Indexed OCR Text

Pages 501-520

الثالث - أسباب حقوق الارتفاق :
تنشأ حقوق الارتفاق بأسباب متعددة منها :
١ - الاشتراك العام: كالمرافق العامة من طرقات وأنهار ومصارف عامة، يثبت
الحق فيها لكل عقار قريب منها ، بالمرور والسقي وصرف المياه الزائدة عن الحاجة؛
لأن هذه المنافع شركة بين الناس فيباح لهم الانتفاع بها، بشرط عدم الإضرار
بالآخرين .
٢ - الاشتراط في العقود: كاشتراط البائع على المشتري أن يكون له حق مرور
بها، أو حق شرب لأرض أخرى مملوكة له. فيثبت هذان الحقان بهذا الشرط .
٣ - التقادم: أن يثبت حق ارتفاق لعقار من زمن قديم لا يعلم الناس وقت
ثبوته، كارت أرض زراعية لها حق المجرى أو المسيل على أرض أخرى ؛ لأن الظاهر
أنه ثبت بسبب مشروع حملاً لأحوال الناس على الصلاح، حتى يثبت العكس .
الفصل الخامس - أسباب الملك التام :
إن أسباب أو مصادر الملكية التامة في الشريعة أربعة هي :
الاستيلاء على المباح، والعقود، والخلَفية ، والتولد من الشيء المملوك. وفي القانون
المدني هي ستة : الاستيلاء على ما ليس له مالك من منقول أو عقار، والميراث وتصفية
التركة ، والوصية ، والالتصاق بالعقار أو بالمنقول ، والعقد، والحيازة والتقادم(١).
وهذه الأسباب تتفق مع الأسباب الشرعية(٢) ما عدا الحيازة والتقادم (وضع
(١) راجع الفصل الثاني من حق الملكية - أسباب كسب الملكية: م ٨٢٨، ٨٣٦، ٨٧٦، ٨٧٩، ٨٩٤، ٩٠٧ وما
بعدها من القانون المدني السوري .
(٢) يلاحظ أن المادة (١٢٤٨) من المجلة اقتصرت على الأسباب الثلاثة الأولى للتملك . ولكن من الضروري إضافة
سبب رابع وهو التولد من المملوك إذ هو سبب مستقل عن تلك الأسباب .
- ٥٠١ -

اليد على مال مملوك للغير مدة طويلة)، فإن الإسلام لا يقر التقادم المكسب على أنه
سبب للملكية، وإنما هو مجرد مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن
معين(١)، توفيراً لوقت القضاء، وتجنباً لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في
أصل الحق . أما أصل الحق فيجب الاعتراف به لصاحبه وإيفاؤه له ديانة. فمن وضع
يده على مال مملوك لغيره لا يملكه شرعاً بحال .
كذلك لا يقر الإسلام مبدأ التقادم المسقط على أنه مسقط للحق بترك المطالبة
به مدة طويلة. فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والخلق،
ويكفي في ذلك أن يصير الغاصب أو السارق مالكاً. إلا أن الإمام مالك في المدونة
خلافاً لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة، كما يرى تملك الشيء بالحيازة.
ولكنه لم يحدد مدة للحيازة، وترك تحديدها للحاكم، ويمكن تحديدها عملاً بحديث
مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى النبي ◌َ ◌ّ عن زيد بن أسلم: ((من حاز شيئاً
على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه))(٢)
----
وأما الالتصاق بسبب سيل أو فيضان أو كثبان رمل بسبب ريح شديدة، فلا
مانع منه شرعاً؛ لأنه زيادة سماوية، تدخل تحت مبدأ ((التولد من المملوك)).
١ - الاستيلاء على المباح :
المباح : هو المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي
من تملكه كالماء في منبعه، والكلاً والحطب والشجر في البراري ، وصيد البر والبحر.
ويتميز هذا النوع بما يأتي :
(١) حدده الفقهاء بـ ٣٣ سنة، وحددته المجلة (م ١٦٦١، ١٦٦٢) في الحقوق الخاصة بـ ١٥ سنة وفي الأراضي
الأميرية بـ ١٠ سنوات، وفي الأوقاف وأموال بيت المال بـ ٣٦ سنة.
(٢) انظر بحث الحيازة والتقادم في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عبد الجواد: ص ١٨، ٥٠ وما بعدها، ٦٠،
١٠٨، ١٥٠ وما بعدها، ومراجعه مثل المدونة: ٢٣/١٣، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك: ٣٦٢/٢٠
وما بعدها . وانظر: ٣١٤/٢ ط دار الفكر بيروت .
- ٥٠٢ -

أ - إنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكاً لأحد. أما بقية أسباب
الملكية الأخرى (العقد، الميراث ونحوهما)، فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية
أخرى، فهي سبب ناقل .
ب - إنه سبب فعلي لا قولي: يتحقق بالفعل أو وضع اليد، فيصح من كل
شخص ولو كان ناقص الأهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه . أما العقد فقد لا يصح
من هؤلاء أو يكون موقوفاً على إرادة أخرى، وهو سبب قولي .
ويشترط لهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان :
أولهما - ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن ((من سبق إلى ما لم يسبقه إليه
مسلم فهو له)) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
ثانيهما - قصد التملك : فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لا يتملكه ،
كما إذا وقع طائر في حجر إنسان، لا يتملكه. ومن نشر شبكته، فإن كان للاصطياد
تملك ما يقع فيها، وإن كان للتجفيف لم يمتلك ما يقع فيها؛ لأن ((الأمور
بمقاصدها)).
والاستيلاء على المباح له صور أربعة :
أولاً - إحياء الموات : أي استصلاح الأراضي البور. والموات: ما ليس مملوكاً
من الأرضين، ولا ينتفع بها بأي وجه انتفاع ، وتكون خارجة عن البلد. فلا يكون
مواتاً : ما كان ملكاً لأحد الناس أو ما كان داخل البلد، أو خارجاً عنها، ولكنه
مرفق لها كمحتطب لأهلها أو مرعى لأنعامهم.
والإحياء يفيد الملك لقول النبي ◌ُّ الإِ: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) سواء أكان
الإحياء بإذن الحاكم أم لا عند جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومالك : لا بد من إذن
الحاكم. وإحياء الأرض الموات يكون بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء والغرس
- ٥٠٣ -

والزراعة والحرث وحفر البئر. وعمل مستصلح الأرض لإحيائها يسمى فقهاً
((التحجير)) وقد حدد بثلاث سنين، قال عمر: ((ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين
حق)).
ثانياً - الاصطياد: الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد.
ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد وهو الإمساك، أو بالاستيلاء الحكمي : وهو
اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد
الأسماك، أو الشباك، أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح
المعلّمة(١).
والصيد حلال للإنسان إلا إذا كان مُحْرماً بالحج أو العمرة ، أو كان المصيد في
حرم مكة المكرمة أو المدينة المنورة، قال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه
متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البرما دمتم حرماً ﴾.
والصيد من أسباب الملكية، لكن يشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء
الحقيقي قصد التملك عملاً بقاعدة ((الأمور بمقاصدها)). فمن نصب شبكة فتعلق بها
صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه؛ لأن نيته لم تتجه
إليه. وإن كان قد نصبها للصيد ملكه صاحبها كما بينا، وإن أخذه غيره كان متعدياً
غاصباً. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان كان لمن سبقت إليه يده إلا إذا كان صاحب
الأرض هيأها لذلك .
وإذا دخل طائر في دار إنسان، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه. وإن
(١) قال تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم، قل: أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح مكلبين ، تعلمونهن
مما علمكم الله ، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه، واتقوا الله، إن الله سريع الحساب﴾
[ المائدة : ٤ ] .
- ٥٠٤ _

أغلقه صدفة ، لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعول في تملكه على
نیة صیده، وإلا فلمن سبقت إليه يده .
ثالثاً - الاستيلاء على الكلأ والآجام :
الكلاً : هو الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع ، لرعي البهائم .
والآجام: الأشجار الكثيفة في الغابات أو الأرض غير المملوكة .
وحكم الكلاً: ألا يملك، وإن نبت في أرض مملوكة، بل هو مباح للناس جميعاً،
لهم أخذه ورعيه، وليس لصاحب الأرض منعهم منه ؛ لأنه باق على الإباحة
الأصلية، وهو الراجح في المذاهب الأربعة، لعموم حديث: ((الناس شركاء في ثلاثة:
الملك والكلاً والنار)(١).
وأما الآجام : فهي من الأموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة، فلكل
واحد حق الاستيلاء عليها، وأخذ ما يحتاجه منها ، وليس لأحد منع الناس منها،
وإذا استولى شخص على شيء منها وأحرزه صار ملكاً له. لكن للدولة تقييد المباح
بمنع قطع الأشجار، رعاية للمصلحة العامة ، وإبقاء على الثروة الشجرية المفيدة .
أما إن كانت في أرض مملوكة فلا تكون مالاً مباحاً، بل هي ملك لصاحب
الأرض فليس لأحد أن يأخذ منها شيئاً إلا بإذنه؛ لأن الأرض تقصد لاجامها،
بخلاف الكلاً، لا تقصد الأرض لما فيها من الكلا .
رابعاً - الاستيلاء على المعادن والكنوز:
المعادن : ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخلقة والطبيعة ، كالذهب والفضة
والنحاس والحديد والرصاص ونحوها .
(١) البدائع: ١٩٣/٦ وما بعدها، م ١٢٥٧ من المجلة .
- ٥٠٥ -

والكنز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال ، سواء في الجاهلية
أو في الإسلام .
والمعدن والكنز يشملهما عند الحنفية كلمة ((الركاز)): وهو ما ركز في باطن
الأرض ، سواء أكان بخلق الله كفلزات الحديد والنحاس وغيرها ، أم كان بصنع الناس
كالأموال التي يدفنها الناس فيها. وحكمهما واحد في الحديث النبوي: ((وفي الركاز
(١)
الخمس))(١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : الركاز: دفين الجاهلية . والمعدن : دفين أهل
الإسلام.
حكم المعادن :
اختلف الفقهاء في تملك المعادن بالاستيلاء عليها ، وفي إيجاب حق فيها للدولة
إذا وجدت في أرض ليست مملوكة .
الله
أما تملك المعادن فللفقهاء فيه رأيان :
تعاليـ
قال المالكية في أشهر أقوالهم (٢): جميع أنواع المعادن لا تملك بالاستيلاء عليها، كما
لا تملك تبعاً لملكية الأرض، بل هي للدولة يتصرف فيها الحاكم حسبما تقضي
المصلحة؛ لأن الأرض مملوكة بالفتح الإسلامي للدولة ، ولأن هذا الحكم مما تدعو إليه
المصلحة .
وقال الحنفية(٢): المعادن تملك بملك الأرض؛ لأن الأرض إذا ملكت ملكت
بجميع أجزائها ، فإن كانت مملوكة لشخص كانت ملكاً له، وإن كانت في أرض للدولة
رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الأوطار : ١٤٧/٤ ) .
(١)
القوانين الفقهية: ص ١٠٢، الشرح الكبير مع الدسوقي : ٤٨٦/١ وما بعدها .
(٢)
(٣)
الدر المختار ورد المختار: ٦١/١ وما بعدها، المهذب: ١٦٢/١، المغني: ٢٨/٣، ٥٢٠/٥.
:
---
۔
- ٥٠٦ -

فهي للدولة، وإن كانت في أرض غير مملوكة فهي للواجد ؛ لأنها مباحة تبعاً
للأرض، وذلك على تفصيل سيأتي في بحث المعادن والإقطاع، فعند الشافعية يملك
المحبي المعادن الباطنية، وعند الحنابلة يملك المحبي المعادن الجامدة .
وأما حق الدولة في المعادن ففيه رأيان أيضاً :
قال الحنفية : في المعادن الخمس ؛ لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز
بمقتضى اللغة، والباقي للواجد نفسه. وذلك في المعادن الصلبة القابلة للطرق
والسحب كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. أما المعادن الصلبة التي
لا تقبل الطرق والسحب كالماس والياقوت والفحم الحجري، والمعادن السائلة
كالزئبق والنفط فلا يجب فيها شيء للدولة ؛ لأن الأولى تشبه الحجر والتراب ،
والثانية تشبه الماء، ولا يجب فيها شيء للدولة، إلا الزئبق فيجب فيه الخمس .
وقال الشافعية : لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس وغيره، وإنما يجب
فيها الزكاة، لقول النبي صل اته: ((العجماء جُبَار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي
الركاز الخمس)»(١) فأوجب الخمس في الركاز: وهو دفين أهل الجاهلية، ولم يوجب في
المعدن شيئاً؛ لأن ((الجبار)) معناه: لا شيء فيه. وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة
الزكاة ، والمعدن : مركز كل شيء، والمعادن : المواضع التي تستخرج منها جواهر
الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغيرها. ويطلق المعدن أيضاً على الفِلزّ في لغة
العلم .
(١) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: ٣٨٠/٢، شرح مسلم: ٢٢٦/١١). وقوله:
(( والمعدن جبار)) معناه أن الرجل يحفر معدناً في ملكه أو في موات، فيمر بها مار، فيسقط فيها فيموت ، أو
يستأجر أجراء يعملون فيها ، فيقع عليهم ، فيموتون ، فلا ضمان في ذلك . وكذا البئر جبار معناه أنه يحفرها
في ملكه أو في مواته فيقع فيها إنسان أو غيره ويتلف ، فلا ضمان . وكذا لو استأجره لحفرها ، فوقعت عليه ،
فمات ، فلا ضمان . وأما إذا حفر البئر في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه ، فتلف فيها إنسان ،
فيجب ضمانه ، وكذا إن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر .
- ٥٠٧ -

حكم الكنز:
وأما الكنز: فهو ما دفنه الناس ، سواء في الجاهلية أم في الإسلام. فهو نوعان :
إسلامي وجاهلي .
فالإسلامي : ما وجد به علامة أو كتابة تدل على أنه دفن بعد ظهور الإسلام
مثل كلمة الشهادة أو المصحف، أو آية قرآنية أو اسم خليفة مسلم .
والجاهلي: ما وجد عليه كتابة أو علامة تدل على أنه دفن قبل الإسلام كنقش
صورة صنم أو وثن ، أو اسم ملك جاهلي ونحوه .
والمشتبه فيه : وهو ما لم يتبين بالدليل أنه إسلامي أو جاهلي ، قال فيه متقدمو
الحنفية: إنه جاهلي . وقال متأخروهم : إنه إسلامي لتقادم العهد. وإن وجد كنز
مختلط فيه علامات الإسلام والجاهلية فهو إسلامي ؛ لأن الظاهر أنه ملك مسلم ، ولم
يعلم زوال ملکه .
والكنز الإسلامي : يبقى على ملك صاحبه، فلا يملكه واجده، بل يعتبر
كاللقطة، فيجب تعريفه والإعلان عنه . فإن وجد صاحبه سلم إليه وإلا تصدق به
على الفقراء، ويحل للفقير الانتفاع به. هذا رأي الحنفية(١).
وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة(٢) تملكه والانتفاع به، ولكن إن ظهر
صاحبه بعدئذ وجب ضمانه .
وأما الكنز الجاهلي : فاتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال (خزانة
فتح القدير: ٢٠٧/٣، البدائع: ٢٠٢/٦، المبسوط: ٤/١١ وما بعدها، الدر المختار: ٣٥١/٣.
(١)
(٢)
بداية المجتهد: ٢٠١/٢، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٢١/٤، المهذب: ٤٣٠/١، مغني المحتاج: ٤١٥/٢ ،
المغني : ٦٣٦/٥ ٠
- ٥٠٨ -
....-

الدولة) وأما باقيه وهو الأربعة الأخماس، ففيه اختلاف: فقيل: إنها للواجد مطلقاً
سواء وجدها في أرض مملوكة أم لا. وقيل: إنها للواجد في أرض غير مملوكة أو في أرض
ملكها بالإِحياء . فإن كان في أرض مملوكة فهي لأول مالك لها أو لورثته إن عرفوا،
وإلا فهي لبيت المال.
هذا وقد اعتبر القانون المدني السوري (م ٨٣٠) ثلاثة أخماس الكنز لمالك العقار
الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة .
٢ - العقود الناقلة للملكية :
العقود كالبيع والهبة والوصية ونحوها من أهم مصادر الملكية وأعمها وأكثرها
وقوعاً في الحياة المدنية ؛ لأنها تمثل النشاط الاقتصادي الذي يحقق حاجات الناس من
طريق التعامل . أما الأسباب الأخرى للملكية فهي قليلة الوقوع في الحياة .
ويدخل في العقود التي هي سبب مباشر للملكية حالتان(١):
الأولى : العقود الجبرية التي تجريبها السلطة القضائية مباشرة، بالنيابة عن
المالك الحقيقي، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة .
فالمتلك يتملك عن طريق عقد بيع صريح بإرادة القضاء.
الثانية : نزع الملكية الجبري . وله صورتان :
أ - الشفعة: وهي عند الحنفية حق الشريك أو الجار الملاصق بتملك العقار المبيع
جبراً على مشتريه بما بذل من ثمن ونفقات . وقصرها الجمهور على الشريك .
ب - الاستملاك للصالح العام: وهو استملاك الأرض بسعرها العادل جبراً عن
صاحبها للضرورة أو المصلحة العامة، كتوسيع مسجد، أو طريق ونحوهما .
(١) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف ١٠٥ .
- ٥٠٩ -

والمتملك من هذا الطريق يتملك بناء على عقد شراء جبري مقدر بإرادة
السلطة .
وعليه فالعقد المسبب للملكية إما أن يكون رضائياً أو جبرياً، والجبري : إما
صريح كما في بيع المدين ، أو مفترض كما في الشفعة ونزع الملكية .
٣ - الخلفية:
وهي أن يخلف شخص غيره فيما كان يملكه، أو يحل شيء محل شيء آخر، فهي
نوعان : خلفية شخص عن شخص وهي الإرث . وخلفية شيء عن شيء وهي
التضمين .
والإرث : سبب جبري للتملك يتلقى به الوارث بحكم الشرع ما يتركه المورث
من أموال التركة .
والتضمين : هو إيجاب الضمان أو التعويض على من أتلف شيئاً لغيره، أو غصب
منه شيئاً فهلكٍ أو فقد ، أو ألحق ضرراً بغيره بجناية أو تسبب. ويدخل فيه الديات
وأروش الجنايات، أي الأعواض المالية المقدرة شرعاً الواجبة على الجاني في
الجراحات .
٤ - التولد من المملوك :
معناه أن ما يتولد من شيء مملوك يكون مملوكاً لصاحب الأصل ؛ لأن مالك
الأصل هو مالك الفرع، سواء أكان التولد بفعل مالك الأصل، أم بالطبيعة
والخلقة . فغاصب الأرض الذي زرعها يملك الزرع عند الجمهور غير الحنابلة ؛ لأنه نماء
البذر وهو ملكه وعليه كراء الأرض، ويضمن لصاحب الأرض نقصانها بسبب
الزرع. وثمرة الشجر وولد الحيوان وصوف الغنم ولبنها لمالك الأصل .
- ٥١٠ -

وقال الحنابلة : الزرع لمالك الأرض، لما رواه الخمسة إلا النسائي عن رافع بن
خديج أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ، فليس له من الزرع
شيء، وله نفقته)) قال البخاري : هو حديث حسن(١).
الفصل السادس - طبيعة الملكية أو هل الملكية الفردية في تشريع
الإسلام مطلقة أم مقيّدة ؟
البيع كما هو معروف بمثابة قانون منظم لمعاملات الأفراد وحقوق التملك، ومن
أهم أسباب تقييد البيع بقيود أو شروط هو الحفاظ على حقوق الناس الطبيعية فيما
يمتلكونه من أموال، فلا تنتقل ملكية أحد إلى آخر إلا في دائرة الحق والعدل، دون
أن يكون هناك غش أو غين أوتغرير أو استغلال أو جهالة تؤدي إلى المنازعة
واضطراب المعاملات، أو أكل أموال الناس بالباطل. وهذه هي أهم الأسباب التي
تؤثر على العقد فتجعله فاسداً أو باطلاً، وهو مناط تحريم العقد في شرعة الإسلام.
لذا كان جديراً أن نتساءل: هل حرية الفرد في تصرفاته ونشاطه في العمل
والإنتاج والتملك مطلقة ، أم أن هناك قيوداً من الشرع على حق التملك ؟
تمهيد :
يسود عالم اليوم نظامان متعارضان في الاقتصاد وهما : النظام الرأسمالي
والنظام الاشتراكي :
فالنظام الرأسمالي : يعترف بحق الفرد في تملك الأموال ملكية خاصة ، سواء
أكانت هذه الأموال من أموال الاستهلاك ، أم من أموال الإنتاج، على أنه لا يشترط
أن تكون جميع الأموال مملوكة للأفراد، بل يجوز للدولة أو أحد فروعها أن تمتلك
(١) نيل الأوطار: ٣١٨/٥ وما بعدها .
- ٥١١ -

جانباً من هذه الأموال، كما لا يشترط أن يكون حق الملكية الفردية مطلقاً، بل يجوز
أن ترد عليه بعض القيود للمنفعة العامة .
ويقوم النظام الرأسمالي على أساس الحرية الاقتصادية للأفراد، دون تدخل
الدول لتقييد نشاطهم في الميدان الاقتصادي، ويكون السعي للحصول على أكبر
كسب نقدي هو الدافع المحرك للنشاط الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي .
وقد انتقد هذا النظام لأنه يؤدي إلى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين
الأفراد، وانقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الرأسمالية الإقطاعية، وطبقة ذوي الدخل
المحدود من عمال وفلاحين ونحوهم، كما يؤدي إلى تركز الثروة في أيدي فئة قليلة
وانتشار البطالة والاحتكارات الطبيعية والصناعية. وكان من نتيجة ذلك فشل
النظام الرأسمالي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان الحياة الرغدة للبشرية .
وقد أدى هذا الفشل إلى رد فعل معاكس، فازداد تدخل الدولة في الميدان
الاقتصادي من ناحية، وانتشرت المبادئ الاشتراكية من ناحية أخرى(١).
والنظام الاشتراكي : يقوم على أساس امتلاك الدولة مختلف وسائل الإنتاج(١)
من صناعة وزراعة وثروة طبيعية وخدمات عامة، ويكون بالتالي لا وجود للملكية
الفردية القائمة على أساس الاستغلال والاستعباد ، ولا حرية اقتصادية مطلقة للفرد
إلا بمقدار ما يمنحه المجتمع إياه وينظمه له .
فالملكية الخاصة لم تلغ إلغاء تاماً؛ لأن ملكية الأموال الاستهلاكية من أدوات
منزلية ونقود وسلع معترف بها، ويجوز أن تنتقل هذه الملكية لأموال الاستهلاك إلى
الغير بطريق الميراث(٣).
راجع أصول الاقتصاد لأستاذنا الدكتور محمد حلمي مراد ص : ١٥١ - ١٨٣ .
(١)
(٢)
وهي الأرض ورأس المال والعمل .
هذا هو صريح المادة العاشرة من الدستور السوفييتي .
(٣)
- ٥١٢ -

وأما ملكية أموال الإنتاج : فهي ملكية اشتراكية تظهر بشكل ملكية للدولة ،
أو بشكل ملكية تعاونية ، ومع ذلك فلم تلغ الملكية الخاصة لأموال الإنتاج إلغاءً كاملاً
في روسيا ، فيسمح القانون الروسي بالمشاريع الاقتصادية الصغيرة الخاصة بالفلاحين
القرويين وبالحرفيين على أن يقوموا بعملهم شخصياً، وبشرط ألا يستغلوا فيه جهد
الآخرين (١)، مما أوجد نوعاً ثالثاً من أنواع المشروعات الزراعية هو المشروعات
الفردية بجانب المزارع الحكومية والمزارع المشتركة . وعلى هذا فليست الملكية
الشخصية حقاً مطلقاً ثابتاً، وإنما هي متطورة في محورها نحو الملكية الجماعية؛ لأن
الملكية في ذاتها وظيفة اجتماعية تخدم مصالح الجماعة .
وغاية النظام الاشتراكي تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا فإنه يهتم بالدرجة الأولى
في إشباع كل حاجات الأفراد، ولكن بحسب ضرورتها وأهميتها (٢) من أجل تحقيق
مستوى مادي ومعنوي لائق بكرامة الإنسان ، ثم السعي لرفع ذلك المستوى بشكل
مستمر، مما جعل الجماهير الكادحة تتجه أنظارها إلى النظام الاشتراكي باعتباره المنقذ
من أدران الرأسمالية .
ويقول منتقدو هذا النظام بأنه يهدر الحق الطبيعي المقدس للفرد : وهو حق
الملكية، كما أنه يعطي الجماعة ممثلة بالدولة سلطات واسعة على حساب الأفراد،
ويقيد الحرية الاقتصادية .
(١) هذا هو نص المادة التاسعة من الدستور السوفييتي، وقريب منها نص المادة السابعة: ((لكل عائلة من عوائل
المزرعة التعاونية بالإضافة إلى دخلها الأساسي الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك قطعة من
الأرض خاصة بها، وملحقة بمحل السكن . ولها في الأرض اقتصاد إضافي ومنزل للسكنى وماشية منتجة وطيور
وأدوات زراعية بسيطة كملكية خاصة )) .
هدف الرأسمالية اشباع حاجات الأفراد بحسب القدرة الشرائية مما يؤدي إلى عجز بعض الأفراد عن سد حاجاتهم
(٢)
الضرورية ، بينما يشبع فريق آخر حاجاته الترفية المتعددة .
- ٥١٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٣)

وأما نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي : فهو العدل الوسط بين
النظامين السابقين، أو بتعبير أدق: هو نظام قائم بذاته، له فكره الاجتماعي الخاص
به، فهو يعترف بقيمة الفرد، كما يعترف بحقوق المجتمع، فيقيم توازناً بينهما، بل إنه
جعل الفرد للجماعة ، والجماعة للفرد من طريق التضامن العام بين الأفراد، فهو إذاً
ليس فردياً فقط يؤدي إلى الرأسمالية، وليس جماعياً فقط يؤدي إلى الماركسية، وإنما
يمنح الفرد قدراً من الحرية بحيث لا يطغى على كيان الآخرين، ويمنح المجتمع أو
الدولة التي تمثله سلطة واسعة في تنظيم الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أساس
من الحب المتبادل بين الفرد والجماعة، لا على أساس الحقد وإيجاد العداوات بين
الناس .
وبناء عليه فهو يعترف بحق الإنسان في التملك الفردي، ويمنحه حق الانتفاع
والاستثمار لماله، والتصرف فيه طوال حياته وبعد مماته، في حدود معينة تعتبر أوسع
بكثير من القدر الذي تسمح به الشيوعية، ولكنه لا يعطي المالك السلطان المطلق
فيما يملك بغير أي قيد عليه كما تفعل الرأسمالية، فهو لا يسمح بالربا والاحتكار، ولا أن
تكون الملكية سبيلاً للاستغلال الحرام والطغيان ، وبذلك يجمع الاسلام بين مزايا كل
من الاشتراكية والرأسمالية ويتجنب أوجه الانحراف والمبالغة في كل منهما(١).
ولا يمكن القول بأن نظام الإسلام الاقتصادي نظام رأسمالي أو اشتراكي؛ لأن
للرأسمالية أو الاشتراكية في الوقت الحاضر معنى محدداً مفهوماً، له خصائص معينة في
معالجة الحياة الاقتصادية .
وإنما الإسلام نظام قائم بنفسه لا ينسب إلى مذهب جديد أو قديم، مهمته
الربط بين قوى الحياة ومواهب الفطرة في كيان المرء وبين ثمار الطبيعة الظاهرة
(١) الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي: ص ٣٨٧ ، شبهات حول الاسلام للأستاذ محمد قطب: ص ٢٧ ،
نظرية الإسلام السياسية للمودودي : ص ٥٧ .
- ٥١٤ -
----

والباطنة ، فيحدث التفاعل بين الجانبين، وتتكون الحضارة الصالحة بما في الإنسان
من مواهب العقل والروح وما في الكون من أسرار الحقائق وكنوز المال والثروة ، وبما
في الإسلام من حلول جذرية لمشكلات الحياة، وقواعد للفرد والمجتمع في الحقوق
والواجبات. وإذا كان في الاشتراكية بعض المعاني الإنسانية التي جاء بها الإسلام من
ضرورة التكافل الاجتماعي، فلا يعني ذلك أن نظام الإسلام هو النظام الاشتراكي
الماركسي .
المال والملكية في تقدير الإسلام :
٠٠
المال عند الحنفية كما عرفنا: هو ما يميل إليه الإنسان طبعاً، ويمكن ادخاره
لوقت الحاجة. وعند الجمهور: هو كل ما له قيمة يباع بها ويلزم متلفه وإن قلّت ،
وما لا يطرحه الناس مثل الفَلس وما أشبه ذلك. وهذا التعريف مأخوذ عن الإمام
الشافعي رضي الله عنه (١).
وبناء على التعريف الأول لا تكون المنافع والحقوق المجردة مالاً ما عدا منفعة
العين المؤجرة، وعلى التعريف الثاني تكون المنافع أموالاً متقومة في ذاتها يمكن أن
تورث .
والملك: هو اختصاص حاجز شرعاً يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع (١).
(٣)
والمال في الحقيقة لله سبحانه: ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾(
(١)
الأشباه والنظائر للسيوطي : ص ٢٥٨ .
المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء ، المجلد الأول: جـ ١ ص ٢٢٠، والمراد من كلمة ((حاجز)) أنه الذي
(٢)
يخول صاحبه منع غيره ، وهو قريب المعنى من المفهوم اللغوي للملكية الذي يدل على معنى الاستئثار
والاستبداد مما يتعلق به من الأشياء. والمراد من جملة ((يسوغ صاحبه التصرف)» أن الملك قدرة مبتدأة
لا مستمدة من شخص آخر .
المائدة : ١٢٠ .
(٣)
- ٥١٥ -

وتملك الإنسان للمال مجاز، أي أنه مؤتمن على المال ومستخلف عليه: ﴿وأنفقوا مما
جعلکم مستخلفین فيه ﴾ .
قال عروة رضي الله عنه: ((أشهد أن رسول الله مُ له قضى: أن الأرض أرض
الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتاً فهو أحق به)). ويترتب عليه أن الإنسان
ملزم بالتقيد بأوامر الله سبحانه في التملك بحسب ما يريده صاحب الملك. والناس
على السواء، لهم حق في تملك خيرات الأرض. والملكية الفردية حق ممنوح من الله
تعالى، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين
الحاجيات(١).
ومن الجدير بالذكر أنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن أخذ مال غني بغير رضاه
وأعطي لفقير، مهما اشتدت الحاجة وبلغت الفاقة، وإنما كان النبي ◌ُ فلم يحض
المسلمين على البذل، ويرغبهم في العطاء من غير أمر ولا عزيمة، فجاء أبو بكر مرة
بماله كله، وجاء عمر بنصف ماله، وجهز عثمان جيش العسرة بجميع ما يلزمه، فقال
النبي مُ التّ: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم))).
تقييد الملكية :
يقول بعض الكاتبين : لما كان المال مال الله، والناس جميعاً عباد الله، وكانت
٤
الحياة التي يعملون فيها ويغمرونها بمال الله هي أيضاً لله، كان من الضروري أن
يكون المال - وإن ربط باسم شخص معين - لجميع عباد الله، وينتفع به الجميع، قال
الله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ وبهذا يكون للمال وظيفة
انظر اشتراكية الاسلام للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي: ص ٧٧ وما بعدها ، التكافل الاجتماعي في الإسلام
(١)
لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة : ص ١٤ وما بعدها .
انظر بحث الملكية الفردية في الإسلام للأستاذ محمد عبد الله كنون المنشور مع بحوث المؤتمر الأول لمجمع البحوث
(٢)
في الأزهر: ص ١٨٦ ، وانظر حديث عثمان في التلخيص الحبير: ص ٢٧٨ .
- ٥١٦ -

اجتماعية هدفها إسعاد المجتمع وقضاء حاجياته ومصالحه، وتكون الملكية الشخصية إذاً
في نظر الإسلام وظيفة اجتماعية (١).
٤
ويرى أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أنه لا مانع من وصف الملكية بكونها وظيفة
اجتماعية، ولكن يجب أن يعرف أنها بتوظيف الله تعالى، لا بتوظيف الحكام؛ لأن
الحكام ليسوا دائماً عادلين(٢).
وفي تقديري أن الإسلام منهج واضح لا غبار عليه ، واستعمال هذا التعبير
المأخوذ من تعاليم الشيوعية أو الاشتراكية الماركسية يزج الإسلام في حمأة المبادئ
الماركسية، ويناقض حرية الإنسان الطبيعية الفطرية في التملك، ويضلل الأفكار
في فهم حقيقة نظرة الإسلام للملكية، فالملكية الفردية حق مصون في الإسلام، اللهم
إلا في حدود حق الغير ومصلحة المجتمع. فحق الملكية ليس وظيفة اجتماعية تجعل
المالك مجرد موظف لصالح الجماعة وإنما هو ذو وظيفة اجتماعية، كما أنه ذو صفة
فردية، ويعتبر إلغاء الملكية مناقضاً للفطرة الإنسانية ومصادماً لمشاعر الإنسان
وحبه التملك، وسبباً واضحاً في كبت الطاقات البشرية ونزعة الإبداع والترقي
الذاتي .
وبعبارة أخرى: إن الإسلام لا يمنع الملكية الفردية مطلقاً، ولا يطلقها بلا
حدود. قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن
تكون تجارة عن تراض منكم﴾، ﴿الذين في أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾، ﴿ والله
فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ويقول
انظر مقال شيخ الأزهر السابق: أستاذنا الشيخ محمود شلتوت في جريدة الجمهورية ٢٢ كانون الأول ( ديسمبر )
(١)
١٩٦١، اشتراكية الإسلام للسباعي: ص ٨٠ .
(٢).
التكافل الاجتماعي في الإسلام ، المصدر السابق: ص ٢٣ .
- ٥١٧ -

الرسول ◌ُّ: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))(١) ((إن دماءكم وأموالكم
حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا))(٢)، (( لا يحل مال امرئ
مسلم إلا بطیب نفسه))(٣).
وبناء عليه يحرم التعدي على ملكيات الأفراد ما دامت مشروعة، قال مُ له:
((من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين))(٤).
وقرر الإسلام عقوبات على السرقة والغصب والسلب والغش، والجباية الظالمة
ونحوها، وطالب بضمان الأموال المتلفة . وأما الملكية غير المشروعة فيجوز للدولة
التدخل في شأنها لرد الأموال إلى صاحبها ، بل إن لها الحق في مصادرتها ، سواء أكانت
منقولة أم غير منقولة، كما فعل سيدنا عمر في مشاطرة بعض ولاته الذين وردوا عليه
من ولا يتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة : وهو البعد بها عن الشبهات
وعن اتخاذها وسيلة للثراء(٥) ؛ لأن الملكية مقيدة بالطيبات والمباحات، أما المحرمات
التي تجيء عن طريق الرشوة أو الغش أو الربا أو التطفيف في الكيل والميزان أو
الاحتكار أو استغلال النفوذ والسلطة ، فلا تصلح سبباً مشروعاً للتلك .
وكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل
والمصلحة العامة ، سواء في أصل حق الملكية، أو في منع المباح وتملك المباحات قبل
الإسلام وبعده إذا أدى استعماله إلى ضرر عام، كما يتضح من مساوئ الملكية
رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه (راجع الترغيب والترهيب : ٣ ص ٦٠٩ وما بعدها ) .
(١)
رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله ( جمع الفوائد لابن سليمان الروداني : ٤٧٤/١ ).
(٢)
أخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: ((لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه)) وله ألفاظ
(٣)
وروايات كثيرة منها: ما رواه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما عن أبي حميد الساعدي بلفظ: (( لا يحل لامرئ
أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه)) ( انظر مجمع الزوائد : ٤ ص ١٧١ ، نصب الراية: ٤ ص ١٦٩ ،
سبل السلام: ٢ ص ٦٠ ، نيل الأوطار: ١٥٢/٨).
(٤)
متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة (نيل الأوطار: ٣١٧/٥).
(٥)
انظر التلخيص الحبير: ص ٢٥٤.
٠
- ٥١٨ -

الإقطاعية، ومن هنا يحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية في بداية
إنشائها في حال إحياء الموات، فيحددها بمقدار معين ، أو ينتزعها من أصحابها مع دفع
تعويض عادل عنها (١) إذا كان ذلك في سبيل المصلحة العامة للمسلمين(٢). ومن المقرر
عند الفقهاء أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه،
فيصبح ما تجاوزه أمراً محظوراً، فإن طاعة ولي الأمر واجبة بقوله تعالى: ﴿ يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ وأولو الأمر: الأمراء
والولاة كما روى ابن عباس وأبو هريرة، وقال الطبري: إنه أولى الأقوال بالصواب.
ومن أمثلة تدخل ولي الأمر في الملكية : ما روى محمد الباقر عن أبيه علي زين
العابدين أنه قال: ((كان لسمرة بن جندب نخل في حائط (أي بستان) رجل من
الأنصار، وكان يدخل هو وأهله فيؤذيه، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله مد ته ،
فقال رسول الله لصاحب النخل : بعه، فأبى، فقال الرسول: فاقطعه ، فأبى، فقال:
فهبه ولك مثله في الجنة ، فأبى، فالتفت الرسول إليه وقال: أنت مضار، ثم التفت
إلى الأنصاري، وقال: اذهب فاقلع نخله))(٣) ففي هذه الحادثة ما يدل على أن
النبي ◌ُّ لم يحترم الملكية المعتدية، وهو القائل في القضاء في حقوق الارتفاق:
((لا ضرر ولا ضرار))(٤)، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ثم قال:
(١) ولا تعويض وانما يصادر المال إذا كان مكتسباً بطريق غير مشروع كالاغتصاب والاختلاس أو كان سبب
اكتسابه مشتبهاً فيه، ولقد صادر النبي ◌ّ وصحابته وبخاصة سيدنا عمر أموال الولاة الذين ذكروا سببا غير
مشروع لملكياتهم كالاهداء أو لم يبينوا من أين ملكوا المال .
انظر بحث الاستاذ الشيخ علي الخفيف ((الملكية الفردية وتحديدها في الاسلام)) ص ١١٣، ١٢٨ وما بعدها من
(٢)
كتاب المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية .
(٣)
انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ، مطبعة البابي الحلبي : ص ٢٨٥ .
رواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه ، ورواه أحمد في مسنده وابن ماجه والدارقطني في
(٤)
سننيهما مسندا عن أبي سعيد الخدري . وله طرق يقوي بعضها بعضا . والضرر : الحاق مفسدة بالغير ،
والضرار : مقابلة الضرر بالضرر .
:
- ٥١٩ -

((لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره)) (١). وشرع الإسلام حق الشفعة على
الملكية ، دفعاً للضرر واقراراً لقاعدة المصلحة .
ومن الأمثلة أيضاً ما روى الإمام مالك في الموطأ: وهو أن رجلاً اسمه
الضحاك بن خليفة ساق خليجاً(٢) من العريض (واد في المدينة)، فأراد أن يمر به في
أرض محمد بن مَسْلَمة، فأبى، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن
مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: ((لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه،
وهو لك نافع، تسقي يه أولاً وآخراً، وهو لا يضرك ؟ فقال محمد: لا والله، فقال
عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك))(٣) ففي
هذا ما يدل على أنه لا يكفي الامتناع من الضرر، بل يجب على المسلم في ملكه أن
یقوم بما ينفع غيره ما دام لا ضرر علیه فيه .
ويمكن أن يعتبر مسوغاً لتنظيم الملكية أو تقييدها - بناء على قاعدة:
الضرورات تبيح المحظورات، وعملاً بقانون المصلحة العامة وبمبدأ سد الذرائع - كون
صاحبها مانعاً لحقوق الله تعالى أو اتخاذها طريقاً للتسلط والظلم والطغيان، أو
التبذير والإسراف وتبديد الأموال والوقوع في حمأة الرذيلة والفساد، أو إشعال نار
الفتنة والاضطرابات بين الناس ، أو الاحتكارات والتلاعب بأسعار الأشياء، ومحاولة
تهريب الأموال إلى خارج البلاد، أو دفع ضرر فقر ألم بفئة من الناس ، أو لإهدار
الأموال المجموعة من الربا(٤)، على شرط أن يكون اجراء استثنائياً مرهوناً بوقت
الحاجة لا تشريعاً دائماً، وبشرط ألا يهتدم رأس المال من أصله .
رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه ( شرح مسلم: ٤٧/١١ )
(١)
(٢)
الخليج : نهر يقتطع من النهر الأعظم إلى موضع ينتفع به فيه .
الموطأ : ٢١٨/٢ وما بعدها ، وهناك حادثة أخرى في الموطأ تشابه هذه الحادثة قضى فيها عمر .
(٣)
الربا والاحتكار هما مصيبة الرأسمالية الطاغية ، اذ مكناها رويدا رويدا من تجميع الثروات في ايديها وحرمان
(٤)
سائر الناس منها ( جاهلية القرن العشرين لمحمد قطب : ص ٢٧٨ ) .
- ٥٢٠ -