Indexed OCR Text
Pages 581-600
الأسباب المسقطة للخيار(١) الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وقال الحنابلة: يكون خيار الرؤية على الفور(٣). المطلب الرابع - صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه صفة البيع : إن شراء مالم يره المشتري غير لازم ، فيخير المشتري بين الفسخ والإجازة إذا رأى المبيع؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة ، ولأن جهالة وصف البيع تؤثر في رضا المشتري، فتوجب الخيار له، تداركاً لما عساه يندم من أجله، وذلك سواء أكان المبيع موافقاً للوصف المذكور أم مخالفاً له، هذا مذهب الحنفية(٣). وقال المالكية والحنابلة والشيعة الإمامية : البيع لازم للمشتري إذا وجد المبيع مطابقاً للصفة المذكورة، فإن كان مخالفاً لما وصف ، فللمشتري الخيار(٤). وقال الظاهرية : البيع لازم إن طابق الصفة ، أما إن خالفها فالبيع باطل(٥) . حكم البيع : وأما حكم البيع فهو حكم العقد الذي لا خيار فيه، فلا يمنع ثبوت الملك في البدلين أي أنه في البيع تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن للبائع فورتمام العقد بالايجاب والقبول، ولكن يمنع لزوم العقد ، بخلاف خيار الشرط . وسبب التفرقة بين الخيارين : هو أن البيع في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بأي شرط ، وكان المفهوم أن يكون لازماً، إلا أن الرد بخيار الرؤية ثبت من جهة الشرع، أما خيار الشرط فقد ثبت باشتراط المتعاقدين ، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال، كما سبق بيانه(٦). فتح القدير: ١٤١/٥، البدائع : ٢٩٥/٥، رد المحتار: ٦٧/٤. (١) (٢) المغني : ٥٨١/٣ . (٣) البدائع : ٢٩٢/٥ ، فتح القدير : ١٣٧/٥. (٤) القوانين الفقهية : ص٢٥٦ ، المغني: ٥٨٢/٣، المختصر النافع: ص١٤٦. (٥) المحلى : ٨ص٣٨٩ ، ٣٩٤ . البدائع ، المكان السابق . (٦) - ٥٨١ - المطلب الخامس - شرائط ثبوت الخيار يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً، منها : ١ - أن يكون محل العقد مما يتعين بالتعيين، أي أن يكون عيناً من الأعيان، فإذا لم يكن عيناً لا يثبت فيه الخيار، حتى لو كان البيع مقايضة عيناً بعين يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري إذا لم يركل منهما المبيع قبل العقد (١). وفي بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف : لا يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري، لأنه لا فائدة فيه، کما سنبین . وفي بيع العين بالدين : يثبت الخيار للمشتري ولا خيار للبائع . والسبب فيه أن محل العقد إذا لم يكن معيناً لا يصير معيناً للفسخ بموجب الخيار، فلم يكن الرد مفيداً، ولأن مالا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد ، بل بالقبض ، والفسخ إنما يكون فيما يملك بالعقد، ولأن الحق إذا كان عيناً فللناس أغراض في الأعيان ، فكان ثبوت الخيار فيه لينظر المشتري في المبيع : هل يصلح له أم لا؟ وبناء عليه، يكون خيار الرؤية في العقود التي تحتل الفسخ، كالبيع والإجارة والصلح عن دعوى المال، والقسمة، ونحوها ؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيها خيار الرؤية ، ولا يثبت فيما لا يحتمل الفسخ، كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، ونحوها؛ لأن هذه العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال، فصار الأصل: ((أن كل ما ينفسخ العقد فيه برده، يثبت خيار الرؤية فيه، ومالا فلا » کما يقول الكاساني(٣). ٢ - عدم رؤية محل العقد: فإن كان رآه قبل الشراء لا يثبت له الخيار، إذا كان (٢) البدائع ، المرجع السابق . (١) البدائع ، المرجع السابق . - ٥٨٢ - لا يزال على حالته التي رآه فيها ، وإلا كان له الخيار لتغيره، فكان مشترياً شيئاً لم یرہ(١) . كيفية تحقيق الرؤية : الرؤية قد تكون لجميع المبيع ، وقد تكون لبعضه، والضابط فيه : أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به(٣). وتفصيله : أنه إذا كان غير المرئي تبعاً للمرئي ، فلا خيار له سواء أكان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال مالم يره، أو لا تفيد، لأن حكم التبع حكم الأصل. وإن لم يكن غير المرئي تبعاً للمرئي : فإن كان مقصوداً بنفسه كالمرئي، ينظر في ذلك : إن كان رؤية ما رأى تعرف حال غير المرئي ، فإنه لا خيار له أصلاً في غیر المرئي إذا كان غير المرئي مثل المرئي ، أو فوقه؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل . وإن كان رؤية ما رأى لم تعرف حال غير المرئي، فله الخيار فيما لم يره ؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم يرشيئاً أصلاً. وبناء عليه : تكفي رؤية ظاهر الكومة من الحبوب، ووجه الدابة وكَفَلها ( أي عجزها ) في الأصح، وهو قول أبي يوسف. واكتفى محمد برؤية الوجه وظاهر الثوب وهو مطوي . وقال زفر: لابد من نشره كله، وهو المختار. كما في أكثر معتبرات كتب الحنفية. وعقب عليه ابن عابدين بقوله : لو لم يختلف باطن الثوب عن ظاهره المبسوط: ٧٢/١٣، البدائع، المرجع السابق: ص٢٩٢ - ٢٩٣. (١) (٢) البدائع: ٢٩٣/٥، رد المحتار : ٦٨/٤ . . - ٥٨٣ - سقط الخيار إلا إذا ظهر باطنه أرداً من ظاهره، فله الخيار(١). وفي شراء الشاة للحم لابد من الجس حتی یعرف سمنها ، حتى لو رآها من بعيد، فهو على خياره؛ لأن اللحم مقصود من شاة اللحم ، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذا المقصود، وإن اشتراها للدر والنسل فلابد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضاً؛ لأن الضرع مقصود من الشاة الحلوب ، والشياه تختلف باختلاف الضرع، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بالمقصود، كما قلنا(٢). وأما البسط والطنافس : فإن كان مما يختلف وجهه وظهره ، فرأى وجهه دون ظهره لا خیار له، وإن رأی ظهره دون الوجه فله الخیار. وأما الدور والعقارات والبساتين ، فإن رأى ظاهر الدار وداخلها ورأى خارج البستان ورؤوس الأشجار فلا خيارله، ولا يكتفي برؤية صحن الدار، دون الدخول إلى بيوتها في الأصح، لتفاوت الدور. وقد كان أئمة الحنفية ماعدا زفر يرون الاكتفاء برؤية ظاهر الدار وبرؤية صحنها، إلا أن ذلك لا يكفي الآن ، فيكون الحكم متغيراً من باب اختلاف العصر والزمان، لا اختلاف الحجة والبرهان(٣). هذا إذا كان المعقود عليه شيئاً واحداً، فإذا كان أشياء: فإن كان من العدديات المتفاوتة كالدواب والثياب، كأن اشترى ثياباً في جراب أو قطيع غنم أو إبلاً أو بقراً، وكالبطيخ في الشريجة(٤) والرمان والسفرجل في القفة، ونحوها ، فرأى بعضها، فله الخيار في الباقي؛ لأن الكل مقصود، ورؤية مارأى لا تعرّف حال الباقي، لأنها متفاوتة . المبسوط: ٧٢/١٣، البدائع: ٢٩٣/٥ وما بعدها، فتح القدير: ١٤٢/٥ وما بعدها ، رد المحتار : ٦٩/٤ . (١) (٢) البدائع ، المرجع السابق ، رد المحتار: ٧٠/٤، فتح القدير: ١٤٣/٥. البدائع : ٢٩٤/٥، رد المحتار: ٧٠/٤، فتح القدير : ١٤٤/٥. (٣) (٤) الشريحة: جوالق كالخرج، ينسج من سعف النخل ونحوه. - ٥٨٤ - وإن كان من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، فإن رؤية البعض تسقط الخيار في الباقي إذا كان مالم يرمثل الذي رأى، لأن رؤية البعض من هذه الأشياء تعرف حال الباقي . هذا إذا كان المبيع كله في وعاء واحد، فإن كان في وعاءين : فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس أو على وصف لا تفيد العلم بغيره . وإن كان الكل من جنس واحد أو على صفة واحدة ، اختلف المشايخ فيه : قال مشايخ بلخ: له الخيار لأن اختلاف الوعاءين جعلهما كجنسين. وقال مشايخ العراق : لاخيار له، وهو الصحيح؛ لأن رؤية البعض من هذا الجنس تفيد العلم بالباقي ، سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين (١) . وإن كان المبيع مغيباً في الأرض : لا في الوعاء، كالجزر والبصل والثوم، والفجل، والبطاطا ، ففيه تفصيل مروي عن أبي يوسف رحمه الله : آ - إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم والبصل والجزر: فإن قلع المشتري شيئاً بإذن البائع، أو قلع البائع برضا المشتري ، سقط خياره في الباقي؛ لأن رؤية بعض المكيل كرؤية الكل . وإن حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له الخيار سواء رضي بالمقلوع، أو لم يرض إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة عند الناس لأنه بالقلع صار معيباً، وإلا لاستمر في نموه وازدياده، وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد، ويتسارع إليه الفساد. وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغیر صنعه، يمنع الرد، فمع صنعه أولى . (١) البدائع: ٢٩٤/٥، حاشية الشلي على الزيلعي: ٢٦/٤. - ٥٨٥ - ب - وإن كان المغيب في الأرض مما يباع عدداً، كالفجل والجوز ونحوهما فرؤية البعض لاتكون كرؤية الكل ؛ لأن هذا كالعدديات المتفاوتة، فلا تكفي رؤية البعض ، كما في الثياب . وإن قلع المشتري شيئاً بغير إذن البائع، سقط خياره لأجل العيب إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة، فإن لم يكن له قيمة، فلا يسقط خياره لأنه لا يتحقق به العيب. وقد ذكر الكرخي حكم المغيب في الأرض بغير هذا التفصيل ، وأثبت الخيار للمشتري برؤية البعض بعد رؤية الكل . وروي عن محمد أنه قال: قال أبو حنيفة: المشتري بالخيار إذا قلع الكل أو البعض . وأما محمد : فهو مثل أبي يوسف، إذا قلع المشتري شيئاً يستدل به على الباقي، فرضي به، فهو لازم له(١). وإذا كان المبيع دهناً في قارورة ، فرأى خارج القارورة، فعن محمد روايتان : الرواية الأولى: أنه تكفي الرؤية، ويسقط الخيار؛ لأن الرؤية من الخارج تفيد العلم بالداخل، فكأنه رأى الدهن خارج القارورة (٦) والرواية الثانية : أن له الخيار لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية من خارج القارورة ؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية(٣). والرؤية عند بعضهم لا تحصل بالمرآة أو بالماء، فإذا رأى المشتري المبيع بالمرآة، فلا يسقط خياره، لأنه لم يرعين المبيع ، وإنما رأى مثاله. والأصح أنه رأى عين المبيع (١) (٢) تحفة الفقهاء: ١٢٤/٢ وما بعدها . البدائع: ٢٩٤/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٧٠/٤ - ١٠٦. - ٥٨٦ - لا غير المبيع؛ لأن المقابلة ليست من شرط الرؤية، فإنا نرى الله عز وجل بلا مقابلة . ولكن بما أنه قد لا يحصل للمشتري العلم بهيئة المبيع لتفاوت المرآة في التكبير والتصغير فيعلم بأصله، لا بهيئته، فيثبت له الخيار، لا لما قالوا (١). وبناء عليه لو اشترى سمكاً في بحرة صغيرة يمكن أخذه منها من غير اصطياد وحيلة، حتى جاز البيع، فرآه في الماء، ثم أخذه : قال بعضهم : يسقط خياره لأنه رأى عين المبيع . وقال بعضهم: لا يسقط خياره، وهو الصحيح، لأن الشيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته على حقيقته، فله الخيار(٢). مذاهب غير الحنفية : قال المالكية: يجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل واللفت والكرنب والقلقاس بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، وأن يحزر إجمالاً، ولا يجوز بيع شيء منه من غير حزر بالقيراط أو الفدان أو القصبة(٣). وقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز بيع شيء مغيب في الأرض كالفجل والجزر والبصل والثوم ؛ لأنه بيع مجهول مشتمل على الغرر(4). البيع بالنموذج(٥) : قد يرى المشتري بعض المبيع دون سائره، فيصح البيع ويلزم عند جمهور الفقهاء إن کان المرئي يدل على غير المرئي دلالة كاملة، ونذكر (١) البدائع : ٢٩٥/٥ . (٢) البدائع ، المرجع السابق. (٣) الشرح الكبير والدسوقي: ١٨٦/٣، بداية المجتهد: ١٥٦/٢ . (٤) المجموع: ٣٣٨/٩، المغني: ٩١/٤. يعبر أكثر الفقهاء عن هذا البيع ببيع الأنموذج، والأصح النموذج، وهو لفظ معرب، أما التعبير الأول فهو لحن (٥) شائع . - ٥٨٧ - هنا حكم البيع بالنموذج عند الفقهاء باعتباره صورة متعارفة من صور البيع برؤية بعض المبيع . مثاله : أن يشتري شخص كمية كبيرة من القمح بعد أن يرى نموذجاً منه . وهذا لا يكون إلا في المثليات كالحبوب والأقطان والكتان ونحوها . وحكمه : أنه يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، ولا يجوز عند الحنابلة والظاهرية على التفصيل الآتي : قال الحنفية(١): يجوز بيع المكيل والموزون برؤية بعضه، لجريان العادة بالاكتفاء بالبعض في الجنس الواحد، ولوقوع العلم به بالباقي، إلا إذا كان الباقي أردأ ، فيكون للمشتري الخيار فيه، وفيما رأى، لئلا يلزم تفريق الصفقة قبل تمام البيع. والأصح أن هذه الرؤية للبعض تكفي سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءین کما قدمنا . ويلاحظ أن الثياب أصبحت في وقتنا الحاضر من المثليات . وقال المالكية(٢): يجوز البيع برؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن وكتان، بخلاف القيمي كعدل مملوء من القماش فلا يكفي رؤية بعضه على ظاهر المذهب . وقال الشافعية(٣): في بيع النموذج ثلاثة أوجه: أحدها الصحة، والثاني البطلان، وأصحها : إن دخل النوذج في البيع، صح، وإلا فلا . وقال الحنابلة(٤): لا يصح بيع النموذج، فلو رأى البائع المشتري صاعاً من صبرة تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي عليه: ٢٦/٤ . (١) (٢) الشرح الكبير للدردير: ٢٤/٣. (٣) المجموع للنووي: ٣٢٧/٩، ٣٣٣ وما بعدها . غاية المنتهى: ١٠/٢، كشاف القناع: ١٥٢/٣، ط مكة. - ٥٨٨ - قمح مثلاً، ثم باعه الصبرة على أنها من جنسه، فلا يصح البيع، لأنه يشترط عندهم رؤية المتعاقدين المبيع رؤية مقارنة للبيع، وذلك برؤية جميع المبيع أو بعض منه يدل على بقيته، كأحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر صبرة متساوية الأجزاء من حب وتمر، وما في ظروف من جنس متساوي . وقال الظاهرية (١) : لا يجوز بيع النموذج . التوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض : لو وكل المشتري رجلاً بالنظر إلى ما اشتراه، ولم يره فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء ؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في النظر؛ لأنه جعل الرأي اليه . وأما إذا وكله بقبض ما اشتراه قبل رؤيته، فتقوم رؤية الوكيل مقام رؤية الموكل، فيسقط خياره عند أبي حنيفة . وعند الصاحبين : لا يسقط خياره بقبض الو کیل مع رؤيته، لأنه وكله بالقبض لا بإسقاط الخيار، فلا يملك إسقاطه ، كما لا يملك إسقاط خيار الشرط ، ولا خيار العيب. ويرى أبو حنيفة أنه لافرق بين الوكيل بقبض الشيء المشترى وبين الوكيل بالشراء، ورؤية هذا كافية عن رؤية الموكل، وبها يسقط الخيار إجماعاً؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل باتمام الشيء، ومن تمام القبض إسقاط الخيار(٢). واتفقوا على أنه إذا أرسل المشتري رسولاً بقبض المبيع، فرآه الرسول ورضي به، كان المرسل على خياره. والفرق بين الوكيل والرسول : هو أن الوكيل أصل في نفس القبض ، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان إتمام القبض إلى الوكيل . أما الرسول فهو نائب في القبض عن المرسل، فكان قبضه قبض المرسل ، فإتمام القبض إلى المرسل(٣). (١) المحلى : ٤٥٧/٨ . (٢) البدائع: ٢٩٥/٥ وما بعدها، فتح القدير: ١٤٥/٥ . (٣) البدائع، المرجع السابق . - ٥٨٩ - واتفقوا في خيار العيب على أنه إذا وكل رجلاً بقبض المبيع، فقبض الوكيل وعلم بالعيب ورضي به : لا يسقط خيار الموكل . واختلف مشايخ الحنفية في خيار الشرط ، فقال بعضهم : إن الاختلاف السابق بين أبي حنيفة وصاحبيه يجري هنا . وقال بعضهم : لا يسقط بالاتفاق . وقال الشافعية: الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد(١). والذي نخلص منه في تحقق رؤية المبيع : أن الرؤية المقصودة ليست هي النظر بالعين خاصة، وإنما تكون في كل شيء بحسبه، وبالحاسة التي يطلع بها على الناحية المقصودة منه ، فشم المشمومات ، وذوق المطعومات ولمس ما يعرف باللمس، وجس مواطن السمن في شاة الذبح وإن لم ينظر لونها، وجس الضرع في شاة اللبن : يعد رؤية كافية في هذه الأشياء، وإن لم تشترك العين فيها، ولا يكفي النظر بالعين فقط(٢) كما أوضحنا تفصيله . وهذا بالنسبة للبصير. وكذا الأعمى يعد اطلاعه على هذه الأشياء التي تعرف بغير حاسة النظر رؤية كافية كاطلاع البصير، فيكتفي بالجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، وأما ما يعرف بالنظر فوصفه للأعمى يقوم مقام نظره. فإن اشتری الأعمى ثماراً على رؤوس الشجر، فیعتبر الوصف لا غير، في أشهر الروايات . وإذا اشترى الأعمى داراً أو عقاراً، فالأصح من الروايات أنه يكتفى بالوصف. وعند زوال العمى : لا يعود له الحق في الخيار؛ لأن الوصف في حقه کالبديل أو ((الخلف)) عن الرؤية، لعجزه عن الأصل، والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود (١) المجموع : ٣٢٩/٩. (٢) عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء : ص٤٦ . - ٥٩٠ - بالبديل ، لا يبطل حكم البديل، كمن صلى بطهارة التيم، ثم قدر على الماء ونحوه(١). أما البصير لو اشترى شيئاً لم يره فوصف له، فرضي به فلا يسقط خياره، لأنه لا عبرة للبديل مع القدرة على الأصل . الاختلاف في الرؤية : لو اختلف البائع والمشتري، فقال البائع: (( بعتك هذا الشيء، وقد رأيته )). وقال المشتري: (( لم أره )) فالقول قول المشتري بيمينه ؛ لأن البائع يدعي إلزام العقد، والمشتري منكر، فيكون القول قوله، ولكن بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ ولزوم العقد، وهذا مما يصح الإقرار به، فيجري فيه الاستحلاف(٢). الرؤية منذ زمن : من رأى شيئاً ثم اشتراه بعد مدة كشهر، ونحوه : فإن كان على الصفة التي رآه عليها ، فلا خيار له، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة. وإن وجده متغيراً فله الخيار، لأن تلك الرؤية لم تقع مُعْلِمة بأوصافه، فكانت رؤيته وعدمها سواء . 5 فإن اختلف البائع والمشتري في التغير، فقال البائع: (( لم يتغير)) وقال المشتري: ((تغير)) فالقول قول البائع مع يمينه ؛ لأن دعوى التغير دعوى أمر حادث، والأصل عدمه، فلا تقبل إلا ببينة، بخلاف ما إذا اختلف في الرؤية يكون القول للمشتري مع يمينه كما بينا؛ لأن البائع يدعي أمراً عارضاً: هو العلم بصفة المبيع (٣). المبسوط: ٧٧/١٣، فتح القدير: ١٤٦/٥ وما بعدها، البدائع: ٢٩٨/٥، رد المحتار: ٧٠/٤ وما بعدها . (١) (٢) فتح القدير: ١٥٠/٥، رد المحتار : ٧٢/٤ . فتح القدير : ١٤٩/٥، رد المحتار : المرجع السابق . (٣) الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٨) - ٥٩١ - المطلب السادس - مسقطات الخيار لا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط الصريح، كأن يقول المشتري: ((أسقطت خياري )) لا قبل الرؤية ولا بعدها ، بخلاف خيار الشرط، وخيار العيب. والفرق هو أن خيار الرؤية ثبت شرعاً ، لحكمة فيه ، فلا يملك الإنسان إسقاطه، كما في خيار الرجعة بالنسبة للمرأة المطلقة، فإن الإنسان لا يملك إسقاطه لثبوته شرعاً، ما دامت المرأة في العدة ، بخلاف خيار الشرط ، فإنه يثبت بشرط المتعاقدين ، فجاز أن يسقط باسقاطهما . وكذلك خيار العيب : فإن سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري، فكان ذلك كالمشروط صراحة(١). وإنما يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع بأحد نوعين : فعل اختياري أو ضروري ، والاختياري نوعان : صريح الرضا ونحوه ، ودلالة الرضا . فالصريح: كأن يقول: ((أجزت البيع، أو رضيت أو اخترت )) أو ما يجري مجرى الصريح ، سواء علم البائع بالإجازة أم لم يعلم. ودلالة الرضا: هو أن يوجد تصرف في المبيع بعد الرؤية لاقبلها يدل على الإِجازة والرضا، كما إذا قبض المبيع بعد الرؤية ، لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع ؛ لأن للقبض شبهاً بالعقد (٢). وبناء عليه : إذا وهب المشتري المبيع من غيره ولم يسلمه أو عرضه على البيع ونحوهما قبل الرؤية : لا يسقط الخيار؛ لأنه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة الرضا . ولو رهن المشتري المبيع وسلمه أو آجره من رجل، أو باعه، على أن المشتري (١) البدائع : ٢٩٧/٥ ٠ (٢) البدائع : ٢٩٥/٥ ، فتح القدير: ١٤١/٥. - ٥٩٢ - بالخيار: سقط خياره، قبل الرؤية وبعدها، حتى إن المشتري لو افتك الرهن بدفع الدين ، أو مضت مدة الإجارة، أو رده على المشتري بخيار الشرط ، ثم رآه لا يكون له الرد بخيار الرؤية ، لأنه أثبت حقاً لازماً لغيره بهذه التصرفات ، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار، فيبطل ضرورة لأنه لا فائدة فيه(١). وأما الفعل الضروري المسقط لخيار الرؤية : فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع ضرورة من غير صنع المشتري، مثل موت المشتري عند الحنفية ، خلافاً للشافعي كما بينا في خيار الشرط . ومثل : إجازة أحد الشريكين دون الآخر ما اشترياه ولم يرياه عند أبي حنيفة . وكذا هلاك المبيع كله، أو بعضه، وزيادته زيادة منفصلة أو متصلة متولدة ، أو غير متولدة على التفصيل السابق ذكره في خيار الشرط (٢). قال الكاساني: (( والأصل أن كل ما يبطل خيار الشرط والعيب : يبطل خيار الرؤية إلا أن خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإسقاط، وخيار الرؤية لا يسقط بصريح الإسقاط، لا قبل الرؤية ولا بعدها)»(٣)؛ لأن خيار الرؤية ثبت شرعاً حقاً لله تعالى(٤)، فلا يسقط بإسقاط المتعاقد قصداً، وخيار الشرط والعيب ثابتان باشتراط المتعاقدين ، فكان لمن ثبت له خيار منها إسقاطه قصداً متى أراد ، لأنه حقه ، کما بینا تفصيله . وقال المرغيناني : ما يبطل خيار الشرط من تعيب أو تصرف يبطل خيار الرؤية، ثم إن كان تصرفاً لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير، أو تصرفاً يوجب حقاً البدائع: ٢٩٦/٥، تحفة الفقهاء: ١٣٠/٢ ومابعدها، فتح القدير: ١٤١/٥. (١) (٢) البدائع : ٢٩٦/٥ ومابعدها ، فتح القدير : ١٤١/٥، ١٤٩. (٣) البدائع : ٢٩٧/٥ . أي لرعاية مصالح الأفراد العامة أو إن هذا من قبيل النظام العام الذي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافه . (٤) - ٥٩٣ - للغير كالبيع المطلق والرهن والإجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها ؛ لأنه لما لزم، تعذر الفسخ، فبطل الخيار. وإن كان تصرفاً لا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار والمساومة والهبة من غير تسليم ، لا يبطله قبل الرؤية لأنه لا يربو على صريح الرضا ( أي وصريح الرضا لا يبطل خيار الرؤية قبل الرؤية ) ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا(١) . المطلب السابع - ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ ما ينفسخ به العقد : ينفسخ العقد بسبب خيار الرؤية بالتصريح بالفسخ ونحوه، كأن يقول، فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحوه مما يجري هذا المجرى، أو بهلاك المبيع قبل القبض ، لذهاب ركن البيع(٣). شروط الفسخ : يشترط لصحة الفسخ شروط : ١ - أن يكون الخيار موجودً؛ لأن الخيار إذا سقط بشيء مما تقدم، لزم العقد، فلا يحتمل النقض بالفسخ . ٢ - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع، برد بعض المبيع وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً عليه، ولأن خيار الرؤية - قبل القبض وبعده - يمنع تمام الصفقة، وتجزئتها قبل تمامها باطل بلا ريب. ٣ - أن يعلم البائع بالفسخ، ليكون على بينة من أمره، وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف: فلا يشترط علم البائع، على ما تقدم في خيار الشرط(٣). الهداية مع فتح القدير : ١٤١/٥ ومابعدها . (١) (٢) البدائع : ٢٩٨/٥ . البدائع ، المرجع السابق . (٣) - ٥٩٤ _ ويلاحظ أخيراً أن خيار الرؤية لا يورث كما لا يورث خيار الشرط إذا مات المشتري مثلاً بعد ثبوت الخيار له، لأن ((الخيار ثبت بالنص للعاقد، والوارث ليس بعاقد، فلا يثبت له، لأن الخيار وصف له، فلا يجري فيه الإرث )» كما قال الزيلعي والحنابلة(١) . وقال مالك: يورث خيار الرؤية، كما يورث خبار التعيين والعيب ؛ لأن الإرث كما يثبت في الأملاك ، يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع(٣). وهذا أقرب إلى المنطق ؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار(٣). المبحث السادس - بعض أنواع البيع تمهيد : ينقسم البيع بالنسبة للبدلين إلى أنواع أربعة (٤): الأول - بيع المقايضة: وهو بيع العين بالعين، كمبيع السلع بأمثالها ، نحو بيع الثوب بالحنطة ، وغيره . الثاني - البيع المطلق: وهو بيع العين بالدين ، نحو بيع السلع بالأثمان المطلقة : وهي الدراهم والدنانير، وبيعها بالفلوس الرائجة ( وهي قطع معدنية اصطلح الناس على أنها نقود صالحة للتعامل ) وبالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة، والعددي المتقارب الموصوف في الذمة . الثالث - الصرف: وهو بيع الدين بالدين، وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق : وهو الدراهم والدنانير، أو كل عملة نقدية رائجة في الأسواق . (١) تبيين الحقائق: ٣٠/٤، غاية المنتهى : ٣٣/٢. (٢) البدائع : ٢٦٨/٥، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: ٢١١/١ ، الشرح الصغير: ١٤٥/٣ .. (٣) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٤٧٧، ٤٨٧ . راجع المبسوط : ٨٤/١٥ ومابعدها . (٤) - ٥٩٥ _ الرابع - السلم: وهو بيع الدين بالعين، فإن المسلم فيه بمثابة المبيع وهو دین ، ورأس المال بمثابة الثمن، وقد يكون عيناً، وقد يكون ديناً، ولكن يشترط قبضه قبل افتراق العاقدين عن المجلس ، فيصير عيناً . ولا يشترط القبض في النوعين الأولين : وهما بيع المقايضة، والبيع المطلق أي العادي الغالب. ويشترط القبض في النوعين الأخيرين ، ففي الصرف يشترط قبض البدلين، وفي السلم يشترط قبض أحد البدلين: وهو رأس المال، كما ذكرنا . وينقسم البيع أيضاً بالنظر إلى الثمن إلى أربعة أقسام: ١ - بيع المرابحة: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح معين . ٢ - بيع التولية: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول (أي برأس المال) من غير زيادة ولانقصان . ٣ - بيع الوضيعة: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه أي البيع بخسارة معينة . ٤ - بيع المساومة: وهو مبادلة المبيع بما يتراضى عليه العاقدان ؛ لأن البائع يرغب كتمان رأس المال، وهذا هو البيع الشائع الآن.6 وهناك أنواع أخرى من البيوع مثل ((الاستصناع)) المعروف من قديم، وهو بيع ماسيصنع قبل صنعه، ومثل ((الضمان)) وهو بيع الثمار على أشجارها (١). وسنتكلم فيما يلي عن السلم والصرف، والمرابحة والتولية والاستصناع، وقد تكلمنا عن البيع المطلق ، ولكن بقي شيئان يتعلقان به وهما الربا وإقالة البيع نذكرهما هنا أيضاً. (١) البدائع: ١٣٤/٥، فتح القدير: ٣٢٣/٥، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ١١ وما بعدها . - ٥٩٦ - -١ - عقد السلم خطة الموضوع : نتكلم عن هذا العقد في المطالب الآتية : المطلب الأول - مشروعية السلم. المطلب الثاني - تعریف السلم ورکنه. المطلب الثالث - شروط السلم . المطلب الرابع - حكم السلم . المطلب الخامس - أوجه الاختلاف بين البيع والسلم. الله تعالى المطلب الأول - مشروعية السلم السلم مشروع في الكتاب والسنة وإجماع الأمة : أما الكتاب : فقد فسرت به آية الدين : وهي قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) الآية، قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ، ثم قرأ هذه الآية(١). (١) نصب الراية: ٤٤/٤، التلخيص الحبير: ص ٢٤٢، والحديث رواه الشافعي والطبراني والحاكم والبيهقي. - ٥٩٧ - وأما السنة: فما روى ابن عباس أن رسول الله مؤ تمٍ قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم إلى أجل معلوم))(١). وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم أو على الزروع ونحوها حتى تنضج، فجوزلهم السلم دفعاً للحاجة . وقد استثني عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم ، لما فيه من تحقيق مصلحة اقتصادية، ترخيصاً للناس، ونيسيراً عليهم(٢). المطلب الثاني - تعريف السلم وركنه تعريف السلم : السلم أو السلف: بيع أجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المثمن لأجل، وبعبارة أخرى: هو أن يسلم عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل(٢). وعرفه الشافعية والحنابلة بقولهم : هو عقد غلى موصوف بذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس عقد (٤). أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن ابن عباس (انظر جامع الأصول: ١٧/٢، نصب الراية: ٤٦/٤، تخريج (١) أحاديث تحفة الفقهاء: ٤/٢). المبسوط: ١٢٤/١٢، فتح القدير: ٣٢٣/٥، البدائع: ٢٠١/٥، رد المحتار: ٢١٢/٤، بداية المجتهد: ١٩٩/٢، مغني (٢) المحتاج: ١٠٢/٢، المغني: ٢٧٥/٤ . المراجع السابقة، ويلاحظ أن السلم والسلف بمعنى واحد في لغة العرب، والسلم لغة أهل الحجاز والسلف لغة (٣) أهل العراق . غاية المنتهى: ٧١/٢، مغني المحتاج: ١٠٢/٢، كشاف القناع: ٢٧٦/٣. (٤) - ٥٩٨ - وعرفه المالكية بأنه بيع يتقدم فيه رأس المال ويتأخر المثمن لأجل(١). ويشترط فيه ما يشترط في البيع، ويزاد فيه شرائط خاصة سنعرفها . ركنه: ركن السلم هو الإيجاب والقبول. والإيجاب عند الحنفية والمالكية والحنابلة: هو لفظ السلم والسلف والبيع، بأن يقول رب السلم: ((أسلمت إليك في كذا)) أو أسلفت، وقال الآخر: ((قبلت)) أو يقول المسلم إليه: ((بعت منك كذا)) وذكر شرائط السلم، فقال رب السلم: ((قبلت))(٢). وقال زفر والشافعية: لا ينعقد السلم إلا بلفظ السلم أو السلف؛ لأن القياس ألا ينعقد أصلاً، لأنه بيع المعدوم ، إلا أن الشرع ورد بجوازه بهذين اللفظين. وفي لفظ البيع وجهان عند الشافعية : بعضهم قال: لا ينعقد السلم بلفظ البيع، وإلا كان بيعاً؛ لأن السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه، وبعضهم الآخر قال: ينعقد، لأنه نوع بيع، يقتضي القبض في المجلس ، فانعقد بلفظ البيع كالصرف(٣). ويسمى المشتري: ((رب السلم)) أو ((المسلم))، والبائع: يسمى ((المسلم إليه))، والمبيع: ((المسلَم فيه))، والثمن: ((رأس مال السلّم)».٥ وأركان السلم عند غير الحنفية ثلاثة كالبيع: عاقد (مسلم ومسلم إليه) ومعقود عليه ( رأس مال السلم والمسلم فيه) وصيغة (ايجاب وقبول). المطلب الثالث - شروط السلم يشترط في السلم شروط منها في رأس المال، ومنها في المسلم فيه، وقد اتفق أئمة المذاهب على أن السلم يصح بستة شروط : هي أن يكون في جنس معلوم ، بصفة (١) الشرح الكبير: ١٩٥/٣ . (٢) البدائع: ٢٠١/٥، غاية المنتهى، المكان السابق. (٣) مغني المحتاج: ١٠٢/٢، المهذب: ٠.٢٩٧/١ - ٥٩٩ - معلومة ، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال، وتسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة ونفقة . واتفقوا أيضاً على جواز السلم في المكيلات والموزونات والمزروعات والمعدودات المتقاربة كالجوز واللوز والبيض ، ونحوها ، كما سنفصل . واختلفوا في شروط تتعلق برأس المال وبالمسلم فيه، وفي إقالة بعض السلم ، وسنذكر هذه الشروط والخلاف في أهمها . شروط رأس مال السلم، أي (الثمن ) اشترط الحنفية في رأس المال ستة شروط : ١ - بيان الجنس : أي أنه دراهم أو دنانير، أو من المكيل: حنطة أو شعير، أو من الموزون : قطن أو حديد ، ونحوها . ٢ - بيان النوع: إذا كان في البلد نقود، مثل دنانير نيسابورية أو دراهم غطريفية(١) أو حنطة سقية أو بعلية. فإذا كان في البلد نقد واحد، فيكتفى بذكر الجنس ، وينصرف إليه لتعينه عرفاً . ٣ - بيان الصفة : أي أنه جيد أو وسط أو رديء واشتراط هذه الشروط الثلاثة لإزالة الجهالة في العقد ؛ لأن جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية إلى المنازعة، ومثل هذه الجهالة تفسد البيع (٢). ٤ - إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد فيه بالقدر من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة، ولا يكتفى بالإشارة اليه. وهذا الشرط عند أبي حنيفة وسفيان الثوري، فإذا قال رب السلم: ((أسلمت إليك هذه الدراهم أو الدنانير)» وأشار نسبة إلى غطريف بن عطاء الكندي، أمير خراسان في عهد الرشيد . (١) (٢) البدائع: ٢٠١/٥، فتح القدير: ٣٣٧/٥، رد المحتار: ٢١٥/٤.