Indexed OCR Text

Pages 621-640

بأن يمسكا ما أشار إليه في العقد، ويؤديا بدله قبيل الافتراق من مجلس الإقالة.
واتفقوا على أن قبض رأس المال بعد الإقالة في السلم في مجلس الإقالة : ليس
بشرط لصحة الإقالة؛ لأن عقد الإقالة ليس في حكم إنشاء عقد السلم من كل وجه ؛
لأن اشتراط القبض في عقد السلم في مجلس العقد كان للاحتراز عن بيع الكالئ بالكالئ
(أي الدين بالدين) والمسلم فيه سقط بالإقالة، فلم يصبح لازماً على المسلم إليه، فلا
يتحقق فيه بيع الدين بالدين ، فلا يشترط القبض(١).
أما في الصرف فيشترط القبض لصحة الإقالة، لأنه إذا اعتبرنا الإقالة بيعاً
جديداً، كما يقول أبو يوسف، فالتعليل ظاهر، وإذا اعتبرنا الإقالة فسخاً في حق
العاقدين، كما يقول أبو حنيفة فهي في تقدير الشرع بيع، لأن أبا حنيفة يقول : هي
بيع جديد في حق غير العاقدين ، وإذا كانت الإقالة بيعاً فيجب قبض البدلين منعاً
من الوقوع في محظور بيع الدين بالدين(٢).
واتفقوا على أن السلم إذا كان فاسداً منذ نشأته، فلا بأس بالاستبدال فيه قبل
القبض، إذ ليس له حكم السلم، فيجوز الاستبدال، كما في سائر الديون .
وعدم جواز استبدال المسلم فيه ورأس مال السلم متفق عليه أيضاً لدى المذاهب
الأخرى(٣).
٢ - إقالة بعض السلم :
إذا أخذ رب السلم بعض رأس ماله وبعض المسلم فيه بعد حلول الأجل أو قبله
برضا صاحبه، فإنه يجوز، ويكون إقالة للسلم فيما أخذ من رأس المال ويبقى السلم في
الباقي، وهذا قول جمهور العلماء ؛ لأن أخذ رأس المال إقالة ، ولو أقاله في الكل جاز
فتح القدير، المرجع السابق، رد المحتار: ٤ ص٢١٩.
(١)
(٢)
البدائع: ٥ ص٣٠٨، رد المحتار: ٤ ص٢١٩، ٢٤٥.
القوانين الفقهية: ص٢٦٩، مغني المحتاج: ٢ ص ١١٥، غاية المنتهى: ٢ ص ٨٠.
(٣)
- ٦٢١ -

اتفاقاً ، فكذلك إذا أقال في البعض يجوز أيضاً، كما في بيع العين . والإقالة كما هو
معروف : فسخ للعقد ورفع له من أصله، وليست بيعاً على الراجح .
وقال الإمام مالك والقاضي ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك ويفسد العقد(١) ويسترد
رب السلم ما بقي من رأس المال لقوله ◌ُ التّ: (( لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك)) فإذا
أخذ بعض كل واحد منهما فلم يأخذ لا هذا ولا ذاك، ولأنه حين أخذ بعض رأس
المال، فقد اختار فسخ العقد، فينفسخ في الكل(٢). فإما أن يقيله من الكل ، أو
يأخذ الكل .
ورد الجمهور على الحديث بأن المراد به النهي عن أخذ شيء آخر سوى رأس المال
والمسلم فيه .
وأما البيع فإنه إذا أقاله العاقدان في البعض دون البعض فيجوز بالاتفاق .
واتفقوا على أنه لو أخذ رب السلم جميع رأس المال، برضا صاحبه أو أقال جميع
السلم أو تصالحا على رأس المال، فإنه يكون إقالة صحيحة، وينفسخ السلم .
ولو أخذ رب السلم بعض رأس المال قبل حلول الأجل ليعجل باقي السلم ، فإنه
لا يجوز هذا الشرط، وتصح الإقالة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن هذا الشرط يصبح في
معنى المعاوضة عن الأجل فهو شرط فاسد ، والإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة ، لأنها
فسخ عندهما ، فتصح ويبطل الشرط ، بخلاف البيع ، فإنه يتأثر بالشروط الفاسدة؛
لأن الشرط الفاسد فيه يؤدي إلى الربا ، أما الإقالة فلأنها رفع البيع فلا يتصور فيها
ربا .
وعند أبي يوسف : تبطل الإقالة بهذا الشرط الفاسد، ويظل السلم كله باقياً إلى
(١)
سداً للذريعة، لأنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف .
(٢)
المبسوط: ١٢ ص ١٣٠، المنتقى على الموطأ: ٤ ص٣٠٢، حاشية الدسوقي: ٣ ص٢١٥، المهذب: ١ ص٣٠٢،
المغني: ٤ ص٣٠٣، غاية المنتهى: ٢ ص ٨١، مغني المحتاج: ٢ ص١٠٣.
- ٦٢٢ -

أجله ؛ لأن الإقالة عنده بيع جديد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد لتمكن الربافيه(١).
وسيأتي في بحث الإقالة أدلة كل منهم على تكييف الإقالة : هل هي فسخ أم بيع ؟
٣ - الإبراء عن رأس المال :
لا يجوز للمسلم إليه إبراء رب السلم عن رأس المال بدون قبوله ورضاه، فإذا قبل
صح الإبراء، ولكن يبطل السلم، لأنه يترتب عليه عدم قبض رأس المال، بسبب
الإبراء. وإذا رفض رب السلم الإبراء بقي عقد السلم صحيحاً .
أما البيع : فلو أبرأ البائع المشتري عن ثمن المبيع فيصح من غير قبول إلا أنه يرتد
بالرد ؛ لأن في الإبراء معنى التمليك على سبيل التبرع، وهو لا يلزم دفعاً لضرر المنة .
والفرق بين السلم والبيع : أن قبض الثمن ليس بشرط لصحة البيع . وقبض رأس
المال في المجلس شرط لصحة عقد السلم، فلو صح الإبراء من غير قبول الطرف الآخر،
لا نفسخ عقد السلم من غير رضا صاحبه، وهذا لا يجوز؛ لأن أحد العاقدين لا ينفرد
بفسخ العقد، فلا يصح الإبراء، بخلاف الثمن: لا يترتب على الإبراء منه فسخ البيع
ـعالمـ
لأن قبضه ليس بشرط .
أما لو أبرأ رب السلم عن المسلم فيه، فيجوز من غير قبول المسلم إليه، لأن قبض
المسلم فيه ليس بشرط ، فيصح من غير قبول ؛ لأن الإبراء عن دين لا يجب قبضه
شرعاً إسقاط لحق المبرئ لا غير، فيملك الإبراء.
وأما الإبراء عن المبيع فلا يصح، لأنه عين، والإبراء إسقاط، وإسقاط الأعيان
(٢)
لا يعقل(٣).
البدائع: ٥ ص ٣٠٧، تحفة الفقهاء: ٢ ص٢١، الطبعة القديمة، القوانين الفقهية: ص ٢٧٠ .
(١)
(٢)
البدائع: ٥ ص٢٠٣. توضيح ذلك أن الفقهاء وضعوا قاعدة وهي: ((أن ملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط، وإنما
تقبل النقل)» فلو أسقط أحد ملكيته عن شيء مملوك له لاتسقط وتبقى ملكاً له. وقد بنوا عليه عدم صحة
الإبراء عن الأعيان لما في الإبراء من معنى الإسقاط مشوباً بمعنى التمليك، فلو كان لأحد عند آخر شيء مغصوب
أو مودع فأبرأه عنه لا يصح الإبراء ويبقى الشيء لصاحبه (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ١٢٣).
- ٦٢٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٠)

٤ - الحوالة والكفالة والرهن برأس المال وبالمسلم فيه : .
تجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر، والكفالة به، والرهن به، وكذا
بالمسلم فيه أيضاً عند جمهور الحنفية لوجود ركن هذه العقود مع شرائطه .
وعند زفر يجوز بالمسلم فيه ولا يجوز برأس المال؛ لأن عقود الكفالة والحوالة
والرهن شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس، ورأس المال لا يتأخر، فلا
يتحقق ما شرع له العقد، فلا يصح. ورد عليه بأن معنى التوثيق يحصل في الحقين
جميعاً ، فجاز العقد فيهما .
وكذلك في البيع تجوز الحوالة والكفالة والرهن بالثمن والمبيع إلا أن الفرق بين
السلم والبيع هو في حالة افتراق العاقدين في السلم بدون قبض كما سنبين .
ففي عقد السلم: يجب أن يقبض المسلم إليه رأس المال من المحال عليه، أو من
الكفيل أو من رب السلم أو يهلك الرهن قبل أن يتفرق العاقدان عن المجلس، بشرط
أن تكون قيمة الرهن مثل رأس المال أو أكثر؛ لأن حق المسلم إليه ينتقل حينئذٍ إلى
قيمة الرهن ، فإذا كانت هذه القيمة تساوي رأس المال أو تزيد عنه، فيحصل افتراق
العاقدين بعد أن يتم قبض رأس المال ؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء؛ لأنه قبض
مضمون على المرتهن سواء تعدى أو قصر أو لم يتعد ولم يقصر، وبالهلاك تقرر الضمان
عليه، فتحدث مقاصة بين المرتهن والراهن أي بين المسلم إليه ورب السلم هنا .
ويترتب عليه أنه يحدث الافتراق بينهما بعد قبض رأس المال .
فإن كانت قيمة الرهن أقل من رأس المال تم العقد بقدر الرهن ويبطل في الباقي.
وإذا افترق رب السلم والمسلم إليه قبل القبض بطل السلم حتى ولو بقي المحال
عليه والكفيل مع المسلم إليه، أما لو بقي المسلم إليه مع رب السلم، وذهب المحال عليه
والكفيل فلا يبطل السلم؛ لأن العبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما؛ لأن القبض من
حقوق العقد ، والعقد أساسه العاقدان .
- ٦٢٤ -

وكذلك في الرهن: إذا لم يهلك حتى تفرق المتعاقدان، يبطل السلم لعدم قبض
رأس المال، وعلى المسلم إليه رد الرهن على صاحبه .
وكل ما ذكرناه في السلم هنا يجري في عقد الصرف.
هذا بالنسبة لرأس المال .
أما بالنسبة للمسلم فيه فإن المحيل يبرأ بنفس عقد الحوالة ويكون تسليم المسلم فيه
واجباً على المحال عليه إذا حل الأجل ، وحينئذ يطالب رب السلم المحال عليه بالتسليم
دون المحیل .
وفي الكفالة يكون رب السلم بالخيار: إن شاء طالب الأصيل، وإن شاء طالب
الکفیل .
وفي الرهن : لرب السلم أن يحبس المرهون حتى يأخذ المسلم فيه(١).
وكذلك لا تجوز الحوالة والكفالة والإبراء والرهن برأس المال عند غير
الحنفية(٢)؛ لأن قبضه حقيقة شرط أساسي لصحة السلم، إلا أن المالكية كما عرفنا
أجازوا تأخير القبض مدة ثلاثة أيام. وقد غالى الشافعية فلم يجيزوا قبض رأس المال
في المجلس من المحال عليه إلا أن يقبضه نفس رب السلم، ثم يسلمه للمسلم إليه، لأن
الحق بالحوالة يتحول إلى ذمة المحال عليه فهو يؤديه عن نفسه لا عن المسلم .
٥ - قبض رأس المال مشوباً:
إذا قبض المسلم إليه رأس المال، فوجده مشوباً ، كأن يجده زيوفاً أو نبهرجة ، أو
المبسوط: ١٥١/١٢ وما بعدها، البدائع ٢٠٣/٥ وما بعدها .
(١)
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ١٩٥/٣، مغني المحتاج: ١٠٣/٢، غاية المنتهى: ٨٠/٢، المغني: ٣٠٢/٤.
- ٦٢٥ -

مستحقاً أو ستوقة (١) أو معيباً : فإما أن يصدقه رب السلم أو يكذبه :
الافتراض الأول - فإن صدقه رب السلم: فله حق الرد، ثم لا يخلو إما أن
يكون رأس المال عيناً وهو ما يتعين بالتعيين ، أو ديناً: وهو مالا يتعين بالتعيين .
١ - فإن كان عيناً: فوجده المسلم إليه مستحقاً(٢) أو معيباً: فإن أجاز المستحق
جاز العقد، وإلا بطل، وإن رضي المسلم إليه بالعيب جاز العقد، وإلا بطل أي
( السلم) ، سواء أكان اكتشاف العيب قبل افتراق العاقدين أم بعده. وسبب بطلانه :
أنه انتقض (٣) القبض فيه بالاستحقاق أو الرد بالعيب، ولا يمكن إقامة شيء عن غير
رأس المال مقامه، لأنه معين فيحصل الافتراق لا عن قبض رأس المال في المجلس ،
فيبطل السلم .
وأما في حال إجازة العقد فلأنه تبين أن قبضه وقع صحيحاً، فحصل الافتراق
عن قبض رأس المال(٤).
٢ - وأما إذا كان رأس المال ديناً: فقبضه المسلم إليه فوجده مشوباً، فإما أن
يجده مشوباً في مجلس السلم أو بعد الافتراق :
أولاً : إن وجده مشوباً في مجلس السلم :
الدراهم أربعة أنواع: جياد ، ونبهرجة ، وزيوف ، وستوقة . واختلفوا في تفسير النبهرجة فقيل: هي التي
(١)
تضرب في غير دار السلطان . والزيوف : هي المغشوشة . والستوقة : نحاس مموه بالفضة . وقال عامة المشايخ :
الجياد فضة خالصة تروج في التجارات ، وتوضع في بيت المال . والزيوف : مازيفه بيت المال أي رده ،
ولكن تأخذه التجار في التجارات ، ولابأس بالشراء بها ، ولكن يبين للبائع أنها زيوف . والنبهرجة : ما يرده
التجار ، والستوقة : أن يكون الطاق الأعلى فضة والأسفل كذلك وبينهما نحاس ، وليس لها حكم الدراهم .
وهكذا : فالزيوف أجود ، ثم النبهرجة ، ثم الستوقة (رد المحتار : ٢٢٨/٤).
. استحقاق المبيع : هو أن يظهر أن المتيع مملوك كله أو بعضه لغير البائع ، كما لو ظهر أن المبيع وقف ومثل ذلك
(٢)
استحقاق رأس المال ( عقد البيع للأستاذ الزرقاء : ص٩٧ ) .
(٣)
أي لم يتحقق القبض المشروط في عقد السلم بسبب ظهور استحقاق رأس المال لغير رب السلم .
(٤)
البدائع : ٢٠٤/٥ .
- ٦٢٦ -

١ - فإن وجد ذلك مستحقاً: فإن صحة القبض موقوفة على إجازة المستحق :
إن أجاز جاز، وإن لم يجز بطل .
٢ - وإن وجده ستوقة أو رصاصاً : فلا يجوز العقد وإن قبل به، لأنه ليس من
جنس حقه، إذ هو ليس من جنس الدراهم، فيكون استبدالاً برأس المال قبل القبض
كما لو استبدل ثوباً من رب السلم مكان الدراهم، وهو لا يجوز كما عرفنا. وإن لم يقبل
به، ورده وقبض شيئاً آخر مكانه جاز العقد لأنه لما رده، وانتقض قبضه، جعل كأن
لم يكن ، وكأنه أخر القبض إلى آخر المجلس.
٣ - وإذا وجده زيوفاً أو نبهرجة: فإن قبل به جاز العقد ؛ لأن الزيوف من
جنس حقه ؛ لأنها دراهم ، لكنها معيبة بالزيافة ، وفوات صفة الجودة، فإن رضي بها
فقد أبرأ رب السلم عن العيب ورضي بقبض حقه مع النقصان .
وإن ردها واستبدل شيئاً مكانها في مجلس العقد جاز، لأنه وجد مثل حقه في
المجلس، فكان القبض متأخراً(١).
ثانياً : وإن وجده مشوباً بعد الافتراق عن المجلس:
١ - فإن وجده مستحقاً: فالقبض موقوف على إجازة المستحق إن أجاز جاز،
وإن رد بطل السلم .
٢ - وإن وجد رأس المال ستوقة أو رصاصاً: بطل السلم؛ لأن الستوقة ليست
من جنس الدراهم، لأنها لا تروج في معاملات الناس، فلم تكن من جنس حقه أصلاً
ووصفاً، فقد حصل الافتراق عن المجلس بدون قبض رأس المال، فيبطل السلم ، ولا
يعود جائزاً بالقبض بعد المجلس .
٣ - وإذا وجده زيوفاً أو نبهرجة: فإن تجوز أي قبل المسلم إليه، فالسلم ماض
(١) البدائع : ٢٠٤/٥ وما بعدها .
- ٦٢٧ -

على الصحة؛ لأن الزيوف من جنس حقه ؛ لأنها دراهم ، لكنها معيبة بالزيافة
وفوات صفة الجودة ، فإذا رضي بها ، فقد رضي بقبض حقه مع النقصان .
وإن لم يتجوز بها أي لم يقبلها وردها، فاتفق علماء الحنفية على أنه إن لم
يستبدلها في مجلس الرد، بطل السلم بقدر مارد .
فأما إذا استبدل مكانها جياداً في مجلس الرد: فالقياس أن يبطل السلم بقدره قل
المردود أو كثر، وبه أخذ أبو حنيفة وزفر؛ لأن الزيوف من جنس حق المسلم إليه
أصلاً لا وصفاً، ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه في الوصف ، فكان حقه في الأصل
والوصف جميعاً، فإذا لم يتوافرا ولم يرض بما قبض ، تبين أنه لم يقبض حقه، فيبطل
السلم .
والاستحسان : ألا يبطل السلم وهو قول الصاحبين، لأن قبض الزيوف وقع
صحيحاً، لأنه قبض جنس الحق ، بدليل أنه لو تجوز بها جاز إلا أنه فاتته صفة
الجودة بالزيافة ، والمعيب لا يمنع صحة القبض، وقد أجيز استبداله في مجلس الرد،
لأن للرد شبهاً بالعقد، فألحق مجلس الرد بمجلس العقد (١))
"هذا إذا وجد المسلم إليه كل رأس المال زيوفاً أو نبهرجة: فإن وجد بعضه دون
بعض فاستحسن أبو حنيفة في حالة استبدال جیاد مكانه في مجلس الرد : أنه إذا كان
قليلاً فرده واستبدل في المجلس، فالعقد ماض في الكل، وإن كان كثيراً بطل العقد
بقدر المردود ؛ لأن الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرز عنه(٣).
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير
والأصح منها : أن الثلث فصاعداً في حكم الكثير، وما دونه في حكم القليل(٣).
البدائع : ٢٠٥/٥ .
(١)
(٢)
البدائع : ٢٠٦/٥ .
تحفة الفقهاء : ٢٧/٢ .
(٣)
- ٦٢٨ -

هذا ما يتعلق بحكم رأس المال .
وأما حكم المسلم فيه فهو: إذا وجد رب السلم بالمسلم فيه عيباً، بعدما قبضه ،
فإن له خيار العيب إن شاء تجوز به، وإن شاء رده وأخذ المسلم فيه غير معيب؛ لأن
حقه في السليم دون المعيب(١) ولكن خيار الرؤية وخيار الشرط لا يثبتان في السلم،
كما سبق ذكره.
الافتراض الثاني - وأما إذا كذب رب السلم المسلم إليه ، وأنكر أن تكون
الدراهم التي جاء بها من دراهمه التي أعطاها ، وادعى المسلم إليه أنها من دراهمه، فهذا
لا يخلو من ستة أوجه :
إن كان المسلم إليه أقر بالقبض قبل النزاع ، فقال : قبضت الجياد أو قبضت
حقي أو قبضت رأس المال أو استوفيت الدراهم، أو قبضت الدراهم، أوقال:
((قبضت)) ولم يقل شيئاً آخر.
١ - ففي الحالات الأربعة الأولى: لا تسمع دعواه بعدئذ أنه وجده زيوفاً، ولم
يكن له حق استحلاف رب السلم بالله ((أنها ليست من الدراهم التي قبضها منه)) لأنه
بإقراره بقبض الجياد يصير متناقضاً في دعواه، والمناقضة تمنع صحة الدعوى ، والحلف
يكون في الدعوى الصحيحة .
٢ - وأما إذا قال المسلم إليه: ((قبضت الدراهم)) ثم قال: ((هي زيوف))
فالقياس أن يكون القول قول رب السلم: ((أنها ليست من دراهمه )) مع يمينه على
قوله، وعلى المسلم إليه البينة أنها من الدراهم التي قبضها منه؛ لأن المسلم إليه يدعي
أنها مقبوضة مع العيب؛ ورب السلم ينكر أنها مقبوضة، أو أنها التي قبضها منه،
فیعتبر قول المنکر بیینه .
(١) المرجع السابق .
......----
- ٦٢٩ -

وفي الاستحسان : القول قول المسلم إليه مع يمينه، وعلى رب السلم البينة أنه
أعطاه الجياد ؛ لأن رب السلم بإنكاره أنها ليست من دراهمه يدعي إيفاء حقه، وهو
الجياد، والمسلم إليه بدعواه أن هذه الدراهم زيوف ينكر قبض حقه، فيكون القول
قوله مع يمينه أنه لم يقبض حقه وعلى المدعي البينة أنه أوفاه حقه .
١
وهذا هو مقتضى القياس في الحالات الأربعة الأولى، إلا أنه هناك سبق منه
ما يناقض دعواه: وهو الإقرار بالجياد، وههنا لم يسبق منه شيء مناقض ؛ لأن ذكر
قبض الدراهم يقع على الزيوف والجياد بخلاف الحالات الأولى .
٣ - وإذا قال المسلم إليه: ((قبضت)) لا غير، ثم قال: ((وجدته زيافاً)) يكون
القول قوله، كما قررنا في الحالة السابقة .
إلا أن ههنا إذا قال: ((وجدته ستوقة أو رصاصاً )) فإنه يصدق، بخلاف ما إذا
قال: ((قبضت الدراهم)) ثم قال: ((وجدتها ستوقة أو رصاصاً)) فإنه لا يقبل قوله،
لأن في قوله: ((قبضت)) اقراراً بمطلق القبض والستوقة تقبض ، فإذا قال :
((ماقبضته ستوقة)) لا يكون مناقضاً دعواه، وفي قوله: ((قبضت الدراهم )» يصير
مناقضاً لقوله: ((قبضت الستوقة والرصاص )) لأنه خلاف جنس الدرام(١).
5
(١) تحفة الفقهاء: ٢٨/٢ وما بعدها، وقد نقلنا ذلك منها دون تعديل لإِيفائه بالغرض مع بساطة العبارة.
- ٦٣٠ -

- ٢ -
عقد الاستصناع
نتكلم في عقد الاستصناع على تعريفه ومشروعيته وشروطه وصفته وحكمه :
تعريف الاستصناع : هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة ، أي
العقد على شراء ما سيصنعه الصانع وتكون العين والعمل من الصانع، فإذا كانت
العين من المستصنع لا من الصانع فإن العقد يكون إجارة لا استصناعاً، وبعض
الفقهاء يقول : إن المعقود عليه هو العمل فقط ؛ لأن الاستصناع طلب الصنع وهو العمل .
وينعقد الاستصناع بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع. ويقال
للمشتري: ((مستصنع)) وللبائع: ((صانع)) وللشيء: ((مصنوع)) كاتفاق شخصين
على صنع أحذية أو آنية أو مفروشات ونحوها فهو لا يكون إلا فيما يتعامل فيه
(١)
الناس (١) .
وهو عقد يشبه السلم ، لأنه بيع المعدوم ، وأن الشيء المصنوع ملتزم، عند العقد
في ذمة الصانع البائع ، ولكنه يفترق عنه من حيث إنه لا يجب فيه تعجيل الثمن ،
ولا بيان مدة للصنع والتسليم ، ولا كون المصنوع مما يوجد في الأسواق .
ويشبه الإجارة أيضاً لكنه يفترق عنها من حيث إن الصانع يضع مادة الشيء
المصنوع من ماله .
(١) البدائع: ٢/٥، فتح القدير: ٣٥٤/٥، الفتاوى الهندية: ٥٠٤/٤، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ١٢٢.
- ٦٣١ -

والأصح عند الحنفية : أنه بيع لا وعد ببيع ولا إجارة، وأن المعقود عليه هو
العين الموصى بصنعها ، لا عمل الصانع، أي ليس إجارة على العمل ، فلو أتى الصانع بما
لم يصنعه هو، أو صنعه قبل العقد وفقاً للأوصاف المشروطة، جاز ذلك(١).
مشروعيته : مقتضى القياس ألا يجوز الاستصناع، لأنه بيع المعدوم كالسلم،
وبيع المعدوم لا يجوز، لنهيه وم القلم عن بيع ما ليس عند الإنسان .
ويجوز عند الحنفية استحساناً لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من
غير نكير، فكان إجماعاً منهم على الجواز، فيترك القياس(٣) وقد قال عليه السلام:
((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (٣) وقال ابن مسعود: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله
(€)
حسن))(٤).
ويصح الاستصناع عند المالكية والشافعية والحنابلة على أساس عقد السلم
وعرف الناس، ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ومن شروطه تسليم جميع الثمن في
مجلس العقد .
ويصح عند الشافعية سواء حدد فيه الأجل لتسليم الشيء المصنوع أم لا بأن كان
حالاً(٥) .
فتح القدير: ٣٥٥/٥، البدائع: ٢/٥، ٢٠٩، رد المحتار: ٢٢٢/٤، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص١٢٢
(١)
وما بعدها .
المبسوط: ١٣٨/١٢ ومابعدها، البدائع: ٢/٥، ٢٠٩، فتح القدير: ٢٥٥/٥ .
(٢)
(٣)
رواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة عن أبي بصرة الغفاري مرفوعاً في حديث: ((سألت
ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)) ورواه ابن ماجه عن أنس مرفوعاً بلفظ ((إن أمتي لا تجتمع على
ضلالة)) وله روايات كثيرة (راجع مجمع الزوائد: ١٧٧/١، ٢١٨/٥، المقاصد الحسنة للسخاوي: ص ٤٦٠)،
قال الحوت البيروتي في ( أسنى المطالب ): ص ٢٥٢: فيه اضطراب وخلاف في صحته ، وقد أخذ به الفقهاء ، "
وجعلوه دليل الإجماع .
قال الزيلعي: غريب مرفوعاً، ولم أجده إلا موقوفاً على ابن مسعود ، وله طرق: رواه أحمد والبزار
(٤)
والطبراني في الكبير. وقال الهيثمي: ورجاله موثقون . ورواه أيضاً أبو داود والبيهقي ، وهو مروي كذلك
عن ابن عباس ( راجع نصب الراية : ١٣٣/٤، المقاصد الحسنة: ص ٣٦٧ ، مجمع الزوائد : ١٧٧/٤ ) .
الأشباه والنظائر للسيوطي: ص٨٩ ، العرف والعادة للأستاذ أحمد فهمي أبي سنة : ص١٣١ وما بعدها.
(٥)
- ٦٣٢ -

شروطه : يشترط لجواز الاستصناع شرائط منها :
١ - بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته، لأنه مبيع ، فلابد من أن يكون
معلوماً، والعلم يحصل بذلك .
٢ - أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس من أواني وأحذية وأمتعة الدواب
ونحوها ، ولا يجوز الاستصناع في الثياب لعدم تعامل الناس به .
٣ - ألا يكون فيه أجل: فإن حدد أجل لتسليم المصنوع، انقلب العقد سلماً عند
أبي حنيفة، حتى تشترط فيه شرائط السلم ، مثل قبض البدل في المجلس ، وأنه لا خيار
لأحد العاقدين إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في العقد.
ودليله: أن العاقد إذا حدد أجلاً فقد أتى بمعنى السلم ، والعبرة في العقود لمعانيها ، لا
لصور الألفاظ. ولهذا إذا حدد أجل فيما لا يجوز الاستصناع فيه أن يستصنع حائكاً
أو خياطاً لينسج له أو يخيط قميصاً بغزل نفسه ينقلب العقد ساماً بالاتفاق.
وقال الصاحبان: ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال حدد فيه
أجل أو لم يحدد؛ لأن العادة جارية بتحديد الأجل في الاستصناع(١). ونرى أن قولهما
هو المتشي مع ظروف الحياة العملية ، فهو أولى بالأخذ .
صفة عقد الاستصناع : هو عقد غير لازم قبل الصنع، وبعد الفراغ من
الصنع، ولكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه قبل رؤية
المستصنع للشيء المصنوع، فلو باع الصانع المصنوع قبل أن يراه المستصنع جاز؛ لأن
العقد غير لازم والمعقود عليه ليس هو عين المصنوع وإنما مثله في الذمة .
فإذا جاء الصانع بالشيء المصنوع إلى المستصنع فقد سقط خياره لأنه رضي
بکونه للمستصنع ، حیث جاء به إليه.
(١) البدائع: ٣/٥، فتح القدير: ٣٥٥/٥، رد المحتار: ٢٢٣/٤، المبسوط: ١٣٩/١٢.
- ٦٣٣ -

وحينئذ إذا رآه المستصنع فله الخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وفسخ
العقد عند أبي حنيفة ومحمد ، لأنه اشترى شيئاً لم يره، فكان له خيار الرؤية، بخلاف
الصانع فهو بائع ما لم يره، فلا خيار له .
وقال أبو يوسف : العقد لازم إذا رأى المستصنع المصنوع، ولا خيار له، إذا جاء
موافقاً للطلب والشروط ، لأنه مبيع بمنزلة المسلم فيه فليس له خيار الرؤية، لدفع
الضرر عن الصانع في إفساد المواد المصنوعة التي صنعها وفقاً لطلب المستصنع، وربما
لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة . ورد عليه بأن ضرر المستصنع بإبطال الخيار
له أكثر من ضرر الصانع، إذ لا يتعذر عليه بيع المصنوع على أية حال(١). وفي تقديرنا
أن هذا الرأي الذي أخذت به المجلة سديد منعاً من وقوع المنازعات بين المتعاقدين
ودفعاً للضرر عن الصانع إذ أن أغراض الناس تختلف باختلاف الشيء المصنوع حجماً
ونوعاً وكيفية، ولأن هذا الرأي يتفق مع مبدأ القوة الملزمة للعقود بصفة عامة في
الشريعة ، ويتناسب مع الظروف الحديثة التي يتفق فيها على صناعة أشياء خطيرة
وغالية الثمن جداً كالسفن والطائرات، فلا يعقل أن يكون عقد الاستصناع فيها غير
لازم.
حكم الاستصناع : أما حكمه في حق المستصنع إذا أتى الصانع بالمصنوع على
الصفة المشروطة ، فهو ثبوت الملك غير لازم في حقه، حتى يثبت له خيار الرؤية إذا
رآه : إن شاء أخذه وإن شاء تركه .
وأما في حق الصانع : فحكمه ثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع ورضي به
ولا خيار له، وهذا في ظاهر الرواية (٣).
الفرق بين السلم والاستصناع : بالرغم من أن الاستصناع كالسلم من صور
المبسوط: ١٣٩/١٢، فتح القدير: ٣٥٦/٥، البدائع: ٣/٥، ٢١٠، رد المحتار: ٢٢٣/٤.
(١)
(٢)
المراجع السابقة .
- ٦٣٤ -
١

بيع المعدوم التي أجيزت للحاجة والتعامل بين الناس ، فإن هناك فروقاً بينهما أهمها
ما يأتي :
أولاً - أن المبيع في السلم دين تحتمله الذمة فهو إما مکیل أو موزون أو مذروع أو
عددي متقارب . أما المبيع في الاستصناع فهو عين لادين، كاستصناع أثاث أو حذاء
أو خياطة ثوب .
ثانياً - يشترط في السلم وجود أجل بعكس الاستصناع على رأي أبي حنيفة كما
بينا .
ثالثاً - عقد السلم لازم، وأما الاستصناع فهو غير لازم.
رابعاً - يشترط في السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد ولا يشترط قبضه في
الاستصناع .
لله تعالى
لله
C
- ٦٣٥ -

- ٣ -
عقد الصرف
تعريف الصرف :
الصرف لغة: الزيادة، ومنه سميت العبادة النافلة صرفاً، قال حك الإ: ((من
انتمى إلى غير أبيه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )» (١) أي لا نفلاً ولا فرضاً.
وشرعاً: هو بيع النقد بالنقد جنساً بجنس أو بغير جنس : أي بيع الذهب
بالذهب، أو الفضة بالفضة أو الذهب بالفضة، مصوغاً أو نقداً(٢).
وشرائطه إجمالاً أربعة : التقابض قبل افتراق المتعاقدين، والتماثل، وألا يكون
فيه خيار ولا تأجيل .
(١) وقال صاحب القاموس : الصرف في الحديث: التوبة، والعدل: الفدية . وهذا الحديث رواه الطبراني عن
عمرو بن عوف، قال: قال رسول الله عَ لّم: ((من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة،
لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، لا يقبل
الله منه صرفاً ولا عدلاً)) قال الهيثمي : وفيه كثير بن عبد الله ، والجمهور على تضعيفه ، قد حسن له الترمذي
حديثاً ( انظر مجمع الزوائد: ٢٨٥/٦) ورواه الطبراني أيضاً عن خارجة بن عمرو الجمحي بلفظ ((من ادعى إلى
غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً يوم
القيامة)) وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي وثقه ابن معين، وضعفه الناس (مجمع الزوائد : ٢١٤/٤) وراجع
خطبة حجة الوداع. وقد ورد في معناه أحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو داود عن أنس أن النبي معَّ قال :
((من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة» (راجع فيض القدير
شرح الجامع الصغير: ٤٦/٦، مجمع الزوائد: ٩٧/١) وروى البخاري في صحيحه (٥٠/٣ ) عن علي أن النبي
عَّاتٍ: قال: (( من تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا
عدل )» والعدل : الفداء .
(٢) فتح القدير مع العناية: ٢٨٤/٥، ٣٦٨، البدائع: ٢١٥/٥، رد المحتار: ٢٤٤/٤. وعرفه الحنابلة بقولهم : هو
بيع نقد بنقد ( غاية المنتهى : ٥٩/٢ ) .
- ٦٣٦ -

١ - التقابض قبل الافتراق بالأبدان بين المتعاقدين: يشترط في عقد الصرف
قبض البدلين جميعاً قبل مفارقة أحد المتصارفين للآخر افتراقاً بالأبدان ، منعاً من
الوقوع في ربا النسيئة، ولقوله مؤاته: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، يداً بيد،
والفضة بالفضة مثلاً بمثل، يدا بيد))(١) وقوله مت لقم: ((لا تبيعوا منهما غائباً بناجز))(٢)
فإن افترق المتعاقدان قبل قبض العوضين أو أحدهما، بطل العقد، لفوات شرط
القبض ولئلا يصير العقد بيعاً للكالئ بالكالئ أي الدين بالدين فيحصل الربا: وهو
الفضل في أحد العوضين(٣)، والتقابض شرط سواء اتحد الجنس أو اختلف.
تفسير الافتراق بالأبدان : هو أن يفترق العاقدان بأبدانهما عن مجلس العقد،
فيأخذ هذا في جهة ، وهذا في جهة، أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر. فإن بقيا في
مجلسهما لم يبرحا عنه، لم يحصل الافتراق وإن طال مجلسهما لانعدام التفرق بالأبدان،
كذلك لا يحصل التفرق إن ناما في المجلس أو أغمي عليهما أو قاما عن المجلس فذهبا
معاً في جهة واحدة وطريق واحدة ومشيا ميلاً أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه،
فلا يعتبران مفترقين ؛ لأن العبرة لتفرق الأبدان ولم يوجد ذلك(٤).
٢ - التماثل: إذا بيع الجنس بالجنس كفضة بفضة، أو ذهب بذهب، فلا يجوز إلا
مثلاً بمثل وزناً، وإن اختلفا في الجودة والصياغة بأن يكون أحدهما أجود من الآخر
(١) رواه الجماعة إلا البخاري من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله مَ ◌ّه قال: ((الذهب بالذهب والفضة
بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل ، سواء بسواء، يدأ بيد، وإذا
اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)) ( راجع نصب الراية : ٤/٤).
لهذا اللفظ رواية عند مالك في الموطأ عن عمر رضي الله عنه قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ،
(٢)
ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز)) وقد ورد نص الحديث عند أحمد والشيخين عن أبي
سعيد الخدري بلفظ ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا ( أي لا تفضلوا ) بعضها على بعض ،
ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منهما غائبا بناجز)) (راجع
نصب الراية : ٥٦/٤، نيل الأوطار: ١٩٠/٥ ).
(٣)
المراجع السابقة، فتح القدير: ص ٣٦٩ - ٣٧١ .
(٤)
البدائع : ٢١٥/٥ .
- ٦٣٧ -

أو أحسن صياغة(١) لقوله صل التّ في الحديث السابق: ((الذهب بالذهب مثلا بمثل)) أي
يباع الذهب بالذهب مثلا بمثل في القدر، لا في الصفة، للقاعدة الشرعية: ((جيدها
وردیئها سواء))(٢).
٣ - ألا يكون فيه خيار شرط : لا يجوز في عقد الصرف اشتراط الخيار لكل من
المتعاقدين أو لأحدهما؛ لأن القبض في هذا العقد شرط. وخيار الشرط يمنع ثبوت
الملك أو تمامه على الخلاف الذي ذكرناه في مبحثه، والخيار يخل بالقبض المشروط :
وهو القبض الذي يحصل به التعيين ، فلو شرط هذا الخيار فسد العقد. ولو أسقط
صاحب الخيار خياره في المجلس ، ثم افترق المتعاقدان عن تقابض ، ينقلب العقد إلى
الجواز، خلافاً لزفر، فإذا بقي الخيار حتى افترقا تقرر الفساد.
هذا بخلاف خيار الرؤية والعيب، فإن كلاً منهما لا يمنع ثبوت الملك في المبيع،
فلا يمنع تمام القبض ، فلو افترق العاقدان ، وفي الصرف خيار عيب أو رؤية جاز، إلا
أنه لا يتصور في بيع النقد وسائر الديون خيار رؤية لأن العقد ينعقد على مثلها، لا
MP!
عينها(٣).
٤ - ألا يكون فيه أجل : يشترط أن يكون عقد الصرف خالياً عن الأجل لكل
من المتعاقدين أو لأحدهما، وإلا فسد الصرف ؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل
الافتراق، كما عرفنا، والأجل يؤخر القبض، فيفسد العقد، فإن أبطل صاحب
الأجل أجله قبل الافتراق، ونفذ ما عليه، ثم افترقا عن تقابض ، ينقلب العقد جائزاً
المراجع السابقة، فتح القدير: ص ٣٦٩ ، البدائع: ص ٢١٦ ، رد المحتار: ص٢٤٥ .
(١)
قال الزيلعي عن هذا الحديث : غريب ومعناه يؤخذ من اطلاق حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم
(٢)
قال: قال رسول الله عَ ل: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر
بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدأ بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) (راجع
نصب الراية: ٣٦/٤).
مختصر الطحاوي: ص ٧٥، فتح القدير: ٣٦٧/٥، البدائع: ٢١٩/٥، الدر المختار: ٢٤٦/٤.
(٣)
١
- ٦٣٨ -

خلافاً لزفر (١).
ويلاحظ أن الشرطين الأخيرين متفرعان عن شرط القبض .
ما يترتب على اشتراط قبض البدلين في مجلس عقد الصرف قبل
الافتراق :
إذا كان لابد من قبض عوضي الصرف قبل افتراق العاقدين عن المجلس فإنه
يترتب عليه عدم جواز الإبراء أو الهبة أو الاستبدال أو المقاصة بثمن الصرف على
التفصيل الآتي(٢):
١ - الإبراء أو الهبة : إذا تصارف اثنان ديناراً بدينار، وسلم أحدهما الدينار
لمستحقه، ثم أبرأ صاحبه عن ديناره أو وهبه له أو تصدق عليه به :
فإن قبل المبرأ أو الموهوب له ما أبرئ منه أو وهب له، سقط التزامه بالدين،
وبطل الصرف؛ لأن الإبراء عن الدين يترتب عليه عدم تحقق القبض، وبما أن
القبض في عقد الصرف لازم شرعاً، ولم يحصل هنا بسبب الإبراء، فإنه يؤدي إلى
بطلان العقد لعدم حصوله .
وإن لم يقبل المبرأ البراءة، لم يصح الإبراء، ويبقى عقد الصرف على حاله؛ لأن
قبض البدل مستحق ، والإبراء عن الدين إسقاطه، وإذا سقط الدين لا يتصور
قبضه، وبما أن الإبراء يؤدي إلى هذه النتيجة، فهو في معنى فسخ العقد، والفسخ لا
يصح إلا بتراضي العاقدين ، فلا يثبت بإرادة منفردة من أحد العاقدين بعد انعقاد
العقد صحيحاً، وإذا لم يصح الإبراء بقي عقد الصرف على حاله، فيتم بتقابض
البدلين في المجلس قبل الافتراق .
(١)
(٢)
المراجع السابقة .
راجع البدائع : ٢١٨/٥ .
- ٦٣٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤١)

ولو امتنع المبرئ أو الواهب أو المتصدق أن يأخذ ما أبرأ أو وهب أو تصدق به،
فإنه يجبر على القبض، لأنه بامتناعه عن القبض يفسد العقد أو يفسخ، وأحد
المتعاقدين لا ينفرد بالفسخ أو إفساد عقد الغير.
٢ - الاستبدال ببدل الصرف: لو استبدل أحد المتصارفين شيئا يبدل
الصرف، كأن أعطى عن الدينار شيئاً بخلاف جنسه، فلا يجوز، ويبقى الصرف على
حاله ؛ لأن قبض بدل الصرف شرط شرعي لبقاء العقد صحيحاً، وبما أن بدل الشيء
غير الشيء ، فإنه يترتب على الاستبدال تفويت القبض حقيقة أي عدم تحقق القبض
المطلوب شرعاً. وإذا لم يصح الاستبدال بقي عقد الصرف على حاله، فإن كان قد تم
قبض أحد البدلين فيجب قبض البدل الآخر بعينه .
وإن أدى أحد العاقدين الآخر أجود من حقه ، أو أردأ منه لكن من جنس حقه
ورضي به المدفوع له، فإنه يجوز، ولا يعتبر الأداء استبدالاً؛ لأن المقبوض من جنس
حقه أصلاً ، إلا أنه أنقص منه في الوصف ، والجيد والرديء في الأموال الربوية سواء،
وبما أن المدفوع له رضي به فقد أسقط حقه في الجيد، فكان ذلك استيفاء لا استبدالاً .
وعلى هذا إن أخذ صاحب الحق عن الدينار الذي يحق له ديناراً أردأ منه، أو
زائفاً، ونحوها من كل مقبوض يتفق في الأصل مع الشيء الواجب في المعاوضات بين
الناس، فإنه يصح .
٣ - الحوالة ببدل الصرف والكفالة والرهن به: يجوز لأحد المتصارفين أن
يحيل صاحبه على رجل آخر لقبض حقه بشرط أن يكون المحال عليه حاضراً في
مجلس العقد، وكذلك يجوزله أن يقدم رهناً لصاحبه ببدل الصرف، ويصح له أيضاً
تقديم كفيل عنه يكفله بوفاء الحق . ولكن يشترط في هذه الحالات أن يتم فعلاً
استيفاء الحق في مجلس عقد الصرف إما بالتسليم الفعلي في الحوالة والكفالة، أو من
طريق تحمل تبعة هلاك المرهون إذا هلك في يد المرتهن .
- ٦٤٠ -