Indexed OCR Text

Pages 121-140

خامسها - إذا اختلفا في أصل الوكالة ، فقال الوكيل : وكلتني ، فأنكر الموكل ،
فالقول قول الموكل في المذاهب الأربعة ؛ لأن الأصل عدم الوكالة، فلم يثبت أنه
أمینه ، ليقبل قوله عليه(١).
سادسها - أن يختلفا في صفة الوكالة بأن يقول الوكيل : وكلتني في البيع نسيئة ،
أو الشراء بعشرين ليرة مثلاً، أو يبيع هذا الكتاب، فقال الموكل: بل نقداً، أو
بعشرة، أو هذا القلم ، فالقول قول الموكل بيمينه في المذاهب الأربعة؛ لأن الأصل عدم
الإذن فيما ذكره الوكيل، ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه(٢).
وإن تنازعا في الثمن المدفوع للسلعة في الوكالة بالشراء فالقول عند الحنفية قول
الوكيل إن كان الشيء يساوي ما ادعاه الوكيل، وإن كان لا يساويه فالقول قول
الموكل . وقال الشافعية والحنابلة: القول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه أمين(٣). وإن
تنازعا في نوع الشيء المشترى كأن اشترى الوكيل تمراً فزم الموكل أنه أمره بشراء
عنب ، فالقول قول الوكيل مع يمينه (٤).
المبحث الرابع - تعدد الوكلاء
تعالي،
قد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات ، أو المرافعة
أمام القضاء كما يحدث عادة في كثير من الأحيان ، فيكون هناك وكيلان أو أكثر.
فإن وكل إنسان وكلاء متعددين كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة ، كان للواحد
منهم عند الحنفية أن يقوم بما وكل فيه وحده دون حاجة لاستشارة غيره. وإن كانت
المغني، المرجع السابق: ص ٩٧، مغني المحتاج: ٢٣٣/٢، الشرح الكبير: ٣٩٣/٣.
(١)
(٢)
المراجع السابقة، الهداية : ١٤٧/٣ .
(٣)
الهداية: ٣ / ١٤٤، تكملة المجموع: ١٣ / ٦٠٦، المغني: ٩٥/٥.
الدسوقي : ٣٩٣/٣.
(٤)
- ١٢١ -

الوكالة لعمل واحد كان لأي وكيل القيام به وحده أيضاً .
وإن كانت الوكالة للجميع في عقد واحد فليس لأحدهم - دون إذن الموكل -
الانفراد بالقيام بما وكلوا فيه، إلا إذا كان التصرف مما لا يحتاج لتبادل الرأي كرد
الودائع ووفاء الديون ، أو مما لا يمكن الاجتماع فيه كالوكالة بالخصومة أي المرافعة أمام
مجلس القضاء، وكالطلاق .
وأجاز المالكية تعدد وكلاء الخصومة بشرط موافقة الخصم على التعدد . ولم يجز
الشافعية لأحد وكلاء الخصومة المتعددين الانفراد بالخصومة؛ لأن الموكل لم يرض إلا
بتصرفهما معاً وعند الحنابلة قولان : قول كالشافعية، وقول يجيز الانفراد بالتصرف
عرفاً(١) .
هذه هي القواعد العامة لتعدد الوكلاء، وتطبيقها يظهر في استعراض أنواع
الوكالات فيما يأتي :
إذا كان التصرف مما يحتاج فيه لأخذ الرأي ، فليس لأحد الوكلاء أن
يتصرف فيما وكلوا به دون الآخرين؛ لأن الموكل رضي برأيهم المشترك، لا برأي
أحدهم ، فإذا وكل اثنان بالبيع ، فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه، ولو فعل لم
يجز البيع حتى يجيزه صاحبه، أو الموكل ؛ لأن البيع يحتاج فيه إلى أخذ الرأي ،
والموكل رضي برأيها، لا برأي أحدهما .
وإذا وكل اثنان بالشراء فلا يملك أحدهما الانفراد بالتصرف إلا أنه في الشراء إذا
اشترى أحدهما بدون وجود الآخر ينفذ العقد على المشتري ، ولا يقف على الإجازة،
بخلاف البيع ؛ لأن الوكيل بالشراء متهم بمراعاة مصلحته كما عرفنا .
وإذا وكل اثنان بعقد الزواج أو الطلاق على مال ونحوهما من كل عقد فيه
(١) الشرح الصغير: ٥٠٥/٣، تكملة المجموع: ١٣ /٥٥٧، الفروع لابن مفلح المقدسي: ٦٩٣/٢.
- ١٢٢ -

عوض مالي، فلا يملك أحدهما إجراء العقد بدون الآخر؛ لأن الأمر هنا يحتاج إلى
تبادل وجهات النظر وأخذ الآراء .
والوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أيضاً أن يقبض دون وجود صاحبه؛
لأن قبض الدين مما يحتاج إلى أخذ الرأي والأمانة، وقد فوض الموكل الرأي لهما،
لا إلى أحدهما ، ورضي بأمانتهما، لا بأمانة أحدهما .
وأما إذا كان التصرف مما لا يحتاج فيه لأخذ الرأي ، فيلك أحد الوكيلين
أن ينفرد بالتصرف دون الآخر، مثل الوكيلين بالطلاق بغير عوض ، أو برد الوديعة
أو قضاء الدين ، فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؛ لأن هذه التصرفات مما
لا يحتاج فيها إلى أخذ الرأي، وإنما هي تعبير محض ، وعبارة الواحد أو أكثر سواء.
وأما الوكيلان بالخصومة أي القيام بالمرافعة فعلاً أمام المحكمة فكل واحد منهما
يتصرف بانفراده عند جمهور الحنفية؟ لأن الاجتماع فيها في وقت واحد أمر متعذر؛
لأن الغرض من الخصومة إعلام القاضي بما يملكه الخصم من وسائل الدفاع واستماع
القاضي إليها ، واجتماع الوكيلين على الدفاع يخل بالإعلام والاستماع، كما هو واضح.
أما إعداد المذكرات للدفاع بها فيمكن طبعاً الاجتماع على تحضيرها ، كما يمكن تقسيم
الدفاع على المحامين الموكلين فيما بينهم ، فيقوم كل واحد منهما بقسم منه .
وقال زفر: لا ينفرد أحد الوكيلين بالخصومة بالقيام بها دون الآخر؛ لأن
الخصومة مما تحتاج إلى أخذ الرأي، ولم يرض الموكل برأي أحدهما(١).
وقال الجمهور(٢) (المالكية والشافعية والحنابلة): إذا تعدد الوكلاء فليس لأحدهم
الانفراد بالتصرف بدون مشاورة الآخر؛ لأنه لم يرض بتصرف أحدهما دون الآخر،
إلا إذا أذن لهما الموكل بإفراد التصرف، فيجوز لكل واحد منهما أن يستقل بالتصرف.
انظر البدائع: ٣٢/٦، تكملة فتح القدير: ٨٦/٦-٨٨.
(١)
(٢)
الخرشي: ٦ / ٨٢ ط ثانية، المهذب: ١ / ٣٥١، المغني: ٠٨٧/٥
- ١٢٣ -

المبحث الخامس - طرق انتهاء الوكالة
صفة عقد الوكالة: اتفق الفقهاء(١) على أن عقد الوكالة بغير أجر جائز غير
لازم بالنسبة للعاقدين ، أما من جانب الموكل : فلأنه قد يرى المصلحة في ترك ما وكل
فيه، أو في تو کیل شخص آخر.
وأما من جانب الوكيل : فلأنه قد لا يتفرغ لأعمال الوكالة، فيكون لزوم العقد
مضراً بالطرفين . وبناء عليه لكل من طرفي عقد الوكالة الرجوع عنه متى شاء،
وتنتهي حينئذ الوكالة. وسنبحث هنا طرق انتهاء الوكالة .
وأما الوكالة بأجر : فإن كانت على سبيل الجعالة بأن لم يعين في العقد الزمن
أو العمل فهي غير لازمة أيضاً بالاتفاق ، إلا أن المالكية قالوا : تلزم الجاعل فقط بعد
الشروع في العمل .
وإن كانت على سبيل الإجارة بأن عين الزمن والعمل كالبياع والسمسار، فهي
لازمة عند الحنفية وفي المشهور لدى المالكية؛ وغير لازمة عند الشافعية والحنابلة .
وتنتهي الوكالة بأمور كثيرة وهي (٣) :
١ - عزل الموكل وكيله: تنتهي الوكالة بالاتفاق بعزل الموكل وكيله؛ لأن
الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم ، فكان بطبيعته قابلاً للفسخ بالعزل، ولكن يشترط
لصحة العزل عند الحنفية شرطان :
(١) البدائع: ٣٧/٦، تكملة ابن عابدين: ٣٥١/٧، الحطاب: ٢١٥/٥، بداية المجتهد: ٢٩٧/٢، مغني المحتاج:
٢٣١/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٥٦/١، المغني: ١١٣/٥، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٣٩٦/٣ وما بعدها، الدر
المختار: ٤٣٣/٤، وانظر حالات لزوم الوكالة المستثناة في كل مذهب من المذاهب ماعدا الحنابلة في كتاب الفقه
على المذاهب الأربعة: ٢٧٨/٣-٢٨٢.
(٢)
راجع مذهب الحنفية في البدائع: ٣٧/٦ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ١٠٩، تكملة فتح القدير: ١٢٣/٦
وما بعدها، المبسوط: ١٢/١٩ وما بعدها، الدر المختار: ٤٣٤/٤، الكتاب مع اللباب: ١٤٥/٢، تكملة ابن
عابدين: ٧ /٣٠٨.
- ١٢٤ -

أحدهما - أن يعلم الوكيل بالعزل ؛ لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا
بعد العلم به كالفسخ. والعلم بالعزل يتم إما بحضور الوكيل، أو بالكتابة له، أو
بإرسال رسول إليه، أو بإخبار رجلين أو رجل واحد عدل، أو غير عدل وصدقه
بالعزل . وأما قبل العلم بالعزل ، فتكون تصرفات الوكيل كتصرفاته قبل العزل في
جميع الأحكام .
وهذا الشرط مشروط أيضاً في الأرجح عند المالكية وفي رواية عن الإمام أحمد .
والسبب في اشتراط هذا الشرط هو أن العزل يترتب عليه إضرار بالوكيل من
ناحيتين: أولهما - أنه يترتب عليه إبطال ولايته بالعزل. وثانيهما - أنه يكون متحملاً
لحقوق العقد، فيدفع الثمن إن كان وكيلاً بالشراء، ويسلم المبيع إن كان وكيلاً بالبيع .
وقال الشافعي في الأصح عنده، وأحمد في الرواية الثانية عنه وهي الراجحة في
مذهبه : لا يشترط هذا الشرط ، فلو عزل الموكل وكيله في حضوره أو أثناء غيبته
انعزل في الحال، لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه
كالطلاق ، وقياساً على ما لو وكل شخص غيره، وكان الوكيل غائباً(١).
واتفقت المذاهب على أنه في حال عزل الوكيل نفسه عن الوكالة يشترط إخبار
الموكل بالأمر، صيانة لحق الموكل ، ومنعاً من التغرير به
ثانيهما - ألا يتعلق بالوكالة حق للغير، فإذا تعلق حق للغير بها لم يصح العزل
بغير رضا صاحب الحق ، مثل وكيل المدين ببيع الرهن لسداد الدين عند حلول
الأجل، فإنه لا يملك المدين الموكل عزل وكيله هذا إلا برضا الدائن ، لتعلق حقه
بالوكالة إذ أنه يريد أخذ دينه عن طريق بيع العين . ومثل وكيل الزوج بطلاق
زوجته متى شاء، فإنه لا يملك الزوج الموكل الرجوع عن وكالته إلا برضا المرأة . ومثل
(١) بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، الشرح الكبير: ٣٩٦/٣، مغني المحتاج: ٢٣٢/٢، المهذب: ٣٥٦/١، المغني: ١١٣/٥ وما
بعدها، غاية المنتهى: ١٥٥/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٩.
- ١٢٥ -

الوكالة بالخصومة بطلب الدائن عند غيبة المدين ، كأن يكون لشخص عند آخر دين ،
ثم يعزم المدين السفر إلى بلاد بعيدة، فيطلب صاحب الدين من المدين أن يوكل
عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين حال غيابه ، فوكل عنه بناء على هذا الطلب ،
فيصبح هذا الوكيل غير قابل للعزل ، لأنه قام مقام المدين الغائب، وليس لصاحب
الدین من يطالبه بدينه سواه، فلو عزله ضاع علیه حقه .
٢ - تصرف الموكل فيما وكل به : أي أن يقوم الموكل صاحب الشأن بالعمل
الذي وكل فيه غيره، كأن يوكل إنسان غيره ببيع شيء ثم يبيعه الموكل ، فتنتهي
الوكالة بالاتفاق (١)؛ لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع، فينعزل الوكيل وإن
لم يعلم بالعزل .
٣ - انتهاء الغرض من الوكالة: وهو أن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه ،
لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع .
٤ - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت بالاتفاق أو جنون
مطبق(٢) عند الجمهور خلافاً للشافعية، أو حجر عليه لسفه باتفاق المذاهب الأربعة،
وألحق الشافعية الإغماء بالجنون في الأصح عندهم. وقال غيرهم: الإغماء لا يخرج عن
أهلية التصرف. ولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج
الطرف الآخر عن الأهلية بهذه العوارض (٣). وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل
لا ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به (٤) .
المبسوط: ٥٠/١٩، الشرح الصغير: ٣/ ٥٢٣، كشاف القناع: ٣ / ٤٥٧ .
(١)
المطبق: أي الدائم، ومنه الحمى المطبقة أي الدائمة التي لا تفارق ليلاً ولا نهاراً. وقد اشترط الجمهور كون الجنون
(٢)
مطبقاً، وقال الشافعية: تنتهي الوكالة بالجنون وإن زال عن قرب.
البدائع: ٣٨/٦، تكملة فتح القدير والعناية: ١٢٦/٦ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٣٢/٢، المغني: ١١٣/٥،
(٣)
المهذب: ١ / ٣٥٧، المبسوط: ١٩ / ١٣.
بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، الشرح الكبير: ٣٩٦/٣، مغني المحتاج: ٢٣٢/٢، المغني: ١١٣/٥، القوانين الفقهية: ص ٣٢٩.
(٤)
- ١٢٦ -

واختلف أبو يوسف ومحمد في حد الجنون المطبق ، فقال أبو يوسف : هو
ما استوعب شهراً؛ لأن الشهر يسقط به صوم شهر رمضان .
وقال محمد: هو ما استوعب حولاً كاملاً؛ لأن الحول يسقط به جميع العبادات
فيقدر به احتياطاً. قال قاضي زاده صاحب تكملة فتح القدير: والمختار ماقاله
أبو حنيفة أنه مقدر بالشهر؛ لأن مادون الشهر في حكم العاجل، فكان قصيراً،
والشهر فصاعداً في حكم الآجل ، فكان طويلاً، قال صاحب الدر: وبه يفتى.
٥ - لحاق الموكل مرتداً بدار الحرب: وهذه الحالة عند أبي حنيفة؛ لأنه
يصير حينئذ من أهل الحرب . وقال الصاحبان : لا تنتهي الوكالة بذلك؛ لأن
تصرفات المرتد عندهما نافذة، فلا تبطل الوكالة إلا بموته أو بقتله بسبب ردته، أو
بحكم القاضي بلحاقه . وأما مذهب أبي حنيفة في هذا فهو أن تصرفات المرتد موقوفة
عنده، ومنها الوكالة، فإن أسلم الموكل نفذت ، وإن قتل على الردة أو لحق بدار
الحرب بطلت الوكالة .
وأما الوكيل إذا لحق بدار الحرب مرتداً فإنه لا يخرج عن الوكالة باتفاق الحنفية
إلا أن يقضي القاضي بلحاقه، لكن بمجرد لحوقه لا يجوز له التصرف إلا أن يعود
مسلماً ، فإن عاد مسلماً من دار الحرب إلى دار الإسلام قال محمد : تعود الوكالة إليه
الزوال المانع من التصرف. وقال أبو يوسف : لا تعود الوكالة ؛ لأنه بلحاقه بدار الحرب
يلحق بالأموات ، فيبطل ما ملكه من ولاية تنفيذ التصرف على الموكل ، وإذا بطلت
الولاية بطل التوكيل، وإذا بطلت الولاية لا تعود .
وقال المالكية ؛ ينعزل الوكيل بردته أيام الاستتابة، وأما بعدها فإن قتل
انعزل، وإن أخر قتله لمانع كوجود حمل عند المرأة، فإن العلماء ترددوا في عزله،
وكذا ينعزل بردة الموكل بعد مضي أيام الاستتابة، ولم يرجع ولم يقتل لمانع (١).
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٣٩٦/٣.
- ١٢٧ -

وقال الشافعية والحنابلة : لا تبطل الوكالة بردة الوكيل، سواء لحق بدار
الحرب أو أقام بدار الإسلام؛ لأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته، فلم تمنع استدامتها
كسائر أنواع الكفر. وأما ارتداد الموكل فلا يبطل الوكالة فيما له التصرف فيه عند
الحنابلة، وهو الظاهر عند الشافعية لعدم زوال ملكه(١).
٦ - عزل الوكيل نفسه أو أن يخرج الوكيل نفسه من الوكالة: إذا قال
الوكيل : عزلت نفسي أو رددت الوكالة أو خرجت منها ونحوها انعزل (٢)، لدلالة
ذلك عليه . وقد اشترط الفقهاء لانتهاء الوكالة بما ذكر أن يعلم الموكل بهذا، حتى
لا يتضرر مما فعل الوكيل .
وذكر المالكية أن للوكيل بغير أجر أن يعزل نفسه متى شاء إلا حيث يمنع موكله
من عزل نفسه .
٧ - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها : تنتهي الوكالة أيضاً باتفاق
الفقهاء(٢) بهلاك العين التي وكل فيها إنسان بالتصرف فيها بالبيع أو الشراء، أو الإيجار
مثلاً؛ لأن العقد يصبح في هذه الحالة غير ذي موضوع ، فيكون التصرف في المحل
المعقود عليه غير متصور بعد هلاكه، والوكالة بالتصرف فيما لا يحتمل التصرف محال ،
فتبطل الوكالة .
٨- خروج الموكل فيه عن ملك الموكل : كأن وكله ببيع منزل فصادرته
الدولة ، فتزول الوكالة(٤).
٩ - الإفلاس : تنتهي الوكالة بإفلاس الموكل إذا كانت الوكالة بأعيان ماله ؛ لأنه
المغني: ١١٦/٥، كشاف القناع: ٤٥٨/٣، مغني المحتاج: ٢١٩/٢، تحفة المحتاج: ٣٤١/٥، المهذب: ١ /٣٥٧.
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٢٣٢/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٩.
(٣)
الفتاوى الهندية: ٤٩٣/٣، المغني: ١١٦/٥.
المبسوط: ١٩ / ٥٠، مغني المحتاج: ٢٣٢/٢، المغني: ١١٦/٥.
(٤)
- ١٢٨ -

بالإفلاس ينتقل مال الموكل لغرمائه (١).
١٠ - الجحود: تنتهي الوكالة عند الحنفية والشافعية بجحودها من الموكل أو
الوكيل ؛ لأن الجحود بمثابة رد الوكالة. ولا تبطل الوكالة عند الحنابلة بالجحود(٢).
١١ - التعدي : تنتهي الوكالة في أحد وجهين عند الشافعية بتعدي الوكيل في
التصرف الموكل فيه، كأن يوكله ببيع ثوب فيلبسه؛ لأن الوكالة عقد أمانة تبطل
بخيانة الوكيل فيها . وفي الوجه الثاني لا تبطل ، وإنما تبطل الأمانة ويصير ضامناً،
ويبقى التصرف(٣)، ويظهر لي أن الوجه الثاني أصح وهو رأي الحنابلة .
١٢ - الفسق : تبطل الوكالة عند الشافعية والحنابلة بفسق الوكيل في عقد
ينافيه الفسق كإيجاب في الزواج لخروجه عن أهلية التصرف (٤)، بخلاف قبول الزواج
أو الشراء.
١٣ - الطلاق: قال المالكية: ينعزل الزوج عن وكالته لزوجته بالطلاق إذا طلقها؛
لأن الطلاق بيده ، ولا تنعزل الزوجة عن وكالتها بطلاقه لها ، إلا أن يعلم من الزوج كراهة
ذلك منه . وقال الحنابلة : لا تبطل الوكالة بطلاق امرأة وكلها زوجها بشيء (٥).
١٤ - مضي الوقت : تنتهي الوكالة بمضي المدة المحددة لها كعشرة أيام مثلاً عند
الشافعية والحنابلة، ولا تنتهي به على الأصح عند الحنفية (١).
هذه هي أهم الحالات التي تنتهي بها الوكالة عند الفقهاء، وهي فيما عدا حالة
العزل تنتهي بها الوكالة على رأي الحنفية ، سواء علم بها الوكيل أم لم يعلم .
(١)
الدسوقي: ٣٩٦/٣، المغني والشرح الكبير: ٢١٣/٥.
(٢)
تكملة رد المحتار: ٣٨٧/٧، مغني المحتاج: ٢٣٣/٢، كشاف القناع: ٤٥٨/٣ .
(٣)
المهذب : ١ / ٣٥٧، تكملة المجموع: ١٣ / ٦٠٠.
(٤)
تكملة المجموع: ١٣/ ٥٦٦، كشاف القناع: ٤٥٧/٣ .
(٥)
الدسوقي: ٣٩٦/٣، كشاف القناع: ٤٧٠/٣.
تكملة رد المحتار: ٣٩٣/٧، مغني المحتاج: ٢٣٣/٢، كشاف القناع: ٣ /٤٦٠ .
(٦)
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٩)
- ١٢٩ -

الفصل العاشر
الكَفَالة
الكفالة والحوالة والرهن هي عقود الاستيثاق ، نبحثها تباعاً .
خطة الموضوع وأسماء الكفالة :
الكفالة لها أسماء وهي : كفالة وحمالة وضمانة وزعامة . ويقال للملتزم بها: ضمين
وكفيل وقبيل وجميل وزعيم وصبير. قال الماوردي من كبار الشافعية: غير أن
العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال، والخميل في الديات، والزعيم في الأموال
العظام، والكفيل في النفوس ، والصبير في الجميع.
والكلام عن هذا العقد في المباحث الخمسة الآتية :
S
المبحث الأول - مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها .
المبحث الثاني - شرائط صحة الكفالة .
المبحث الثالث - أحكام الكفالة .
المبحث الرابع - انتهاء الكفالة .
المبحث الخامس - رجوع الكفيل على الأصيل (المكفول عنه).
المبحث الأول : مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها :
مشروعية الكفالة : الكفالة في الجملة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع .
- ١٣٠ -

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ﴾ قال ابن
عباس : الزعيم : الكفيل .
وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: ((الزعيم غارم)) رواه أبو داود
والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه(١). وجاء في صحيح البخاري أن النبي محمد الّ
أتي بجنازة رجل ليصلي عليه، فقال: ((هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا ، قال : هل عليه
دين ؟ قالوا : نعم ، ديناران (٢). فقال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: هما علي
يا رسول الله، فصلى عليه النبي ◌َّ الّ))(٣).
وأما الإجماع : فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة لحاجة الناس إليها
ودفع الضرر عن المدين(٤). وإنما اختلفوا في بعض الفروع التي سنذكرها إن شاء الله
تعالى. ويلاحظ أن الكفالة بالنية الحسنة تكون طاعة يثاب عليها فاعلها . أما في
الواقع ، فأولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة(٥)، فبعد تمامها في أول الأمر
يلوم الكفيل نفسه أو يلومه الناس ، وعند المطالبة بالمال يندم على إتلافه لماله، ثم
بعدئذ يغرم المال .
(١) روي عن ثلاثة من الصحابة وهم: أبو أمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وقد تقدم تخريجه
(انظر جامع الترمذي: ٢٩٥/٦، ط حمص).
(٢)
وفي لفظ : ثلاثة دنانير.
S
أخرجه البخاري وأحمد والنسائي وابن حبان عن سلمة بن الأكوع، وروى أحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود
(٣)
هذه القصة من حديث أبي قتادة، وصححه الترمذي، وقال فيه النسائي وابن ماجه: فقال أبو قتادة: ((أنا
أتكفل به)) وهذا صريح في الإنشاء لا يحتمل الإخبار بما مضى. وروى القصة أيضاً أحمد وأبو داود والنسائي
وابن حبان والدارقطني والحاكم عن جابر بن عبد الله. وفي موضوع القصة روى الدارقطني والبيهقي حديثاً
عن أبي سعيد الخدري بأسانيد ضعيفة، وفي موضوعها أيضاً روى البزار ورجاله رجال الصحيح حديثاً عن أبي
هريرة. ورواية القصة بأن الدين كان درهمين وأن الكفيل كان علياً بن أبي طالب رواية ضعيفة، كما قال ابن
حجر (راجع التلخيص الحبير: ص ٢٥٠ وما بعدها، مجمع الزوائد: ١٢٧/٤، سبل السلام: ٦٢/٣، نيل
الأوطار: ٢٣٧/٥ وما بعدها ).
(٤)
سبل السلام: ٦٢/٣، الميوط: ١٦٠/١٩ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٩٨/٢، المغني: ٤ /٥٣٤.
قال بعض أصحاب القفال الشافعي: إن في التوراة مكتوباً: إن الكفالة مذمومة، أولها ندامة، وأوسطها
(٥)
ملامة ، وآخرها غرامة .
- ١٣١ -

تعريفها : الكفالة لغة كما في كتب الحنفية والحنابلة : هي الضم . وفي كتب
الشافعية : هي الالتزام. واصطلاحاً في الأصح عند الحنفية : هي ضم ذمة إلى ذمة في
المطالبة مطلقاً أي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين في المطالبة بنفس أو بدين أو عين
كمغصوب ونحوه، فلا يثبت الدين في ذمة الكفيل، ولا يسقط عن الأصيل(١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : الكفالة : هي ضم ذمة الضامن إلى ذمة
المضمون عنه في التزام الحق أي في الدين ، فيثبت الدين في ذمتهما جميعاً، كما جاء في
المغني لابن قدامة الحنبلي(٢).
ويلاحظ أنه ليس من ضرورة ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة
الأصيل أن يترتب عليه زيادة حق للدائن ؛ لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل ،
فلا يحق لرب الدين إلا استيفاء قيمة واحدة : إما من الكفيل أو من الأصيل .
كما يلاحظ أيضاً أنه لا مانع من ثبوت الدين في أكثر من ذمة ؛ لأنّ الدين أمر
اعتباري من الاعتبارات الشرعية، فجاز أن يعتبر الشيء الواحد في ذمتين ، وإنما
الممتنع هو ثبوت عين في زمن واحد في ظرفين حقيقيين
والدليل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو وهب الدين للكفيل صحت
الهبة ، وأن الكفيل يرجع بالدين على الأصيل مع أن هبة الدين لغير من عليه الدين
لا تجوز. ويصح أيضاً للدائن أن يشتري شيئاً من الكفيل بالدين الذي له، مع أن
الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح .
وأما دليل الحنفية على مذهبهم : فهو أن الدين وإن أمكن شرعاً اعتباره في
ذمتين لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب، ولا موجب هنا؛ لأن التوثق
(١) راجع فتح القدير: ٣٨٩/٥، البدائع: ٢/٦، الدر المختار: ٢٦٠/٤.
(٢)
راجع الشرح الكبير: ٣٢٩/٣، مغني المحتاج: ١٩٨/٢، المغني: ٤/ ٥٣٤.
- ١٣٢ -

بالدين يحصل بثبوت حق المطالبة، وأجابوا عن صحة الهبة ونحوها بأنهم جعلوا
الدين في حكم الدينين لضرورة تصحيح تصرف صاحب الحق(١).
ومن أدلة الحنفية أيضاً أن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس مع أنه لا دين
فيها ، والمضمون بالكفالة بالنفس هو إحضار المكفول به، وكما تصح بالدين تصح
بالأعيان المضمونة ، وتعريف الكفالة بما يفيد ثبوت حق المطالبة فيها هو من أجل
شمول جميع هذه الأنواع بخلاف ما لو قصرنا معناها على الضم في الدین ، فإنه يراد بها
الكفالة بالمال فقط . والخلاصة : أن تعريف الكفالة بالضم في المطالبة أعم لشموله
أنواع الكفالة : وهي الكفالة بالمال وبالنفس وبالأعيان، وهو معنى كون هذا
التعريف أصح .
وأما من عرفها بالضم في الدين فإنه أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال .
وأما النوعان الآخران فمتفق على كون الكفالة بها كفالة بالمطالبة. وإذاً فيكون
تصحيح الحنفية للتعريف الذي اختاروه مقبولاً من هذه الزاوية فقط وهي كونه أعم
وأشمل لأنواع الكفالة الثلاث .
أما من ناحية الواقع بالنسبة لأحكام الكفالة فقد استظهر ابن عابدين أن
الفقهاء متفقون على ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل ، بدليل
الاتفاق على صحة هبة الدين والشراء به كما عرفنا ، ولأن اعتبار الدين في ذمتين
ممكن كما أشرنا، ولو كانت الكفالة ضمّاً في المطالبة فقط بدون دين لزم ألا يؤخذ المال
من تركة الكفيل ؛ لأن المطالبة تسقط عنه بموته كالكفيل بالنفس ، مع أن المنصوص
عليه حتى عند الحنفية هو أن المال يحل بموت الكفيل ، ويؤخذ من تركته. وبدليل
أنه يجوز أن يكفل الكفيل كفيل آخر بالمال المكفول به .
وتظهر ثمرة الخلاف بين التعريفين فيما إذا حلف الكفيل ألا دين عليه، فإنه
(١) المراجع السابقة .
- ١٣٣ -

يحنث إذا قلنا بأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين، ولا يحنث إذا قلنا بأنها ضم في
المطالبة (١).
ركن الكفالة : ركن الكفالة عند أبي حنيفة ومحمد : هو الإيجاب والقبول أي
الإيجاب من الكفيل ، والقبول من الدائن(٣).
وقال أبو يوسف وجمهور الفقهاء: ركن الكفالة هو الإيجاب وحده. وأما
القبول فليس بركن .
وعلى هذا تتم الكفالة بالكفيل وحده في الكفالة بالمال والنفس ، ولا يشترط
عند جمهور الفقهاء قبول المكفول له وهو الدائن ، ولا رضاه لعدم التعرض للقبول في
حديث أبي قتادة السابق ذكره ، فإنه صحت الكفالة بمجرد أن قال أبو قتادة : هما علي
يا رسول الله، فصلى عليه، ولم ينقل أنه قبل الدائن. ولأن الكفالة ضم لغة والتزام
المطالبة بما على الأصيل شرعاً، ومعنى الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فأشبه
النذر(٣).
وقال أبو حنيفة ومحمد: يشترط رضا المكفول له، كما سيأتي في شروط الكفالة .
وأما رضا المكفول عنه أي الأصيل فلا يشترط بالاتفاق بين العلماء ؛ لأن قضاء
دين الغير بغير إذنه جائز، فالتزامه أولى ، ولأنه يصح الضمان عن الميت اتفاقاً ما عدا
أبا حنيفة وإن لم يترك وفاء لدينه أي كان مفلساً. وأركان الكفالة أو الضمان عند
الجمهور(٤) أربعة: ضامن (وهو كل من يجوز تصرفه في ماله فلا يجوز ضمان الصغير ولا
السفيه). ومضمون (وهو كل حق تصح النيابة فيه، وهو الدين أو العين المضمونة ،
:
---
..--
راجع رد المحتار على الدر المختار: ٤ /٢٦١.
(١)
فتح القدير: ٥/ ٣٩٠، البدائع: ٢/٦، الدر المختار، المرجع السابق، مجمع الضمانات: ص ٢٧٥ .
(٢)
(٣)
مغني المحتاج: ٢/ ٢٠٠، المهذب: ١ / ٣٤٠، المغني: ٥٣٥/٥.
القوانين الفقهية: ص ٣٢٥، مغني المحتاج: ١٩٨/٢، غاية المنتهى: ١٠٤/٢.
(٤)
- ١٣٤ -

وذلك في الأموال ، لا في الحدود ولا في القصاص ؛ لأنه لا تصح النيابة فيها ) ومضمون
عنه ( وهو كل مطلوب بمال، حياً كان أو ميتاً) وصيغة (إيجاب) وأضاف الشافعية
ركناً خامساً وهو المضمون له ( وهو مستحق الدين ) .
ألفاظ الكفالة : تنعقد الكفالة بصيغة معينة ، وألفاظها عند الحنفية والشافعية :
إما صريح أو كناية : وهي كل لفظ ينبئ عن العهدة في العرف والعادة(١).
فالصريح: أن يقول الكفيل : تكفلت أو ضمنت أو أنا ضامن ما عليه، أو أنا
زعيم، أو قبيل، أو حميل، أو هو إلي أو علي، أولك عندي، أولك قبلي، أو على أن
أوافيك به، أو على أن ألقاك به، أو دعه إلي .
والكناية : أن يقول : خل عن فلان ، والدين الذي عليه عندي، أو دين فلان
إلي، أو ضمنت فلاناً، أو ضمان فلان علي ، فإن نوى المال، أو البدن لزم وإلا لغا.
وإذا قال : لفلان عندي كذا، فهو يحتمل كونه وديعة ويحتمل كونه في الذمة، لأن
كلمة ((عند)) تفيد القرب والحضرة، وهو موجود في المعنيين السابقين، فإذا أطلق
اللفظ يحمل على كونه وديعة في يده، وعند قرينة الدين يحمل على ما في الذمة أي
في ذمتي ؛ لأن الدين لا يحتمله إلا الذمة .
والكفالة نوعان : كفالة بالنفس وكفالة بالمال . وتنعقد الكفالة بالنفس إذا قال
الكفيل : تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه أو ببدنه،
وكذا إذا قال: بنصفه أو بثلثه، أو بجزء منه؛ لأن القاعدة الفقهية: ((ذكر بعض ما
لا يتجزأ كذكر كله)) فيكون كفيلاً بكله؛ لأنه مما لا يتجزأ(٢) بخلاف ما إذا قال : بيد
فتح القدير: ٢٩٢/٥، البدائع، المرجع السابق: الدر المختار: ٢٦٤/٤، مجمع الضمانات: ص ٢٦٥، مغني المحتاج،
(١)
المرجع السابق: ص ٢٠٦، حاشية قليوبي وعميرة: ٣٣٠/٢.
ومثل ذلك ما لو طلق رجل زوجته نصف تطليقة أو ربعها مثلاً، تطلق تطليقة كاملة رجعية؛ لأنها مما
(٢)
لا يتجزأ، بخلاف كفالة المال، فلو كفل بجزء من الدين، كنصفه أو ربعه، لم يكن كفيلاً بأكثر؛ لأنه مما يقبل
التجزئة .
- ١٣٥ -
..

فلان أو برجله . وكذا تنعقد إذا قال ضمنته، أوقال : علي ، أو قال : أنا زعيم به أو
قبيل ، بخلاف قوله : أنا ضامن بمعرفته .
أحوال ركن الكفالة : الاتفاق على الكفالة إما أن يكون مطلقاً أو مقيداً
بوصف، أو معلقاً بشرط ، أو مضافاً إلى وقت(١).
أ- فإن كانت الكفالة مطلقة فتجوز بالشروط التي سنذكرها ، غير أنها تتقيد
بوصف الدين: فإن كان حالاً كانت الكفالة حالة، وإن كان مؤجلاً كانت الكفالة
مؤجلة .
ب - وإن كانت الكفالة مقيدة : فإما أن تقيد بوصف التأجيل أو بوصف
الحلول. فإن كانت مؤجلة إلى أجل معلوم كشهر أو سنة، جازت. ويجوز أن يكون
أجل الكفالة مماثلاً لأجل الدين أو أزيد منه أو أنقص ؛ لأن المطالبة بالدين حق
الدائن المكفول له، فله أن يتفق مع الكفيل والمدين على ما يشاء.
وإن كان الدين حالاً ، جاز التأجيل في الكفالة، ويستفيد المدين نفسه من
الأجل أيضاً في ظاهر الرواية ؛ لأن التأجيل إذا كان في نفس العقد، يجعل الأجل
صفة للدين ، والدين واحد. أما إذا كان التأجيل بعد تمام العقد ، فيختص به الكفيل
فقط . وإذا كان التأجيل عن الأصيل، فيستفيد الكفيل من الأجل ، أما إذا أجل
الكفيل، لم يستفد الأصيل من الأجل؛ لأن المقصود تأخير المطالبة، لا إسقاط
الحق .
وإذا كانت الكفالة مؤجلة إلى سنة مثلاً، فمات الأصيل قبل تمام السنة ، يحل
الدين في ماله، ويبقى الأجل للكفيل ، وكذا يحل الدين في مال الكفيل إذا مات،
ويبقى الأصيل على أجله .
(١) راجع التفصيل في البدائع: ٣/٦، فتح القدير: ٤٠٤/٥، ٤١١.
- ١٣٦ -

هذا هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية(١)؛ لأن الموت عند الحنفية يعصف
بذمة الإنسان ويبطل الأهلية إلا بمقدار ما تقتضيه ضرورة تسوية الحقوق وثبوت
الأحكام التي لها سبب في حال الحياة .
وعند الحنابلة روايتان، رجح ابن قدامة أن الدين لا يحل بالموت ؛ لأن الدين
مؤجل، فلا تجوز المطالبة به قبل الأجل ، كما لو لم يمت(٢).
وإن كان التأجيل إلى وقت مجهول، فتجوز الكفالة عند الحنفية والحنابلة
والمالكية إذا كان الأجل متعارفاً بين الناس كالحصاد والدياس والنيروز ونحوه؛ لأن
هذه الجهالة ليست فاحشة فتتحملها الكفالة. وقال الشافعي : لا يجوز التأجيل إلى
هذه الأوقات، لأنه أجل مجهول(٢).
وإن لم يكن الأجل متعارفاً بين الناس كالتأجيل إلى مجيء المطر أو هبوب
الريح، فالأجل باطل، والكفالة صحيحة ؛ لأن هذه جهالة فاحشة ، فلا تتحملها
الكفالة ، فلا يصح التأجيل ، فبطل . هذا إذا كانت الكفالة مؤجلة .
فإن كانت الكفالة حالة، فيجوز للدائن أن يشرط الحلول على الكفيل ، سواء
أكان الدين حالاً أم مؤجلاً. ولو كفل الكفيل حالاً يصح للدائن أن يؤجله بعدئذ،
و یکون التأجیل خاصاً به.
وفي الجملة: يجوز في المذاهب الأربعة ضمان الدين الحال مؤجلاً، وضمان المؤجل
البدائع، المرجع السابق، المبسوط: ٢٨/٢٠، مختصر الطحاوي: ص ١٠٥، الشرح الكبير: ٣٣٧/٣، مغني
(١)
المحتاج: ٢٠٨/٢.
(٢)
. المغني : ٥٤٥/٥ .
المغني، المرجع السابق: ص ٥٦٠، مغني المحتاج: ٣٠٧/٢، المبسوط: ١٩/ ١٧٢، مجمع الضمانات: ص ٢٧٣،
(٣)
الفرائد البهية في القواعد الفقهية : ص ١٤٢ .
- ١٣٧ -

حالاً؛ لأن الضمان تبرع، والحاجة تدعو إليه، فيصح على حسب ما التزم به
الضامن(١).
وفي الكفالة بالنفس : لو تكفل شخص برجل إلى شهر أو إلى ثلاثة أيام
ونحوها : جاز، ولكن الكفيل إنما يطالب بتسليم المكفول بنفسه بعد مضي تلك المدة
المتفق عليها ولا يطالب به في الحال في ظاهر الرواية .
وقال أبو يوسف: إنه يطالب به للحال، وإذا مضى الأجل يبرأ الكفيل. وهو
قول الحسن بن زياد، وقال القاضي النسفي : وقول أبي يوسف أشبه بعرف الناس.
وكان بعضهم يفتي به (٣).
ج - إذا كانت الكفالة معلقة بشرط : فتجوز عند الحنفية إذا كان الشرط
ملائماً لمقتضى العقد، مثل أن يكون الشرط سبباً لوجوب الحق، كأن يقول الكفيل :
إذا استحق المبيع فأنا كفيل، أو شرطاً لإمكان الاستيفاء (أي لسهولته) مثل قوله :
إذا قدم زيد - وكان هو المكفول عنه - فأنا كفيل ، أو شرطاً لتعذر الاستيفاء وصعوبته
مثل : إن غاب زيد عن البلدة فأنا كفيل .
وفيما عدا مثل هذه الحالات كالتعليق بهبوب الريح أو مجيء المطر، أو دخول
زيد الدار بأن يقول: إذا جاء المطر أو نحوه فأنا كفيل، تثبت الكفالة حالة،
ويبطل الأجل(٣). والخلاصة: أنه يصح تعليق الكفالة بنوعيها بشرط متعارف،
والمتعارف كأن يعلق الكفالة بما هو سبب الحق، أو سبب لإمكان التسليم. وأما
التعليق بهبوب الريح ونحوه فهو غير متعارف .
البدائع، المرجع السابق: الشرح الكبير: ٣٣١/٣، نهاية المحتاج للرملي: ٤١٦/٣، مغني المحتاج: ٢٠٧/٢.
(١)
(٢)
مجمع الضمانات : ص ٢٦٦ .
فتح القدير: ٤١٤/٥، البدائع: ٤/٦، الدر المختار: ٢٧٧/٤، مجمع الضمانات: ص ٢٧٣، الفرائد البهية في
(٣)
القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ١٤٢ .
- ١٣٨ -

وقال الشافعية: الأصح أنه لا يجوز تعليق الكفالة بشرط مثل : إذا جاء
رأس الشهر، فقد ضمنت ما على فلان، أو تكفلت ببدنه(١).
تعليق كفالة المال على عدم الموافاة بالنفس :
لو كفل إنسان بنفس آخر، فقال: إن لم أحضر غداً فأنا ضامن ما عليه ، فلم
يحضر به، أومات المكفول، فالمال لازم للكفيل عند الحنفية، لأن هنا كفالتين :
بالنفس والمال، وكل ما في الأمر أنه كفل بالنفس مطلقاً ، وعلق الكفالة بالمال
بشرط عدم الموافاة بالنفس ، وهذا التعليق صحيح إذا أقر المدين بالمدعى به ، أو ثبت
بالبينة وقضى به القاضي(٢). وقال الشافعية: لا يضمن المال(٣). وقد ذكر الحنفية
تفريعات أخرى قريبة من هذا الموضوع .
منها : لو كفل إنسان بنفس رجل، وقال : إن لم أوافك به غداً ، فعلي ألف ليرة ،
ولم يقل الألف التي عليه أو الألف التي ادعيت، وكان المطالب بالمبلغ ينكر المال،
فالمال لازم للكفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يلزمه. وجه قول
محمد: أن هذا إيجاب المال معلقاً بالخطر أي بالاحتمال، لأنه لم توجد الإضافة إلى
الواجب، ووجوب المال لا يتعلق بالخطر، أما الكفالة بمال ثابت فتتعلق بالخطر.
ووجه قول الشيخين: أن مطلق الألف ينصرف إلى الألف المعهودة ، وهي
الألف المضمونة .
ولو كفل رجل بالمال، وقال للمكفول له: ((إن وافيتك به غداً، فأنا بريء))
فوافاه من الغد يبرأ من المال في رواية ؛ لأن هذا ليس بتعليق البراءة بشرط الموافاة،
نهاية المحتاج: ٣/ ٤١٥، المهذب: ٣٤١/١، مغني المحتاج: ٢٠٧/٢.
(١)
البدائع: ٤/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٣٩٦/٥، المبسوط: ١٩/ ١٧٦، الدر المختار: ٢٦٩/٤، مجمع الضمانات:
(٢)
ص ٢٦٦ وما بعدها .
مغني المحتاج: ٢٥/٢ وما بعدها .
(٣)
- ١٣٩ -

بل هو جعل الموافاة غاية للكفالة بالمال، والشرط قد يذكر بمعنى الغاية لمناسبة
بينهما . وفي رواية وهي الراجحة: لا يبرأ من المال لأن قوله: ((إن وافيتك به غداً
فأنا بريء)) تعليق البراءة عن المال بشرط الموافاة بالنفس، والبراءة لا تحتمل التعليق
بالشرط ؛ لأن فيها معنى التمليك، والتمليكات لا يصح تعليقها بالشرط(١).
د - وإن كانت الكفالة مضافة إلى وقت في المستقبل : جازت عند
الحنفية مثل أن يضمن إنسان لآخرما يقرضه لفلان، أو ما يستهلكه من ماله أو
ما يغصبه منه، أو ثمن ما يبايعه به ، فهذه الكفالة صحيحة لأنها أضيفت إلى سبب
الضمان .
المبحث الثاني - شروط الكفالة :
تشترط في الكفالة شروط تتعلق إما بالكفیل ، أو بالأصیل، أو بالمکفول له ، أو
بالمكفول به ، فالذي تلزمه المطالبة بالمال الذي على المدين هو الكفيل ، والمدين : هو
المكفول عنه، ويسمى الأصيل أيضاً، والمدعي - وهو الدائن: مكفول له، ومحل
الكفالة - وهو المال أو النفس المكفولة : هو المكفول به .
شروط الكفيل : اشترط فقهاء الحنفية وغيرهم في الكفيل شرطين(٢):
أولهما - أهلية العقل والبلوغ: فلا تنعقد كفالة الصبي والمجنون ؛ لأن
الكفالة عقد تبرع بالتزام المال، فلا تنعقد ممن ليس من أهل التبرع، وهذا شرط
متفق عليه ، وهو المعبر عنه بالرشد أي صلاح الدين والمال ؛ لأن الكفالة تصرف
مالي ، فلا تصح من مجنون وصبي ومحجور عليه بسفه ، لعدم رشدهم .
البدائع، المرجع السابق، المبسوط للسرخي: ١٩ / ١٧٨ .
(١)
(٢)
البدائع: ٥/٦ وما بعدها، المبسوط: ٨/٢٠، الدر المختار: ٢٦٢/٤، الكتاب مع اللباب: ١٥٩/٢، القوانين
الفقهية: ص ٣٢٥، مغني المحتاج: ١٩٨/٢، غاية المنتهى: ١٠٣/٢.
- ١٤٠ -