Indexed OCR Text

Pages 521-540

فإن زاد عليها ، لم يصح العقد؛ لأنه صار شرطاً فاسداً.
٣ - خيار العيب عند الاطلاع عليه، سواء أكان موجوداً قبل البيع ، أم بعده
وقبل القبض ، لثبوت ذلك في خبر الترمذي وغيره .
٤ - خيار تلقي الركبان إذا وجدوا السعر أغلى مما ذكره المتلقي ، لثبوته في خبر
الصحيحين .
٥ - خيار تفرق الصفقة بعد العقد كتلف أحد المبيعين قبل القبض ، أو قبل
العقد كبيع حلال وحرام إن جهل المشتري الحال .
٦ - خيار فقد الوصف المشروط في العقد: أي وصف يقصد، ليخرج غيره
كالزنا والسرقة ، فإنه لا خيار بفقده .
٧، ٨- الخيار لجهل الغصب مع القدرة على انتزاع المعقود عليه من الغاصب،
دفعاً للضرر، ولطريان العجز عن انتزاعه من الغاصب، مع العلم بالغصب .
٩ - الخيار لجهل كون المبيع مكترى أو مزروعاً.
١٠ - الخيار للامتناع من الوفاء بالشرط الصحيح، كشرط رهن أو كفيل في
البيع .
١١ - الخيار للتحالف فيما إذا اتفقا على صحة العقد، واختلفا في كيفيته،
فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم إن لم يتراضيا .
١٢ - الخيار للبائع لظهور زيادة الثمن في المرابحة: فلوقال البائع: اشتريت
هذا بمائة ، وباعه بمائة، وربح درهم لكل عشرة، ثم زعم أنه كان اشتراه بمائة وعشرة،
وصدقه المشتري، ثبت للبائع الخيار.
١٣ - الخيار للمشتري لاختلاط الثمرة المبيعة بالمتجددة قبل التخلية، إن لم يهبه
البائع ما تجدد .
- ٥٢١ -

١٤ - الخيار للعجز عن الثمن: بأن عجز عنه المشتري، والمبيع باق عنده، لثبوت
ذلك في الصحيحين .
١٥ - الخيار لتغير صفة ما رآه قبل العقد، وإن لم يكن عيباً.
١٦ - الخيار لتعيب الثمرة بترك البائع السقي بعد التخلية .
وقال الحنابلة(١) : الخيار ثمانية أنواع:
خيار المجلس، والشرط، والغبن، والتدليس، والعيب، والخيانة، وخيار
اختلاف المتبايعين في الثمن ، والمؤجر والمستأجر في الأجرة، وخيار تفرق الصفقة .
وسنبحث بعون الله تعالى بالتفصيل الخيارات الثلاثة المشهورة : وهي خيار
الشرط ، وخيار العيب، وخيار الرؤية . أما بقية الخيارات فنكتفي ببيانها الإجمالي،
علماً بأن خيار المجلس سبق الكلام عليه تفصيلاً.
أ - خيار الوصف (٢)، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه :
هو أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع
حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد. مثاله أن
يشتري شيئاً يشترط فيه صفقة معينة غير ظاهرة ، وإنما تعرف بالتجربة، ثم يتبين
عدم وجودها ، أو يشتري بقرة على أنها حلوب ، فظهرت غير حلوب، أو يشتري
جوهرة على أنها أصلية، فظهرت أنها تقليد صناعي للأصلية، فيكون المشتري مخيراً
إن شاء فسخ البيع ، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى ؛ لأن هذا وصف مرغوب
فيه، يستحق في العقد بالشرط ، فإذا فات أوجب التخيير؛ لأن المشتري ما رضي به
دونه ، فصار كفوات وصف السلامة .
(١)
كشاف القناع: ١٦٦/٣، ١٨٦ - ١٨٧، ١٩٠، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٣، ٢١٧، ٢٢٤، ط مكة.
(٢)
رد المحتار: ٤٩/٤، المجلة: م /٣١٠ - ٣١٢، فتح القدير: ١٣٥/٥ وما بعدها .
- ٥٢٢ -

وأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية : فهو لأن الأوصاف لا يقابلها شيء
من الثمن ، لكونها تابعة في العقد .
ودليل مشروعيته الأخذ باستحسان المصلحة على خلاف القياس . ويعده
الشافعية والحنابلة داخلاً في خيار العيب .
وشروطه ثلاثة :
اً - أن يكون الوصف المشروط مباحاً شرعاً: فإذا كان حراماً لم يصح.
٣ - أن يكون الوصف مرغوباً فيه عادة: فإذا لم يكن مرغوباً فيه في العرف، لغا
الشرط، وصح البيع ، ولا خيار، مثل وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، فمن
اشترى شيئاً على أنه ذكر فإذا هو أنثى ، صح البيع ولم يثبت الخيار.
٣ - ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤدياً إلى جهالة مفضية للمنازعة؛
فإن فعل فسد البيع والشرط، كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلاً
يومياً ، فهذا شرط فاسد ؛ لأنه لا يمكن ضبطه .
أحكام هذا الخيار:
أ - يورث خيار الوصف، فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف، فظهر المبيع
خالياً من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ .
ب - إذا تصرف المشتري الذي له خيار الوصف بالمبيع تصرف الملاك ، بطل
خياره .
جـ - يثبت للمشتري الحق في فسخ البيع أو استبقاء المبيع بجميع الثمن ، فإن
هلك المبيع أو تعيب في يده، فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات
الوصف المرغوب فيه، ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف، وبدون الوصف ،
ويضمن المشتري الفرق بينهما .
- ٥٢٣ -

٢ - خيار النقد(١):
هو فرع عن خيار الشرط ، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع بالنسيئة أن
المشتري إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين ، وهو ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما . فإن اشترى
على هذا النحو على أنه إن لم ينقد ( يدفع) الثمن إلى أربعة أيام ، لم يصح خلافاً لمحمد ؛
لأن هذه هي المدة المشروعة في خيار الشرط. وراعى محمد مصلحة العاقدين في
اشتراطه إلى أي مدة كانت .
فإن نقد في مدة الثلاثة الأيام، جاز باتفاق الحنفية؛ لأن خيار النقد ملحق
بخيار الشرط. وهو جائز أيضاً عند الحنابلة كشرط الخيار، لكن ينفسخ البيع عندهم
إن لم ينقد المشتري الثمن في المدة أو هو أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا رد الثمن
إلى المشتري في مدة ثلاثة أيام ، فلا بيع بينهما ، فله وجهان إذاً .
والفرق بينه وبين خيار الشرط : أن الأصل في خيار الشرط اللزوم ، فإذا انتهت
المدة المشروطة دون فسخ، لزم. أما خيار النقد فالأصل فيه عدم اللزوم ، فإذا لم ينقد
الثمن في الثلاث فسد البيع إذا بقي المبيع على حاله، ولا ينفسخ ، بدليل أن المشتري
يتملك المبيع بالقبض . وعند الحنابلة : ينفسخ البيع، وقد أجازه الحنفية عدا زفر؛
لأنه داخل في خيار الشرط ، ولم يجزه زفر؛ لأنه شرط ليس من مقتضى العقد ، وفيه
مصلحة لمن شرط له .
حكم سقوطه :
١ - إذا مات المشتري الخير بخيار النقد في أثناء مدة الخيار، بطل البيع .
٢ - إذا تصرف المشتري بالمبيع بالبيع ونحوه في مدة الخيار، قبل أن ينقد الثمن ،
(١) المبسوط: ٥٠/١٣، فتح القدير مع العناية: ١١٤/٥ وما بعدها، رد المحتار والدر المختار: ٥١/٤، المجلة:
م/٣١٣ _٣١٥، كشاف القناع: ١٨٤/٣.
- ٥٢٤ _

سقط خياره ، وصح بيعه ولزم، ولزم المشتري نقد الثمن .
٣ - إذا أتلف المشتري أو الأجنبي المبيع في مدة الخيار بعد القبض، سقط به
الخيار، للعجز عن الرد .
٤ - إذا أحدث المشتري في المبيع عيباً يمنع رده للبائع، ولم ينقد الثمن ، سقط
الخيار، ويخير البائع حينئذ بين أخذ المبيع ناقصاً، ولا شيء له من الثمن ، وبين تركه
وأخذ الثمن .
٣ - خيار التعيين(١):
هو أن يتفق العاقدان على تأخير تعيين المبيع الواجب التعيين إلى أجل ، على أن
يكون حق تعيينه لأحدهما ، مثل أن يشتري أحد ثوبين أو ثلاثة غير معين على أن
يأخذ أيهما شاء، على أنه بالخيار ثلاثة أيام .
وله وجهان كخيار النقد : إما أن يأخذ المشتري أحد الأشياء المبيعة بالثمن الذي
بينه له البائع لكل واحد، أو يعطي البائع أي واحد أراد من الأشياء المعينة ، وله أن
يلزم المشتري به إلا إذا تغيب فلا يلزمه إلا بالرضا. ولو هلك أحدهما كان له أن
يلزمه بالباقي .
وقد أجازه الحنفية استحساناً لحاجة الناس إليه، بالرغم من الجهالة ، عملاً
بالمصلحة والعرف للحاجة إلى اختيار ما هو الأوفق والأرفق ، وأبطله الشافعية
والحنابلة للجهالة .
والأصح عند الحنفية أنه لا يشترط اقترانه بخيار الشرط ، وإنما يجوز للعاقدين
ذلك .
شروطه : اشترط الحنفية لهذا الخيار شروطاً هي ما يأتي :
(١) فتح القدير مع العناية: ١٢٥/٥، ١٣٠، رد المحتار: ٦٠/٤ وما بعدها، المجلة: م٣١٦ -٣١٩.
- ٥٢٥ -

١ - أن يكون التخيير على شيء من اثنين أو ثلاثة فقط: فإذا كان على شيء من
أربعة لم يجز؛ لأن الحاجة في الثلاثة، لانقسام الأشياء إلى جيد ووسط ورديء .
٢ - أن يوافق البائع صراحة على خيار التعيين: بأن يقول للمشتري: بعتك أحد
الشيئين أو الثلاثة على أنك بالخيار في واحد منها ، فإن لم يوافق على ذلك، فسد البيع
للجهالة .
٣ - أن يكون البيع في القيميات كأنواع الألبسة والمفروشات، لا في المثليات
كالكتب المطبوعة الجديدة ، لعدم الفائدة في التخيير بينها لعدم تفاوتها .
٤ - أن تكون مدته كمدة خيار الشرط: وهي ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي
مدة معلومة كانت عند الصاحبين .
أحكامه :
أ - يلزم البيع في واحد غير معين من أفراد المبيع المتفق عليها، ويلزم صاحب
الحق في الخيار أن يعين الشيء الذي يأخذه في انقضاء المدة التي عينت ودفع ثمنه .
ب- يورث هذا الخيار عند الحنفية، بخلاف خيار الشرط، فلومات من له
الخيار قبل التعيين، يكون الوارث مجبراً أيضاً على تعيين أحد المبيعات ودفع ثمنه .
جـ ـ هلاك أو تعيب أحد الأشياء أو كلها:
إذا هلك أحد المبيعين تعين الآخر مبيعاً، وكان الباقي أمانة في يد المشتري . وإذا
هلك المبيعان معاً، ضمن المشتري نصف ثمن كل منهما لعدم التعيين، وإن هلك
المبيعان على التعاقب، تعين الأول مبيعاً. فلو اختلف العاقدان في الهالك أولاً ،
فالقول للمشتري بیینه، وبینة البائع أولى .
والتعيب كالهلاك في الأحوال المذكورة. ولو باع المشتري المبيعين ثم اختار
أحدهما ، صح بيعه فيه. والمبيع مضمون بالثمن ، وغيره أمانة .
- ٥٢٦ -

٤ - خيار الغين(١) :
هذا الخيار مشروع عند الحنفية إذا اشتمل الغبن على تغرير، فيسمى خيار الغبن
مع التغرير: وهو أن يغرر البائع المشتري أو بالعكس تغريراً قولياً وهو التغرير في
السعر، أو تغريراً فعلياً وهو التغرير في الوصف، ويكون الغبن فاحشاً: وهو مالا
يدخل تحت تقويم المقومين . أما الغبن اليسير: وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين ،
فلا يؤثر، إذ لا يتحقق كونه زيادة، أما الفاحش فزيادته متحققة(٢). فيثبت
حينئذ حق إبطال العقد دفعاً للضرر عنه .
والتغرير القولي في السعر: كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر:
يساوي هذا الشيء أكثر ولا تجد مثله، أو دفع لي فلان فيه كذا، وكل ذلك كذب .
والتغرير الفعلي في الوصف : يكون بتزوير وصف في محل العقد يوهم المتعاقد
في المعقود عليه مزية ما غير حقيقية، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بجعل الجيد
منها في الأعلى، وجعل الرديء منها في الأسفل. ومنه التصرية: جمع اللبن في
الضرع، وهي حرام، توجب الخيار للعاقد المغرور كفوات الصفة المشروطة. أما
تدليس العيب : وهو كتمان أحد المتعاقدين عيباً خفياً يعلمه في محل العقد عن المتعاقد
الآخر في عقود المعاوضة ، فهو المسمى عندهم خيار العيب.
وحكمه: إعطاء المغبون المغرور حق خيار فسخ العقد دفعاً للضرر عنه، نظراً
لعدم تحقق رضاه، بسبب التغرير والغبن الفاحش. وإذا مات المغرور بغبن فاحش
لا تنتقل دعوی التغرير لوارثه .
ويسقط حق المغرور في الفسخ للمشتري إذا تصرف في المبيع بعد أن اطلع على
رد المحتار: ٤ /٤٧، المجلة: م / ٢٥٦ - ٣٦٠.
(١)
(٢) البدائع: ٣٠/٦.
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٤)
- ٥٢٧ -

الغبن الفاحش، أو بنى بناء في الأرض المشتراة، أو إذا هلك المبيع أو استهلك أو
حدث فيه عيب .
وقال الحنابلة(١) : هناك خيار غبن، وخيار تدليس، وخيار عيب.
أما خيار الغبن عند الحنابلة فیثبت في ثلاث صور:
إحداها - تلقي الركبان : وهم القادمون من السفر بجلوبة : (وهي ما يجلب
للبيع) وإن كانوا مشاة ، وهو عند الجمهور: يحرم، وقال الحنفية : یکره، ولو كان
تلقيهم بغير قصد التلقي لهم. فإذا اشترى المتلقي منهم أو باعهم شيئاً، ثبت لهم الخيار
إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة، لقوله عليه السلام:
((لا تلقوا الجَلَب فمن تلقاه فاشترى منه ، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار))(٢).
والثانية - النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها. وهو
حرام ، لما فيه من تغرير المشتري وخديعته، فهو في معنى الغش، ويثبت للمشتري
بالنجش الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد .
ولا يتم النجش إلا بحذق من زاد في السلعة، وأن يكون المشتري جاهلاً، فلو
كان عارفاً واغتر بذلك، فلا خيار له لعجلته وعدم تأمله.
فإن زاد من لا يريد الشراء بغير مواطأة مع البائع، أو زاد البائع في الثمن
بنفسه، والمشتري لا يعلم ذلك، فيخير المشتري لوجود التغرير بين رد المبيع
وإمساكه .
الثالثة - بيع المسترسل أو إجارته : وهو الجاهل بالقيمة ، من بائع ومشتر،
ولا يحسن الماكسة. فله الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل
(١) المغني: ١٣٤/٤ -١٤٢، كشاف القناع: ١٩٩/٣، ٢٠١، ٢٠٣، ط مكة.
(٢)
رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
- ٥٢٨ _

بالقيمة ، ما لم تكن قرينة تكذبه في دعوى الجهل ، فلا تقبل منه .
وخيار الغبن كخيار العيب على التراخي عندهم .
وأما خيار التدليس : فهو بسبب التغرير، والعقد معه صحيح، والتدليس
حرام وهو نوعان :
أحدهما - كتمان العيب. ويسمى هذا عند الحنفية خيار العيب.
والثاني - فعل يزيد به الثمن ، وإن لم يكن عيباً، كجمع ماء الرحى وإرساله
عند عرضها للبيع ، ليزيد دورانها بإرسال الماء بعد حبسه، فيظن المشتري أن ذلك
عادتها ، فيزيد في الثمن . ومنه تحسين وجه الصبرة (الكومة)، وصقل السكاف وجه
الحذاء، وتصنع النساج وجه الثوب، والتصرية أي جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام،
ونحو ذلك. وهذا النوع هو المسمى عند الحنفية بالتغرير الفعلي في الوصف.
والتدليس بنوعيه يثبت للمشتري خيار الرد إن لم يعلم به ، أو الإمساك ، لقوله
عليه السلام: ((لا تصروا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ،
إن شاء أمسك، وإن شاء ردها، وصاعاً من تمر))(١). وغير التصرية من التدليس
ملحق بها .
وقد أخذ الجمهور وأبو يوسف بمضمون هذا الحديث: وهو التخيير بعد الحلب
بین إمساك المبیع إن رضیه ، وبین رده مع صاع من تمر إن سخطه .
وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.
وأما خيار العيب عند الحنابلة : فهو بسبب نقص عين المبيع، كخصاء، ولو لم
تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص
عينه .
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة مرفوعاً .
- ٥٢٩ -

٥ - خيار كشف الحال(١) :
وهو أن يشتري شيئاً بوزن غير معلوم القدر، أو بكيل غير معلوم المقدار، كأن
يشتري بوزن هذا الحجر ذهباً، أو هذه الصبرة (الكومة) كل صاع بكذا، يصح البيع
في الحالتين، ويكون للمشتري الخيار: إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه .
٦ - خيار الخيانة(٢):
هو الذي يثبت في بيوع الأمانة من تولية أو شركة أو مرابحة أو وضيعة إذا أخبر
البائع المشتري بزيادة في الثمن أو نحو ذلك، كإخفاء تأجيله، ثم يظهر كذبه أو خيانته
يإقرار أو برهان على ذلك، أو بما عند الحنفية أيضاً بنكول عن اليمين. ويخير المشتري
بسبب ذلك عند الحنفية والمالكية بين أخذ المبيع بكل ثمنه، أو رده لفوات الرضا،
وله الحط من الثمن قدر الخيانة في التولية .
وقال الشافعية في الأظهر والحنابلة : لا خيار للمشتري بسبب الخيانة، وإنما له
الحط من الثمن مقدار الخيانة .
٧- خيار تفرق الصفقة (٣):
هو الذي يثبت للمشتري بسبب تجزئة المبيع، فيكون له الخيار بين فسخ البيع
واسترداد الثمن كله إن دفعه ، أو أخذ باقي المبيع مع حسم ما يقابل العيب أو الهلاك من
الثمن . وله صور متعددة .
فيثبت عند الحنفية بهلاك أو تعيب بعض المبيع بيد البائع قبل قبض
(١)
حاشية ابن عابدين: ٤ / ٤٧ .
ابن عابدين: ٤٧/٤، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٦٨/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ٧٩/٢، كشاف القناع:
(٢)
٢١٧/٣ وما بعدها .
(٣)
ابن عابدين: ٤٧/٤، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٤٦٩/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٦٠، مغني المحتاج: ٤٠/٢،
المهذب: ٢٦٩/١، المغني: ٢٣٨/٢٤، كشاف القناع: ١٦٦/٣ وما بعدها، ٢٩١.
٦
- ٥٣٠ -

المشتري، ومجمل حكم الهلاك: أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع يبطل البيع،
وإن كان بفعل أجنبي يتخير المشتري إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وضمّن
المستهلك .
وقال المالكية : يثبت هذا الخيار في حالة كون المبيع معيباً ، أو استحقاق بعض
مبيع متعدد أشتري صفقة واحدة، فإن كان وجه الصفقة نقضت، ولا يجوز له
التمسك بالباقي، وإن كان غير وجهها، جاز التمسك به، وأخذ الباقي بالتقويم،
لابنسبته من الثمن المسمى ، فيقال: ماقية هذا الباقي ؟ فإذا قيل : ثمانية، قيل: وما
قيمة المستحق أو المتعيب ؟ فإذا قيل : اثنان ، رجع المشتري على بائعه بخمس الثمن
الذي دفعه له .
وقال المالكية أيضاً : إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام كالعقد على سلعة،
وخمر أو خنزير أو غير ذلك ، فالصفقة كلها باطلة ، ولو باع الرجل ملكه وملك غيره
في صفقة واحدة، صح البيع فيهما ، ولزمه في ملكه، وتوقف اللزوم في ملك غيره
على إجازته .
وذكر الشافعية لتفريق الصفقة وتعددها ثلاثة أقسام :
الأول - إذا باع شخص في صفقة واحدة حلالاً وحراماً كشاة مذكاة وميتة ، أو
خل وخمر، أو شاة وخنزير، أو شيئاً له وشيئاً لغيره، أو شيئاً مشتركاً بغير إذن
الشريك الآخر، صح البيع في الحلال المملوك له، وبطل في غيره في الأظهر، إعطاءً
لكل منهما حكمه. ويكون الخيار للمشتري إن جهل الحال لضرر التبعيض بين أخذ
حصة الحلال من الثمن المسمى باعتبارقيمة كل منهما أي من الحلال والحرام، أو أن
يفسخ البيع . ولا خيار للبائع؛ لأنه المفرط في البيع ببيع مالا يملكه، وبالطبع في
ثمن ما لا يستحقه .
الثاني - إذا باع شخص متاعين مثلاً ، فتلف أحدهما قبل قبضه ، انفسخ البيع في
- ٥٣١ _

التالف، ولم ينفسخ في الآخر على المذهب، بل يتخير المشتري بين الفسخ والإجازة،
فإن أجاز أخذ الباقي بالحصة من المسمى باعتبار قيمته وقيمة التالف؛ لأن الثمن قد
توزع عليهما في مبدأ البيع ، فلا يتغير بهلاك أحدهما .
الثالث - لو جمع في صفقة عقدين مختلفي الحكم كإجارة وبيع، مثل : آجرتك
داري شهراً، وبعتك ثوبي هذا بدينار، وكإجارة وسلم مثل : آجرتك داري شهراً
وبعتك صاع قمح في ذمتي سلماً بكذا، صح العقدان في الأظهر، ويوزع المسمى على
قيمة المعقود عليهما، أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة، وقيمة المبيع أو المسلم فيه .
وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن من البائع : كبعتك ذا بكذا ، وذا بكذا . وبتعدد
البائع : كبعناك هذا بكذا ، والمبيع مشترك بينهما .
وكذا بتعدد المشتري: كبعتكما هذا بكذا ، في الأظهر.
والخلاصة: أن في تفريق الصفقة قولين عند الشافعية، أظهرهما - أن البيع
يبطل فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز؛ لأنه ليس بطلانه فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى
من تصحيحه فيهما، لصحته في أحدهما؛ فبطل حمل أحدهما على الآخر، وبقيا على
حكمهما، فصح فيما يجوز، وبطل فيما لا يجوز. والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق،
فيبطل العقد فيهما .
وقال الحنابلة : معنى تفريق الصفقة : أي تفريق ما اشتراه في عقد واحد : وهو
أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة بثمن واحد . ولهذا الجمع
ثلاث صور:
إحداها - أن يبيع شخص معلوماً ومجهولاً تجهل قیمته أي يتعذر علمه، فلا
مطمع في معرفته، مثل : بعتك هذه الفرس ، وما في بطن هذه الفرس الأخرى
بكذا، فلا يصح البيع فيها ؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن ،
- ٥٣٢ -

ولا سبيل إلى معرفته ؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما ، وحمل الفرس
لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط .
الثانیة۔أن یبیع شخص مشاعاً بینه وبین غيره بغير إذن شریکه، فیصح
البيع في نصيبه بقسطه، كما قال الشافعية في القسم الأول، وللمشتري الخيار بين الرد
والإمساك إذا لم يكن عالماً بأن المبيع مشترك بينه وبين غيره ؛ لأن الشركة عيب.
فإن كان عالماً فلا خيار له ولا للبائع أيضاً. وللمشتري الأرش إن أمسك فيما ينقصه
التفریق، کزوج خف.
الثالثة - أن يبيع رجل متاعه ومتاع غيره بغير إذنه صفقة واحدة، أو يبيع
خلاً وخمراً صفقة واحدة ، فيصح البيع في متاعه بقسطه دون متاع غيره، ويصح في
الخل بقسطه من الثمن، فيوزع على قدرقيمة المبيعين ليعلم ما يخص كلاً منهما . ويقدر
الخمر إذا بيع مع الخلّ خلاً، ليقسط الثمن عليهما . ولا خيار للبائع. وهذه الصورة وما
قبلها هي النوع الأول عند الشافعية .
وقال الحنابلة أيضاً : إذا وقع العقد على مكيل أو موزون ، فتلف بعضه قبلى
قبضه، لم ينفسخ العقد في الباقي، رواية أخرى، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من
الثمن .
٨- خيار إجازة عقد الفضولي(١):
هو الخيار الثابت للمالك إذا باع غيره له سلعة بغير أمره، ويعد البيع موقوفاً
عند الحنفية والمالكية، ويخير المالك بين إجازة العقد فيصبح نافذاً، وبین رده
فيبطل .
(١) ابن عابدين: ٤٧/٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٦٠.
- ٥٣٣ _

٩ - خيار تعلق حق الغير بالمبيع(١):
هو الخيار الثابت لمن له حق في المبيع من دائن مرتهن أو مستأجر، فإذا اشترى
رجل داراً ثم ظهر أنها مرهونة أو مؤجرة ، خير بين الفسخ وعدمه ، دفعاً للضرر عن
نفسه، حتى ولو كان عالماً بذلك في ظاهر الرواية، وهو الصحيح وعليه الفتوى .
فإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز ثبت الخيار له بين
الانتظار حتى نهاية مدة الإجارة وفكاك الرهن ، أو الفسخ.
١٠ - خيار الكمية للبائع(٣):
هو أن يشتري إنسان بما في هذه الخابية أو الوعاء أو اليد ونحوها، ولا يعرف
البائع شيئاً عن الموجود كمية ونوعاً، فيكون البائع بعد فتح الخابية أو الوعاء أو اليد
مخيراً بين إمضاء البيع وفسخه بعد رؤية الثمن. وهذا يسمى عند الحنفية خيار كمية،
لاخيار رؤية ؛ لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود .
١١ - خيار الاستحقاق (٣):
هو الخيار الثابت للمشتري بسبب استحقاق المبيع كله أو بعضه، وتفصيله عند
الحنفية : إن كان استحقاق المبيع قبل قبض الكل خير في الكل، وإن كان استحقاقه
بعد القبض خيِّر في الشيء القيمي، لا في المثلي كالمكيل والموزون. وإن كان
الاستحقاق لبعض المبيع قبل القبض ، يبطل العقد في الجزء المستحق ، ويخير المشتري
في أخذ الجزء الباقي بحصته من الثمن أو رده .
وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع بعد القبض، يبطل البيع في الجزء المستحق
ابن عابدين: ٤ /٤٨.
(١)
(٢)
ابن عابدين : ٤ / ٤٧ .
المرجع والمكان السابق .
(٣)
- ٥٣٤ _

أيضاً، وأما الجزء الباقي فيخير المشتري في قبول الباقي بحصته من الثمن إن أضره
التبعيض كالثوب والدار، ويلتزم بالباقي إن لم يضره التبعيض كالمكيل والموزون .
وذلك كله إن لم يجز المستحق البيع، فإن أجازه، لزم البيع، إذ لاضرر
بالتبعيض .
١٢ - خيار الشرط
خطة الموضوع :
الكلام في خيار الشرط في المواضع الآتية :
المطلب الأول - الخيار المفسد والخيار المشروع.
المطلب الثاني - مدة الخيار المشروع.
المطلب الثالث - طرق إسقاط الخيار.
المطلب الرابع - حكم العقد في مدة الخيار.
المطلب الخامس - كيفية الفسخ والإجازة.
المطلب الأول - الخيار المفسد للبيع والخيار المشروع:
الخيار المفسد: اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم على
أن العاقدين إذا ذكرا الخيار مؤبداً، كأن يقول أحدهما: ((بعت، أو اشتريت على أني
بالخيار أبداً)) أو ذكرا الخيار مطلقاً، كأن يقول أحدهما: ((على أني بالخيار أو متى
شئت)) أو ذكرا وقتاً مجهولاً كقدوم زيد، أو هبوب ريح، أو نزول مطر، أو أياماً،
فإن العقد غير صحيح لوجود الجهالة الفاحشة .
إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: العقد باطل (١). وقال الحنفية: العقد فاسد
(١) المهذب: ١ ص٢٥٩، المغني: ٣ ص ٥٨٩.
- ٥٣٥ -

فقط ، فإذا أسقط الشرط قبل مضي مدة ثلاثة أيام، أو حذف الزائد، أو بينت مدة
الخيار، صح البيع، لزوال المفسد(١).
استدل الشافعية والحنابلة : بأن مدة الخيار حينئذ ملحقة بالعقد ، فلا تجوز مع
الجهالة، كما لا تجوز جهالة الأجل، ولأن اشتراط الخيار أبداً ونحوه يقتضي المنع من
التصرف على الأبد، وهو ينافي مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك بشرط ألا
تتصرف .
واستدل الحنفية بنحوه فقالوا: إن شرط الخيار مغير لمقتضى العقد بحسب
الأصل، إلا أنا أجزناه بنص حديث حبان بن منقذ الذي حدد فيه الخيار بثلاثة
أيام ، فبقي ما عدا المنصوص عليه موافقاً لمقتضى الأصل .
وقال مالك وأحمد في رواية عنه: يجوز الخيار المطلق، إلا أن الإمام أحمد قال
فيه: ((وهما على خيارهما أبدأ، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته)). وقال الإمام مالك:
السلطان يحدد له مدة كمدة خيارمثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدَّر في
العادة ، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد، ويفسد البيع عند المالكية إذا وقع بشرط
مدة زائدة على مدته بكثير ((أي بعد يوم)) أو بشرط مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء
أو يقدم زيد (٢).
الخيار المشروع: وهو أن يذكر وقت معلوم، وسيأتي الخلاف فيه بين
الفقهاء، وقد ثبتت مشروعية خيار الشرط بحديث حبان بن منقذ الذي كان يغبن
في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله عَ الٍ، فقال: ((إذا بايعت فقل:
البدائع: ٥ ص١٧٤ ، رد المحتار: ٤ ص ٤٩ .
(١)
(٢)
حاشية الدسوقي: ٣ ص ٩٥، بداية المجتهد: ٢ ص ٢٠٨.
- ٥٣٦ _

لا خلابة (١) ولي الخيار ثلاثة أيام)) ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن(٢). وخيار الشرط
مشروع عند جمهور الحنفية ، سواء أكان الشرط للعاقد أم لغيره لتحقيق حاجة
الناس. وقال زفر: لا يجوز لغير العاقد. ولا يجوز الخيار والأجل في البيوع التي فيها
الربا : وهي عقد الصرف، وبيع المكيل والموزون عند الحنفية، والطعام بالطعام عند
الشافعية، لأنه يشترط فيها القبض قبل التفرق بالأبدان، وذكر الخيار أو الأجل
ينافي القبض(٣).
المطلب الثاني - آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع
قال أبو حنيفة وزفر والشافعي : يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على
ثلاثة أيام؛ لأن الأصل امتناع الخيار، لكونه مخالفاً لوضع البيع، فإنه يمنع نقل
الملك أو لزومه ، إلا أنه ثبت على خلاف هذا الأصل بحديث حبان بن منقذ السابق
ذكره، والذي رواه ابن عمر، وبحديث أنس: ((أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً،
واشترط عليه الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله مواقع البيع، وقال: ((الخيار ثلاثة
أيام))(٤) ولأن الحاجة تندفع بالثلاث غالباً، فلو زاد عليها فسد البيع عند أبي حنيفة
وزفر، ولكنه يعود صحيحاً عند أبي حنيفة إذا أجاز من له الخيار في الثلاثة ، لزوال
المفسد قبل أن يتقرر الفساد، وعند زفر: الفاسد من العقود لا يعود صحيحاً بحال .
ويبطل العقد عند الشافعي ((بخلاف ماذكر في تحفة الفقهاء)). وكونه لا يجوز
أكثر من ثلاثة ، لأنه غرر، وفيما دون الثلاث رخصة، فلا يجوز الزيادة عليها، وفي
(١) أي لاخديعة ولا غبن، أي لا يحل لك خديعتي، أو لا تلزمني خديعتك، وقد سبق تخريجه وروايته عند الحاكم
والبيهقي والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والموطأ عن ابن عمر (انظر تحفة الفقهاء بتخريج وتحقيق
أحاديثها للمؤلف مع الأستاذ الكتاني: ٢ ص٨٢).
سبل السلام: ٣ ص٣٥، البدائع: ٥ ص١٧٤ ، المنتقى على الموطأ: ٥ ص١٠٨.
(٢)
فتح القدير: ٥ ص٣٧٢، المهذب: ١ ص٢٥٨ .
(٣)
(٤)
رواه عبد الرزاق في مصنفه وذكره عبد الحق في ((أحكامه)) من جهة عبد الرزاق، وأعله بأبان بن أبي عياش،
وقال: إنه لا يحتج بحديثه مع أنه كان رجلاً صالحاً (انظر نصب الراية: ٤ ص٨).
- ٥٣٧ -

الجملة: إن الخيار ينافي مقتضى البيع لولا ثبوته بالشرع(١).
وقال الصاحبان والحنابلة : يجوز اشتراط مدة الخيار بحسب ما يتفق عليه
البائع والمشتري من المدة المعلومة ، قلّت مدته أو کثرت. ودليلهم ما روي أن ابن عمر
((أجاز الخيار إلى شهرين))(٢) ولأن الخيار حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى
مشترطه، كالأجل . وبعبارة أخرى : إن مدة الخيار ملحقة بالعقد ، فكانت إلى تقدير
المتعاقدين كالأجل(٣).
وقال المالكية : يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة ، ويختلف ذلك
باختلاف الأمور، فالفاكهة التي لا تبقى أكثر من يوم لا يجوز شرط الخيار فيها أكثر
من يوم، والثياب أو الدابة : ثلاثة أيام ، والأرض التي لا يمكن الوصول إليها في ثلاثة
أيام يجوز شرط الخيار فيها أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها تحتاج مدة شهر.
ودليلهم أن المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع، وإذا كان الأمر كذلك، وجب
أن يكون الخيار محدوداً بزمان إمكان اختبار المبيع، وهو يختلف بحسب المبيعات،
فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيهاً على هذا المعنى، وهو أن الخيار لحاجة العاقد،
فيقدر بها ، فيكون النص عندهم من باب الخاص أريد به العام(٤).
وعند الشافعية وأبي حنيفة وزفر من باب الخاص أريد به الخاص. وتبدأ مدة
الخيار عند العقد .
(١) المبسوط السرخسي: ١٣ ص ٤٠ وما بعدها، البدائع: ٥ ص١٧٤، فتح القدير: ٥ ص١١٠ وما بعدها، مغني
المحتاج: ٢ ص ٤٧ .
(٢)
قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب جداً (انظر نصب الراية: ٤ ص٨).
المغني: ٣ ص ٥٨٥، غاية المنتهى: ٢ ص ٣٠، المبسوط: ١٣ ص ٤١، فتح القدير: ٥ ص ١١١، البدائع: ٥
(٣)
ص١٧٤ .
(٤)
بداية المجتهد: ٢ ص ٢٠٧، حاشية الدسوقي: ٣ ص٩١، ٩٥، القوانين الفقهية: ص٢٧٣ .
- ٥٣٨ _

حكم الغاية في مدة الخيار :
قال أبو حنيفة: إذا شرط الخيار إلى الليل أو إلى الغد، فيدخل الليل والغد في
مدة الخيار؛ لأن المقصود من الغاية هنا هو إخراج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما في
قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ بدليل أنه لو لم يذكر الوقت
أصلاً لاقتضى ثبوت الخيار في الأوقات كلها(١).
وقال الصاحبان والمالكية والشافعية والحنابلة: لا يدخل الليل أو الغد في مدة
الخيار لأن لفظ ((إلى)) موضوع لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، كما في
قوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ والأصل هو حمل اللفظ على موضوعه،
فكأن واضع اللغة قال : متى سمعتم هذه اللفظة ، فافهموا منها انتهاء الغاية (٢).
المطلب الثالث - طرق إسقاط الخيار:
العقد الذي فيه الخيار عقد غير لازم، ويصبح لازماً إذا سقط الخيار بعد
ثبوته ، وطرق الإسقاط ثلاثة :
١ - الإسقاط الصريح: هو أن يقول صاحب الخيار: أسقطت الخيار أو
أبطلته أو أجزت البيع أو رضيت به، ونحوها، فيبطل الخيار، سواء علم المشتري
بالإِجازة أو لم يعلم؛ لأن الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخيار رجوعاً إلى
الأصل في العقد : وهو لزومه ونفاذه .
وكذلك يسقط الخيار إذا قال من له الحق فيه: ((فسخت العقد ، أو نقضته، أو
أبطلته)) لأن الخيار هو التخيير بين الفسخ والإِجازة، فأيهما وجد سقط الخيار(٣).
(١)
البدائع: ٥ ص٢٦٧ .
المغني لابن قدامة: ٣ ص ٥٨٨، غاية المنتهى: ٢ ص ٣١، الميزان للشعراني: ٢ ص٦٤، البدائع، المرجع السابق.
(٢)
البدائع : ٢٦٧/٥، ٢٧١ .
(٣)
:
- ٥٣٩ -
٠٤

٢ - الإسقاط دلالة: وهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إجازة البيع
وإثبات الملك، فالإقدام عليه يكون إجازة للبيع دلالة(١).
وبناء على هذا :
إذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعَرَضه على البيع ، يبطل خياره،
لأن عرض المشتري المبيع على البيع معناه اختيار التملك وهو يكون بابطال الخيار.
وإذا كان الخيار للبائع فعَرَضه على البيع، فالأصح من الروايتين عن أبي
حنيفة: أن يكون إسقاطاً للخيار، لأنه دليل على اختيار إبقاء الملك في المبيع .
وكذلك يسقط خيار المشتري إذا باع الشيء الذي اشتراه أو رهنه أو وهبه - سلم
أو لم يسلم - أو آجره؛ لأن نفاذ هذه التصرفات مختص بقيام الملك، فيكون الإقدام
عليها دليلاً على قصد إبقاء الملك ، وهو يتم يإجازة البيع .
ويسقط الخيار أيضاً بهذه التصرفات في الثمن إذا صدرت من البائع الذي له
الخيار؛ إذ أنه لا تصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الأول .
إلا أن هناك فرقاً بين البائع والمشتري بالنسبة لتسليم الهبة والرهن ، فإنه إذا كان
الخيار للبائع لا يسقط في الهبة والرهن إلا بعد التسليم بخلاف المشتري كما عرفنا(٢).
وأما الإجازة فلا فرق فيها بين البائع والمشتري ، فإنها تسقط الخيار من غير شرط
القبض ، لأنها عقد لازم ، بخلاف الرهن والهبة قبل القبض ، فإنهما عقدان غير لازمين .
ومن مسقطات الخيار دلالة: أن يُسكن المشتري الدار المبيعة رجلاً بأجر أو بغير
أجر، أو يرمم شيئاً منها بالتطيين أو التجصيص، أو يحدث فيها بناء أو يهدم شيئاً
منها ؛ لأن هذه التصرفات دليل اختيار الملك.
,٠
البدائع : ٢٧٢/٥ .
(١)
(٢)
البدائع: ٢٦٧/٥، تحفة الفقهاء: ج ٩٥/٢.
- ٥٤٠ -