس البئر ليستقي إن كانت البئر للشرب، وقدر ما يمر فيه الثيران
إن كانت للسقي .
5
وحريم النهر عند الشافعية: هو ملقى الطين وما يخرج منه من الرواسب،
ويرجع فيه إلى أهل العرف في الموضع(٣). واستدلوا بالحديث السابق: ((من حفر بئراً
فله مما حولها أربعون ذراعاً .. )) وبحديث مرسل عن سعيد بن المسيب: ((حريم البئر
البديء - أي المستحدث - خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم البئر العادية - أي القديمة -
البدائع: ٦ ص ١٩٥، تكملة فتح القدير: ٨ ص ١٣٩ وما بعدها ، الدر المختار ورد المختار عليه: ٥ ص ٣٠٨
(١)
وما بعدها .
(٢)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه : ٤ ص ٦٧ .
المهذب : ١ ص ٤٢٤ ، مغني المحتاج : ٢ ص ٣٦٣ .
(٣)
- ٥٤٧ -

خمسون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع))(١).
وقال الحنابلة: حريم البئر المستحدث خمسة وعشرون ذراعاً حواليها، وحريم
البئر القديم خمسون ذراعاً، بدليل حديث ابن المسيب السابق(٣). وسيأتي في بحث
إحياء الموات تفصيل الكلام في الحريم.
لله تعالى
(١) رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري عن سعيد بن المسيب . وأخرجه الدارقطني والخلال بإسنادهما عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ◌ُّ، وفيه ابن أبي جعفر ضعيف وهو عند أحمد عن أبي
هريرة ( نصب الراية : ٤ ص ٢٩٢ وما بعدها ، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء : ٣ ص ٤٣٩).
(٢)
المغني : ٥ ص ٥٤٠ .
- ٥٤٨ _

الفصل الثاني
إحياء الموات
( استصلاح الأراضي والبناء فيها )
خطة البحث :
الكلام في هذا الموضوع يشمل ما يأتي :
المبحث الأول - تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه .
المبحث الثاني - ما يقبل الإحياء من الموات .
المبحث الثالث - كيفية الإحياء وطرقه - التحجیر.
المبحث الرابع- شروطه .
المبحث الخامس - أحكامه - تملك الأرض ومقدار ما يملك (الحريم).
المبحث الأول - تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه
شرعاً :
تعريف إحياء الموات: الإحياء لغة : جعل الشيء حياً، أي ذا قوة حساسة
أو نامية. والموات: ما لا روح فيه، أو الأرض التي لا مالك لها، أو الأرض الخراب
الدارسة غير العامرة، وبإيجاز: هو الأرض التي لم تعمر، والمراد بإحياء الموات :
التسبب للحياة النامية، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بعدم الحياة، وإحياؤها:
عمارتها .
- ٥٤٩ _

وشرعاً: الإحياء: إصلاح الأرض الموات بالبناء أو الغرس أو الكرّاب(١)، أو غير
ذلك. والموات: الأرض التي لا عمارة ولا ماء فيها، ولا يملكها ولا ينتفع بها أحد (٢).
أو هو عند الحنفية الأرض التي تعذر زرعها لانقطاع الماء عنها ، أو لغلبته عليها ، غير
مملوكة، بعيدة من العامر. أو هو ما سلم عن اختصاص بإحياء أي بسبب إحياء(٢).
وحد الموات عند الشافعية: ما لم يكن عامراً، ولا حريماً لعامر، قرب من
العامر أو بعد (٤).
ومضمون التعاريف: هو أن إحياء الموات في الغالب: يعني استصلاح الأراضي
الزراعية أو جعلها صالحة للزراعة ، برفع عوائق الزراعة من أحجار وأعشاب منها،
واستخراج الماء، وتوفير التربة الصالحة للزراعة، وإقامة الأسوار عليها أو تشييد
البناء فيها .
والإحياء ورد عن الشارع مطلقاً، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى
العرف؛ لأنه قد يبين مطلقات الشارع، والذي يحصل به الإحياء في العرف أحد
خمسة أسباب : تبييض الأرض ، وتنقيتها للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر
الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع ، واستخراج الماء(٥) .
مشروعيته : ثبتت شرعية إحياء الموات بالسنة النبوية في أحاديث كثيرة
منها :
(١)
کرب الأرض : قلبها للحرث .
القوانين الفقهية: ص ٣٣٩، الشرح الكبير: ٦٦/٤، مغني المحتاج: ٣٦١/٢، كشاف القناع: ٢٠٥/٤.
(٢)
(٣)
الكنز للنسفي مع تبيين الحقائق: ٣٤/٦، اللباب مع الكتاب : ٢١٨/١ وما بعدها .
(٤)
مغني المحتاج ، المكان السابق . .
سبل السلام : ٨٢/٣ ٠
(٥)
- ٥٥٠ -

((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) (١)، ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق
ظالم حق))(٢) ((من عمر أرضاً ليست لأحد، فهو أحق بها))(٣) ((من سبق إلى ما لم يسبق
إليه مسلم فهو له، قال : فخرج الناس يتعادوْن يتخاطُون))(9).
دلت هذه الأحاديث على إباحة إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها ، ولم ينتفع
بها أحد ، فيحييها الشخص بالسقي ، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط
على الأرض بمقدار ما يسمى حائطاً في اللغة. قال عروة : قضى عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإِحياء، وإن اختلفوا
في شروطه .
وتدل الأحاديث أيضاً على أن الشرع رغب في الإحياء، لحاجة الناس إلى
موارد الزراعة ، وتعمير الكون ، مما يحقق لهم رفاهاً اقتصادياً، ويوفر ثروة عامة
کبری .
المبحث الثاني - الموات القابل للإحياء :
لا تصلح كل أرض للإحياء، وإنما منها ما يقبل الإحياء، ومنها ما لا يقبل.
وقد اتفق الفقهاء على أن الأرض التي لم يملكها أحد ، ولم يوجد فيها أثر عمارة
وانتفاع ، تملك بالإحياء .
رواه أحمد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقد رواه
(١)
ثمان من الصحابة .
(٢)
رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، وقال : هذا حديث حسن .
رواه مالك في موطئه، وأحمد والبخاري وأبو داود عن عائشة. قال ابن عبد البر: وهو مسند صحيح متلقى
(٣)
بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم. وروى أبو عبيد في الأموال عن عائشة ((من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو
أحق بها)).
رواه أبو داود عن أسمر بن مضرس . ومعنى يتعادون يتخاطون : المعاداة : الإسراع بالسير . ويتخاطون :
(٤)
يعملون على الأرض علامات بالخطوط ، وهي تسمى الخطط ، جمع خطة بكسر الخاء ( راجع الأحاديث كلها
في نيل الأوطار : ٣٠٢/٥، نصب الراية: ٢٨٨/٤ وما بعدها ) . .
- ٥٥١ -

كما اتفقوا على أن الأراضي التي لها مالك معروف بشراء أو عطية، لم ينقطع
ملکه، لا يجوز إحياؤها لأحد، غير أصحابها .
واختلفوا في أنواع أخرى من الأرض(١):
النوع الأول: ما ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر (درس) وعاد مواتاً:
قال الشافعية والحنابلة(٢): لا يملك بالإحياء؛ لأن الأحاديث التي أجازت
الإحياء مقيدة بغير المملوك: ((من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد)) ((ليس لعرق ظالم
حق))، ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك .
١
وقال أبو يوسف من الحنفية(٣). يملك بالإحياء، ما لا يعرف له مالك بعينه إذا
كان بعيداً من القرية، بحيث إذا وقف إنسان جهوري الصوت في أقصى العمران من
دور القرية، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع الصوت فيه. وعند محمد: إن ملكت في
الإسلام لا تكون مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها تكون لجماعة المسلمين . وظاهر الرواية
المفتى به : عدم ارتفاق البلدة به كما سنذكر.
وقال المالكية(٤): يملك بالإحياء ما اندرس من عمارة الأرض، لعموم الحديث :
((من أحيا أرضاً ميتة فهي له))، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى
تصير مواتاً ، عادت إلى الإباحة .
النوع الثاني : ما يوجد فيه آثار ملك قديم من الجاهلية كآثار الروم ومساكن
(١)
المغني: ٥١٣/٥ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٠٦/٤ .
(٢)
مغني المحتاج: ٣٦٢/٢، المهذب: ٤٢٣/١، المغني: ٥١٤/٥، كشاف القناع: ٢٠٦/٤ .
(٣)
الكتاب مع اللباب: ٢١٩/٢، تبيين الحقائق: ٣٥/٦، الدر المختار: ٣٠٧/٥ .
الشرح الكبير: ٦٦/٤، ٦٨ ، الشرح الصغير: ٨٧/٤ .
(٤)
- ٥٥٢ -

ثمود ونحوها يملك بالإِحياء في المذاهب الأربعة(١)، وهو الأظهر عند الشافعية، إذ
لا حرمة لملك الجاهلية، ولقوله تع الى: ((عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم))(1)
أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام.
والرأي الثاني للشافعي : أنه لا يملك بالإحياء ، لأنه ليس بموات .
النوع الثالث : ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين، أي لم
يعرف مالكه: يملك بالإحياء عند الحنفية والمالكية، وفي رواية عن أحمد ، لعموم
الأخبار الواردة في مشروعية الإحياء، ولأنه أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم،
فأشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك .
وقال الشافعية: هو مال ضائع، أمره إلى الإمام الحاكم في حفظه إلى ظهور
مالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه واستقراضه على بيت المال، أي لا يملك بالإحياء.
والصحيح عند الحنابلة: أنه لا يملك بالإحياء، فلا أثر لإحيائه ويكون فيئاً
بمنزلة ما جلا عنه الأعداء خوفاً منا ، أي يوزع في سبيل المصالح العامة(٣).
والخلاصة : أن الشافعية والحنابلة متفقون على أنه لا يملك بالإحياء، والحنفية
والمالکیة یقولون بجواز إحيائه .
توضيح آراء المذاهب في الموات القابل للإحياء :
يحسن بيان رأي كل مذهب على حدة فيما يقبل الإحياء.
١ - مذهب الحنفية(٤): الأرض الموات: هي أرض خارج البلد، لم تكن ملكاً
(١)
المراجع السابقة .
رواه عن طاوس سعيد بن منصور في سننه وأبو عبيد في الأموال ( المغني ، المكان السابق ) .
(٢)
(٣)
المراجع السابقة .
اللباب شرح الكتاب: ٢١٩/٢ وما بعدها، البدائع: ١٩٤/٦، تبيين الحقائق: ٣٤/٦ ، الدر المختار ورد المختار:
(٤)
٣٠٧/٥، تكملة الفتح: ١٣٦/٨ .
- ٥٥٣ -

الأحد، ولا حقاً له خاصاً. ففي داخل البلد لا يكون موات أصلاً، وكذا ما كان
خارج البلدة من مرافقها، محتطباً لأهلها، أو مرعى لهم. فلا يجوز إحياء ما قرب
من العامر؛ لأنه من مرافقه التابعة له ويترك مرعى لأهل القرية، ومطرحاً
لحصائدهم، لتحقق حاجتهم إليها ، فلا يكون مواتاً كالطريق والنهر.
فالمهم في الأرض غير المملوكة : عدم الارتفاق من أهل البلد، سواء قربت من
العامر أم بعدت. وهذا هو ظاهر الرواية وهو قول الأئمة الثلاثة، وهو المفتى به عند
الحنفية .
٢ - مذهب المالكية(١): موات الأرض: ما سلم عن اختصاص بإحياء (أي
بسبب إحياء لها بشيء) أو بسبب كونه حريم عمارة كمحتطب أو مرعى لبلد. فإذا
اندرست عمارتها من بناء أو غرس أو تفجير ماء ونحوها، لا يزول ملكها عمن
أحياها ، إلا ياحياء جديد من غيره بعد اندراسها بمدة طويلة يقدرها عرف الناس،
فتصبح حينئذ ملكاً للمحي الثاني .
وذلك سواء أكانت الأرض قريبة من العمران أم بعيدة من العمران ، إلا أن
الأولى يفتقر إحياؤها إلى إذن الحاكم.
٣ - مذهب الشافعية(٢): حد الموات: ما لم يكن عامراً، ولا حريماً لعامر
قرب من العامر أو بعد. أو هو الأرض التي لم تعمّر قط في بلاد الإسلام. ولا يملك
بالإحياء حريم معمور: وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع ، مثل مرتكض الخيل
ومناخ الإبل ومطرح الرماد ونحوها .
٤ - مذهب الحنابلة(٣): الموات: هو الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء،
٠
الشرح الكبير: ٦٦/٤، الشرح الصغير: ٨٧/٤ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩.
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٣٦١/٤، ٣٦٣ ، المهذب : ٤٢٣/١.
كشاف القناع : ٢٠٥/٤ ، المغني : ٥١٣/٥ وما بعدها ، ٥١٦ .
(٣)
- ٥٥٤ _

ولا عمارة، ولا ينتفع بها. أو هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم:
مسلم كان أو كافر. لكن لا يجوز إحياء ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه
ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته، والمتعلق بمصالح القرية كفنائها
ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها ، والحد الفاصل بين القريب
والبعيد يتحدد بالعرف .
والخلاصة : أن المذاهب متقاربة في أصلها ومختلفة في بعض الشروط والقيود.
المبحث الثالث - كيفية الإحياء وطرقه :
إحياء الأرض الموات: يكون باستصلاحها للزراعة بحسب عرف الناس
وعاداتهم ، كما قرر الشافعية ، لكن للمذاهب آراء في الموضوع.
قال الحنفية (١): إصلاح الأرض الموات يكون بالبناء أو الغرس أو الكراب
(قلبها للحرث)، أو إقامة المسنّاة (السد: وهو ما يبنى ليرد ماء السيل، والمراد هنا
الجسر)، أو شق النهر، أو إلقاء البذور، أو السقاية مع حفر الأنهار، أو التحويط
والتسنيم بحيث يعصم الماء ؛ لأنه من جملة البناء.
وعن محمد: أن المحبي لو حفر النهر، ولم يسق الأرض أو فعل العكس، يكون
فعله تحجيراً لا إحياء .
وقال المالكية(٢): الإحياء يكون بالبناء والغرس والزراعة والحرث وإجراء
المياه فيها وغيرها من أحد أمور سبعة هي :
الأول : بتفجير ماء لبئر أوعين، فيملك به، وكذا تملك الأرض التي تزرع به .
والثاني : بإزالة الماء منها حيث كانت الأرض غامرة بالماء.
(١)
تبيين الحقائق: ٣٦/٦ ، الهداية مع تكملة الفتح: ١٣٩/٨، اللباب مع الكتاب : ٢١٨/٢ .
(٢)
الشرح الصغير: ٩٣/٤، الشرح الكبير: ٦٩/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩.
- ٥٥٥ _

والثالث : ببناء أرض.
والرابع : بسبب غرس الشجر بها .
والخامس : بسبب تحريك أرض بحرثها ونحوه (الحراثة).
والسادس : يكون بسبب قطع شجر بها بنية وضع يده عليها .
والسابع : بسبب كسر حجرها مع تسوية الأرض .
وقال الشافعية(١) : الإحياء الذي يملك به: يختلف بحسب الغرض المقصود
من الأرض، ويرجع فيه إلى العرف، والعرف يمثل المصلحة عادة ؛ لأن الشرع
أطلقه، ولا حد له في اللغة ، فيرجع فيه إلى العرف كالقبض في المبيع والموهوب،
والحرز في السرقة : وهو في كل شيء بحسبه ، والضابط : التهيئة للمقصود .
فإن أراد إحياء الموات مسكناً، اشترط فيه تحويط البقعة بآجر أو لبن أو قصب
بحسب عادة ذلك المكان . والمعتمد أنه لا يكتفى بالتحويط من غير بناء، بل لا بد من
البناء، ويشترط سقف بعض الأرض ليتهيأ للسكنى، وتعليق (نصب) باب؛ لأن
العادة في المنازل أن يكون لها أبواب ، ولا تصلح الأرض للسكنى بما دون ذلك (أي
بالبناء والسقف وتركيب باب).
وإن أراد إحياء الموات زريبة دواب أو نحوها، كحظيرة لجمع ثمار وغلات
وغيرها ، فيكتفى بالتحويط بالبناء بحسب العادة، ولا يشترط سقف شيء؛ لأن
العادة فيها عدمه . ولا بد فيه من تركيب باب على الأرجح مع البناء أو التحويط
بالبناء .
وإن أراد إحياء الموات مزرعة ، فيطلب جمع التراب حولها، وتسوية الأرض،
وترتيب ماء لها بشق ساقية من نهر، أو بحفر بئر أو قناة أو نحوها ، إن لم يكفها المطر
(١) مغني المحتاج: ٣٦٥/٤ وما بعدها، المهذب: ٤٢٤/١.
- ٥٥٦ _

المعتاد . ولا تشترط الزراعة فعلاً في الأصح، لأنه استيفاء منفعة الأرض، وهو خارج
عن الإحياء، كما لا يعتبر في إحياء الدار سكناها. والخلاصة : أنه بالتحويط وتسوية
الأرض وإيجاد الماء .
وإن أراد إحياء الموات بستاناً، فيشترط جمع التراب حول الأرض كالمزرعة ،
والتحويط حيث جرت العادة به عملاً بها ، وتهيئة ماء كما تقرر في المزرعة . ويشترط
أيضاً في البستان غرس البعض على المذهب . فهذا الإحياء يكون بالتحويط وتسوية
الأرض وإيجاد الماء والغرس .
وقال الحنابلة (١): إحياء الأرض: أن يحوط عليها حائطاً منيعاً، سواء أرادها
للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب أو غيرها، لقوله عالٍ: ((من أحاط حائطاً
على أرض، فهي له))(٢)، ولأن الحائط حاجز منيع، فكان إحياء.
وكالحائط: إجراء ماء للأرض من نهر أو بئر إن كانت لا تزرع إلا به ، أو حفر
بئر فيها ينبع منها الماء، فإن لم يخرج الماء فهو كالمحتجر الشارع في الإحياء.
ومثل الحائط: أن يغرس فيها شجراً، أو أن يمنع عن الموات ما لا يمكن زرعها
إلا بحبسه عنها كأرض البطائح(٣).
وفي الجملة: الإحياء يكون إما بالتحويط المنيع أو إيجاد الماء أو غرس الشجر.
ولا يحصل الإحياء بمجرد الخرث والزرع ؛ لأنه لا يراد للبقاء بخلاف الغرس، كما
لا يحصل الإحياء أيضاً بخندق يجعله حول الأرض التي يريد إحياءها ولا بشوك
وشبهه يحوطها به ، ويكون تحجراً .
(١)
المغني: ٥٣٨/٥ ، كشاف القناع: ٢١٢/٤ .
رواه أحمد وأبو داود عن جابر ، ولهما مثله عن سمرة بن جندب .
(٢)
(٣)
البطحاء والأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى .
- ٥٥٧ -

هل يحصل الإحياء بالتحجير ؟
التحجير أو التحويط: هو الإعلام بوضع الأحجار حول الأرض أي وضع سور
من الأحجار والأشواك ونحوها على جوانب الأرض، وقد اتفق الفقهاء على عدم
صلاحيته للإحياء، لكن المتحجر يكون أحق بها من غيره.
فقال الحنفية (١): إن حجر شخص الأرض، لا يملكها بالتحجير؛ لأنه ليس
بإحياء في الصحيح ؛ لأن الإحياء جعلها صالحة للزراعة، والتحجير للإعلام مشتق
من الحجر: وهو المنع للغير بوضع علامة من حجر، أو بحصاد ما فيها من الحشيش
والشوك ونفيه عنها وجعله حولها ، أو بإحراق ما فيها من الشوك وغيره، وكل ذلك
لا يفيد الملك ، فبقيت مباحة على حالها .
....
لكن المتحجر أولى بها من غيره ، ولا تؤخذ منه إلى ثلاث سنين، فإذا لم يعمرها
فيها ، أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيره . والتقدير بثلاث سنين مأخوذ من قول عمر
رضي الله عنه: ((ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق)) (٢) لكن هذا حكم ديانة، أما
قضاء: فإذا أحياها غيره قبل مضيها ، ملكها لتحقق سبب الملك منه ، دون الأول أي
المتحجر.
وقال المالكية (٣): لا يكون الإحياء بتحويط (تحجير) للأرض بنحو خط
عليها، ولا رعي كلا بها، ولا حفر بئر ماشية بها، إلا أن يبين الملكية حين حفر
البئر، فإن بينها فإحياء .
(١) تبيين الحقائق: ٣٥/٦، تكملة الفتح: ١٣٨/٨، الدر المختار: ٣٠٧/٥.
رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب بلفظ: (( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ، وليس لمحتجر
(٢)
حق بعد ثلاث سنين)) لكن في سنده الحسن بن عمارة ضعيف ، وسعيد عن عمر فيه كلام ( نصب الراية :
٢٩٠/٤ ) .
(٣)
الشرح الكبير: ٧٠/٤، الشرح الصغير: ٩٣/٤ .
- ٥٥٨ -

وقرر الشافعية والحنابلة(١) أنه: إن تحجر مواتاً، وهو أن يشرع في
إحيائه، ولم يتمه، أو أعلم على بقعة بنصب أحجار، أو غرز خشباً فيها، أو نصب
أسلاكاً شائكة، أو حاطها بحائط صغير لم يملكها بما ذكر؛ لأن الملك بالإحياء، وليس
هذا إحياء .
لكن يصير أحق الناس به لحديث أبي داود: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه
مسلم، فهو أحق به)).
فلو أحياه آخر ملكه. فإن لم يتم إحياء المتحجر، وطالت المدة عرفاً، كنحو
ثلاث سنين ، قيل له : إما أن تحييه فتملكه، أو تتركه لمن يحييه، إن حصل متشوف
للإحياء ؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يمكّن من الإحياء، فإن
طلب المتحجر المهلة لعذر، أمهل شهرين أو ثلاثة أو أقل، على ما يراه الحاكم لأنه
يسير. وإن لم يكن له عذر، فلا يمهل ، فهم تقريباً كالحنفية .
المبحث الرابع - شروط الإحياء :
هناك شروط في المحبي، والأرض المحياة، وإجراء الإحياء.
5
المطلب الأول - شروط المحي :
المحبي : هو الذي يباشر الإحياء الذي هو من أسباب الاختصاص أو التملك،
ويجوز إحياء كل من يملك المال ؛ لأنه فعل يملك به كالاصطياد .
ولا يشترط عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٢) كون المحيي مسلماً، فلا
فرق بين المسلم والذمي في الإحياء، لعموم قول النبي ◌ُّ الّ: ((من أحيا أرضاً ميتة،
مغني المحتاج : ٣٦٦/٤ ، المهذب: ٤٢٥/١، المغني: ٥١٨/٥، ٥٤٣ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢١٤/٤ .
(١)
(٢)
الهداية مع تكملة الفتح: ١٢٨/٨، الشرح الكبير: ٦٩/٤ ، المغني : ٥١٧/٥ .
- ٥٥٩ -

فهي له))، ولأن الإحياء أحد أسباب التمليك، فاشترك فيه المسلم والذمي، كسائر
أسباب الملكية .
واشترط الشافعية(١) في المحي أن يكون مسلماً، ولا يملك الذمي إحياء الأرض
الموات، وإن أذن له فيه الإمام؛ لأن الإحياء استعلاء، وهو ممتنع عليهم بدار
الإسلام. فلو أحيا ذمي أرضاً، نزعت منه ولا أجرة عليه، فلو نزعها منه مسلم
وأحياها، ملكها ، وإن لم يأذن له الإمام ، إذ لا أثر لفعل الذمي.
المطلب الثاني - شروط الأرض المحياة :
يشترط في الأرض المحياة شروط تتعلق بملكيتها والارتفاق بها ومكانها، وهي
ما يأتي :
١ - ألا تكون ملكاً لأحد، مسلم أو ذمي ، وليست من اختصاص أحد. وهذا
معنى قول الفقهاء: أن تكون الأرض عادياً (أي قديم الخراب بحيث لم يملك في
الإسلام)، لا مالك له في الإسلام ، فكأنها خربت من عهد عاد. وهذا الشرط متفق
و(٢)
عليه فقهاً (٢) .
٢ - ألا تكون مرتفقاً بها أي مستعملة ارتفاقاً لأهل البلدة، قريباً أو بعيداً،
كمحتطب ومرعى ، وناد ( مجلس يجتمعون فيه للتحدث)، ومرتكض خيل، ومُناخ .
إبل، ومطرح رماد، وحريم بئر، وشوارع وطرقات، ونحوها . وهو شرط متفق عليه
أيضاً بين المذاهب في الأرجح عند بعضها كالحنفية(٢).
(١)
مغني المحتاج: ٣٦١/٤ - ٣٦٢، المهذب: ٤٢٣/١ وما بعدها .
الدر المختار : ٣٠٦/٥، اللباب شرح الكتاب: ٢١٩/٢، الشرح الكبير: ٦٦/٤، مغني المحتاج: ٢٦١/٤ ،
(٢)
المهذب : ٤٢٢/١، كشاف القناع: ٢٠٥/٤ .
الهداية مع التكملة : ١٣٦/٨، البدائع : ١٩٤/٦، الدر المختار: ٣٠٦/٥ وما بعدها، اللباب : المكان السابق ،
(٣)
الشرح الكبير: ٦٧/٤، مغني المحتاج: ٣٦٣/٤، المغني: ٥١٦/٥، ٥٢٥، كشاف القناع: ٢٠٨/٤ .
- ٥٦٠ -