Indexed OCR Text
Pages 741-760
الأجر من غير عمل ؛ لأن الأجير يصبح أجيراً خاصاً؛ والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل ؛ لأن الأجير يصبح أجيراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما ، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان المعقود عليه مجهولاً . وقال الحنابلة: إذا عقدت الإجارة على عمل كبناء حائط ، وخياطة قميص ، وحمل إلى موضع معين ، فإذا كان المأجور مما له عمل ينضبط كالحيوان ، جاز تقدير إجارته بمدة وعمل ؛ لأن المأجور له عمل تتقدر منافعه به . وإن لم یکن المأجورله عمل كالدار والأرض، لم تجز إجارته إلا على مدة، ومتى تقدرت المدة، لم يجز تقدير العمل، لأن الجمع بينهما يزيد الايجار غرراً، لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة ، فإن استعمل المأجور في بقية المدة ، فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض المدة . وقد لا يفرغ الأجير من العمل في المدة ، فإن أتمه بعدها عمل في غير المدة، وإن لم يعمله ، لم يأت بما وقع عليه العقد، وهذا غرر أمكن التحرز عنه(١). وقال المالكية والشافعية في الأصح : لا يجوز في إجارة الأعمال كخياطة الثوب ونحوها الجمع بين الزمان والعمل ، فلا يصح أن يعين زمان الخياطة بأن يقول الشخص للخياط: اليوم أو بعد أسبوع مثلاً، فتفسد الإجارة ؛ لأنه يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم أو الأسبوع، فقد يتقدم العمل أو يتأخر، كما لو أسلم رجل في قفيز حنطة بشرط كون وزنه كذا، لا يصح العقد لاحتمال أن يزيد الوزن أو ينقص. وعلى هذا فالمصلحة ونفي الغرر عن العقد يوجبان بقاء العقد مطلقاً دون تحديد مدة معينة(٢). ٣ - أن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعاً: فلا تجوز إجارة متعذر التسليم حقيقة كإجارة البعير الشارد والأخرس للكلام ، أوشرعاً كإجارة المغني: ٥ ص ٤٠٢ ، غاية المنتهى : ٢ ص ٢٠٢ . (١) (٢) الفروق للقرافي: ٤ ص ١٢، القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٤٠ . - ٧٤١ - الحائض لكنس المسجد، والطبيب لقلع سن صحيحة، والساحر على تعليم السحر. وهذا باتفاق الفقهاء. ولا تجوز إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة وزفر والحنابلة، كأن يؤجر نصيباً من داره، أو نصيبه من دار مشتركة من غير الشريك، سواء أكان النصيب معلوماً كالربع ونحوه ، أم مجهولا ؛ لأن منفعة المشاع غير مقدورة الاستيفاء؛ لأن استيفاءها بتسليم المشاع، والمشاع غير مقدور التسليم بنفسه؛ لأنه سهم شائع ضمن كل ، وإنما يتصور تسليمه مع غيره وهو غير معقود عليه ، فلا يتصور تسليمه شرعاً . وأما الإجارة من الشريك فهي جائزة على الرواية المشهورة عن أبي حنيفة؛ لأن المعقود عليه مقدور الاستيفاء بدون المهايأة ، إذ منفعة كل الدار تحدث مثلاً على ملك المستأجر لكن بسببين مختلفين : بعضها بسبب الملك، وبعضها بسبب الإجارة. وأما الشيوع الطارئ فلا يؤثر على الإجارة في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة أيضاً؛ لأن المانع من جواز العقد وهو الشيوع كان بسبب عدم القدرة على التسليم ، والقدرة على التسليم ليست بشرط لبقاء العقد ودوامه، إذ ليس كل ما يشترط في إنشاء العقد عند ابتدائه يشترط لبقاء العقد (١). وقال الصاحبان وجمهور الفقهاء: تجوز إجارة المشاع مطلقاً من الشريك · وغيره؛ لأن للمشاع منفعة، والتسليم ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ، كما يجوز ذلك في البيع، والإجارة أحد نوعي البيع(٢). ويترتب على اشتراط القدرة على الاستيفاء عند الحنفية مسائل : أ- لو استأجر إنسان طريقاً في دار غيره ليمر فيها وقتاً معلوماً لم يجز عند أبي حنيفة، ويجوز في قول الصاحبين؛ لأن إجارة المشاع فاسدة عند الإمام، وجائزة عند الصاحبين . (١) تكملة فتح القدير مع العناية: ٧ ص ١٨٠، البدائع: ٤ ص ١٨٧، تبيين الحقائق: ٥ ص ١٢٥، رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص ٣٢، غاية المنتهى: ٢ ص ١٩٧، الشرح الكبير: ٤ ص ١٩. (٢) بداية المجتهد: ٢ ص ٢٢٥، الميزان: ٢ ص ٩٦، المهذب: ١ ص ٣٩٥ . - ٧٤٢ - ب- لو استأجر شخص أرضاً فيها رطبة(١) (فصفصة) لمدة سنة مثلا فلا تجوز الإجارة، وإنما تقع فاسدة، لأنه لا يمكن تسليم الأرض إلا بإحداث ضرر، وهو قلع الرطبة، والإنسان لا يجبر على إلحاق الضرر بنفسه، فلم تكن المنفعة مقدورة الاستيفاء شرعاً، فلم تجز. فإن قلع صاحب الأرض الرطبة، وسلم الأرض بيضاء، جاز العقد، لأن المانع قد زال، مثل أن يشتري إنسان جذعاً في سقف إذا نزعه البائع وسلمه إلى المشتري جاز العقد، ويجبر المشتري على القبول في الحالتين . جـ - لو استأجر شخص رجلاً للقيام بالبيع والشراء، فلا تجوز الإجارة ؛ لأن البيع والشراء لا يتم بشخص واحد، بل بعاقدين هما البائع والمشتري، وذلك غير مقدور للشخص ، فتفسد الإجارة على هذه المهمة ، إذ أن الأجير لا يقدر على إيفاء المنفعة بنفسه، والمستأجر لا يقدر بالتالي على الاستيفاء، فصار العقد، كمالواستأجر رجلاً ليحمل خشبة بنفسه، وهو لا يقدر على حملها بنفسه . فإن عين المستأجر للقيام بمهمة البيع والشراء مدة، كأن استأجره شهراً ليبيع له ويشتري، جاز العقد ؛ لأن الإجارة وقعت على منفعة المدة، وهي معلومة . د- لا يصح استئجار الفحل للإنزاء، واستئجار الكلب المعلم، والبازي المعلم للاصطياد ؛ لأن المنفعة غير مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر إذ لا يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال، ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد . هذا رأي جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة(٢)؛ لأن الرسول حط ◌ّ نهى عن عسب الفحل أي أجرة ضرابه (٣). وأجاز الإمام مالك العقد إذا كانت الإجارة الرطبة - بفتح الراء : الفصة ، فإذا يبست فهي قت ( الجت ) . (١) تكملة فتح القدير : ٧ ص ١٧٩، البدائع : ٤ ص ١٨٩، رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص ٣٨ ، المغني : ٥ ص (٢) ٥٠٠، المهذب: ١ ص ٣٩٤ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٥، غاية المنتهى: ٢ ص ١٩٧ . (٣) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن ابن عمر، وروي أيضاً عن عدة من الصحابة مثل أنس وابن عباس وعلي وأبي هريرة. وفي بعض ألفاظه: ((نهى النبي ◌َّم عن ثمن عسب الفحل » (انظر نصب الراية: ٤ ص ١٣٥ ، نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٦ ). - ٧٤٣ - على مدة معلومة تشبيهاً للمذكور بسائر المنافع(١). ٤ - أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة شرعاً: كاستئجار كتاب للنظر والقراءة فيه والنقل منه، واستئجار دار للسكنى فيها، وشبكة للصيد ونحوها . يتفرع على هذا الشرط أنه باتفاق الفقهاء (٢): لا يجوز الاستئجار على المعاصي كاستئجار الإنسان للعب واللهو المحرم وتعليم السحر والشعر المحرم وانتساخ كتب البدع المحرمة، وكاستئجار المغنية والنائحة للغناء والنوح، لأنه استئجار على معصية، والمعصية لا تستحق بالعقد. أما الاستئجار لكتابة الغناء والنوح فهو جائز عند الحنفية فقط ؛ لأن الممنوع عنه نفس الغناء والنوح، لا كتابتها. فالقاعدة الفقهية إذاً: أن ((الاستئجار على المعصية لا يجوز))(٣). وكذلك لا يجوز استئجار رجل لقتل رجل أو سجنه أو ضربه ظلماً أو لأي مظلمة أخرى، لأنه استئجار لفعل المعصية ، فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعاً . فإن كان الفعل بحق كأن استأجر رجل غيره لقطع عضو فيجوز؛ لأنه مقدور الاستيفاء؛ لأن محله معلوم. أما الاستئجار على القصاص فلا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن القتل بضرب العنق قد يصيب العنق فيكون مشروعاً، وقد يصيب غير العنق فيكون محظوراً؛ لأنه مُثْلة بالإنسان . ويجوز العقد عند محمد ؛ لأن القصاص هوحز الرقبة، والرقبة معلومة ، فكان المعقود عليه مقدور الاستيفاء (٤). وكذلك لا يجوز لذمي استئجار دار من مسلم في بلد إسلامية ليتخذها مصلى (١) بداية المجتهد : ٢ ص ٣٢٢ ، القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ . (٢) تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٨٠، البدائع: ٤ ص ١٨٩، تبيين الحقائق للزيلعي: ٥ ص ١٢٥، الشرح الكبير: ٤ ص ٢١ ، بداية المجتهد: ٢ ص ٢١٨، المهذب: ١ ص ٣٩٤، المغني: ٥ ص ٥٠٢ ، القوانين الفقهية : ص ٢٧٥ ، غاية المنتهى : ٢ ص ١٩٦، الفروق للقرافي : ٤ ص ٤ . (٣) الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص ٧٦ . (٤) البدائع : ٤ ص ١٨٩ . - ٧٤٤ _ للناس أو لبيع الخمر أو للقمار؛ لأنه استئجار على المعصية، وهذا رأي جمهور العلماء. وكان أبو حنيفة يجيز الاستئجار للمصلى في سواد العراق؛ لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل ذمة من المجوس، فكان لا يؤدي ذلك إلى الاهانة والاستخفاف بالمسلمين(١). ٥- ألا يكون العمل المستأجر له فرضاً ولا واجباً على الأجير قبل الإجارة : . ويترتب عليه أنه لا تصح الإجارة إذا كانت واردة على القيام بفرض أو واجب على الأجير قبل العقد ؛ لأن من أتى بعمل يستحق عليه لا يستحق الأجرة على فعله، كمن قضى ديناً عليه، فلا تصح الإجارة إذاً على القرب والطاعات كالصلاة والصوم والحج والإمامة والأذان وتعليم القرآن ؛ لأنه في الفرائض استئجار على عمل مفروض، ولأن الاستئجار على الأذان والإقامة والإمامة وتعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة، وعن تعليم القرآن والعلم(٢) وقد روي أن عثمان بن أبي العاص قال: ((إن آخر ما عهد إلى النبي ◌ُّ الّ أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) قال الترمذي: حديث حسن(٢)، وهذا محل اتفاق بين الحنفية والحنابلة. ومن قواعد الحنفية في هذا ((لا يستحق الأجر من استؤجر على الطاعة)) ((الاستئجار لما هو مستحق عليه لا يجوز)) فمن استأجر امرأته شهراً لخدمة البيت لا تجوز هذه الإجارة لأنها مستحقة عليها . (١) البدائع: ٤ ص ١٧٦، المبسوط: ١٦ ص ٣٨ ، المغني : ٥ ص ٥٠٣ . البدائع: ٤ ص ١٩١، المغني: ٥ ص ٥٠٦ وما بعدها، المبسوط: ١٦ ص ٣٧ ، تبيين الحقائق: ٥ ص ١٢٤ ، (٢) رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص ٣٨ ، غاية المنتهى : ٢ ص ٢٠٥، ٢١٧، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ٧٥ ، ٢٨٤، الإفصاح لابن هبيرة: ص ٢٢٦ . أخرجه أصحاب السنن الأربع بطرق مختلفة ، وهذا اللفظ للترمذي وابن ماجه ( راجع نصب الراية : ٤ ص (٣) ١٣٩ ) . - ٧٤٥ _ ثم أفتى المتأخرون من العلماء بجواز أخذ المعلم أجرة المثل في زمانه على تعليم القرآن . وقال الإِمامان مالك والشافعي (١) : تجوز الإجارة على تعليم القرآن لأنه استئجار لعمل معلوم ببدل معلوم ولأن رسول الله مُ تّ («زوج رجلاً بما معه من القرآن))(٣) فجاز جعل القرآن عوضاً، وقد قال رسول الله مطافقال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))(٣) وهو حديث صحيح. وثبت أن أبا سعيد الخدري رقی رجلا بفاتحة الكتاب على جُعْل، فبرئ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به رسول الله عد اله فأخبروه وسألوه فقال: ((لعمري من أُكْل برقيةٍ باطلٍ (أي كلام باطل) فقد أكلتَ برقيةٍ حقٍ ، كلوا واضربوا لي معكم بسهم))(٤). قال صاحب الكنز الحنفي، والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن، وهو مذهب المتأخرة من مشايخ بلخ(٥). وأجاز المالكية أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها قياساً على الأفعال غير الواجبة ، كما أجازوا هم والشافعية الإجارة على الحج لإقرار الرسول عليه السلام حج صحابي عن غيره ، أما الإمامة في الفروض فلا يجوز فيها الإجارة عند الشافعية ، ولا يجوز ذلك بانفرادها عن الأذان في المشهور الشرح الكبير للدردير: ٤ ص ١٦، بداية المجتهد: ١ ص ٢٢١ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٤٤ ، المهذب : ١ ص (١) ٣٩٨، الميزان: ٢ ص ٩٥ ، القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ . : رواه البخاري ومسلم وأحمد ولفظه ((قد زوجتكها بما معك من القرآن» ( انظر نيل الأوطار: ٦ ص ١٧٠ ). (٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب عن ابن عباس وروي في معناه أحاديث كثيرة ( انظر نصب الراية : ٤ ص (٣) ١٣٩، مجمع الزوائد: ٤ ص ١٤ ،سبل السلام: ٣ ص ٨١). رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري ، ورويت واقعة أيضاً عن خارجة بن (٤) السلط عن عمه ، كما رويت أخرى عن جابر ( انظر نصب الراية: ٤ ص ١٣٨، نيل الأوطار: ٥ ص ٢٨٩ ، ٢٩١، مجمع الزوائد : ٤ ص ٩٦ ). (٥) تبيين الحقائق: ٥ ص ١٢٤. - ٧٤٦ - عند المالكية (١). ويجوز بالاتفاق الاستئجار على تعليم اللغة والأدب والحساب والخط والفقه والحديث ونحوها وبناء المساجد والقناطر والرباطات ؛ لأنها ليست بفرض ولا بواجب . وقد تقع قربة تارة ، وتارة غير قربة . ولا يجوز عند الحنفية الاستئجار على غسل الميت ؛ لأنه واجب، ويجوز على حفر القبور، وعلى حمل الجنائز. وأجاز الشافعية الإجارة لتجهيزميت ودفنه. والتجهيز يشمل الغسل والتكفين ؛ لأن ذلك من فروض الكفايات، ولا يضر طروء تعين الواجب كالمضطر، فإنه يتعين إطعامه مع تغريمه البدل . ولا يجوز استئجار الرجل الزوجة على رضاع ولده منها؛ لأنه استئجار على خدمة الولد، وإنما اللبن يدخل فيه تبعاً ، فكان الاستئجار على أمر واجب عليها فيا بينها وبين الله تعالى(٢). ٦- ألا ينتفع الأجير بعمله: فإن كان ينتفع به لم يجز(٢) ، فلا تصح الإجارة على الطاعات ؛ لأن القائم بها عامل لنفسه، كما لا يصح استئجار رجل ليطحن لآخر قفيزاً من حنطة بجزء من دقيقها ، أو ليعصر له قفيزاً من سمسم بجزء معلوم من دهنه، لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر، فيكون عاملاً لنفسه، وقد روي أن انظر سبل السلام: ٢ ص ١٨١، ١٨٤، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٤٤، الفروق للقرافي: ٣ ص ٢ ، الوسيط في (١) الأصول للمؤلف : ص ٣٧٩ ط أولى . (٢) البدائع : ٤ ص ١٩٢ . قال الشافعية : الإجارة للقرآن على القبر مدة معلومة، أو قدراً معلوماً، جائزة ، للانتفاع بنزول الرحمة حيث (٣) يقرأ القرآن ، ويكون الميت كالحي الحاضر، سواء أعقب القرآن الدعاء ، أم جعل أجر قراءته له ، أم لا ، فتعود منفعة القرآن إلى الميت في ذلك ، ولأن الدعاء يلحقه ، وهو بعدها أقرب إلى الاجابة وأكثر بركة . فقول الشافعي رضي الله عنه: إن القراءة لا تحصل له محمول على غير ذلك ( مغني المحتاج: ٣٤١/٢). - ٧٤٧ _ رسول الله صَ لّ وسلم نهى عن قفيز الطحان(١) وهو أن يعطي الرجل الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها . وهذا هو رأي الشافعية أيضاً(٢) عملاً بالنهي في هذا الحديث، ولأن فيه نقضاً لشرط من شرائط الإجارة وهو القدرة على تسليم الأجر وقت التعاقد . فالقاعدة المقررة عند الحنفية في هذا الشأن هي: ((تعيين الأجر مما يعمل فيه الأجير مفسد للعقد)». وقال الحنابلة والمالكية : يجوز ذلك إذا كان الكيل معلوماً، والحديث لم تثبت صحته عنده(٣). ومنه : ما يتعامل به الزراع في الريف من إعطاء بعض القمح لدارسه أو حامله فقد أجازه الحنابلة . ٧ - أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة، ويجري بها التعامل بين الناس، فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب(٤) عليها (١) رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: (( نهى رسول الله ◌ُ ◌ّم عن عسب الفحل (أي كرائه) وعن قفيز الطحان )» وفسر قوم قفيز الطحان بطحن الطعام بجزء منه مطحوناً لما فيه من استحقاق طحن قدر الأجرة ، لكل واحد منهما على الآخر ، وذلك متناقض ( راجع نيل الأوطار: ٥ ص ٢٩٢ ، التلخيص الحبير: ص ٢٥٥) . البدائع، المصدر السابق ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٥ ، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص ٧٨ . المغني : ٥ ص ٤٤٩ ، الشرح الكبير للدردير: ٤ ص ٦ ، القوانين الفقهية: ص ٢٧٤ وما بعدها . (٢) (٣) (٤) ذكر القرافي المالكي في الفروق (٣/٤ - ٤) ثمانية شروط في المنفعة التي تجوز عليها الإجارة وهي: الأول - الإباحة : احترازاً من الغناء وآلات الطرب ونحوها . الثاني - قبول المنفعة للمعاوضة، احترازاً من النكاح . الثالث - كون المنفعة متقدمة ، احترازاً من التافه الحقير الذي لا يقابل بعوض . واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب ، فمنعه ابن القاسم . الرابع - تكون مملوكة ، احترازاً من الأوقاف الموقوفة للسكنى كبيوت المدارس ، الخامس - ألا يتضمن استيفاء عين، احترازاً من اجارة الأشجار لثمارها أو الغنمة لنتاجها ، واستثني من ذلك إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة . السادس - أن يقدر على تسليها ، احترازاً من استئجار الأخرس . السابع - أن تحصل للمستأجر احترازاً من الاستئجار على العبادات كالصوم ونحوه . الثامن - كونها معلومة احترازاً عن المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها . - ٧٤٨ - والاستظلال بها؛ لأن هذه منفعة غير مقصودة من الشجر(١). وأما شرط المحل المعقود عليه: فهو أن يكون مقبوضاً إذا كان منقولا ، وإن لم يكن مقبوضاً فلا تصح إجارته لنهي النبي ◌ُ ◌ّم عن بيع ما لم يقبض (٢)، والإجارة نوع من البيع فيشلها النھي(). فإن كان الشيء المؤجر عقاراً فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في مبحث البيع الفاسد . وأما شروط الأجرة فهي (٤): أولاً - أن تكون الأجرة مالاً متقوماً معلوماً: وهذا باتفاق العلماء. ومحترزات هذا الشرط معروفة كما مر في عقد البيع. والأصل في اشتراط العلم بالأجرة قول النبي ◌ُ التّ: ((من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)) والعلم بالأجرة لا يحصل إلا بالإشارة والتعيين ، أو بالبيان(٥). ولا بد من معرفة مكان إيفاء الأجرة فيما يحتاج لحمل ومؤنة عند أبي حنيفة . وأما عند الصاحبين: فلا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للإيفاء(٦). ومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة أنه لو استأجر إنسان شخصاً بأجر معلوم (١) البدائع ، المصدر السابق . في هذا أحاديث منها ما رواه أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَ اهل إذا ابتعت طعاماً (٢) فلا تبعه حتى تستوفيه ( انظر نيل الأوطار: ٥ ص ١٥٧ وقد سبق ذكر بعض رواياته ) ومنها ما أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: (( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه )) ( انظر جامع الأصول : ١ ص ٣٨٣ وما بعدها ) . (٣) البدائع : ٤ ص ١٩٣ . (٤) البدائع ، المصدر السابق : ١٩٣ - ١٩٤ . (٥) تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٤٨، ١٨٧ ، البدائع : ٤ ص ١٩٣ ، المغني : ٥ ص ٤٠٤ . (٦) المبسوط : ١٥ ص ١١٣ . - ٧٤٩ - وبطعامه، أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها ، لم تجز الإجارة؛ لأن الطعام أو العلف يصير أجرة ، وهو قدر مجهول، فكانت الأجرة مجهولة . وأجاز المالكية استئجار الأجير للخدمة ، والدابة ونحوها بالطعام والكسوة ونحوها عملاً بالمتعارف بين الناس(١). استئجار الظئر: ولو استأجر شخص ظئراً (مرضعاً) بطعامها وكسوتها لا تجوز الإجارة بمقتضى الأخذ بالقياس: وهو قول الصاحبين، لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة، إلا أن أبا حنيفة استحسن الجواز بالنص: وهو قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) فقد نفى الله سبحانه الجناح في الاسترضاع مطلقاً. وجهالة الأجرة في تلك الحالة لا تفضي إلى المنازعة ؛ لأن العادة جرت بالمسامحة مع الأظار والتوسعة عليهن شفقة على الأولاد، فأشبهت حالة جهالة القفيز من الصبرة(٣). وبهذا الرأي قال المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً(٢). كون الأجرة جزءاً من المعقود عليه : قال الجمهور: تفسد الإجارة لو استأجر السلاخ بالجلد، والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق ؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليماً أو لا ، وهل هو ثخين أو رقيق، وما مقدار الطحين، فقد تكون الحبوب مسوسة، فلا تصح الإجارة لجهالة العوض(4)، ولأنه مُلآ نهى عن عَسْب الفحل وعن قفيز الطحان(٥)، وأجازه المالكية(٦) لأنه استأجره على جزء من الطعام (١) القوانين الفقهية : ص ٢٧٤ . تكملة فتح القدير: ٧ ص ١٨٥، البدائع : ٤ ص ١٩٣ وما بعدها ، المبسوط: ١٥ ص ١١٩ ، تبيين الحقائق : (٢) ٥ ص ١٢٧ . (٣) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه : ٤ ص ١٣ ، الفروق للقرافي: ٤ ص ٤، مغني المحتاج : ٢ ص ٣٣٥، غاية المنتهى : ٢ ص ١٩٢، المغني لابن قدامة: ٥ ص ٤٥٠، ٤٥٣ . (٤) المغني : ٤٠٥/٥ . رواه الدارقطني عن أبي سعيد ( نيل الأوطار: ٢٩٢/٥) . (٥) بداية المجتهد : ٢٢٢/٢ وما بعدها . (٦) - ٧٥٠ _ معلوم، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضاً، وأجابوا عن الحديث بأن مقدار القفيز مجهول . ووافق الهادوية والإمام يحيى من الزيدية والمزني والحنابلة مذهب المالكية إذا كانت الأجرة بقدر من الدقيق معلوم . مقابل الخلو: إن ما يؤخذ اليوم مما يسمى ((بالفروغ أو خلو الرجل أو اليد)) لا مانع منه شرعاً في تقديرنا، فللمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقداراً مقطوعاً من المال مقابل الخلو أو الفروغ. ويعد المأخوذ جزءاً معجلاً من الأجرة المشروطة في العقد. وأما ما يدفع في المستقبل شهرياً أو سنوياً فهو بالإضافة إلى ما تم تعجيله يعد جزءاً آخر مكملاً من الأجرة مؤجل الوفاء. وأما ما يأخذه المستأجر من الفروغ مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار المأجور لشخص آخر يحل محله فهو جائز أيضاً، فقد صرح الشافعية أثناء كلامهم عن صيغة عقد البيع بما يقارب هذا المعنى فقالوا: ((لا يبعد اشتراط الصيغة في نقل اليد في الاختصاص -أي عند التنازل عن حيازة النجاسات لتسميد الأرض - كأن يقول: رفعت يدي عن هذا الاختصاص، ولا يبعد جواز أخذ العوض عن نقل اليد، كما في النزول عن الوظائف)»(١) إلا أن ذلك كله مقيد شرعاً ضمن مدة الايجار المتفق عليها، وتنازل المستأجر لغيره بعوض مرهون برضا المالك. وبالرغم من أن أصل المذهب الحنفي لا يجيز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة، وكذا لا يجوز بيع الحق، فإن كثيراً من الحنفية أفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها ، وتستند هذه الفتوى إلى الضرورة وتعارف الناس وبالقياس على ترك المرأة قَشْمها لصاحبتها؛ لأن كلاً منهما مجرد إسقاط للحق، وقياساً على أنه يجوز لمتولي النظر على الأوقاف عزل نفسه عند القاضي، ومن العزل: الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وقد جرى العرف بالفراغ بعوض(٣). حاشية البجيرمي على شرح الخطيب ((الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع)): ٣ ص ٣ ، مطبعة البابي الحلبي . (١) (٢) ٠ الدر المختار ورد المختار : ٤ ص ١٥ . الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٨) - ٧٥١ - هذا وقد وجدت رسالة للمتأخرين من علماء المالكية بعنوان ((جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات(١) عند التونسيين)» لمفتي المالكية إبراهيم الرياحي بتونس (المتوفى سنة ١٢٦٦ هـ) والشيخ محمد بيرم الرابع التونسي ، والشيخ الشاذلي بن صالح باس مفتي المالكية بتونس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس يقررون فيها جواز المعاوضة عن الخلوات عملاً بالعرف والعادة، ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة وبغير عوض كالإعارة(٢)، فقد نقل البناني عن البرزلي في النزول عن الوظيفة ما يقتضي جوازه، ونقل فتوى الفاسيين بجواز بيع الخلو. وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحصل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة . ثانياً - ألا تكون الأجرة منفعة هي من جنس المعقود عليه: كإجارة السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة، والركوب بالركوب، والزراعة بالزراعة. وهذا الشرط متفرع عند الحنفية على الربا، فإنهم يعتبرون اتحاد الجنس وحده صالحاً لتحريم العقد في ربا النسيئة، كما عرفنا في بحث الربا. وتطبيق المبدأ في الإجارة: هو أن انعقاد هذا العقد عندهم ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المنفعة، فتكون المنفعة وقت العقد معدومة، فيتأخر قبض أحد العاقدين، فيتحقق ربا النساء(٣) .. وقد عرفنا أن الجنس بانفراده لا يحرم العقد بسبب الربا عند الشافعية، فيجوز هذا العقد عندهم، ولا يشترط هذا الشرط . ١) الخلو والإنزال والجلسة بمعنى واحد: وهو المنفعة التي يملكها دافع الدراهم لمالك الأصل مع بقاء ملكه للرقبة. فإن كانت الرقبة التي هي الأصل أرضاً عبر عن تلك المنفعة بالإنزال في اصطلاح بعض الناس. وإن كانت في حوانيت أو دور عبر عنها بالخلو في غير اصطلاح أهل فاس ، وفي اصطلاحهم يعبر عنها في الحوانيت بالجلسة . (٢) راجع الفروق للقرافي : ١٨٧/١ . (٣) انظر البدائع : ٤ ص ١٩٤ . - ٧٥٢ - وأما الشرط العائد لركن العقد : فهو أن يخلو العقد من شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه: فلو آجر المالك داره على أن يسكنها هو شهراً، ثم يسلمها إلى المستأجر، أو أجر أرضاً على أن يزرعها، ثم يسلمها إلى المستأجر، أو أجر دابة على أن يركبها شهراً ونحوه، فالإجارة فاسدة؛ لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه؛ إذ أن فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين مشروطة في العقد، لا يقابلها عوض، فتكون ربا ، أو فيها شبهة الربا ، وهو مفسد للعقد(١). شروط لزوم الإجارة : يشترط لبقاء عقد الإجارة لازماً شرطان : أولهما - سلامة العين المؤجرة عن حدوث عيب يخل بالانتفاع بها : ويترتب عليه أنه لو حدث عيب يخل بالانتفاع (٢)، فيكون المستأجر بالخيار بين الإبقاء على الإجارة ودفع كامل الأجرة وبين فسخها ، كما إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج أوانهدم بعض بناء الدار (٣)؛ لأن المعقود عليه وهو المنافع يحدث شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب بالشيء المستأجر كان هذا عيباً قبل القبض ، فيوجب الخيار كما في عقد البيع(٤) . فإذا انهدمت الدار كلها أو انقطع الماء عن الرحى (الطاحون) أو انقطع الشّرْب البدائع : ٤ ص ١٩٤ وما بعدها . (١) العيب الذي يخل بالانتفاع : هو الذي يفوت كلياً على المستأجر المنفعة المقصودة من المأجور كانهدام الدار ، أو (٢) يخل بها على وجه صحيح كهبوط سطح الدار ( انظر المادة ٥١٤ مجلة ) . هذا ما يراه بعض الحنفية ومشى عليه صاحب الدر المختار، لكن قال ابن الشحنة : ظاهر الرواية أنه لا يسقط (٣) من الأجر شيء بانهدام بيت أو حائط من دار . البدائع، المصدر السابق: ص ١٩٥، تكملة فتح القدير : ٧ ص ٢٢٠ ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٤٣. (٤) - ٧٥٣ - عن الأرض انفسحت الإجارة؛ لأن المعقود عليه قد هلك، والهلاك موجب لفسخ العقد ؛ إلا أن الأصح عند الحنفية هو أن العقد لا ينفسخ ولكن يثبت حق الفسخ، لأن المعقود عليه قد فات على وجه يتصور عوده، فصار کمن اشترى شيئاً فهرب قبل القبض، ويمكنه الانتفاع في المأجور في الجملة بأن يضرب فيه خية. وإن زال العيب قبل أن يفسخ المستأجر عقد الإجارة بأن صح المريض ، وزال العرج عن الدابة وبنى المؤجر ما سقط من الدار، بطل خيار المستأجر بالفسخ؛ لأن الموجب للخيار قد زال، والعقد قائم ، فيزول الخيار. وحق الفسخ يثبت للمستأجر إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع ؛ لأن النقصان حينئذ يرجع للمعقود عليه. فإن كان العيب مما لا يضر بانتفاع المستأجر كسقوط حائط من الدار لا ينتفع فيه في سكناها فلا يثبت حق الفسخ . والمستأجر يمارس الفسخ إذا كان المؤجر حاضراً أثناء الفسخ، فإن كان غائباً فحدث بالشيء المستأجر ما يوجب الفسخ، فليس للمستأجر الفسخ؛ لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامها. أما في حالة سقوط الدار أو انهدامها فللمستأجر أن يخرج منها ، سواء أكان المؤجر حاضراً أم غائباً، وهذا دليل الانفساخ . ويثبت أيضاً للمستأجر حق الفسخ بحدوث تفرق الصفقة في المنافع بعد حصولها مجتمعة ؛ لأن الصفقة تفرقت في المعقود عليه وهو المنافع، وتفرق الصفقة يوجب الخيار. مثاله أن يستأجر شخص دارين صفقة واحدة، فتسقط إحداهما ، أو يطرأ مانع يمنع المستأجر من إحداهما، أو أن يستأجر شخص داراً واحدة ثم يمتنع المؤجر عن تسليم بيت منها ، فيحق للمستأجر فسخ العقد لتجزئة الصفقة عليه (١). (١) البدائع : ٤ ص ١٩٦ وما بعدها . - ٧٥٤ - ثانيهما - عدم حدوث عذر يجيز فسخ الإجارة : كما إذا حدث عذر بأحد العاقدين أو بالشيء المأجور فيحق للمتعاقد فسخ العقد. وسنبين فيما يلي الأعذار التي تفسخ الإجارة بها . أعذار فسخ الإجارة : تفسخ الإجارة بالأعذار عند الحنفية ؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو ما يكون عارضاً يتضرر به العاقد مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. قال ابن عابدين : كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله یثبت له حق الفسخ(١). وقال جمهور العلماء: الإجارة عقد لازم كالبيع ، فلا تفسخ كسائر العقود اللازمة من أي عاقد بلا موجب كوجود عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة. وعبارة الشافعية هي : لا تنفسخ الإجارة بعذر كتعذر وقود (بفتح الواو) حمام على مستأجر، وسفر عرض لمستأجر دار مثلاً، ومرض مستأجر دابة لسفر عليها، إذ لا خلل في المعقود عليه ، والاستنابة من كل منهما ممكنة، وإنما تنفسخ الإجارة فقط عند فوات المعقود عليه وهو المنفعة كانهدام الدار وموت الدابة والأجير المعينين . والفسخ بالنسبة للمستقبل لا في الزمن الماضي، أو عند وجود عيب في الشيء المؤجر مثل جموح الدابة أو نفورها، أو كونها عضوضاً، أو تعثر الظهر في المشي، أو العرج أو ضعف البصر أو الجذام أو البرص(٣). (١) رد المحتار: ٥ ص ٥٥ . (٢) مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥٥ وما بعدها، المهذب: ١ ص ٤٠٥، بداية المجتهد: ٢ ص ٢٢٧ ، المغني : ٥ ص - ٤١٨، غاية المنتهى: ٢ ص ٢٠٩. - ٧٥٥ _ وقد قسم الحنفية الأعذار الموجبة للفسخ إلى ثلاثة أنواع (١): ١ - عذر من جانب المستأجر: مثل إفلاس المستأجر، أو انتقاله من الحرفة إلى الزراعة أو من الزراعة إلى التجارة، أو من حرفة إلى أخرى ؛ لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، لا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلاً . ومثله السفر أي انتقال المستأجر عن البلد؛ لأن في إبقاء العقد مع السفر ضرراً به . ویترتب عليه أنه إذا لم يحصل النفع للمستأجر إلا بضرر يلحقه في ملكه أو بدنه فله فسخ الإجارة ، کما إذا استأجر شخص رجلاً لتنظيف ثياب وکیها ، أو خياطتها ، أو داراً له، أو ليقطع شجراً أو ليزرع أرضاً، أو ليحدث في ملكه شيئاً من بناء أو حفر أو ليحتجم أو يفتصد أو يقلع ضرساً له، ونحوه، ثم بدا له ألا يفعل، فله أن يفسخ الإجارة، ولا يجبر على شيء مما ذكر؛ لأنه تبين له ألا مصلحة له في العمل، فبقي الفعل ضرراً في نفسه . ٢ - عذر من جانب المؤجر: مثل لحوق دين فادح به لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار، أو ثبت عقد الإجارة بالبينة، وكذا بالإقرار عند أبي حنيفة؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يقر بالدين على نفسه كاذباً. وأما عند الصاحبين: فلا يقبل ثبوت الدين بالإقرار بعد الإجارة، لأنه متهم في هذا الإقرار. ومثل أن يشتري المؤجر شيئاً ثم يؤجره، ثم يطلع على عيب به، فله أن يفسخ الإجارة ويرده بالعيب. ولا يعد السفر أو النقلة عن البلد عذراً للمؤجر يبيح له فسخ الإجارة على انظر البدائع: ٤ ص ١٩٧ وما بعدها ، الفتاوى الهندية : ٤ ص ١٩٨ وما بعدها، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٣ ، تكملة (١) فتح القدير: ٧ ص ٢٢٢ وما بعدها ، مختصر الطحاوي: ص ١٣٠، المبسوط: ١٦ ص ٢ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٤٥ وما بعدها ، رد المحتار: ٥ ص ٥٤ وما بعدها . - ٧٥٦ _ عقار؛ لأن استيفاء منفعة العقار في غيبته لا ضرر عليه فيه. وأما مرض الحمال والجمال بحيث يضره الحمل فيعد عذراً في رأي أبي يوسف ؛ لأن غير الجمال أو الجمال لا يقوم مقامهما على الدابة أو الإبل إلا بضرر، والضرر لا يستحق بالعقد . وأما محمد: فقد ذكر في كتاب ((الأصل)) أن مرض الجمال لا يعتبر عذراً؛ لأن خروج الجمال بنفسه مع الإبل غير مستحق بالعقد ، فإن له أن يبعث غيره معها . ٣ - عذر راجع للعين المؤجرة أو الشيء المأجور: مثال الأول: أن يستأجر رجل حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية فلا يجب علیه الأجر للمؤجر. ومثلوا للثاني بعتق العبد المأجور كأن يؤجر رجل عبده سنة ، فلما مضت ستة أشهر، أعتقه، فيكون العبد بالخيار بين الإبقاء على الإجارة وبين فسخها . وقال الشافعية: الأصح أنه لا تنفسخ الإجارة؛ لأن العتق انصب على الرقبة، وأما المنافع فلم تكن للسيد وقت العتق ، فكان العتق واقعاً على الرقبة مسلوبة المنفعة ، والأصح أنه لا خيار للعبد في فسخ الإجارة بعد العتق ؛ لأن سيده تصرف في خالص ملكه، فلا ينقض، والأظهر أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق(١). المبحث الثالث - صفة الإجارة وحكمها صفة الإجارة : الإجارة عند الحنفية عقد لازم ، إلا أنه يجوز فسخه بعذر كما عرفنا، لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود) والفسخ بحسب الأصل ليس من الإيفاء (٢) بالعقد(٢) . (١) (٢) مغني المحتاج : ٢ ص ٣٥٩ . البدائع : ٤ ص ٢٠١ ، المبسوط : ١٦ ص ٢ . - ٧٥٧ - وقال جمهور العلماء: الإجارة عقد لازم لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة، لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود ) ولأن الإجارة عقد على منافع، فأشبه النكاح، ولأنه عقد على معاوضة، فلم ینفسخ کالبيع(). ويترتب على هذا الخلاف أن الحنفية يقولون : تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين : المستأجر أو المؤجر، لأنه لو بقي العقد تصير المنفعة التي ملكها المستأجر بالعقد أو الأجرة التي ملكها المؤجر مستحقة لغير العاقد بالعقد وهو لا يجوز؛ لأن الانتقال من المورث إلى الوارث لا يتصور في المنفعة أو الأجرة المملوكة، إذ عقد الإجارة ينعقد ساعة فساعة على المنافع. فلو قلنا بالانتقال كان قولاً بانتقال ما لم يملك المورث إلى الوارث ؛ لأن ملكية العين انتقلت إلى الورثة، فالمنافع تحدث على ملك الوارث، فلا يستحقها المستأجر، لأنه لم يعقد العقد مع الوارث(٢). وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين؛ لأن الإيجار عقد لازم، وعقد معاوضة، فلا ينفسخ بموت العاقد كالبيع(٣). حكم الإجارة : حكم الإجارة الصحيحة : هو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر، وثبوت الملك في الأجرة المسماة للمؤجر، لأنها عقد معاوضة إذ هي بيع المنفعة(٤). وحكم الإجارة الفاسدة أنه إذا استوفى المستأجر المنفعة يجب أجر المثل، بحيث لا (١) بداية المجتهد : ٢ ص ٢٢٧ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥٥، المغني لابن قدامة: ٥ ص ٤٠٩، ٤١١ ، غاية المنتهى : ٢ ص ٢٠٩ . تكملة فتح القدير وشرح العناية وحاشية سعدي جلبي: ٧ ص ٢٢٠ ، البدائع : ٤ ص ٢٢٢ ، تبيين الحقائق : ... (٢) ٥ ص ١٤٤ ، مختصر الطحاوي : ص ١٢٨ ، رد المحتار : ٥ ص ٥٧ . (٣) بداية المجتهد : ٢ ص ٣٢٨ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥٦ . المغني: ٥ ص ٤٢٨ . (٤) البدائع : ٤ ص ٢٠١ . - ٧٥٨ _ يجاوز به الأجر المسمى أي أن الواجب عند الحنفية هو الأقل من أجر المثل ومن المسمى إذا كان فساد الإجارة بسبب شرط فاسد، لا باعتبار جهالة المسمى ، ولا باعتبار عدم التسمية ، فإنه في هاتين الحالتين يجب الأجر بالغاً ما بلغ(١). وقال زفر والشافعي : يجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل بالغاً ما بلغ، كما في البيع ، فإن البيع إذا فسد وجبت القيمة بالغة ما بلغت(٣). وسنتكلم عن كيفية ثبوت حكم الإجارة الصحيحة في المطلب التالي عند الكلام على نوعي الإجارة . المبحث الرابع - نوعا الإجارة وأحكامها : الإجارة نوعان: إجارة على المنافع أي أن المعقود عليه هو المنفعة، وإجارة على الأعمال أي أن المعقود عليه هو العمل . أحكام إجارة المنافع : إجارة المنافع كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والضياع، والدواب للركوب والحمل ، والثياب والحلي للبس، والأواني والظروف للاستعمال. ويجوز العقد على المنافع المباحة ، أما المنافع المحرمة كما عرفنا فلا تجوز الإجارة عليها، لأنها محرمة ، فلا يجوز أخذ العوض عليها كالميتة والدم، وذلك باتفاق العلماء. وكيفية ثبوت حكم عقد الإجارة على المنافع المباحة عند الحنفية البدائع : ٤ ص ١٩٥ ، تكملة فتح القدير مع العناية : ٧ ص ١٧٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٥ ص ١٢١، رد (١) المختار: ٥ ص ٣١، درر الحكام: ٢ ص ٢٣١. وسبب التفرقة بين البيع والإجارة في حالة الشرط الفاسد الممنوع : هو أن المبيع ذوقية في ذاته ، فتجب قيمته حال فساد العقد أما المنافع فهي غير متقومة في ذاتها عند الحنفية ، وإنما تصبح متقومة في ذاتها بالعقد فتجب القيمة في الإجارة الفاسدة بشرط عدم مجاوزة المتفق عليه بين العاقدين ( البدائع : ٤ ص ٢١٨) .. (٢) تكملة فتح القدير، المصدر السابق، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٥٨ . - ٧٥٩ - والمالكية : هو أنه يثبت شيئاً فشيئاً على حسب حدوث ووجود محل العقد وهو المنفعة؛ لأنها تحدث أو تستوفى شيئاً فشيئاً(١). وقال الشافعية والحنابلة: يثبت حكم الإجارة في الحال، وتجعل مدة الإِجارة موجودة تقديراً كأنها أعيان قائمة (٢). ويترتب على هذا الخلاف : ١ - أن الأجرة تثبت الملكية فيها بمجرد العقد إذا أطلق عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، والمعاوضة إذا كانت مطلقة عن الشرط تقتضي الملك في العوضين عقب العقد ، كما يملك البائع الثمن بالبيع . وعند الحنفية والمالكية لا تملك الأجرة بنفس العقد، وإنما تلزم جزءاً فجزءاً بحسب ما يقبض من المنافع، فلا يستحق المؤجر المطالبة بها إلا تدريجياً يوماً فيوماً؛ لأن المعاوضة المطلقة عن الشرط إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين لا يثبت في العوض الآخر؛ لأن المساواة في العقود مطلوبة بين المتعاقدين . متى تجب الأجرة وتملك عند الحنفية والمالكية ؟ تجب الأجرة وتملك بأحد أمور ثلاثة : 5 أحدها : بأن يشترط تعجيلها في نفس العقد . ثانيها : بتعجيلها من غير شرط ؛ لأن تأخير التزام المستأجر بالأجرة ثبت حقاً له ، فيملك إبطاله بالتعجيل ، كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله . البدائع : ٤ ص ٢٠١ ، بداية المجتهد: ٢ ص ٢٢٦ ، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ٤ ص ٤ ، القوانين (١) الفقهية : ص ٢٧٥ . : (٢) المغني لابن قدامة: ٥ ص ٤٠٦ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٣٣٤، المهذب: ١ ص ٣٩٩، الميزان للشعراني : ٢ ص ٩٤ ، غاية المنتهى : ٢ ص ١١٦ . - ٧٦٠ -