Indexed OCR Text

Pages 221-240

ولو دفعه العدل إلى أحدهما من غير رضا صاحبه ، فلصاحبه أن يسترده ويعيده
إلى يد العدل .
وإذا هلك الرهن في يد أحدهما قبل استرداده، ضمن العدل قيمته ، بسبب
اعتدائه عليه بدفعه إلى أحدهما ، أي ضمن الأقل من قيمته ومن الدين . وهذا باتفاق
الحنفية ، والمالكية .
ومثله في الحكم أن يسلمه العدل إلى أجنبي بدون رضاهما قبل سقوط الدين .
وإذا ضمن العدل قيمته ، فدفعها إليهما ، فلهما عندئذ أن يجعلاها رهناً في يده، إلى وفاء
الدين . وليس للعدل بنفسه أن يجعل القيمة رهناً في يده ؛ لأنه هو الذي دفع القيمة،
فلو جعلها رهناً يصير قاضياً ومقضياً وبينهما تناف. فإن وفى الراهن الدين وأراد أن
يأخذ قيمة الرهن من العدل، نظرنا في الأمر:
فإن كان العدل قد ضمن بسبب دفعه إلى الراهن ، لم يكن للراهن أخذ قيمة الرهن
منه ؛ لأن حقه قد وصل إليه حين دفع إليه الرهن ، فتكون القيمة حقاً للعدل .
وإن كان العدل قد ضمن بسبب دفعه إلى المرتهن ، كان للراهن أن يأخذ قيمة
الرهن منه؛ لأنها بدل عن عين الرهن . وعندئذ ليس للعدل أن يرجع بما ضمن على
المرتهن ، إذا كان قد دفعه إليه على وجه العارية أو الوديعة؛ لأن العدل قد دفع إليه
ملكه الذي تملكه من وقت الدفع حين ضمن قيمته(١). وإن كان قد دفعه إليه رهناً
فيكون مضموناً على المرتهن كالمقبوض على سوم الرهن أو على سوم البيع ؛ لأنه دفعه
إليه على وجه الضمان .
٣ - ليس للعدل أن ينتفع بالرهن، ولا أن يتصرف فيه بالإجارة، أو الإعارة،
(١) وبعبارة أخرى: إن العدل بأداء الضمان ملك العين المرهونة من وقت الدفع للمرتهن، وتبين أنه أودع أو أعار
ملك نفسه ، فلا يضمن المستعير ولا الوديع إلا بالتعدي .
- ٢٢١ -

أو الرهن ؛ لأن الواجب عليه الإمساك ، وليس له حق الانتفاع والتصرف. وليس له
أن يبيعه إلا إذا كان مسلطاً على بيعه في عقد الرهن ، أو بعده. وإذا توفي العدل، لم
يحل وارثه محله في بيع الرهن ؛ لأن الوكالة لا تورث . وكذلك لا يحل وصيه محله في
البيع أيضاً، لأن الراهن لم يرض برأي وصيه .
وعن أبي يوسف : أنه يحل محله ؛ لأن الوكالة لازمة ، فصار وصيه كومي العامل
المضارب إذا مات .
ورد عليه بأن للمضارب ولاية التوكيل في حياته بدون إذن صاحب المال،
بخلاف العدل ، فجاز أن يقوم وصيه مقامه ، كالأب في مال الصغير.
وإذا باع العدل الرهن، لم يعد رهناً؛ لأنه صار ملكاً للمشتري، وصار ثمنه هو
الرهن ، لأنه قام مقامه .
وللعدل أن يبيع الزيادة المتولدة من الرهن، لكونها مرهونة تبعاً للأصل . وله
أن يبيع بمثل قيمة الرهن أو بأقل منه قدرما يتغابن الناس فيه، وبالنقد والنسيئة
عند أبي حنيفة. وله أن يبيع قبل حلول الأجل ويكون الثمن حينئذ رهناً عنده إلى
5
أن يحل الأجل ؛ لأن ثمن المرهون مرهون .
وقال الشافعية والحنابلة: لا يبيع العدل إلا بثمن المثل حالاً، من نقد بلده
كالوكيل . واذا باع العدل وقبض الثمن، كان الثمن عنده من ضمان الراهن لأنه ملکه،
والعدل أمينه ، حتى يقبضه المرتهن .
٤ - إذا هلك الرهن في يد العدل من غير تعد، كان كهلاكه في يد المرتهن ؛ لأن
يد العدل بالنسبة لمالية الرهن، كيد المرتهن، ويكون عند الحنفية مضموناً على
المرتهن بالأقل من قيمته (أي قيمة الرهن ) ومن الدين .
وإذا ضمن العدل قيمة الرهن بتعديه ، أو ضمنها الأجنبي المتعدي على الرهن بعد
- ٢٢٢ -

أن دفعه العدل إليه بلا حق ، لم يستطع العدل أن يجعل القيمة رهناً في يده؛ لأنها
واجبة عليه في الحالين، ولا يصلح الشخص الواحد أن يكون في آن واحد قاضياً
ومقتضياً، ولكن يأخذها الراهن والمرتهن، فيجعلانها رهناً عند العدل أو عند غيره.
وقال الشافعية والحنابلة: تجعل القيمة رهناً في حالة كون الأجنبي هو المتعدي على
الرهن .
وإذا استحق الرهن وهو قائم في يد العدل أخذه المستحق وبطل الرهن . وإذا
استحق بعد هلاكه كان المستحق بالخيار بين أن يضمن الراهن قيمته أو يضمن العدل
ويرجع العدل على الراهن بما ضمن لأنه غيره .
٥ - ليس للعدل المسلط على البيع عند الحنفية أن يعزل نفسه إلا برضا المرتهن،
مراعاة لحقه ، إذا كانت الوكالة مشروطة في عقد الراهن . فيجبر على البيع إذا حل
أجل الدين وأبى البيع . وإجباره بأن يحبسه القاضي أياماً ليبيع، فإن أبى بعد الحبس
باعه القاضي؛ لأن بيع الرهن في هذه الحال صارحقاً للمرتهن .
أما إذا كانت وكالة العدل بالبيع بعد عقد الرهن ، فللعدل أن يعزل نفسه ؛ لأنها
تعد وكالة مستقلة مبتدأة ، فتطبق عليها أحكام الوكالة. وقال أبو يوسف : ليس له
5
أن يعزل نفسه .
وقال الشافعية والحنابلة : للعدل في جميع الأحوال أن يعزل نفسه؛ لأنه وكيل
منفصل ، فلا يجبر على المضي في الوكالة .
:
المطلب السادس - ما يترتب على شروط الرهن أو ما يجوز ارتهانه
ومالا يجوز:
بالإضافة لما ذكرناه سابقاً من الأمور المترتبة على شروط الرهن ، ولاسيما شرط
القبض ، هناك حالات تتطلب مزيد بيان وتفصيل ، أهمها ما يأتي :
- ٢٢٣ -

آ - رهن المشاع :
اختلف الفقهاء في رهن جزء مشاع كنصف وثلث وربع، فمنعه الحنفية،
وأجازه الجمهور. وسبب الخلاف: هل تمكن حيازة المشاع أم لا تمكن(١)؟
أما مذهب الحنفية(٢): فهو أنه لا يجوز رهن المشاع، سواء أكان يحتمل القسمة أم
لا ، من شريكه أو غيره. والصحيح أن الرهن حينئذ فاسد، يضمن بالقبض ؛ لأن
القبض شرط تمام العقد ولزومه، لاشرط جوازه أو انعقاده.
ودليلهم : أن الرهن يستوجب ثبوت يد الاستيفاء، واستحقاق الحبس الدائم
للمرهون ، والحبس الدائم لا يتصور في المشاع، لما فيه من مهايأة في حيازته، وكأن
الراهن قد رهنه يوماً، ويوماً لا ، فلم يصح سواء فيما يقبل القسمة أم مالا يقبلها ، ولو
من الشريك ، لوجود المهايأة في الحيازة .
بل إن قبض أو حيازة الجزء الشائع وحده لا يتصور، والجزء الآخر ليس
بمرهون، فلا يصح قبضه. والشيوع يمنع تحقق قبض الجزء الشائع ، سواء فيما يقبل
القسمة ، ومالا يقبلها ، بخلاف الهبة حيث تصح فيما لا يحتمل القسمة للضرورة ؛ لأنها
تفيد الملك ، والشيوع لا ينافيه ، فاكتفي بالقبض الممكن .
وهذا الحكم سواء أكان الشيوع مقارناً لعقد الرهن أم طارئاً عليه، فإذا طرأ
الشيوع على الرهن ، أفسده. وروي عن أبي يوسف : أن الشيوع الطارئ على العقد،
لا يفسده؛ لأنه يغتفر في البقاء مالا يغتفر في الابتداء، كالهبة التي يطرأ عليها
الشيوع بعد القبض ، فلا يفسدها .
ورد عليه : أن العلة في المنع كون الشيوع مانعاً من تحقق القبض، وهذا يستوي
.
بداية المجتهد : ٢٦٩/٢
(١)
(٢)
البدائع: ١٣٨/٦، تكملة الفتح: ٢٠٣/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٦٨/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٣٤٨/٥ ،
اللباب ٥٦/٢
- ٢٢٤ _

فيه الابتداء والبقاء، بخلاف الهبة ؛ لأن الملك لا يتنافى مع الشيوع .
وأما مذهب الجمهور غير الحنفية (١): فهو أنه يصح رهن المشاع أو هبته أو
التصدق به أو وقفه، كرهن كله، من الشريك وغيره، محتملاً للقسمة أم لا ؛ لأن كل
ما يصح بيعه يصح رهنه، ولأن الغرض من الرهن استيفاء الدين من ثمن المرهون
ببيعه عند تعذر الاستيفاء من غيره، والمشاع قابل للبيع ، فأمكن الاستيفاء من ثمنه .
والقاعدة عندهم : كل ما جاز بيعه جاز رهنه من مشاع وغيره .
وأما كيفية الحيازة ، فقال المالكية : يجب قبض جميع ما يملكه الراهن ، مارهنه
ومالم يرهنه، لئلا تجول يد الراهن فيما رهنه، فيبطل الرهن . فإن كان الجزء غير
المرهون غير مملوك للراهن ، اكتفي بحيازة الجزء المرهون . ولا يستأذن الراهن شريكه
في رهن حصته، إذ لا ضرر على الشريك، وهذا قول ابن القاسم المشهور. نعم يندب
الاستئذان لما فيه من جبر الخواطر. وقال أشهب : يجب استئذانه .
ويرى الشافعية والحنابلة : أن قبض المشاع في العقار يكون بالتخلية، وإن لم
يأذن الشريك ، وفي المنقول يكون بالتناول، ويشترط فيه إذن الشريك، ولا يجوز
نقله بغير إذن الشريك . فإن أبى ورضي المرتهن بكونه في يد الشريك ، جاز وناب
عنه في القبض . وإن تنازع الشريك والمرتهن عين الحاكم عدلاً يكون في يده، إما
أمانة أو بأجرة . وتجري المهايأة بين المرتهن والشريك كجريانها بين الشريكين .
٢ - رهن المتصل بغيره والمشغول :
الخلاف في هذا كالخلاف في رهن المشاع، على رأيين :
فقال الحنفية(٢): لا يصح رهن شيء متصل بغير المرهون كالثمر على الشجر بدون
الشرح الكبير: ٢٣٥/٣، بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٣، المهذب: ٣٠٨/١ ، مغني المحتاج :
(١)
١٢٢/٢ وما بعدها، المغني: ٣٣٧/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٣١٢/٣ .
(٢)
البدائع: ١٣٨/٦، ١٤٠. تكملة فتح القدير: ٢٠٥/٨، الدر المختار: ٣٥٠/٥، تبيين الحقائق : ٦٩/٦ .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٥)
- ٢٢٥ -

الشجر، والزرع في الأرض بدونها، والشجر في الأرض بدونها، والأرض بدون
ما عليها من زرع أو شجر؛ لأن المرهون متصل بغيره ، فیتعذر الحبس بدونه، فهو
كرهن المشاع .
ولا يصح رهن المشغول بغير المرهون، كرهن دار فيها متاع الراهن دونه ؛ لأن
المرهون مشغول بغيره، ولا يمكن حبسه، فهو في معنى رهن المشاع .
وأما الجمهور الذين جوزوا رهن المشاع، فجوزوا رهن المتصل والمشغول،
لإمكان تسليمه مع ما هو متصل به . وأما المتاع الموضوع في الدار، فلا يدخل في الرهن
إلا بالنص عليه ؛ لأنه ليس بتابع للدار.
ويدخل في رهن الأرض أو الدار عند الحنابلة ما يدخل في البيع ، فإذا رهن
أرضاً، كان في دخول الشجر وجهان. وإذا رهن شجراً مثمراً، لم تدخل الثمرة
الظاهرة، كما لا تدخل في البيع، وإن لم تكن ظاهرة دخلت .
وذهب الشافعية إلى عدم دخول الثمرة مطلقاً - ظهرت أو لم تظهر، في الرهن
بحال .
ولو رهن داراً فخلى بينه وبينها، وعاقدا الرهن فيها ، ثم خرج الراهن ، صح
الرهن عند الشافعية والحنابلة . وقال الحنفية : لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد
خروجه منها(١)
٣- رهن الدين :
أجاز المالكية دون غيرهم رهن الدين .
فقال الحنفية(٢): لا يجوز رهن الدين؛ لأنه ليس مالاً لأن المال عندهم لا يكون
المغني: ٣٣٣/٤، ٣٤٠، مغني المحتاج: ١٢٣/٢.
(١)
(٢)
البدائع: ١٣٥/٦، تبيين الحقائق: ٦٩/٦ .
- ٢٢٦ -

إلا عيناً، ولا يتصور فيه القبض ، والقبض لا يكون إلا للعين. فلو كان خالد دائناً
لعمر بمئة دينار، وعمر دائن لخالد بمئة مد حنطة، لم يجز لعمر أن يجعل دينه من
الحنطة رهناً عند خالد بدينه الذي يستحقه قبل عمر، فهذا رهن الدين عند المدين ،
حيث جعل الدين الذي للدائن رهناً في الدين الذي عليه .
وكذلك قال الشافعية والحنابلة في الأصح عندهم(١): شرط المرهون كونه عيناً
يصح بيعها ، فلا يصح رهن دين ولو ممن هو عليه ، أو من هو عنده ؛ لأنه غير مقدور
على تسليمه .
لكن امتناع رهن الدين عند الشافعية هو في حالة جعل الدين رهناً ابتداء، أما
في حالة البقاء فلا مانع من الرهن كضمان المرهون عند الجناية عليه ، فبدله في ذمة
الجاني يكون رهناً بالدين على الأرجح ؛ لأن الدين قد يصير رهناً ضرورة في البقاء،
حتى امتنع على الراهن أن يبرئه منه بلا رضاء المرتهن .
لكن أقول: لا حاجة أن يعد ما في الذمة من ضمان رهناً بالدين، وإنما هو في
الواقع دين تعلق به حق المرتهن ، كتعلق حق الدائن بما يكون للمدين المتوفى من
دیون عند الغير.
وأما المالكية(٢): فقالوا: يجوز رهن كل ما يباع، ومنه الدين ، لجواز بيعه
عندهم ، فيجوز رهنه من المدين ومن غيره. وقد ذكرنا صورة رهنه من المدين . أما
صورة رهنه من غير المدين : أن يكون لخالد دين عند عمر، ولعمر دين على أحمد ،
فيرهن عمر دينه الثابت له في ذمة أحمد لدى خالد بدينه الثابت له في ذمته ( أي ذمة
عمر ). والطريقة هي أن يدفع له وثيقة الدين الذي له على أحمد، حتى یوفيه دينه.
مغني المحتاج: ١٢٢/٢، كشاف القناع: ٢٠٧/٣. المغني: ٣٤٧/٤ وما بعدها، المهذب : ٢٠٩/١.
(١)
بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٣ . الشرح الكبير مع الدسوقي ٢٣١/٣، ٢٣٧ ، الشرح الصغير :
(٢)
٣١٠/٣ وما بعدها .
- ٢٢٧ -

ويشترط لصحة هذه الصورة الأخيرة قبض الوثيقة، والإشهاد على حيازتها،
أما في الصورة الأولى فيشترط لصحتها، سواء أكان الدينان من قرض أم مبايعة، أن
يكون أجل الدين المرهون هو أجل الدين المرهون به، أو أبعد منه ، بأن يحل الدينان
في وقت واحد ، أو يحل دين الرهن بعد حلول الدين المرهون به .
أما إذا كان أجل حلول الدين المرهون أقرب، أو كان الدين المرهون حالاً،
فرهنه لا يصح ؛ لأنه يؤدي إلى إقراض نظير إقراض، إن كان الدينان من قرض.
وإلى اجتماع بيع وسلف إن كانا من بيع ؛ لأن بقاء الدين المرهون بعد أجله عند المدين
به يعد سلفاً في نظير سلف الدين المرهون به. وإذا كان الدينان من بيع ، فبقاء
الدين المرهون يعد سلفاً مصاحباً للبيع ، وهو ممنوع عند المالكية .
٤ - رهن العين المستأجرة أو المعارة:
يجوز عند أئمة المذاهب رهن المدين مالاً له، ولو كان مأجوراً أو مستعاراً(١)،
على النحو التالي(٢) :
۔۔
قال الحنفية: يجوز رهن المستعار والمستأجر عند المستعير أو المستأجر، وينوب
قبض العارية وقبض الإجارة مناب قبض الرهن(٣). إلا أنهم قرروا : إذا اتفق
المتراهنان على الرهن ، تبطل الإجارة والعارية، فلا يبقى في يد المرتهن مستأجراً
ولا مستعاراً، ويصح الرهن ، إذ لا يجتمع على عين واحدة، في وقت واحد إجارة
ورهن .
(١) البدائع: ١٤٦/٦، بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، الشرح الكبير: ٢٣٦/٣، المهذب: ٣٠٦/١، المغني: ٣٣٤/٤ ، مغني
المحتاج : ١٢٨/٢، حاشية الباجوري : ١٢٧/٢، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه: ٨٨/٦.
(٢)
يلاحظ أن رهن الدين ورهن العين المستأجرة أو المعارة يمثلان مبدأ رهن الحقوق .
يلاحظ أن قول الكاساني في البدائع: ((إن قبض الرهن دون قبض الإجارة)» محل نظر، إذ القبضان قبض
(٣)
أمانة .
- ٢٢٨ -

وإذا طرأت الإجارة على الرهن ، بطل الرهن وصحت الإجارة؛ لأن الرهن
عقد غير لازم، والإجارة عقد لازم.
وعبارة المالكية تتضمن جواز رهن العين المستأجرة ، فإن رهنها مؤجرها عند
مستأجرها بدين له عليه، ناب القبض السابق لها بعقد الإجارة عن قبض الرهن .
وإن رهنها عند غير مستأجرها بدين له عليه، جاز إذا عين الدائن المرتهن أميناً
ليلازم مستأجرها يكون قبضه وحيازته بدلاً عن قبض المرتهن وحيازته؛ لأن قبض
المستأجر إنما كان لنفسه، فلا يقوم قبضه مقام قبض المرتهن .
ويلاحظ أن الأرض في يد المزارع، والبستان في يد المساقي يجوز رهنهما كالعين
المستأجرة .
وأجاز الحنابلة أيضاً رهن المأجور أو المعار أو الوديعة أو المغصوب، وينوب
القبض السابق مناب قبض الرهن ، ولاحاجة لتجديد القبض ، كما بينا سابقاً .
والشافعية أيضاً أجازوا رهن العين المستأجرة والمستعارة والوديعة ، بشرط مضي
زمان يتأتى فيه القبض. فإن رهنها لدى المستأجر والمستعير، بقي الرهن لبقاء يد
المرتهن، وعدم المنافاة بين كونه مستأجراً، وكونه مرتهناً. وإن رهنها عند غير
المستأجر أو المستعير، صح إذا رضي به المرتهن عدلاً، فتبقى في يد المستأجر والمستعير
على اعتبار أنه أمين عن كل من عاقدي الرهن ، ويظل الرهن أيضاً .
وإن لم يرض المرتهن بالمستأجر أو بالمستعير عدلاً ، ينظر: فإن كان الرهن بإذن
المستأجر بطلت الإجارة، وإن كان بغير إذنه بطل الرهن ، وأما العارية فهي عقد
غير لازم ، فإذا رهن المستعار، فسخت العارية .
٥ - رهن المستعار:
يلاحظ أنه في الحالة السابقة : الراهن هو المالك للعارية ، فيرهن ملك نفسه ،
- ٢٢٩ -

أما في هذه الحالة : فالراهن غير مالك للعارية وإنما يرهن مستعاراً مملوكاً لغيره .
وقد اتفق الفقهاء كما بينا سابقاً على أنه يجوز للإنسان أن يستعير مال غيره،
ليرهنه بإذن مالكه، في دين عليه(١)؛ لأن مالكه متبرع حينئذ يإثبات اليد أو الحيازة
عليه ، والمالك حر التصرف بملكه، فله إثبات ملك العين واليد معاً عن طريق الهبة
مثلاً ، كما له إثبات اليد فقط بالإعارة للرهن .
وفي حالة الإذن من المالك بالرهن ، قال الحنفية(٢): للمستعير عند إطلاق المعير
وعدم تقييده بشيء أن يرهن العارية عند من يشاء، وبأي دين أراد، وفي أي بلد
أحب. وهو رأي الشافعية أيضاً .
أما إذا قيده بقيود فإنه يتقيد بها ، فإن قيده بقدر، لم يرهن بأكثر منه ، ولا بأقل
إذا كان ما رهنه به أقل من قيمة الرهن ؛ لأن المتصرف بإذن يتقيد تصرفه بقدر الإذن ،
ولأن المرهون مضمون ، والمالك جعله مضوناً بقدر ما حدد، وقد یکون له غرض
بالقيد . أما إذا كان المستعار مساوياً لقية الرهن أو كانت هي أكثر، فلا يعد مخالفاً
الإذن ؛ لأنه خلاف إلى خير؛ لأن المالك حين يريد فكاك الرهن لا يكلف إلا بقدر
الدين ، ولا يناله ضرر بسبب الرهن عند الهلاك ؛ لأن الضائع عليه أقل من قيمة
الرهن .
وإذا قيده بجنس من الدين لم يجزله أن يرهنه بجنس آخر؛ لأن قضاء الدين
من بعض الأجناس قد يكون أيسر من بعض .
وإذا قيده بدائن أو بلد، لم يجز له أن يخالف القيد.
فإن خالف في شيء من هذه القيود، فهو ضامن لقيمته، إذا هلك؛ لأنه بهذه
(١) المغني: ٣٤٤/٤، بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، كشاف القناع: ٣٠٩/٣ .
(٢). البدائع: ١٣٦/٦، تبيين الحقائق: ٨٨/٦، الدر المختار: ٣٦٥/٥.
- ٢٣٠ -

المخالفة يصير غاصباً ، وكان الرهن باطلاً؛ لأنه وقع على مال مغصوب .
وإذ هلك المال المستعار عند المرتهن، كان مالكه بالخيار: إن شاء ضمن المستعير
قيمته لاعتباره غاصباً بسبب مخالفته، وبأدائه الضمان يتملكه المستعير من وقت قبضه
من المعير، وإن شاء ضمن المرتهن لهلاك المال في يده، فصار كغاصب الغاصب، وإذا
ضمن المرتهن رجع بما ضمن على الراهن . والخلاصة : أنه بالمخالفة يبطل الرهن ويضمن
المستعير.
وكذلك قال المالكية(١): إن خالف المستعير قيود المعير، فهلكت العارية أو
سرقت أو نقصت ، ضمن المستعير مطلقاً لتعديه. ولو لم تتلف العارية فللمعير ردها
وتبطل الإعارة .
ويتقيد المستعير عند الشافعية والحنابلة(٢) بقيود المعير، إلا أنهم قالوا: إذا قيده
بمقدار من الدين ، فرهنه بأقل منه، لم يكن مخالفاً؛ لأن الإذن بما زاد يعتبر إذناً بما
نقص عنه، وليس في النقص ضرر؛ لأن الرهن عندهم أمانة في يد المرتهن .
انتفاع المستعير بالعارية : إن مستعير العارية لرهنها يعتبر عند الحنفية
وديعاً قبل الرهن ، لامستعيراً؛ لأنه غير مأذون له إلا بالرهن ، فليس له أن ينتفع
بالعارية، لا قبل رهنها، ولا بعد فكاكها، فإن فعل ضمن، لأنه لم يؤذن له إلا
بانتفاع علی وجه خاص وهو رهنها .
فإذا انتفع بغير الرهن ، كان مخالفاً، فيضمن ، وإذا انتفع بها قبل رهنها، ثم
رهنها ، برئ من الضمان، حيث رهن ؛ لأنه بالرهن عاد إلى وفاق المعير، فيبرأ بسبب
الوفاق من الضمان، وبما أنه كالوديع، فالوديع إذا عاد إلى الوفاق بعد خلاف في
الوديعة لا يضمن لأن القصد من الوديعة وهو الحفظ للمالك قد تحقق . وهذا بخلاف
(١)
الشرح الكبير : ٢٣٩/٣ .
(٢)
مغني المحتاج : ١٢٩/٢، المغني: ٣٤٤/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٣٠٩/٣، نهاية المحتاج : ٢٦٩/٣ .
- ٢٣١ -

المستعير، إذا خالف، ثم عاد إلى الوفاق، فإنه لا يبرأ من الضمان لثبوت التعدي ، كما
بينا وجه الفرق في بحث العارية .
نوع ضمان هلاك العارية: إذا قبض المستعير العارية لرهنها ، فهلكت في
يده قبل رهنها أو هلكت في يده بعد فكاكها ، لم يضمنها ؛ لأنها هلكت وهي مقبوضة
قبض العارية، لا قبض الرهن ، وقبض العارية قبض أمانة ، لا قبض ضمان عند
الحنفية. وذلك بخلاف المالكية والشافعية، والحنابلة في أظهر القولين عندهم، فإن
العارية مضمونة مطلقاً عند الحنابلة، وفي بعض الحالات عند المالكية والشافعية ، كما
بينا في بحث الإعارة .
وإذا هلكت العارية عند المرتهن، فليس لمالكها عند الحنفية إلا ما كان مضموناً
منها ، وهو الأقل من قيمتها ومن الدين. وإذا كان الدين هو الأقل، فلا يرجع المالك
على المستعير بالزيادة ؛ لأن العارية أمانة ، وهي لا تضمن إلا بالتعدي .
وقال المالكية : يرجع المالك على المستعير بقيمة العارية يوم استعارها. وقال
الشافعية ، والحنابلة في أظهر القولين: إذا تلفت العارية لدى المرتهن من غير تعد،
ضمن المستعير (الراهن ) قيمتها يوم تلفها، إذ العارية مضمونة مطلقاً عند الحنابلة،
ومضمونة أحياناً عند الشافعية والمالكية .
طلب المعير فكاك العارية من الرهن : إذا رهن المستعير العارية، كان
لمالكها أن يطلب من الراهن فكاكها في أي وقت شاء عند الجمهور (الحنفية والشافعية
والحنابلة)؛ لأن العارية عندهم عقد غير لازم، وللمستغير أن يستردها متى شاء، ولو
كانت مقيدة بوقت. فإن افتكها الراهن ردها إلى مالكها وإن عجز عن فكاكها، كان
لمالكها أن يفتكها، تخليصاً لحقه، ويرجع بجميع ما أداه للمرتهن على المستعير.
وقال المالكية : الراجح أن للمعير الرجوع في الإعارة لمطلقها متى أحب، وليس
- ٢٣٢ -

له الرجوع في العارية المقيدة بالشرط أو العرف، أو العادة، كما حققنا في بحث
العارية .
الاستئجار للرهن : إذا جاز استعارة عين لترهن ، جاز كذلك استئجارها
لترهن(١). وإذا هلكت بلا تعد، فلا ضمان ؛ لأن المستأجر أمانة غير مضمونة في يد
المستأجر اتفاقاً ، وليس للمؤجر فكها قبل انتهاء مدة الإجارة .
٦ - رهن ملك الغير:
يجوز للإنسان كما بينا سابقاً أن يرهن ملك الغير بإذنه كالمستعار والمستأجر،
وليس لأحد رهن ملك غيره إلا بولاية عليه ، فإذا لم يكن له ولاية في الرهن ، وسلم
المرهون إلى المرتهن، كان بهذا التسليم متعدياً وغاصباً، وكان الرهن عند الحنفية
موقوفاً على الإجازة، فإن لم يجزه مالك المرهون بطل الرهن ، وكانت العين في ضمان
الراهن بسبب غصبه. هذا بالنسبة للراهن .
أما بالنسبة للمرتهن :
فقال الحنفية(٢): إذا هلك الرهن عند المرتهن، ثم تبين أنه مستحق لغير الراهن ،
أي لم يكن المرتهن عالماً بأنه ملك لغير الراهن ، فإن المالك المستحق بالخيار بين أن
يضمن الراهن قيمته، أو يضمن المرتهن ؛ لأن كل واحد منهما متعدٍ في حقه، أما الراهن
فباستيلائه عليه بغير حق وتسليمه للمرتهن ، وأما المرتهن فبقبضه وتسلمه .
فإن ضمن المستحق (المالكُ) الراهنَ، صار المرتهن بسبب الضمان مستوفياً
لدينه، بقدر قيمة الرهن ، لهلاك الرهن في يده ؛ لأن الراهن قد ملكه إذا أدى ضانه
ملكاً مستنداً إلى وقت استيلائه عليه بغير حق ، قبل عقد الرهن ، فيصبح راهناً ما
(١)
الشرح الكبير : ٢٣٦/٣.
تبيين الحقائق : ٨٣/٦ وما بعدها ، البدائع : ١٤٧/٦.
(٢)
- ٢٣٣ -

يملك، ثم يصير المرتهن مستوفياً لدينه بالهلاك عنده إذا كانت قيمته مساوية لدينه ، أو
أكثر، وإلا فبقدر قیمته .
وإن ضمن المستحق المرتهنَ ابتداء (مباشرة)، رجع المرتهن على الراهن بما
ضمن، كما يرجع بدينه. أما رجوعه بما ضمن من مثل أوقية فلأنه تسلم الرهن مغروراً
من جهة الراهن، والمغرور يرجع بما ضمن، وأما رجوعه بالدين ، فلأن استيفاءه
لدينه، قد انتقض بظهور أنه قد تسلم عيناً مملوكة لغير راهنها ، فبطل الرهن ، وعاد
حقه كما كان .
وقال الحنابلة(١): إما أن يكون المرتهن عالماً بالغصب، وإما أن يكون غير عالم
به . فإن كان عالماً به، وأمسك الشيء حتى تلف في يده ، استقر عليه الضمان .
وكان المالك حينئذ بالخيار: إن شاء ضمن المرتهن ، وغرم القيمة من ماله، وإن
شاء ضمن الراهن . وعندئذ يرجع الراهن بما ضمن على المرتهن ، لاستقرار الضمان عليه،
إذ كان عليه أن يرد الشيء إلى مالكه، ولم يفعل حتى تلف في يده .
وإن أمسك المرتهن الشيء غير عالم بغصبه حتى تلف في يده بتفريطه، فالحكم كما
تقدم . وإن تلف بغير تفريط منه ولا تقصير فثلاثة أقوال:
أحدها : أنه يضمن ، ويستقر عليه الضمان ؛ لأنه متعد بإمساك مال غيره،
وتلف المال تحت يده، فيضمن كما لو علم بالغصب. ويلاحظ أنه في الحقيقة غير
متعدي ؛ لأنه أمسك المال بإذن الراهن ولا علم له بالغصب .
ثانيها : أنه لا ضمان عليه ؛ لأن المرتهن قبضه على أنه أمانة من غير علمه
بالغصب ، فيكون الضمان على الراهن .
(١) المغني : ٣٩٧/٤ وما بعدها .
- ٢٣٤ _

ثالثها : أن للمالك الخيار في تضمين أيهما شاء، ولكن الضمان يستقر على
الراهن . وهذا في تقديري أولى الآراء.
ومثل هذا في الحكم ما لو حكم باستحقاق الرهن لغير راهنه، مع ملاحظة أن
الرهن لا يهلك بالدين ، وإنما هو أمانة عند الحنابلة والشافعية .
٧ - رهن العين المرهونة ( تعدد الرهن ):
الرهن إما أن يقع على بعض الشيء أو على كله، وفي الحالتين يتعدد الرهن .
أ- فإن وقع الرهن على بعض الشيء، ثم رهن البعض الآخر، طبقت أحكام
رهن المشاع .
فعند الجمهور (مالكية وشافعية وحنابلة ) القائلين بجواز رهن المشاع : إذا رهن
جزء من عين على الشيوع بدين ، جاز رهن الجزء الباقي منها شائعاً بذلك الدين ، أو
بدين آخر، لنفس الدائن المرتهن الأول أو لغيره. لكن إذا كان الرهن لشخص آخر
غير المرتهن الأول، لزم رضا الثاني بيد المرتهن الأول(١)، أو أن يحدث اتفاق جديد بين
الثلاثة (الراهن والمرتهن الأول والثاني) على وضع الرهن تحت يدل عدل .
وأما عند الحنفية الذين لا يجيزون رهن المشاع أصلاً، فلا يتصور عندهم هذه
الحالة ، إلا إذا أفرزت العين أو قسمت ، وسلمت غير مشغولة بغيرها .
ب - وأما إن رهن الشيء كله بدين ، وأريد رهنه بدين آخر، فلا يجوز الرهن
الثاني عند الحنفية والشافعية والحنابلة(٢)؛ لأن فيه مساساً بحق المرتهن الدائن ، إذ
مالية المرهون له، فلا يكون لغيره أن يتعلق حقه به .
لكن إذا أجاز المرتهن الأول الرهن الثاني نفذ، وبطل ارتهانه للشيء، ويبطل
(١)
الشرح الصغير : ٣٠٨/٣.
(٢)
البدائع : ١٤٧/٦، نهاية المحتاج : ٢٦٧/٣، ٣٠٥، مغني المحتاج : ١٢٧/٢، المغني : ٣٤٧/٤ وما بعدها .
- ٢٣٥ _

ارتهانه أيضاً، إذا رهن الشيء وهو بدين عليه، بإذن مالكه، ويصير رهناً بدينه،
ويكون حكمه حكم رهن الشيء المستعار للرهن .
أما إن رهنه المرتهن الأول بدون إذن مالكه الراهن ، كان رهنه غير صحيح،
وكان للمالك إعادة الشيء إلى يد المرتهن الأول كما كان .
فلو هلك الشيء في يد المرتهن الثاني قبل إعادته للأول، فمالكه بالخيار عند
الحنفية: إن شاء ضمن المرتهن الأول، وإن شاء ضمن المرتهن الثاني، كما هو الحكم في
رهن ملك الغير. فإن ضمن الأول، جاز رهنه؛ لأن بدل المرهون يصير مرهوناً. وإن
ضمن المرتهن الثاني، بطل رهن الأول، وكان الضمان رهناً لدى المرتهن الأول،
ويرجع الثاني على الأول بما ضمن ، لأنه غرره .
وقال المالكية (١): يجوز رهن العين المرهونة إذا كانت قيمتها تزيد على قيمة
الدين، فيكون الرهن الجديد لتلك الزيادة، ويكون الدين الثاني المتعلق بالمرهون
في المنزلة الثانية، فإذا بيعت العين في الدين يوفى الدين الأول، والباقي يوفى به
الدين الثاني. وبه يرى أن حق الدائن الأول لم يمس، فلا يتوقف نفاذ الرهن الثاني
على إجازته .
وإذا كانت العين في يد عدل ، والرهن الجديد للمرتهن الأول أو لأجنبي غيره، لم
يتم الرهن الثاني إلا برضا العدل بحوزه على الوضع الجديد .
وإذا كان الرهن الثاني لأجنبي ، فهل يشترط رضا المرتهن الأول ؟ عند المالكية
أقوال ثلاثة : قيل: لا يشترط رضاه، وقيل: لا بد من رضاه، وقيل: لا يجوز وإن
رضي. وإذا كانت العين بيد عدل، ففيه القولان : الأول والثاني .
وإذا كان الرهن الثاني لأجنبي، وكان الدينان بأجل واحد فلا إشكال. فإن
(١) الشرح الكبير: ٢٣٨/٣. وهذا الرأي بجواز الرهن على الرهن يتفق مع القانون المدني.
- ٢٣٦ -

اختلف الأجلان ، وحل أجل الدين الثاني أولاً ، قسم الرهن بين الدينين إن أمكنت
قسمته بلا ضرر، كنقص قيمته، ويدفع للمرتهن الأول قدر ما يفي بدينه، والباقي
للثاني .
وإن لم تمكن قسمته، بيع المرهون ، وقضي الدينان، على أن يكون للدين الأول
الأسبقية في الوفاء ، والباقي للثاني .
وهذا كله إن كان في الرهن فضل يفي بالثاني، وإن لم يوجد، لا يباع الرهن إلا
بعد أن يحل الدين الأول .
أما إن حل أجل الدين الأول أولاً ، فإن الرهن يباع، ويقضى الدينان من ثمنه
على الوضع السابق ، إن لم تمکن قسمته بین الدینین من غیر ضرر.
ولا يضمن المرتهن الأول الجزء الفاضل للثاني إن هلك الرهن بيده، وكان مما
يغاب عليه ( يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي) إلا بالتعدي ؛ لأنه أمين في الجزء
الفاضل .
٨- رهن الوارث جزءاً من التركة المدينة :
قد يكون هناك حق لغير الراهن في المرهون يمنع الرهن كرهن المرهون ورهن
التركة المدينة ، كما أن رهن ملك الغير يكون موقوفاً على إجازة المالك .
فإذا رهن الوارث بعض أعيان التركة التي يتعلق بها دين على الميت، فقال
الحنفية: يكون الرهن موقوفاً على تخليص أو تطهير التركة من الدين ، لكي تخلص
العين المرهونة لمرتهنها ، ولأن الدين يمنع تملك الورثة للتركة، على خلاف بين
الحنفية في الدين الذي لا يحيط بها .
وكذلك قال المالكية: إن رهن الوارث في هذه الحال صحيح، ولكن نفاذه
- ٢٣٧ -

موقوف على سداد الدين ، فإذا لم يسدد، نقض هذا التصرف؛ لأن الدين يمنع من
تملك الورثة عندهم .
وقال الحنابلة(١) في أصح الوجهين عندهم : لو رهن الوارث تركة الميت، أو
باعها، وعلى الميت دين، ولو من زكاة، صح الرهن أو البيع، لانتقال التركة اليه
بموت مورثه ، فتصرفه صادف ملكه، ولم يرتب عليه من قبله أو باختياره حقاً
لغيره، فلم يكن مثل رهن المرهون الذي رهنه من قبل الذي تعلق به حق الغير
باختياره، وإنما في التركة لم يتعلق دين المتوفى بالمال باختيار الوارث ، بل بحكم
الشرع. وهكذا الحكم في كل حق ثبت وتعلق بالمال من غير إثباته وفعله كالزكاة
والجناية ، فلا يمنع ذلك من رهن ما تعلق به الحق .
فيصح الرهن ، وتكون أعيان التركة محملة بالدين. فإن تم الرهن ، ثم وفى
الوارث الحق الذي تعلق بالتركة: وهو الدين الذي على المتوفى، من مال آخر،
فالرهن على حاله ، وإن لم يقض الحق ، فلغرماء التركة انتزاع ما رهن منها ؛ لأن
حقهم أسبق .
وهذا مثل ما لو تصرف الوارث في التركة ، ثم رد عليه مبيع باعه المورث بعيب
ظهر فيه ، أو تعلق بالتركة حق بعد وفاة المورث بسبب سابق، كأن وقعت بهيمة بعد
موته في بئر حفره في غير ملكه ، فتصرف الوارث في هذه الأحوال صحيح غير لازم،
فإن وفى الوارث الحق من ماله مثلاً، وإلا فسخ تصرفه .
ويراعى حينئذ أن يكون الوارث مختصاً بالعين التي رهنها ، حتى لا يكون
رهنه لما يملك غيره من الورثة .
وقال الشافعية(٢): يبطل رهن الوارث بعض أعيان التركة؛ لأن التصرف
المغني: ٣٥٠/٤ ، كشاف القناع: ٣١٦/٣ وما بعدها .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ١٤٤/٣ وما بعدها ، نهاية المحتاج: ٣٠٤/٣ وما بعدها .
- ٢٣٨ -

عندهم ، إما صحيح نافذ وإما باطل، وتصرف الفضولي عندهم كالحنابلة غير صحيح ،
وقد منع من صحة هذا الرهن ونفاذه تعلق الدين بالتركة ، وتعلق الدين وإن كان
لا يمنع تملك الورثة، لكن تعتبر التركة مرهونة بالدين رهناً شرعياً، لا نتيجة لعقد
رهن .
والأظهر عندهم ألا فرق بين أن يكون الدين محيطاً بالتركة (مستغرقاً)، أو غير
محيط (غير مستغرق ) بها. ولهذا يمنعون الوارث من أن يتصرف في التركة مع تعلق
حق الدين بها، كما يمنعون الراهن من أن يتصرف في العين المرهونة مع قيام الدين
الذي رهنت العين به .
٩ - رهن ما يتسارع إليه الفساد :
يصح رهن ما يسرع إليه الفساد بالدين الحال والمؤجل عند الحنابلة وغيرهم(١)،
سواء أكان مما يمكن إصلاحه بالتجفيف كالعنب والرطب ، أم لا يمكن كالبطيخ
والطبيخ . فإن كان قابلاً للتجفيف ، فعلى الراهن تجفيفه ؛ لأنه من مؤنة حفظه
وتبقيته . وإن كان مما لا يجفف ، فإنه يباع ويقضى الدين من ثمنه، إن كان حالاً،
أو يحل قبل فساده، وإن كان لا يحل قبل فساده، جعل ثمنه مكانه رهناً، سواء شرط
في الرهن بيعه أو أطلق ؛ لأن العرف يقتضي ذلك، لحرص المالك على ملكه، فإذا
تعين حفظ ملكه ببيعه، حمل عليه مطلق العقد ، كتجفيف ما يجف والإنفاق على
الحيوان .
وقال الشافعية(٢): إن رهنه بدين مؤجل لا يحل قبل فساد المرهون ، ينظر
فيه : فإن شرط أن يبيعه إذا خاف عليه الفساد ، جاز رهنه . وإن أطلق فلم
يشترط ، ففيه قولان : الصحيح أنه لا يصح رهنه ؛ لأنه لا يمكن بيعه بالدين قبل
المغني: ٣٤١/٤ ، المهذب: ٣٠٨/١، البدائع: ١٤٨/٦.
(١)
(٢)
المهذب: ٢٠٨/١ ، مغني المحتاج : ١٢٣/٢ وما بعدها .
- ٢٣٩ -

حلول أجل الحق ، كما لا يصح إن شرط منع بيعه. وإن لم يعلم ، هل يفسد المرهون
قبل حلول الأجل ، صح الرهن المطلق في الأظهر؛ لأن الأصل عدم فساده قبل
الحلول .
١٠ - رهن العصير:
يجوز رهن العصير؛ لأنه يجوز بيعه، وتعرضه للخروج عن المالية بالتخمر
لا يمنع صحة رهنه. فإن صارخلاً، فالرهن بحاله. وإن صار خمراً بعد القبض وجبت
إراقته ، وزال لزوم العقد، فإن أريق بطل العقد فيه، ولا خيار للمرتهن ؛ لأن التلف
حصل في يده .
وإن استحال خمراً قبل قبض المرتهن له بطل الرهن عند الحنابلة ، وقال الحنفية
والمالكية، وفي الأصح عند الشافعية: لم يبطل الرهن، وهو بحاله؛ لأنه يغتفر في
الدوام والبقاء مالا يغتفر في الابتداء، ولأنه كانت له قية حالة كونه عصيراً، ويجوز
أن يصير له قيمة (١). قال ابن قدامة: وهذا أقرب إلى الصحة؛ لأنه يعود رهناً
باستحالته خلاً .
١١ - رهن المصحف :
يصح عند الحنفية والمالكية ؟ وفي الأصح عند الشافعية (٢): رهن المصحف
وكتب الحديث والتفسير والآثار، ولا يقرأ فيها المرتهن ؛ لأن عقد الرهن يفيد حق
الحبس، لاحق الانتفاع، فإن انتفع به، فهلك في حال الاستعمال يضمن كل قيمته،
لأنه صار غاصباً .
المغني : ٣٤٢/٤، مغني المحتاج : ١٢٩/٢، كشاف القناع: ٣١٦/٣.
(١)
(٢)
البدائع: ١٤٦/٦، بداية المجتهد : ٢٦٩/١، المهذب : ٣٠٩/١، حاشية الباجوري: ١٢٦/٢.
- ٢٤٠ -