Indexed OCR Text
Pages 261-280
الثاني لابن أبي زيد : وهو نفاذ البيع ، وجعل الثمن بدله رهناً . الثالث لابن رشد: وهو نفاذ البيع ، ويصير الدين بلا رهن، ولا يكون الثمن رهناً بدله . وأما إن كان الرهن متطوعاً به بعد العقد، وباعه الراهن قبل أن يقبضه المرتهن ، فينفذ بيعه، وهل يكون ثمنه رهناً أو لا يكون ؟ فيه خلاف، كالخلاف في بيع الهبة قبل قبضها . ب - بعد التسليم: إذا سلم الراهن المرهون ، بقي على ملكه، ولكن تعلق به دين المرتهن ، فاستحق حبسه وثيقة بالدين إلى أن يوفى عند الحنفية، ويصبح متعيناً للبيع وثيقة بالدين عند الجمهور غير الحنفية . وعلى كلا الرأيين : لا يجوز للراهن أن يتصرف بالرهن إلا بإذن المرتهن ، لتعلق حقه به، فيتنازل عن حقه في حبس الرهن أو تعينه للبيع. وتفصيل المذاهب فيما يأتي : ١ - قال الحنفية(١): إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن، فالبيع موقوف لتعلق حق الغير به، فإن أجازه المرتهن ، أو قضاه الراهن دينه، أو أبرأه المرتهن عن الدين ، جاز البيع ونفذ، وصار ثمنه في غير حال الوفاء بالدين رهناً مكانه في ظاهر الرواية؛ لأن البدل له حكم الْمُبْدَل. وإن لم يجزه، لم ينفسخ وبقي موقوفاً في أصح الروايتين، وكان المشتري - في حال عدم علمه بأنه مرهون - بالخيار: إن شاء صبر إلى فك الرهن ، أو رفع الأمر إلى القاضي بفسخ البيع . ووجه ظاهر الرواية : أن حق المرتهن متعلق بمالية المرهون ، فإذا بيع وأصبح (١) البدائع: ١٤٦/٦، تكملة الفتح: ٢٢٤/٨، تبيين الحقائق: ٨٤/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٣٦١/٥، اللباب: ٥٩/٢ ٠ - ٢٦١ - الثمن بدلاً عن المال المرهون ، لم يتضرر المرتهن ؛ لأن حقه لم يزل بالبيع . وإذا تكرر بيع الراهن قبل أن يجيز المرتهن ، كأن باعه مرة ثانية، كان البيع الثاني موقوفاً أيضاً على إجازة المرتهن ، فأي البيعين أجازه لزم، وبطل الآخر. وإذا كان التصرف الثاني (الوارد بعد بيع الراهن الزهن ) هبة أو إجارة أو رهناً فأجاز المرتهن هذا التصرف، نفذ البيع الأول، دون هذه التصرفات؛ لأن إجازته هذه التصرفات إسقاط لحقه في الحبس ، وبها يزول المانع من نفاذ البيع، فينفذ ، وتتحقق مصلحة المرتهن بتحول حقه لثمن المبيع ، أما تلك التصرفات فليس في نفاذها منفعة للمرتهن ، لعدم تحول حقه فيها إلى بدل يقوم مقام المرهون . وإذا تصرف الراهن أولاً بالإعارة أو الإجارة أو الهبة أو الرهن ، كان تصرفه أيضاً موقوفاً على إجازة المرتهن . أما في حال الإعارة: فإن ردها المرتهن بطلت، وإن أجازها نفذت، ولا يبطل بإجازتها عقد الرهن؛ لأن الإعارة عقد غير لازم، فلكل من الراهن والمرتهن بعد نفاذها استرداد العادية، وإعادتها رهناً كما كانت . وأما في حال الإجارة : فإجازتها مبطلة لعقد الرهن ؛ لأنها عقد لازم . وإذا تصرف الراهن بعقد من هذه العقود مع المرتهن ، فحكمها حكم إجازة المرتهن لهذه العقود إذا كانت لغيره. فإذا كان هو المشتري أو الموهوب له أو المتصدق عليه (أي المتملك)، فإن الرهن يبطل بذلك . وإذا كان هو المستعير لم يبطل الرهن ، ولكن يرتفع ضمانه وقت انتفاعه بالعين المرهونة فقط ، فإذا هلك أثناء انتفاعه ، هلك هلاك الأمانات، وإذا هلك قبل انتفاعه ، أو بعد انتهائه هلك هلاك الرهن . وإذا كان هو المستأجر، فإن جدد القبض للإجارة (وهو أمر شكلي) بطل - ٢٦٢ - مے الرهن ، ونفذت الإجارة؛ لأن قبض الرهن دون قبض الإجارة ، فلا ينوب منابه؛ لأن قبض الرهن قبض لا يؤدي إلى جواز الانتفاع ، وقبض الإجارة يؤدي إليه، فهو أقوى ، فلم ينب منابه. وإذا جدد القبض للإجارة، فهلك المقبوض، هلك هلاك الأمانات، لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتقصير. ومن التعدي أن يمنع المرتهن الرهن عن مالكه بعد انتهاء مدة الإجارة . ٢ - وقال المالكية (١): إذا تصرف الراهن بالرهن من غير إذن المرتهن ، ببيع أو إجارة أو هبة، أو صدقة ، أو إعارة ونحوها ، كان التصرف باطلاً، وبطل الرهن على المعتمد بمجرد الإذن (أي إذن المرتهن للراهن بالتصرف)، وإن لم يتصرف الراهن ، لاعتبار الإذن تنازلاً عن الرهن . ٣ - وقال الشافعية(٢): ليس للراهن المُقْبض تصرف يزيل الملك، كالهبة والبيع والوقف، مع غير المرتهن بغير إذنه ؛ لأنه لو صح لفاتت الوثيقة. كما لا يصح له رهن المرهون لغير المرتهن الأول عنده، ولا إجارة المرهون إن كان الدين حالاً، أو يحل أجله قبل انقضاء مدة الإجارة ، ويعد التصرف حينئذ باطلاً. فإن كان هذا التصرف مع المرتهن أو بإذنه، فيصح ويبطل الرهن ، إلا في الإجارة فيستمر الرهن ، ويصح للراهن كل تصرف لا يضر المرتهن كالسكنى والركوب كما بينا سابقاً، ويصح له أيضاً الإجارة والإعارة إلى مدة لا تمتد إلى ما بعد حلول الدين، لأنه تصرف لا يمس حق المرتهن في بيع الرهن عند حلول الدين، وعدم الوفاء . ٤ - والحنابلة(٢) كالشافعية قالوا : إذا تصرف الراهن بالرهن تصرفاً بغير إذن ~ الشرح الكبير: ٢٤١/٣ وما بعدها، ٢٤٨، بداية المجتهد: ٢٧٤/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ . (١) (٢) مغني المحتاج: ١٣٠/٢ وما بعدها، المهذب : ٣٠٩/١، ٣١١ . المغني: ٣٦٢/٤، كشاف القناع: ٢٢١/٣ وما بعدها . (٣) - ٢٦٣ - المرتهن ، بطل التصرف؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حق المرتهن بالوثيقة ، سواء أكان التصرف بيعاً أم إجارة أم هبة أم وقفاً، أم رهناً وغيره. وإذا أذن المرتهن بهذا التصرف، صح، وبطل الرهن ، إلا في الإجارة فيستمر الرهن في الأصح. كما أن الرهن يبقى بحاله مستمراً إذا كان التصرف إعارة أذن بها المرتهن . والخلاصة : أن تصرف الراهن بالرهن بغير إذن المرتهن موقوف عند الحنفية، باطل عند الأئمة الآخرين . ثانياً - تصرف المرتهن بالرهن : تبين مما سبق أن حق الراهن قائم في عين الرهن ، فهو ملكه، وحق المرتهن ثابت في ماليته ، فله حبسه لوفاء الدين . وبناء عليه لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في الرهن بغير إذن الراهن ، كما في تصرف الراهن ، لأنه تصرف فيما لا يملك ، ويكون تصرفه موقوفاً عند الحنفية والمالكية كتصرف الفضولي ، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة، وتفصيل المذاهب فيما يأتي : ١ - قال الحنفية(١): ليس للمرتهن أن يتصرف بالرهن بغير إذن الراهن؛ لأنه تصرف فيما لا يملك، إذ لا حق له إلا في حبس المرهون ، فإن تصرف بغير إذنه بالبيع أو الهبة ، أو الصدقة أو الإعارة ونحوها، كان تصرفه موقوفاً على إجازة الراهن ، إن أجازه نفذ، وإلا بطل . لكن إن أجره المرتهن بلا إذن ، فالأجرة له، وإن كان بإذن فللمالك الراهن ، وبطل الرهن(٣). وإن هلك المرهون عند المتصرف إليه ، ففيه تفصيل : (١) البدائع: ١٤٦/٦، الدر المختار: ٣٤٢/٥ وما بعدها، ورد المختار: ١٣٩/٥. (٢) الدر المختار ورد المختار: ٣٤٢/٥، ٣٧٢ . - ٢٦٤ _ أ- إن باعه المرتهن أو وهبه أو تصدق به أو أعاره فهلك عند المتصرف إليه، فللراهن الخيار: إما أن يضمن المرتهن لتعديه، ويستقر الضمان عليه، فلا يرجع على أحد ، وبأدائه الضمان يتبين أنه تصرف في ملكه. وإما أن يضمن المتصرف إليه ولا يرجع أحدهم على المرتهن ؛ لأن كل واحد عامل لنفسه، فالمشتري أو الموهوب له أو المتصدق له قبض لنفسه ، وفي ضمان نفسه، سواء أكان عالماً بأنه معتد، أم غير عالم، لأنه في الحالة الأخيرة أقدم على تصرف يتبعه ضمانه، كما لو كان ملكاً للمرتهن . وأما المستعير فقد قبض لنفسه لينتفع مجاناً . ب - وإن أجره المرتهن أو أودعه، أو رهنه، ثم هلك، فللراهن الخيار: إما أن يضمن المرتهن ، فلا يرجع على أحد، ويتبين أنه تصرف في ملك نفسه، أو يضمن المتصرف إليه، ولكن يرجع كل منهم على المرتهن ؛ لأنه ليس عاملاً لنفسه، وإنما هو عامل للمؤجر أو المودع أو الراهن في حفظ العين لصالحه أي المؤجر ونحوه، وإذا كان كل منهم عاملاً للمرتهن فيرجعون بالضمان عليه .] وإذا كان الهلاك بتعدي المتصرف إليه، كان هو الضامن لتعديه، ويستقر الضمان عليه لو ضمن الراهن المرتهن . ويلاحظ أنه إذا اختار الراهن تضمين المرتهن أو المتصرف إليه، لا يعود إلى تضمين الآخر ؛ لأن اختياره تضمين أحدهما بمثابة تمليك له، وإذا ملك شخصاً لم يكن له أن يملك غيره، ولأن اختياره تضمين أحدهما يعتبر منه إقراراً بأنه هو المعتدي على حقه دون الآخر ، فلا يقبل منه بعدئذ تضمينه . ٢ - وقال المالكية(١) كالحنفية: لا يجوز تصرف المرتهن في الرهن بغير إذن الراهن ؛ لأنه تصرف فيما لا يملك. فإن تصرف فيه بغير إذنه بيعاً أو هبة أو إجارة أو إعارة، كان موقوفاً على إجازة الراهن ، كتصرف الفضولي عندهم . (١) الشرح الكبير والدسوقي : ٢٤٢/٣. - ٢٦٥ _ م وإن تصرف بإذن الراهن نفذ، وبطل رهنه إذا كان التصرف بيعاً أو هبة، أو إجارة لمدة تمتد إلى ما بعد حلول أجل الدين . أما إذا كانت مدتها تنتهي قبل حلول الدين، فلا يبطل الرهن ، ويسترده المرتهن بعد انتهاء مدتها. كما يبطل الرهن بإعارته لمدة تمتد إلى ما بعد حلول أجل الدين، ولم يشترط رد المرهون إلى المرتهن عند حلول الدين ، أو لم يكن هناك عرف يقضي برده . فإن انتهت مدة الإعارة قبل حلول الأجل ، أو اشترط الرد عند الحلول، أو وجد عرف يقضي برده، فلا يبطل الرهن حينئذ . ٣ - وقال الحنابلة والشافعية(١): ليس للمرتهن أن يتصرف في الرهن بغير إذن الراهن ؛ لأنه ليس ملكاً له، فإن أقدم على التصرف كان تصرفه باطلاً، ولا يبطل الرهن . أما إن تصرف بإذن الراهن فتصرفه ينفذ، ويبطل الرهن إن كان تمليكاً . ولا يبطل الرهن إن كان إجارة أو إعارة، سواء أكان التصرف للراهن أم لغيره، وإنما يزول عند الحنابلة لزوم الرهن بالتصرف بالمرهون ، وكأنه لم يلحقه قبض . فإذا عاد المرهون للمرتهن عاد رهناً كما كان . وأما عند الشافعية الذين لا يشترطون استدامة قبض الرهن ، فيظل الرهن ولو كان بيد غير المرتهن . المطلب السابع - ضمان الرهن : نبحث هنا ثلاثة أمور: أولها - صفة يد المرتهن . وثانيها - كيفية ضمان المرتهن عند الحنفية وعند الجمهور. وثالثها - استهلاك الرهن . أولاً - صفة يد المرتهن: هل هي يد أمانة أو يد ضمان ؟ فيه رأيان: الأول للحنفية ، والثاني للجمهور. (١) المغني: ٣٣١/٤، مغني المحتاج: ١٣١/٢. - ٢٦٦ - ١ - قال الحنفية (١): يد المرتهن يد أمانة بالنظر لعين المال المرهون، ويد استيفاء أو ضمان بالنسبة لمالية المرهون فيما يقابل الدين من مالية الرهن . بمعنى أن ما يساوي الدين من مالية الرهن تعتبر يد المرتهن عليه يد ضمان أو استيفاء، فإذا امتنع رد المرهون لصاحبه بسبب هلاك أو غيره، كان المرتهن مستوفياً من دينه هذا المقدار، واحتسب من ضمانه ، وأما ما زاد من قيمة الرهن على الدين فهو أمانة، يهلك هلاك الأمانة ، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير. وأدلتهم: حديث ((الرهن بما فيه))(٢) أي يهلك بما رهن فيه، وما روي أن رجلاً رُهن فرساً، فتَفَق (مات) في يده، فقال رسول الله صَ لّ للمرتهن: ((ذهب حقك))(٣). وقد عمل الحنفية بالحديث الأول: ((إذا عُمِّي الرهن فهو بما فيه)) فقالوا(4) : معناه : إذا اشتبهت قيمته بعد هلاكه، بأن قال كل : لا أدري كم كانت قيمته، ضمن بما فیه من الدین . أ - وقال الجمهور غير الحنفية(٥): يد المرتهن على الرهن يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، ولا يسقط شيء من الدين بهلاك الرهن . إلا أن المالكية بالرغم من قولهم بأن يد المرتهن يد أمانة استحسنوا تضمين المرتهن عند وجود التهمة : وهي عندما يكون الرهن مما يغاب عليه (أي يمكن إخفاؤه) كالحلي والثياب والكتب والسلاح والسفينة وقت جريها ونحوه مما يمكن إخفاؤه وكتمه، إذا كان المرهون بيد الدر المختار: ٣٤٢/٥، اللباب: ٥٥/٢، تكملة الفتح: ١٩٨/٨، تبيين الحقائق: ٦٣/٦، البدائع: ١٥٤/٦. (١) (٢) رواه الدارقطني مسنداً عن أنس وأبو داود مرسلاً، والأول حديث ضعيف والثاني مرسل صحيح ( نصب الراية : ٣٢١/٤ ) . رواه أبو داود في مراسيله، وابن أبي شيبة في مصنفه ، وهو مرسل وضعيف ( نصب الراية : ٣٢١/٤ ) . (٣) (٤) الدر المختار : ٠٣٤٨/٥ الشرح الكبير والدسوقي : ٢٥٣/٣ - ٢٥٥، بداية المجتهد: ٢٧٣/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ ، مغني المحتاج : (٥) ١٣٦/٢، المهذب: ٣١٦/١، أعلام الموقعين: ٣٥/٤، المغني: ٣٩٦/٤، كشاف القناع: ٣٢٨/٣ . - ٢٦٧ - المرتهن ، لا بيد أمين (عدل)، ولم تقم بينة (شهادة اثنين) أو شاهد مع يمين على احتراقه أو سرقته أو تلفه ، بلا تعدٍ ولا إهمال من المرتهن . أما إذا كان المرهون مما لا يغاب عليه كالعقار والحيوان، أو كان الرهن بيد أمين ، أو قامت بينة على تلفه بلا تعد ولا إهمال من المرتهن ، فلا يضمنه المرتهن عند هلا که . ودليل الجمهور على كون يد المرتهن يد أمانة: حديث أبي هريرة السابق : ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) فقد جعل النبي غرم الرهن - ومنه هلاكه - على الراهن ، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة ؛ لأن عليه قضاء دين المرتهن. أما إذا هلك مضموناً، فإن غرمه على المرتهن ، حيث سقط حقه، لا على الراهن . ثم إن الرهن وثيقة بالدين ، فلا يجوز أن يسقط الدين بهلاكه، إذ يتنافى السقوط مع كونه وثيقة . كما أن وجود المرهون في يد المرتهن حدث برضا الراهن ، فكان بسبب الرضا 5 أميناً ، كالوديع بالنسبة للمودع . ويلاحظ أن رأي الجمهور أقوى لقوة أدلتهم ، وضعف أحاديث الحنفية . ثانياً - كيفية ضمان المرتهن : ١ - مذهب الحنفية: إن المرهون مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين(١)، فإن كانت القيمة أقل من الدين ، فهو مضمون بالقيمة وسقط من الدين بقدرها، ورجع المرتهن بالفضل الزائد على الراهن ، وإن تساوى الدين وقيمة المرهون، صار المرتهن (١) أي بما هو أقل. و((مِنْ)) لبيان الأقل الذي هو القيمة تارة ، والدَّينُ أخرى. - ٢٦٨ - مستوفياً دينه حكماً، لتعلق قيمة الرهن بذمته، وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين ، فالفضل الزائد أمانة في يد المرتهن لا يضمن ما لم يتعد عليه، أو يقصر في حفظه(١) . شرائط الضمان : اشترط الحنفية لضمان الرهن على النحو المذكور شروطاً ثلاثة (٢) : الأول - شرط بقاء الدين أي وجود الدين عند هلاك المرهون ، أو أن يكون موعوداً به عند قبض الرهن : فإذا سقط الدين قبل هلاك الرهن ، بالإبراء أو بالوفاء ونحوهما، ثم هلك الرهن ، فإنه يهلك على الراهن بغير شيء، ولا ضمان على المرتهن حينئذ . الثاني - شرط بقاء القبض أي أن يكون هلاك الرهن في يد المرتهن أو في يد العدل، وفي حال قبضه على حكم الرهن : فإذا هلك المرهون، وهو في يد الراهن ، أو في يد غاصبه، لم يهلك هلاك الرهن، وإنما يهلك على ضمان الراهن إذا كان في يده، أو على ضمان الغاصب إذا هلك في يده . وإذا أذن الراهن المرتهن في الانتفاع بالرهن ، فهلك حال انتفاعه به ، بناء على الإذن، فإنه أيضاً يهلك هلاك الأمانة، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدين، لأنه لم يهلك في قبض الرهن ، وإنما هلك في قبض العارية . أما إن هلك قبل أن يبدأ انتفاعه به ، أو بعد انتهائه ، فإنه يهلك هلاك الرهن ، لأنه هلك في قبض الرهن . وكذلك لو أعاره أحدهما بإذن الآخر لأجنبي ، فهلك عنده، هلك هلاك اللباب: ٥٥/٢، البدائع: ١٦٠/٦، ومراجع الحنفية في صفة يد المرتهن. (١) (٢) البدائع: ١٥٥/٦ - ١٦٠، تكملة الفتح: ٢٤٠/٨ . - ٢٦٩ - العارية. وإن أودعه المرتهن لدى الراهن ، فهلك في يده، لم يسقط شيء من الدين بهلاكه، لانتقاض قبض الرهن برده إلى الراهن . الثالث - شرط كون المرهون مقصوداً بالرهن أي ألا يكون الهالك من زيادة الرهن ونمائه، مما يدخل في الرهن تبعاً، كالولد واللبن والثمرة والصوف ونحوها ، من كل زيادة متولدة منفصلة . فإذا هلك النماء أو الزيادة، هلك هلاك الأمانة؛ لأن الزيادة لم تدخل في الرهن إلا تبعاً للأصل ، فكانت يد المرتهن عليها يداً تابعة ليده على أصلها . نقص سعر المرهون : لا يؤثر نقص سعر المرهون عند جمهور الحنفية خلافاً لزفر في ضمان الرهن ؛ لأن ما يسقط من الدين بهلاك الرهن مراعى فيه قيمته وقت قبضه، لا وقت هلاكه ؛ لأن قبضه قبض استيفاء، فتراعى قيمته في وقت القبض . فإذا نقصت قيمته بسبب تغير الأسعار، لا يسقط بسبب التغير شيء من الدين (١). نقص قيمة الرهن بسبب هلاك بعضه أو تعيبه : إذا كان الرهن متعدداً ، فهلك بعضه ، أو كان سليماً فتعيب عند المرتهن ، سقط من الدين بمقدار ما نقص من قيمة الرهن بسبب هلاك بعضه أو تعيبه، وكان الباقي من الرهن رهناً بالباقي من الدين . إلا أنه إذا كان المرهون من الأموال الربوية بأن كان مكيلاً أو موزوناً ورهن بجنسه كسوار ذهب بليرات ذهبية وكسبيكة فضية بحلي من فضة، ثم هلك، فيهلك عند أبي حنيفة بمثله وزناً من الدين(٣)، وإن اختلف الرهن والدين في الجودة والصناعة ؛ لأنه لا عبرة بالجودة، أي لا ينظر إليها عند المقابلة بالجنس في الأموال (١) تبيين الحقائق: ٩١/٦ . (٢) تكملة الفتح: ٢١٢/٨، تبيين الحقائق: ٧٤/٦، اللباب : ٥٧/٢ . - ٢٧٠ - الربوية (١). وإن رهنت بخلاف جنسها كقمح بذهب هلكت بقيمتها كسائر الأموال . ٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية في كيفية ضمان الرهن : لا يضمن الرهن عند جمهور الفقهاء(٢) إذا هلك بلا تعد ولا تقصير، وهو في يد المرتهن، وإنما يضمن بالتعدي أو التقصير، ولا يسقط شيء من الدين بتلف المرهون إلا أن المالكية - كما تقدم - ضمنوا المرتهن إذا كان الرهن مما يغاب عليه، كالحلي والسلاح والثياب والكتب والسفينة وقت جريها، ولم تقم بينة على هلاكه من غير تعد ولا تقصير، وعندئذ يضمن قيمته بالغة مابلغت، ويستمر الضمان إلى تسليم الرهن لصاحبه، فلا يرفعه وفاء الدين ولا سقوطه. ويسقط حينئذ عندهم دين المرتهن إن كان مساوياً للرهن . ولديهم قولان في وقت تقدير قيمة المرهون : قول بتقديرها يوم الضياع (أي التغيب) وقول بتقديرها يوم الارتهان (٣). ثالثاً - حكم استهلاك الرهن : 8 اتفقت المذاهب على وجوب ضمان الرهن باستهلاكه، وعلى أن قيمة الضمان تحل محل المرهون ، واختلفوا في جزئيات مثل تحديد الخصم الذي يطالب بالضمان ، وتعيين وقت تقدير القيمة . فقال الحنفية(٤): إذا استهلك أو أتلف الراهن الرهن، ضمن قيمته إن كان قيمياً، (١) وقال الصاحبان: يضمن المرتهن قيمة المرهون من مال آخر خلاف جنسه، ويحل الضمان مكان أصله في الرهن عند المرتهن . المغني: ٣٩٦/٤ ، مغني المحتاج: ١٣٧/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٢٤ ، الشرح الكبير: ٣٤٤/٣ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢٥٣/٣. قال الدسوقي : هل تعتبر القيمة يوم الضياع أي وقت تغيبه ، أم (٣) يوم الارتهان ؟ قولان . ووفق بعضهم بين القولين بأن الأول هو ضمان قيمته يوم الضياع إذا كان قد ظهر عنده يوم ادعى التلف ، وأن الثاني - وهو ضمان قيمته يوم ارتهانه إذا لم يظهر عنده منذ ارتهنه إلى وقت ادعائه تلفه . (٤) البدائع: ١٦٣/٦، تبيين الحقائق: ٨٧/٦ ، اللباب : ٦٠/٢ - ٢٧١ - ومثله إن كان مثلياً، يوم الاستهلاك أو الإتلاف (وقت التعدي) ويكون المرتهن هو الخصم الذي يطالب الراهن بالضمان ؛ لأنه صاحب الحق بحبس المرهون، ويأخذ المرتهن المضمون (القيمة أو المثل) رهناً في يده؛ لأنه قائم مقام أصل المرهون ، إلى حلول أجل الدين . فإن كان الدين حالاً، أخذ المرتهن دينه كله من القيمة . وإذا استهلك المرتهن الرهن أو أتلفه بتعدٍ أو تقصير من جهته، ضمن قيمته إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً، والمعتبر قيمته يوم قبضه ؛ لأن المرهون دخل في ضمانه من یوم قبضه . فإن أتلفه أجنبي، ضمن قيمته يوم التعدي، كما هو المقرر في اعتداء الراهن ؛ لأن نشوء الضمان كان بالتعدي وسواء أتلفه المرتهن أو الأجنبي أو الراهن يكون المضمون (مثلاً أو قيمة) رهناً مكان أصله ؛ لأنه بدله، فيتعلق به حق المرتهن ، كما كان متعلقاً بأصله. ويكون الخصم في مطالبة الأجنبي أو الراهن بالضمان هو المرتهن ، ويعطى لمن كان أصل المرهون في يده، من مرتهن أوعدل . وقال الشافعية والحنابلة(١): يضمن المتعدي على الرهن قيمته أو مثله، وقت التعدي ، ويكون بدله رهناً مكانه، ولو لم يقبض هذا الضمان، حتى يظل المرتهن صاحب امتياز أو أفضلية على سائر الغرماء في مقدار بدل الرهن من تركة المتعدي . والخصم في اقتضاء بدل الرهن : هو الراهن ؛ لأنه المالك ، ولكن يقبضه من كان الأصل في يده من مرتهن أو عدل . وقال المالكية (٢): تكون قيمة الرهن عند ضمانه ، بسبب التعدي عليه من الراهن (١) مغني المحتاج: ١٣٦/٢، ١٣٨، المغني : ٣٩٦/٤، كشاف القناع: ٣٢٨/٣ (٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ٢٤٤/٣، ٢٥٣ - ٢٧٢ - أو من أجنبي إن لم يأت الراهن برهن مثل الأول. وتقدر القيمة يوم التعدي . فإن كان المرتهن هو المتعدي على الرهن ، فيضمن قيمته يوم ضياعه (تغيبه)، وقيل : يوم ارتهانه . المطلب الثامن - بيع الرهن : الكلام عن بيع المرهون يتطلب أموراً خمسة : ولاية البيع الاختياري والجبري ، وبيع ما يتسارع إليه الفساد، وحق امتياز المرتهن ، واشتراط المرتهن تملك المرهون عند عدم الوفاء، واستحقاق الرهن بعد بيعه . أولاً - ولاية بيع المرهون : أ - البيع الاختياري : اتفق الفقهاء على أن المرهون يظل ملكاً للراهن بعد تسليمه للمرتهن، كما دلت السنة: ((لا يغلق الرهن من صاحبه)) فتكون ولاية بيع المرهون للراهن ، لا لغيره، لكن لتعلق حق المرتهن به ، وثبوت حق حبسه إياه عند الجمهور غير الشافعية ، وكونه أولى بماليته من الراهن، يتوقف عند الحنفية والمالكية نفاذ بيعه على رضا المرتهن وإذنه، مادام حقه قائماً ، فإذا انتهى هذا الحق ، نفذ البيع بانتهائه، كما بينا في بحث التصرف بالرهن . وعليه يكون للراهن باتفاق الفقهاء أن يبيع الرهن بإذن المرتهن . فإذا توفي الراهن، كانت ولاية البيع لوصيه أو لوارثه، كما يكون له في حال حياته، أن يوكل في البيع غيره، فيوكل المرتهن ، أو العدل، أو أجنبياً آخر غيرهما . وذكر الحنفية(١) فروقاً بين الوكالة المشروطة في عقد الرهن ، والوكالة المفردة الحادثة بعد عقد الرهن ، من هذه الفروق : (١) تبيين الحقائق للزيلعي: ٨١/٦ وما بعدها - ٢٧٣ - الفقه الإسلامي جـ٥ (١٨) أن الوكالة المشروطة في عقد الرهن لا ينعزل الوكيل فيها بعزل الموكل ولا بموت الراهن أو المرتهن ، ولا تقبل التقييد بعد الإطلاق، ويجبر فيها الوكيل ببيع الرهن على بيعه إذا امتنع عنه ؛ لأن الوكالة صارت شرطاً أو وصفاً من شروط الرهن ، فتلزم بلزومه . بخلاف الوكالة المفردة في كل هذه الأحكام، فإنها تنتهي بالعزل أو بموت الراهن والمرتهن، ... إلخ؛ لأنها لم تصر وصفاً من أوصاف الرهن ، ولم يتعلق بها حق المرتهن. وأوضح المالكية(١) بعض الأمور في حالة إذن الراهن بالبيع ، فقالوا : ليس للعدل أو المرتهن بيع الرهن إلا بإذن الراهن ؛ لأن ولاية البيع له، فإذا أذن الراهن لأحدهما بالبيع ، فإما أن يكون الإذن مطلقاً أو مقيداً. فإن قيده بعدم وفاء الدين في وقت معين ، لم يجز لأحدهما بيعه قبل الوقت ، بل يجب الرجوع إلى القاضي ، ليبين أن الدين قد وفي أم لا . وإن کان الإذن مطلقاً : فإن کان للعدل، استقل حينئذ ببیعه بدون رجوع إلى القاضي . وإن كان للمرتهن ، فله البيع بدون الرجوع للقاضي إذا صدر الإذن بعد العقد ، أما إذا صدر حال العقد، فلا يبيع إلا أن يرجع إلى القاضي، حتى ترتفع شبهة إكراه الراهن على إصدار الإذن . وينفذ البيع ، إذا لم يكن فيه غبن ، أما إن بيع بأقل من قيمته ، فللراهن أخذه من المشتري ، وإن تداولته الأيدي بأي ثمن شاء مما بيع به . وقالوا كالحنفية : لا يملك الراهن ولا المرتهن عزل الوكيل في بيع الرهن ، كما لا يجوز له أن يعزل نفسه، ولا ينعزل إلا باتفاقها على عزله . وكذلك قرر الشافعية والحنابلة(٢): أن ولاية البيع للراهن ، بإذن المرتهن ، فلا الشرح الكبير والدسوقي : ٢٥٠/٣ وما بعدها (١) مغني المحتاج : ١٢٠/٢، المغني : ٣٦٢/٤ وما بعدها (٢) - ٢٧٤ _ يبيعه هو أو وكيله من غير إذنه، إلا إذا تعنت ، فرفض أن يأذن بالبيع ، فيرفع الراهن الأمر للقاضي ، فيأمره بأن يأذن بالبيع أو يبرئ الراهن، دفعاً للضرر عنه، وإلا أذن القاضي للراهن بالبيع لوفاء الدين . ب- البيع الجبري : الرهن وثيقة بالدين كما بينا ، والهدف المقصود من الرهن هو الحصول على الدين من ثمن المرهون ، إذا لم يوف الراهن المدين بالدين عند حلول أجل الدين ، عن طريق بيع المرهون . ويتم البيع في الأحوال العادية بواسطة الراهن أو وكيله؛ لأنه هو المالك للمرهون . وبناء عليه، إذا حل أجل الدين ، طالب المرتهن الراهن بوفاء الدين، فإن استجاب إلى طلبه، فوفى، فبها ونعمت، وإن لم يستجب لمطل أو إعسار، أو لغيبة ، أجبره القاضي على البيع باتفاق الفقهاء .. ويجبر القاضي عند الحنفية والمالكية وكيل الراهن على البيع، كما قدمنا، ولا يجبر عند الشافعية والحنابلة ؛ لأن الوكيل متفضل، له أن يتخلى عن وكالته ، فلا يجبر على البيع ، وإنما يتم البيع بواسطة القاضي إذا كان الراهن غائباً، أو كان حاضراً وأبى البيع . ويطلب القاضي أولاً من الراهن الحاضر بيع المرهون، فإن امتثل ، تم المقصود، وإن امتنع ، باعه القاضي عند المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة بدون حاجة إلى إجباره بحبس أو ضرب أو تهديد (١). (١) الشرح الكبير للدردير: ٢٥١/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤، مغني المحتاج: ١٣٤/٢، المهذب: ٢٠٧/١ ، كشاف القناع: ٣٣٠/٣. - ٢٧٥ _ وقال أبو حنيفة : ليس للقاضي أن يبيع الرهن بدين المرتهن من غير رضا الراهن ، لكنه يحبس الراهن حتى يبيعه بنفسه(١). وإذا وجد في مال المدين الراهن مال من جنس الدين ، وُفِّيَ الدين منه، ولا حاجة حينئذ إلى البيع جبراً. وإذا احتاج بيع المال المرهون إلى نفقات، كانت على الراهن ؛ لأنه هو المالك ، وهو ملزم بقضاء الدين ، والبيع نتيجة لعدم وفائه . ثانياً - بيع ما يتسارع إليه الفساد : عرفنا فيما مضى أنه يصح رهن ما يسرع إليه الفساد من أنواع الفواكه، فإن أمكن تجفيفه تجنباً لفساده، جفف، والمؤنة على الراهن، ولا يطلب رضاه؛ لأن الجفاف من مؤونته وحفظه وتبقيته، وهو على الراهن . وإن كان مما لا يجفف: فللمرتهن أن يبيعه في الحال ؛ لأن بيعه ضروري لحفظه ، ولكن بإذن القاضي ؛ لأن له ولاية في مال غيره في الجملة ، فإن باع بغير إذنه، ضمن لأنه لا ولاية له عليه . فإن كان الدين حالاً، يقضى من ثمنه، وإن كان مؤجلاً، يكون الثمن رهناً إلى وقت الحلول . وإن كان لا يحل الدين قبل أوان فساده، بل يحل بعد فساده أو معه، فإنه يباع أيضاً ، ويجعل الثمن رهناً مكانه، سواء شرط في عقد الرهن بيعه، أو أطلق أي خلا العقد من الشرط (٢). وخالف الشافعية في الصورة الأخيرة، وهي ما إذا كان يحل بعد فساده، أو البدائع : ١٤٨/٦، الدر المختار: ٢٥٩/٥، رد المحتار: ٣٥٧/٥، تكملة الفتح: ٢٢٢/٨. (١) البدائع: ١٤٨/٦، الدر المختار: ١٥٧/٥، المغني: ٣٤١/٤، المهذب: ٢٠٨/١، مغني المحتاج: ١١٣/٢ وما (٢) بعدها . - ٢٧٦ - معه ، فقالوا : إن شرط في الرهن بيعه ، وجعل ثمنه رهناً مكانه، صح الرهن ، ونفذ الشرط. وإن أطلق فعلى قولين، وهما وجهان عند الحنابلة: أحدهما: لا يصح الرهن، وهو الصحيح عند الشافعية، وعكسه هو الأصح عند الحنابلة، ودليل الشافعية أن بيع الرهن قبل حلول أجل الدين، لا يقتضيه عقد الرهن ، فلا يجوز. وحينئذ إذا بقي الرهن على حاله إلى أن يفسد ، ذهبت الوثيقة (١). ثالثاً - حق امتياز المرتهن : حق الامتياز: معناه أن يكون المرتهن أولى أو أحق بثمن المرهون من سائر الغرماء (الدائنين) حتى يستوفي حقه، حياً كان الراهن أو ميتاً. ويثبت هذا الحق للمرتهن باتفاق الفقهاء(٢) ما عدا الظاهرية بناء على تعلق حقه أو دينه بالمال المرهون، وكون الرهن وثيقة بالدين ، وثبوت حق المرتهن في حبسه عند غير الشافعية (الجمهور)، ومنع الراهن من التصرف بالرهن إلا بإذن المرتهن باتفاق المذاهب . وعليه إذا ضاق مال الراهن عن وفاء ديونه ، وطالب الغرماء بديونهم ، أو حجر على المدين لإفلاسه عند مجيزي الحجر خلافاً لأبي حنيفة، وأريد قسمة ماله بين غرمائه (دائنيه)، فأول من يقدم هو المرتهن لاستيفاء حقه من ثمن المرهون ، أو من قيمته عند ضانه عوضاً عنه من قيمة أو مثل ، أياً كان الضامن ، بسبب الإتلاف. ولا يحق الاعتراض لباقي الغرماء، ولهم أخذ ما فضل من الثمن ؛ لأن حق المرتهن متعلق بعين الرهن ، وذمة الراهن معاً، فهو صاحب حق عيني ، وأما سائر الغرماء، والقول الثاني وهو الراجح عند الحنابلة: يصح الرهن ، ويباع المرهون عند الإشراف على الفساد ؛ لأن الظاهر (١) والذي يقتضيه العرف أن المالك لا يقصد برهنه مع الإطلاق إتلاف ماله ، فإذا تعين حفظه في بيعه ، حمل عليه مطلق العقد . وعزاه الرافعي في الشرح الصغير إلى تصحيح الأكثرين ، وقال الإسنوي : إن الفتوى عليه . (٢) البدائع : ١٥٣/٦، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ ، مغني المحتاج: ١٣٤/٢، المغني: ٤٠٤/٤ وما بعدها . - ٢٧٧ - فيتعلق حقهم بالذمة، دون العين ، فكان حقه أقوى ، وحقهم شخصي فقط . هذا إن كان ثمن المرهون كافياً لحق المرتهن، ويفضل منه شيء، فيوزع الفاضل أو الباقي على الغرماء بالتساوي، فإن فضل من دين المرتهن شيء، أخذ ثمن المرهون، وساهم مع الغرماء ببقية دينه . ويسدد دين المرتهن من ثمن المرهون، إذا كان الدين حالاً، فإن كان مؤجلاً، وبيع الرهن لسبب من الأسباب التي تستوجب بيعه قبل حلول أجل الدين كما في بيع ما يسرع إليه الفساد، فإن الثمن يبقى رهناً بدل أصله ، إلى أن يحل الدين . رابعاً - اشتراط المرتهن تملكه للرهن عند عدم الوفاء (غَلاَق الرهن ) : اتفق جمهور الفقهاء(١) على أنه إذا شرط المرتهن في عقد الرهن أنه متى حل الدين، ولم يوف، فالمرهون له بالدين، أو فهو مبيع له بالدين الذي على الراهن ، فهو شرط فاسد، لقوله عَ لّ: (( لا يَغْلَق الرهن من صاحبه)). قال مالك: (( لا يغلق الرهن)» معناه - والله أعلم - لا يمنع من فكه، والنهي عن الشيء يقتضي فساد المنهي عنه. وقال الأزهري : الغلق في الرهن : ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن ، فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه. وروى عبد الرزاق عن معمر: أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل : إن لم آتك بمالك ، فالرهن لك . والخلاصة: أن المراد بالحديث: لا يستحق المرتهن الرهن، إذا لم يُفْتَكَّ في الوقت المشروط ، فلو هلك الرهن ، لم يذهب حق المرتهن ، وإنما يهلك من رب الرهن ، إذ له غنمه وعليه غرمه . قال النووي في المنهاج وشراحه : ولو شرط كون المرهون مبيعاً له عند الحلول، (١) المغني: ٣٨٣/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ وما بعدها، المنتقى على الموطأ: ٢٣٩/٥، نيل الأوطار: ٢٣٥/٥ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٣٧/٢. - ٢٧٨ - فسد، أي الرهن لتأقيته، والبيع لتعليقه. والمرهون قبل المَحِل أي وقت الحلول أمانة ؛ لأنه مقبوض بحكم الرهن الفاسد، وبعده مضمون بحكم الشراء الفاسد . وهناك قول لأبي الخطاب من الحنابلة، ولبعض الحنفية: أن الرهن لا يفسد بهذا الشرط؛ لأن الحديث: ((لا يغلق الرهن )» نفی غلقه دون أصله، فیدل على صحته، ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط ، فمع بطلانه أولى أن يرضى به . ورد ابن قدامة الحنبلي : أنه رهن بشرط فاسد، فكان فاسداً، كما لو شرط توقيته . وليس في الخبر أنه شرط ذلك في ابتداء العقد ، فلا يكون فيه حجة . خامساً - استحقاق الرهن بعد بيعه : قال الحنفية(١): إذا ظهر كون الرهن بعد بيعه مستحقاً لغير الراهن ، فإما أن يكون المرهون المبيع موجوداً حين ادعاء الاستحقاق ، أو هالكاً . فإن كان موجوداً، أخذه المستحق إن أراد ؛ لأنه وجد عين ماله، فلا يمنع عنه إلا بحق لزمه ، ولم يوجد . ويكون مشتريه حينئذ بالخيار: إن شاء رجع على من باعه إياه بما دفع إليه من ثمن ؛ لأنه هو العاقد، وإن شاء رجع به على المرتهن إذا كان قد قبض الثمن؛ لأن البيع قد انتقض بالاستحقاق ، وبطل أن يكون المدفوع ثمناً، وقد وصل إلى يد المرتهن على هذا الأساس، فيجب عليه رده، ونقض قبضه حكماً . وإذا كان البائع هو العدل، رجع العدل بالثمن على الراهن ، إن شاء؛ لأنه وكيل عنه في البيع ، فتلحقه العهدة بسبب الوكالة ، وبه يصح الوفاء بما دفع العدل للمرتهن . وإن كان الرهن عند الاستحقاق هالكاً، فإن المستحق بالخيار: إن شاء ضمن الراهن قيمته؛ لأنه غاصب في حقه، بأخذه ورهنه. وإن شاء ضمن العدل؛ لأنه متعد (١) تكملة فتح القدير: ٢٢٣/٨، الدر المختار: ٣٥٩/٥ وما بعدها . - ٢٧٩ - في حقه بالبيع والتسليم. وإن شاء على ما يظهر ضمن المشتري لهلاك ملكه في يده . فإن ضمن الراهنَ ، نفذ البيع، وصح الوفاء؛ لأن الراهن بأدائه الضمان، ملك الشيء المضمون أي العين المرهونة ، ملكاً مستنداً إلى وقت الاعتداء، فتبين أنه رهن ملك نفسه ، وأمر ببيع ملك نفسه . وإن ضمن العدلَ - البائعَ، نفذ البيع أيضاً؛ لأن العدل قد ملكه بأداء الضمان ، فتبين أنه قد باع ملك نفسه. وبتضمينه يرجع العدل بالخيار: إن شاء على الراهن بما ضمن ، لأنه وكيله، وينفذ البيع، ويصح الوفاء. وإن شاء على المرتهن بالثمن، لا بالقيمة ؛ لأنه تبين أنه أخذ الثمن بغير حق ؛ لأن العين صارت ملكه بالضمان ، ونفذ بيعه بسبب تملكه، وصار الثمن له، وقد أداه إليه على حساب أنه للراهن ، لا له، فيرجع به لهذا السبب ، وإذا رجع بطل الوفاء، ويرجع المرتهن على الراهن بدينه . وإن ضمن المشتري، رجع بالثمن على العدل ؛ لأنه البائع له، ويرجع العدل به على الراهن ؛ لأن العهدة عليه، وبه يصح الوفاء، إن وصل إلى المرتهن . المطلب التاسع - تسليم المرهون : للمرتهن عند الجمهور غير الشافعية كما بينا حق الحبس الدائم للمرهون حتى يستوفي دينه، ليضطر المدين إلى تسديد دينه، لاسترداد المرهون ، لحاجته إليه، والانتفاع به. وللمرتهن أيضاً عند حلول أجل الدين المطالبة بدينه، مع بقاء الرهن تحت یده(١). وعلى المرتهن تسليم المرهون لصاحبه إما بانتهاء الدين ، أو بانتهاء عقد الرهن . وانتهاء الدين : يكون بأسباب كالإبراء من الدين أو هبته أو وفاء الدين ، أو شراء سلعة من الراهن بالدين ، أو إحالة الراهن المرتهن على غيره . (١) تكملة فتح القدير: ١٩٨/٨. - ٢٨٠ _