Indexed OCR Text

Pages 61-80

ثقل الحديد يتركز في موضع واحد على ظهر الدابة ، وثقل القطن يتوزع على جميع
ظهرها وبدنها ، فكان ضرره بالدابة أكثر، والرضا بأدنى الضررین لایکون رضا
بأعلاهما.
وإن كان الحمل أثقل من المبين في العقد : فإن كان من الجنس المذكور في العقد،
يضمن بقدر الزيادة ، وإن كان من خلاف الجنس، يضمن كل القيمة.
وإن اختلف المعير والمستعير في مدة العارية أو في مقدار الحمل ، أو في المكان ،
فالقول قول المعير(١)؛ لأن المعير هو الذي يأذن بالانتفاع بالعارية، فيقبل قوله في
تحديد وجه الانتفاع، والمستعير يدعي بأن وجه الانتفاع هو على النحو الذي
يريده، والمعیر منكر لذلك فيقبل قوله بيمينه .
صفة حكم الإعارة :
قال الحنفية والشافعية والحنابلة : إن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه
ملك لا يقابله عوض، فلا يكون لازماً، كالملك الثابت بالهبة ، فيجوز للمعير أن
يرجع في الإعارة، كما للمستعير أن يردها في أي وقت شاء، سواء أكانت الإعارة
مطلقة أم مؤقتة بوقت ، مالم يأذن المعير في شغل المستعار بشيء يتضرر بالرجوع
فيه، أو كانت العارية لازمة، كمن أعار أرضاً لدفن ميت محترم ، فلا يجوز للمعير
الرجوع في الموضع الذي دفن فيه ، وامتنع على المستعير رده، فهذه إعارة لازمة من
الجانبين، حتى يندرس أثر المدفون بأن يصير ترابً(٢). ومثله : لو استعار مكاناً لسكنی
معتدة ، فليس للمعیر الاسترداد .
(١)
المبسوط : ١٤٣/١١.
(٢)
البدائع: ٢١٦/٦، الكتاب مع اللباب: ٢٠٢/٢، مغني المحتاج: ٢٧٠/٢ ، المهذب: ٢٦٣/١، المغني: ٢١١/٥ ٤
تحفة الطلاب : ص ١٦٦ .
- ٦١ -

ودليلهم على أن العارية عقد جائز قوله مَا له: «المنحة مردودة، والعارية
مؤداة))(١).
وقال المالكية في المشهور عندهم : ليس للمعير استرجاع العارية، قبل الانتفاع
بها، وإذا كانت العارية إلى أجل، فلا يجوز للمعير الرجوع إلا بعد انقضاء الأجل .
وإن لم يتحدد أجل ، يلزم المعير من المدة مايرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية،
وقال الدردير في الشرح الكبير: الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة المطلقة متى
أحب(٢).
وبهذا يظهر أن المالكية يسوغون الرجوع في العارية المطلقة ويمنعونها في
العارية المقيدة بالشرط أو العرف أو العادة .
وسبب الخلاف بين الفريقين: هو ما يوجد في العارية من شبه العقود اللازمة
وغير اللازمة .
الرجوع في الأرض المعارة للبناء أو الغراس أو الزراعة :
قال الحنفية: إذا كانت الإعارة مطلقة، فللمعير صاحب الأرض أن يستردها
في أي وقت شاء؛ لأن الإعارة غير لازمة، ويجبر المستعير على قلع الغرس ونقض
البناء؛ لأن في الترك ضرراً بالمعير، ولا يضمن المعير شيئاً من قية الغرس أو البناء؛ إذ
(١) روي من حديث ثلاثة وهم أبو أمامة وأنس وابن عباس: فحديث أبي أمامة أخرجه أبو داود والترمذي من
حديث ذكر فيه: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم)) أي الكفيل . قال
الترمذي : حديث حسن ، وصححه ابن حيان ، ورواه أيضاً أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني
وابن أبي شيبة وعبد الرزاق . وحديث أنس رواه الطبراني في كتاب ((مسند الشاميين)» وحديث ابن عباس
أخرجه ابن عدي في الكامل ( راجع نصب الراية: ٥٧/٤، التلخيص الحبير: /٢٥٠ ، جامع الأصول :
١١٠/٩ ) .
(٢) بداية المجتهد : ٣٠٨/٢، حاشية الدسوقي : ٤٣٩/٣.
- ٦٢ -

أنه لم يغرر المستعير بشيء حيث أطلق العقد، بل هو الذي غرر بنفسه، حيث حمل .
المطلق على الأبد فهو مغتر غير مغرور.
وإن كانت الإعارة مؤقتة بوقت : فللمعير استرداد العارية أيضاً للحديث
السابق: ((المنحة مردودة، والعارية مؤداة)). ولكن يكره الرجوع قبل انتهاء
الوقت ، لما فيه من خلف الوعد، وليس له إجبار المستعير على النقض والقلع ،
والمستعير حينئذ بالخيار: إن شاء ضمن المعير قيمة غرسه وبنائه؛ لأنه غره بتوقيت
العارية، ثم بإخراجه قبل الوقت، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه إن لم يضر القلع
بأرض المعير، فإن أضر القلع بها كان الخيار للمعير: إن شاء أخذ الغرس والبناء
بالضمان ، وإن شاء رضي بالقطع .
هذا ماذكره الحاكم الشهيد في مختصره . وعند القدوري: يضمن المعيرما نقص
البناء والغرس بالقلع ؛ لأن المستعير مغرور، حيث وقت له المعير، إِذ الظاهر الوفاء
بالعهد ، والمغرور يرجع على الغار، دفعاً للضرر عن نفسه .
وأما إذا استعار شخص أرضاً للزراعة ، فلا تؤخذ منه، حتى يحصد الزرع، وقت
العارية أو لم يوقت؛ لأن للزرع نهاية معلومة ، وفي ترك الزرع لوقت الحصاد
بطريق الإجارة بأجر المثل مراعاة لحقي المعير والمستعير، بخلاف الغرس، لأنه ليس
له نهاية معلومة، فيقلع دفعاً للضرر عن المالك(١).
وقال المالكية : الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة المطلقة متى أحب، أما
إذا كانت الإعارة مقيدة بشرط أو بعرف أو عادة ، فلا يجوز الرجوع قبل انقضاء
الأجل، وبناء عليه: إذا أعار أرضاً لبناء أو غرس، وبنى أو غرس، فإن لم يحصل
(١) البدائع: ٢١٧/٦، تكملة فتح القدير: ١٠٩/٧ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ٥٢٧/٤، ١١، المبسوط :
١٤١/١١ وما بعدها، الكتاب مع اللباب : ٢٠٣/٢.
- ٦٣ -

تقييد بأجل ، فللمعير إخراج المستعير، ويملك المعير بناء المستعير وغرسه، إن دفع له
ما أنفق .
ففي الإعارة المقيدة على هذا النحو: ليس للمعير الرجوع في الأرض ، إذا حصل
البناء أو الغرس ، قبل انقضاء أجل الإعارة، مالم يدفع للمستعير ما أنفقه، فإن
انقضت مدة البناء أو الغرس المشترطة أو المعتادة، فالمالك بالخيار: إن شاء أمر
المستعير بهدم البناء، وقلع الشجر، وتسوية الأرض، كما كانت ؛ وإن شاء دفع قيمة
ذلك منقوضاً أو مقلوعاً، إذا كان مما له قيمة بعد القلع، بعد إسقاط أجرة من يهدمه
ويسوي الأرض ، إذا كان المستعير لا يتولى الأمر بنفسه أو خدمه(١).
وقال الشافعية والحنابلة: إذا كانت الإعارة للبناء أو الغراس، مطلقة المدة،
فللمستعير أن ينتفع بالأرض مالم يُرجع المعير، فإن رجع المعير بعد أن بنى المستعير أو
غرس ، فإن كان المعير قد شرط عليه القلع ، لزمه قلعه، عملاً بالشرط ، فإن امتنع
فللمعير القلع .
ويلزم المستعير تسوية الأرض المحفورة ، إن شرطت وإلا فلا يلزمه تسوية
الحفر؛ لأنه لما شرط عليه القلع ، رضي بما يحصل بالقلع من الحفر، ولأنه مأذون فيه،
5
فلا يلزمه ضمان ما حصل به من النقص .
وإن لم يشرط عليه القلع : فإن اختار المستعير القلع ، قلع ، دون أن يلتزم المعير
بدفع قيمة النقص . ويلزم المستعير بتسوية الأرض في الأصح عند الشافعية ، ويحتمل
أن تلزمه التسوية عند الحنابلة؛ لأن القلع حصل باختياره، فإنه لو امتنع منه لم يجبر
عليه، فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها ، إلا أن القاضي من
الحنابلة ذكر أنه لا يلزمه تسوية الحفر؛ لأن المعير رضي بذلك ، حيث أعاره مع علمه
بأن له قلع غرسه، وهو الأصح عندهم .
بداية المجتهد : ٣٠٩/٢ ، حاشية الدسوقي : ٤٣٩/٣، القوانين الفقهية: /٣٧٣ .
(١)
- ٦٤ _

وإن لم يختر المستعير القلع ، فللمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة المثل، أو يقلع
ويضمن قدر النقص بين قيمته قائماً ومقلوعاً .
وإن كانت الإعارة لبناء أو غراس أو غيره مؤقتة، فللمعير الرجوع أيضاً، فإذا
رجع أو انتهت المدة، طبقت نفس الأحكام السابقة في الإعارة المطلقة : من ناحية
اشتراط القلع أو عدم اشتراطه ، وآثار ذلك .
وإذا أعار شخص أرضاً للزراعة ، فله الرجوع، مالم يزرع، فإذا زرع لم يملك
الرجوع فيها إلى وقت الحصاد، وعليه إبقاء الزرع إلى ذلك الوقت، فإن رجع المعير
قبل الحصاد، وجب على المستعير دفع أجرة المثل من وقت الرجوع إلى الحصاد(١).
والخلاصة : أن المعيرله الرجوع في الإعارة للبناء أو الغراس عند الشافعية
والحنابلة والحنفية، سواء أكانت الإعارة مطلقة أم مؤقتة، وأما في الإعارة للزراعة
فيقتصر أثر الرجوع على إعطاء المعير حق المطالبة بأجرة المثل، في المدة التي بين
الرجوع والحصاد .
وعند المالكية : للمعير الرجوع في الإعارة المطلقة، وليس له الرجوع في الإعارة
المقيدة ، قبل انقضاء أجل العقد ، فهذه الإعارة لازمة لانتهاء الأجل المعلوم.
المبحث الرابع - حال العارية : هل هي مضمونة أم أمانة ؟
قال الحنفية : إن المستعار أمانة في يد المستعير، في حال الاستعمال وفي غير حال
الاستعمال، لا يضمن على كل حال إلا بتعد أو تقصير؛ لأنه لم يوجد من المستعير سبب
وجوب الضمان ، فلا يجب عليه الضمان ، كالوديعة والإجارة؛ لأن الضمان لا يجب على
المرء بدون فعله، ولم يفعل ما يوجب الضمان ؛ لأنه يقوم بحفظ مال الغير، وهذا
(١) المهذب: ٢٦٤/١، مغني المحتاج: ٢٧١/٢ - ٢٧٣، المغني: ٢١٢/٥ وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٥)
- ٦٥ -

إحسان في حق المالك ، قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (١).
وقال المالكية (٢) : يضمن المستعير ما يُغاب عليه: وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب
والحلي والسفينة السائرة في عرض البحر، وذلك إذا لم يكن على التلف أو الضياع بينة
على حصوله بلا سبب منه، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار، ولا فيما
قامت البينة على تلفه. ودليلهم الجمع والتوفيق بين حديثين: أولهما - أنه عليه الصلاة
والسلام قال لصفوان بن أمية: ((بل عارية مضمونة مؤداة)) وفي رواية ((بل عارية
مؤداة)) وثانيهما - حديث: ((ليس على المستعير غير المغل - أي الخائن - ضمان، ولا على
المستودع غير المغل ضمان)) فحمل الضمان على ما يغاب عليه، والحديث الآخر على
مالا يغلب عليه . وهذا المذهب قريب من مذهب الحنفية في أن العارية أمانة(٣).
والأصح عند الشافعية أن العارية مضمونة على المستعير بقيمتها يوم التلف إذا
تلفت بغير الاستعمال المأذون فيه وإن لم يفرط ، لحديث صفوان: ((بل عارية
مضمونة)) ولأنه مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه كالشيء المستلم أي المقبوض
على سوم الشراء، أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه فلا ضمان(٤)، لحدوث التلف عن
سبب مأذون فيه ، فلو تعسرت الدابة من ثقل حمل مأذون فيه أو ماتت به ، أو امحق
المبسوط : ١٣٥/١١، البدائع: ١١٧/٦، تكملة فتح القدير: ١٠٣/٧، مجمع الضمانات للبغدادي :/٥٥، الكتاب
(١)
مع اللباب : ٢٠٢/٢ .
بداية المجتهد : ٣٠٨/٢ ، حاشية الدسوقي: ٤٣٦/٣، القوانين الفقهية: /٣٧٣ ، والحديثان تقدم تخريجهما .
(٢)
تتلخص أحكام العارية عند المالكية بأربعة وهي: ١ - الضمان، ٢ - الانتفاع للمستعير حسبما يؤذن له ٣ -
(٣)
اللزوم إن كانت لأجل معلوم أو قدر معلوم ، كعارية الدابة إلى موضع كذا ، فلا يجوز لصاحبها أخذها قبل
ذلك ٤ - إذا قال المستعير : كانت عارية ، وقال صاحبها ؛ كانت كراء ، فالقول قوله مع يمينه ( القوانين
الفقهية : / ٣٧٣ )
قال البغدادي في مجمع الضمانات : ص ٥٥ : محل الخلاف ( أي بين الحنفية والشافعية ) في ضمان المستعير : أن
(٤)
تهلك العارية في غير حالة الانتفاع ، أما لو هلكت في حالة الانتفاع لم يضمن بالإجماع .
- ٦٦ -

أي ( تلف بالكلية ) ثوب يلبسه المأذون فيه ، أو سقط ثور في ساقية استعير لاستعماله
فيها ، فلا ضمان في هذه الحالات كلها(١). كذلك لا يضمن المستعير ما استعاره ليرهنه،
فرهنه، فتلف عند المرتهن. لكن يشترط دكر جنس الدين وقدره وصفته والمرهون
عنده .
وقال الحنابلة في ظاهر المذهب(٢): إن العارية مضمونة على المستعير مطلقاً،
تعدى أو لم يتعد، بقيمتها يوم التلف، بدليل حديث صفوان بن أمية السابق الإشارة
إليه، وهو أن النبي ◌ُالتّ استعار منه درعاً يوم حنين، فقال - فيما رواه أحمد وأبو داود -
أغصباً يا محمد؟ قال: ((بل عارية مضمونة)) فهذا إخبار بصفة العارية وحكمها، وهو
مروي عن ابن عباس وأبي هريرة .
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه(٣))، ولأنه مال
لغيره ، أخذه لمنفعة نفسه، لا على وجه الوثيقة كالرهن ، ومن غير استحقاق ، ولا إذن
في الاتلاف ، فكان مضموناً كالمغصوب .
وأضاف الحنابلة أن المستعير لو استعار وقفاً ككتب علم وأدراع موقوفة على
المجاهدين فتلفت بغير تفريط ولا تعد ، فلا ضان ، لكون تعلم العلم وتعليمه والجهاد
من المصالح العامة .
المهذب: ٣٦٢/١، مغني المحتاج: ٢٦٧/٢، الأشباه والنظائر للسيوطي: ١٥٠ ، الاقناع وحاشية البجيرمي
(١)
عليه: ١٣٦/٣، ١٢٩، متن أبي شجاع مع حاشية الباجوري: ١٠/٢، تحفة الطلاب : /١٦٦
(٢)
كشاف القناع: ٧٦/٤ وما بعدها ، المغني: ٢٠٢/٥، القواعد لابن رجب :/٥٩
أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة ، وصححه الحاكم عن الحسن عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله
(٣)
بَّ: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) زاد أبو داود والترمذي قال قتادة: ((ثم نسي الحسن فقال هو أمينك
لاضمان عليه: يعني العارية)) ورواه الطبراني والحاكم وابن أبي شيبة (راجع جامع الأصول: ١١٠/٩، نصب
الراية: ١٦٧/٤، التلخيص الحبير:/٢٥٣، المقاصد الحسنة: /٢٩٠، نيل الأوطار : ٢٩٨/٥ ، سبل السلام :
٦٧/٣ ) .
- ٦٧ -

ويبرأ المستعير برد العارية إلى من جرت العادة بتسلم الشيء منه كزوجة
وخازن ووكيل عام في قبض الحقوق .
شرط المعير الضمان : قال الحنفية : إذا شرط المعير على المستعير ضمان العارية
يكون الاشتراط باطلاً، وبه بفتى، كما في الوديعة، وكشرط عدم الضمان في الرهن ،
لأن في ذلك تغييراً لمقتضى العقد(١).
وقال المالكية : إذا اشترط المعير الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه الضمان ،
لا يضمنه المستعير ويلزم بإجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يخرج العارية
عن حكمها إلى باب الإجارة الفاسدة، إذا كان صاحبها لم يرض أن يعيرها ، بغير
ضان ، فهو عوض مجهول ، فيجب أن يرد إلى معلوم(٣) .
وقال الشافعية والحنابلة ؛ إذا شرط المستعير أن تكون العارية أمانة أو نفي
الضمان لم يسقط الضمان ولغا الشرط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط ،
كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد (٣).
تغير حال العارية من الأمانة إلى الضمان : يتغير حال العارية عند
الحنفية من الأمانة إلى الضمان بنفس الأسباب التي يتغير بها حال الوديعة ، منها(٤):
١ - التضييع؛ والإتلاف حقيقة بإلقائها في مضيعة أو كأن يدل عليها سارقاً؛ أو
الإتلاف معنى بمنع العارية بعد طلبها أو بعد انقضاء المدة .
٢ - ترك الحفظ في استعمال العارية، أو إيجارها .
٣ - استعمال العين المعارة استعمالاً غير مشروط أو غير مألوف عادة.
حاشية ابن عابدين: ٥١٦/٤ ، ٥٢٥ ، مجمع الضمانات : /٥٥ .
(١)
(٢)
حاشية الدسوقي : ٤٣٦/٣، بداية المجتهد : ٣٠٩/٢ .
(٣)
المغني : ٢٠٤/٥ .
البدائع : ٢١٨/٦ وما بعدها .
(٤)
- ٦٨ -

٤ - المخالفة في كيفية الحفظ: مثل أن يأمره ألا يغفل عنها، فغفل، فيضمن .
فإن عاد إلى موافقة مطلب المعير لا يبرأ عن الضمان ، بخلاف ماعرفناه في الوديعة عند
الحنفية، فإنه يبرأ عن الضمان ؛ لأن المقصود في الوديعة ، هو الحفظ للمالك، والحفظ
يتحقق بعد المخالفة كما كان قبل المخالفة .
وهناك فرق آخر: وهو أن المستعير لو رد العارية إلى منزل المالك، كما إذا رد
الدابة إلى إصطبل مالكها، يبرأ عن الضمان بخلاف الوديعة، للعادة الجارية في
العارية بردها إلى بيت المالك أو بدفعها إلى عياله، ولم تجر العادة بذلك في الوديعة،
فخصصت العارية من عموم آية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)،
وبقيت الوديعة على ظاهر النص ، كما سبق ذكره. والعين المغصوبة مثل الوديعة ترد
إلى المالك نفسه .
لكن إذا كانت العارية شيئاً نفيساً فرده المعير إلى دار المالك ولم يسلمه إليه
ضمن ؛ لأن الأعيان النفيسة لاترد إلا إلى صاحبها في العادة .
وكذلك إذا اختلف المعير والمستعير، فالقول قول المالك كما بينا بخلاف الوديعة :
القول قول الوديع (١).
مؤنة رد العارية : إن أجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه ؛
لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد، فتكون عليه. وكذلك أجرة رد العين
المغصوبة على الغاصب ؛ لأن الرد واجب عليه دفعاً للضرر عن المالك، فتكون مؤنته
عليه .
أما أجرة رد العين المستأجرة فعلى المؤجر؛ لأن الواجب على المستأجر التمكين
من الرد والتخلية بين الشيء وصاحبه، دون الرد(٢). والفرق أن غرض المؤجر
انظر البدائع ، المرجع نفسه : /٢١١ وما بعدها ، مجمع الضمانات : /٥٧ .
(١)
الكتاب مع اللباب : ٢٠٤/٢، الدر المختار ورد المختار : ٥٢٧/٤ وما بعدها .
(٢)
- ٦٩ -

والغاصب ومثلهما المرتهن هو حصول المنفعة لهم بخلاف المستعير، قبض الشيء لمنفعته
الخاصة .
وكذلك أجرة رد الوديعة على المالك المودع ؛ لأن الوديع يجب عليه فقط رد
الوديعة عند طلب المالك لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى
أهلها ﴾ .
الله تعالى
- ٧٠ -

الفصل التاسع
الوكالة
خطة الموضوع :
الكلام عن عقد الوكالة في المباحث الخمسة الآتية :
المبحث الأول - تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها .
المبحث الثاني - شرائط الوكالة .
المبحث الثالث - أحكام الوكالة .
المبحث الرابع - تعدد الوكلاء .
المبحث الخامس - طرق انتهاء الوكالة .
الله تعالى
المبحث الأول - تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها :
تعريف الوكالة : الوكالة بفتح الواو وكسرها ، وهي تطلق لغة ويراد بها
الحفظ، كما في قوله عز وجل: ﴿وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ أي الحافظ،
وقوله سبحانه: ﴿ لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً﴾ قال الفراء: أي حفيظاً. وتطلق
ويراد بها التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان : فوضه إليه واكتفى به، ومنه :
(توكلت على الله)) قال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾، وقال سبحانه مخبراً
- ٧١ -

عن هود عليه السلام: (إني توكلت على الله ربي وربكم ﴾ أي اعتمدت على الله،
وفوضت أمري إليه .
والوكالة شرعاً عند الحنفية (١) : هي عبارة عن إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في
تصرف جائز معلوم . أو هي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل .
والتصرف يشمل التصرفات المالية من بيع وشراء وغيرهما من كل ما يقبل النيابة
شرعاً كالإذن بالدخول . وقال الشافعية : الوكالة تفويض شخص ماله فعله مما يقبل
النيابة إلى غيره ليفعله في حياته(٢). والتقييد بالحياة للتمييز عن الوصية .
ركن الوكالة: ركن الوكالة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، فالإيجاب من
الموكل ويسمى الأصيل: أن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن
تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل : أن يقول: قبلت وما يجري مجراه(٣). ويتم
القبول بكل فعل دل على القبول، ولا يشترط كونه لفظاً؛ لأن التوكيل إباحة ورفع
حجر، فأشبه إباحة الطعام(٤) .
ويجوز بالاتفاق قبول الوكالة على الفور والتراخي؛ لأن قبول وكلائه معك ال كان
بفعلهم، وکان متراخیاً عن تو کیله إیاهم .
فإذا لم يوجد الإيجاب والقبول لا يتم العقد ، فلو وكل إنسان غيره بقبض دينه،
فأبى أن يقبل ، ثم ذهب الوكيل فقبضه ، لم يبرأ المدين ؛ لأن تمام العقد بالإيجاب
والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر، كما في البيع ونحوه .
وللوكالة عند الجمهور أركان أربعة هي الموكل والوكيل والموكل فيه والصيغة .
تكملة فتح القدير: ٢/٦، البدائع: ١٩/٦، رد المحتار: ٤١٧/٤، تبيين الحقائق. ٢٥٤/٤.
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٢١٧/٢ .
(٣)
البدائع ، المرجع السابق : /٠٢٠
(٤)
مغني المحتاج : ٢٢٢/٢، المغني : ٨٤/٥ .
- ٧٢ -

وتصح الوكالة الدورية(١) عند الحنابلة(٢): وهي وكلتك، وكلما عزلتك أو
انعزلت فقد وكلتك أو فأنت وكيلي ، ويصح عزله بقوله: كلما وكلتك أو عدت
وكيلي فقد عزلتك .
تعليق الوكالة على شرط أو زمن : الوكالة عند الحنفية والحنابلة قد تكون
مطلقة وقد تكون معلقة بالشرط ، مثل : إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا
الكتاب، ولا يصح تصرف الوكيل قبل تحقق الشرط ، وقد تكون مضافة إلى وقت
في المستقبل بأن يقول: وكلتك في بيع هذا الكتاب غداً، ولا يصير وكيلاً قبل الغد .
ودليلهم على جواز ذلك أن التوكيل عقد يبيح التصرف مطلقاً، والإطلاقات مما
تحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت كالطلاق، وبما أن التوكيل إذن في
التصرف فهو يشبه الوصية(٢).
وقال الإمام الشافعي في الأصح من مذهبه : لا يصح تعليق الوكالة بشرط من
صفة أو وقت ، مثل: إن جاء زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا . ودليله أن
التوكيل عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح تعليقه على شرط كسائر العقود من
بيع وإجارة. ويخالف الوصية لأنها لا يؤثر فيها غرر الجهالة، فلا يؤثر فيها غرر
الشرط ، فتقبل التعليق . أما الوكالة فتؤثر الجهالة في إبطالها فيؤثر غرر الشرط
فيها ، فلا تقبل التعليق . لكن لو تصرف الوكيل في هذه الحالة صح تصرفه لوجود
الإذن، وإن كان العقد فاسداً ، وحينئذ إذا كان وكيلاً بأجر سقط المسمى ، ووجب له
أجر المثل ، لأنه عمل في عقد فاسد لم يرض فيه بغير بدل، فوجب أجر المثل كالعمل
في الإجارة الفاسدة(٤). وإذا نجز الوكالة وشرط للتصرف شرطاً جازاتفاقاً، مثل:
الدور عند المناطقة: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه ، وسمت وكالة دورية لدورانها على العزل .
(١)
(٢)
غاية المنتهى : ١٥٦/٢
(٣)
البدائع: ٢٠/٦، غاية المنتهى : ١٤٧/٢.
مغني المحتاج : ٢٢٣/٢، المهذب: ٢٥٠/١ .
(3)
- ٧٣ -

وكلتك بشراء شيء، ولكن لا تشتره إلا بعد شهر.
تأقيت الوكالة : اتفق الفقهاء على صحة تأقيت الوكالة بزمن معين كشهر أو
سنة ؛ لأن الوكالة حسب الحاجة .
الوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر وبغير أجر؛ لأن النبي صَ لّ كان يبعث
عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمولة (١)، ولهذا قال له أبناء عمه: ((لو بعثتنا على
هذه الصدقات ، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب ما يصيبه الناس)) أي
العمولة ، ولأن الوكالة عقد جائز لا يجب على الوكيل القيام بها، فيجوز أحد الأجرة
فيها ، بخلاف الشهادة ، فإنها فرض يجب على الشاهد أداؤها .
فإن كانت الوكالة بغير أجرة فهي معروف من الوكيل، وإذا كانت الوكالة بأجر
أي ( بجعل) فحكمها حكم الإجارات، فيستحق الوكيل الجُعْل بتسليم ما وكل فيه إلى
الموكل إن كان مما يمكن تسليمه كثوب يخيطه، فمتى سلمه مخيطاً، فله الأجر. وإن وكل
في بيع أو شراء أو حج استحق الأجر، إذا عمله؟ وإن لم يقبض الثمن في البيع(١).
وفي الوكالة بأجر يجوز للموكل أن يشترط على الوكيل ألا يخرج نفسه منها إلا
بعد أجل محدود ، وإلا لما كان عليه التعويض .
5
عموم الوكالة وتخصيصها : تصح الوكالة العامة عند الحنفية والمالكية(٢)؛
(١) قال ابن حجر: هذا مشهور، ففي الصحيحين عن أبي هريرة: بعث النبي ◌ُ ◌ّ العاة على الصدقة، وفيهما
عن أبي حميد الساعدي: استعمل النبي ◌ُّ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية، وفيها عن عمر: أنه
استعمل ابن السعدي. وعند أبي داود أن النبي ◌ُّ بعث أبا مسعود ساعياً، وفي مسند أحمد أنه بعث أبا
جهم بن حذيفة متصدقاً ، وفيه من حديث قرة بن دعموص بعث الضحاك بن قيس ساعياً ، وفي المستدرك أنه
بعث قيس بن سعد ساعياً، وفيه من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ◌ُ ◌ّ بعثه على أهل الصدقات ،
وبعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ساعياً (راجع التلخيص الحبير: /١٧٦، ٢٥١، ٢٧٥ ) .
(٢)
المغني: ٨٥/٥ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢/٦، القوانين الفقهية:/٣٢٩ :
تكملة رد المحتار : ٣٥٧/٧ ، بداية المجتهد : ٣٠٢/٢
(٣)
- ٧٤ -

لأنها تجوز في كل ما يملكه الموكل وفي كل ما تصح فيه النيابة من التصرفات المالية
وغيرها . وقال الشافعي والحنابلة(١): لا تصح الوكالة العامة؛ لما فيها من عظيم الغرر.
واتفق الفقهاء على جواز الوكالة الخاصة، وهو الأصل الغالب فيها .
مشروعية الوكالة : الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب :
فقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بوَرِقكم هذه إلى المدينة،
فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه﴾، وهذه وكالة في الشراء وقوله عز
وجل: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ وقوله سبحانه: ﴿اذهبوا
بقميصي هذا) وقوله حكاية عن سيدنا يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾.
وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ﴾ أي السعاة
والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة ، فالله سبحانه جوز العمل على
الصدقات، وهو بحكم النيابة عن المستحقين .
وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: ((أنه وحَّ بعث السعاة
لأخذ الزكاة))، ومنها: ((توكيله ◌ّ لّ عمرو بن أمية الضري في نكاح أم حبيبة بنت
أبي سفيان))(٢) ومنها ((توكيله أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحارث))(٣) ومنها
(١)
تحفة المحتاج: ٢٠٨/٥، كشاف القناع: ٤٧١/٣ ، مغني المحتاج : ٢٢١/٢
رواه أبو داود في سننه : ٤٦٨/١ ، وقال البيهقي في المعرفة : روينا عن أبي جعفر محمد بن علي أنه حكى ذلك
(٢)
ولم يسنده البيهقي في المعرفة ، وكذا حكاه في الخلافيات بلا إسناد ، وأخرجه في السنن من طريق ابن
اسحق، حدثني أبو جعفر، قال: بعث رسول الله عَّ عمرو بن أمية الضري إلى النجاشي ، فزوجه أم
حبيبة ، ثم ساق عنه أربعمائة دينار .. (راجع التلخيص الحبير: ص٢٥١ وما بعدها ) .
(٣)
رواه مالك في الموطأ والشافعي عنه وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن سليمان بن يسار أن النبي محمد السّ
((بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث، وهو بالمدينة قبل أن يخرج)) أي إلى
الحج ، قال ابن تيمية في منتقى الأخبار: وهو دليل على أن تزوجه بها قد سبق إحرامه ، وأنه خفي على ابن
عباس ( راجع التلخيص الحبير: / ٢٥٢ ، نيل الأوطار : ٢٦٩/٥).
- ٧٥ -

((توكيله حكيم بن حزام بشراء الأضحية، وتوكيله عروة البارقي في شراء الشاة))(١).
ومنها خبر البخاري في التوكيل بإعطاء بعير سداداً لدين رجل ، وقوله عليه السلام:
((إن خياركم أحسنكم قضاء))
وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الوكالة، ولأن الحاجة داعية إليها ،
فإن الشخص قد يعجز عن قيامه بمصالحه كلها (٢)، فكانت جائزة لأنها نوع من أنواع
التعاون على البر والتقوى .
المبحث الثاني - شرائط الوكالة :
يشترط لصحة الوكالة شروط في العاقدين وفي محل العقد .
والعاقدان هما: الموكل والوكيل، والموكل يجوز أن يكون غائباً أو امرأة أو
مريضاً بالاتفاق ، أو حاضراً صحيحاً خلافاً لأبي حنيفة . والوكيل : كل من جازله
التصرف لنفسه في شيء، جازله أن ينوب فيه عن غيره ، إلا أنه لا يجوز توكيل العدو
على عدوه . ولا يجوز عند المالكية توكيل الكافر على بيع أو شراء أو عقد سلم لئلا
يفعل الحرام، ولا توكيله على قبض من المسلمين لئلا يستعلي عليهم .
أما شرط الموكل : فهو أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه، وتلزمه
أحكام ذلك التصرف. فلا يصح التوكيل من المجنون والصبي غير المميز لعدم وجود
(١) توكيل حكيم بن حزام صحيح: رواه أبو داود والترمذي عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام ، وفيه
أن الرسول مَّه قال له: ((ضح بالشاة، وتصدق بالدينار)» وقصة توكيل عروة البارقي صحيحة أيضاً رواها
أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن شبيب بن غرقدة السلمي الكوفي عن
عروة بن أبي الجعد البارقي، وفيه أن النبي مؤ لّ ((دعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه))
( راجع جامع الأصول: ٢٨٩/١٢، نصب الراية: ٩٠/٤، التلخيص الحبير: / ٢٥١، نيل الأوطار: ٢٧٠/٥) .
المغني : ٧٩/٥، تكملة فتح القدير: ٣/٦، مغني المحتاج: ٢١٧/٢، المهذب: ٣٤٨/١، المبوط: ٢/١٩ وما
بعدها .
(٢)
- ٧٦ -

العقل الذي هو من شرائط الأهلية ، ولأنه لا تلزمهما أحكام التصرفات، كما لا يصح
التوكيل من الصبي المميز بما لا يملكه بنفسه من التصرفات كالطلاق والهبة والصدقات
ونحوها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً به . أما التصرفات النافعة نفعاً محضاً
كقبول التبرعات ، فيجوز للصبي المميز التوكيل بها. وأما التصرفات المترددة بين
النفع والضرر كالبيع والإجارة : فإن كان المميز مأذوناً في التجارة يصح منه التوكيل
بها، لأنه يملكها بنفسه، وإن كان ممنوعاً من التصرفات ينعقد التوكيل منه موقوفاً
على إجازة وليه، وعلى إذن وليه بالتجارة أيضاً (١).
وقال الإمام الشافعي : لا يصح توكيل الصبي مطلقاً، إذ لا تصح عنده مباشرته
لأي تصرف. وهذا هو رأي المالكية والحنابلة (٣).
واكتفى أبو حنيفة باشتراط أن يكون التوكيل حاصلاً بما يملكه الوكيل، وبناء
عليه يجوز عنده توكيل المسلم ذمياً بشراء الخمر والخنزير.
وأما شروط الوكيل : فهو أن يكون عاقلاً أي يعقل العقد بأن يعرف مثلاً
أن البيع سالب والشراء جالب، ويعرف الغبن اليسير من الغبن الفاحش، فلا تصح
وكالة المجنون والصبي غير المميز. أما الصبي المميز فتصح وكالته عند الحنفية سواء أكان
مأذوناً في التجارة أم محجوراً .
وقد اشترط هذا الشرط ؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في العبارة، فلا بد من
أن يكون من أهل العبارة، وأهلية العبارة لا تكون إلا بالعقل والتمييز، وقد زوج
ابن أم سلمة - وكان صبياً - النبي ◌ُ التّ .
وقال الشافعي والمالكية والحنابلة : وكالة الصبي غير صحيحة ؛ لأنه غير مكلف ،
فلا تصح مباشرته التصرف لنفسه، فلا يصح توكله، وأجاز الشافعية على الصحيح
(١)
البدائع : ٢٠/٦، تكملة فتح القدير: ١٢/٦، ١٣٤
(٢)
مغني المحتاج : ٢١٧/٢. المهذب : ٣٤٩/١، الفقه على المذاهب الأربعة: ٢٣٦/٣ وما بعدها .
- ٧٧ -

توكيل الصبي المميز في الإذن بدخول دار وإيصال هدية وحج وتطوع وذبح ضحية
وتفرقة زكاة .
٢ - ويشترط عند الحنفية أيضاً: أن يكون الوكيل قاصداً العقد، بألا يكون
هازلاً ، وأن يعلم بالتوكيل في الجملة ، فلو وكل رجلاً ببيع كتابه، فباعه الوكيل من
رجل قبل أن يعلم بالوكالة، لا يجوز بيعه، حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد علمه
بالوكالة ؛ وعلم الوكيل بالوكالة يثبت بالمشافهة أو الكتابة إليه، أو بإرسال رسول
إلیه، أو پاخبار رجلين أو رجل واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل(١).
٣ - أن يكون الوكيل معيناً إما بنسبة أو إشارة إليه، فلو وكل أحد رجلين لم
تصح الوكالة للجهالة . وأن يكون عالماً بموكله بوصف له أو شهرة(٢).
وأما شروط الموكل به فهي :
١ - ألا يكون الموكل فيه من الأمور المباحة: فلا يصح لإنسان أن يوكل غيره
بالاحتطاب والاحتشاش واستقاء الماء واستخراج المعادن كالنحاس والرصاص
والجواهر، فإذا حصل التوكيل في شيء مما ذكر فهو الوكيل، وليس للموكل فيه
شيء . وهذا الشرط عند الحنفية ، وأجاز الجمهور في الأظهر عند الشافعية التوكيل في
هذه الأمور، ويقسم بينهم على قدر أجر كل منهم بلا ترجيح بينهم لحصوله بمنافع
.. (٣)
مختلفة(٣) .
٢ - أن يكون الموكل به مملوكاً للموكل : لأن ما لا يملكه لا يتصور تفويض
التصرف به لغيره ، وهذا متفق عليه .
البدائع ، المرجع السابق: ٢٠ وما بعدها، المبسوط: ١٩ / ١٥٨ وما بعدها، رد المحتار: ٤ / ٤١٧، مغني
(١)
المحتاج : ٢ / ٢١٨ .
البدائع، المرجع السابق، الدسوقي: ٣ / ٣٧٨، مغني المحتاج: ٢ / ٢١٩، كشاف القناع: ٣ / ٤٥٠ .
(٢)
الفتاوى الهندية: ٣ / ٤٤٠، مغني المحتاج: ٢ / ٢٢١، روضة الطالبين: ٤ / ٢٩١، المغني: ٥ / ٨١ .
(٣)
- ٧٨ -

٣ - أن يكون معلوماً من بعض الوجوه بحيث لا يعظم الغرر فيه، وهذا شرط
للشافعية .
٤ - ألا يكون الموكل فيه طلب قرض من الغير، فإذا وكل إنسان غيره في أن
يقترض له من شخص مالاً ، فقال الوكيل : أقرضني كذا، فأقرضه، كان القرض
للوكيل لا للموكل، لكن يصح ذلك بطريق الرسالة، بأن يقول: أرسلني فلان
ليستقرض كذا .
٥ - أن يكون قابلاً للنيابة شرعاً: وهو كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية
وغيرها ، فلا تصح الوكالة في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من
الحدث ؛ لأن المقصود منها الابتلاء والاختبار بإتعاب النفس، وهو لا يحصل
بالتوكيل ، ولا يصح التوكيل باليمين ؛ لأن المقصود منها إظهار صدق الحالف وتعتمد
على الإجلال والتعظيم والعبودية لله تعالى، وهذا أمر شرعي ، ولا يصح التوكيل
بالنكاح بمعنى الوطء ؛ لأن المقصود به الإعفاف وإنجاب ولد ينسب إليه .
وتجوز الوكالة عند الجمهور في العبادات التي لها تعلق بالمال قبضاً وإخراجاً
ودفعاً إلى المستحق كالزكاة والكفارة والنذر والصدقة والحج والعمرة عند العجز وبعد
الموت ، وذبح الهدي وجبران النقص في الإحرام بالحج أو العمرة وذبح الأضحية
ونحوها (١)؛ لأن المقصود بها إيصالها لأهلها، ولم يجز المالكية التوكيل بالحج؛ لأن
المقصود به تهذيب النفس وتعظيم شعائر الله (٢)، وأما إنفاق المال فهو أمر عارض.
(١) تكملة ابن عابدين: ٧ / ٢٧١، بداية المجتهد: ٢ / ٢٩٧، مغني المحتاج: ٢ / ٢١٩، المغني: ٥ / ٨٣ ، الشرح
الكبير مع حاشية الدسوقي : ٣ / ٣٧٧ وما بعدها، روضة الطالبين : ٤ / ٢٩٤ .
(٢) وضع الشافعية ضابطاً لما يجوز التوكيل فيه وما لا يجوز، فقالوا : تصح الوكالة إلا في مجهول مطلق ، كأن وكله
في كل قليل وكثير ، وإلا في حمل حد أو قود ، أو قبض في مال ربوي أو رأس مال سلم ، وإلا في وطء ، أو
شهادة ، أو يمين كإيلاء أو لعان، أو إقرار، أو ظهار، أو عبادة إلا نُسكاً من حج أو عمرة، وتفرقة زكاة
وذبح أضحية ( تحفة الطلاب : ص ١٦٩ ).
- ٧٩ -

وقد اختلف الفقهاء في بعض الأمور التي يجوز التوكيل بها ، مما يقتضينا قسمة
ما يجوز التوكيل به وما لا يجوز إلى قسمين : إما أن يكون التوكيل بحقوق الله عز
وجل وهي كل الحدود عند الحنفية، وعند غيرهم ما عدا حد القذف. وإما أن يكون
بحقوق العباد .
أولاً - الوكالة في حقوق الله تعالى : التوكيل في حقوق الله تعالى نوعان :
أحدهما - بالإثبات ، والثاني - بالاستيفاء .
١ - التوكيل بإثبات الحدود: قال الحنفية: إن كان الحد لا يحتاج في إظهاره
عند القاضي إلى الخصومة (أي للدعوى) كحد الزنا وشرب الخمر فلا يصح فيه
التوكيل بإثباته؛ لأنه يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير حاجة إلى رفع
دعوى من صاحب الحق ، فتكفي فيه شهادة الحسبة بدون دعوى . فيتلخص من هذا
أنه يشترط في الموكل فيه ألا يكون حداً من الحدود التي لا يشترط فيها إقامة الدعوى
کحد الزنا وحد شرب الخمر .
وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة (أي إقامة دعوى) كحد السرقة وحد
القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد ، بإقامة البينة على الجريمة
الموجبة للحد . ولا يجوز التوكيل بذلك عند أبي يوسف وإنما لا يثبت إلا بالبينة أو
الإقرار من الموكل، وهذا الخلاف يجري أيضاً في إثبات القصاص ، استدل أبو يوسف
على رأيه؛ وهو أن الوكالة لا تجوز في إثبات الحدود والقصاص بالقياس على عدم جواز
الوكالة بالاستيفاء، فكما لا يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص لا يجوز التوكيل
يإثباتها ؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء .
ورد أبو حنيفة ومحمد على دليل أبي يوسف بأن هناك فرقاً بين الإثبات
والاستيفاء، فإن امتناع التوكيل بالاستيفاء بسبب وجود شبهة كما سنعرف، وتلك
الشبهة غير متوفرة في التوكيل بالإثبات(١).
(١) البدائع: ٦ / ٢١، تكملة فتح القدير: ٦ / ٧، مختصر الطحاوي: ص ١٠٩.
- ٨٠ -