Indexed OCR Text

Pages 341-360

القسم الثالث
العقود
أو التصرفات المدنية المالية
وبحثها في ثمانية عشر فصلاً:
١ - البيع وأنواعه (السلم، الاستصناع، الصرف، الجزاف، الربا،
بيوع الأمانة : المرابحة، والتولية والوضيعة، الإقالة )
٢ - القرض
٣ - الإيجار
٤ - الجعالة
٥ - الشركة
٦ - الهبة
٧ - الإيداع
٨ - الإعارة
الله تعالى
٩ - الوكالة
١٠ - الكفالة
١١ - الحوالة
١٢ - الرهن
١٣ - الصلح
ويلحق بها فصول خمسة في الإبراء والاستحقاق والمقاصة والإكراه
والحجر، وأما باقي العقود فالكلام عنها في بحث الملكية والأحوال
الشخصية .
- ٣٤١ -

لله تعالى

الفصل الأول
عقد البيع
خطة الموضوع :
نظراً لتعدد أنواع البيع وأهميتها بحیث یکون كل منها وضعاً قائماً بذاته نرى
الفقهاء يترجمون لعقد البيع بعنوان ((کتاب البيوع)» بصيغة الجمع(١) . وقد آثرنا ذکر
العنوان الذي عنونا به تمشياً مع صنيع شراح القانون المدني لأن إضافة كلمة ((عقد))
إلى ((البيع)) تفيد العموم، لقول النحويين: إنه مفرد مضاف فيعم. والكلام عن عقد
البيع يتناول المباحث الستة الآتية :
لله تعالى
الَّه
المبحث الأول - في تكوين عقد البيع .
المبحث الثاني - شروط البيع.
المبحث الثالث - حكم البيع والكلام في المبيع والثمن.
المبحث الرابع - البيع الباطل والبيع الفاسد.
المبحث الخامس - الخيارات.
المبحث السادس - بعض أنواع البيع :
١ - السلم أو السلف
٢ - الاستصناع
٣ - الصرف
(١) عقد البيع للأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء: ص ٥، ١٢.
- ٣٤٣ -

٤ - بيع الجزاف
٥-الربا
٦ - بيوع الأمانة (المرابحة والتولية والوضيعة)
٧ - الإقالة
المبحث الأول - تكوين عقد البيع
وفيه مطلبان :
المطلب الأول- تعريف البيع ومشروعيته
المطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده
المطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته
تعريف البيع :
البيع لغة : مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء الأضداد أي التي تطلق على الشيء
وعلى ضده، مثل الشراء(١) كما في قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ أي باعوه،
وقوله سبحانه: ﴿ ولبئس ما شروا به أنفسهم ) ويقال لكل من المتعاقدين : بائع
وبيع ، ومشتر وشار.
واصطلاحاً عند الحنفية : مبادلة مال بمال على وجه مخصوص أو هو مبادلة شيء
(١) ومثل القرء والجون: يطلق على الشيء وضده. قال المعلّق على نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٢: للبيع تفسير لغة
وشرعاً وركن وشرط ومحل وحكم وحكمة. أما معناه لغة: فمطلق المبادلة، وهو والشراء ضدان ، ويطلق البيع
على الشراء أيضاً، فلفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على ما يطلق عليه الآخر، فهما من الألفاظ المشتركة بين
المعاني المتضادة. وشرعاً هو مبادلة مال بمال على سبيل التراضي. ثم قال: وأما ركنه فإيجاب وبول. وأما
شرطه: فأهلية العاقدين. وأما محله فهو المال. وأما حكمه: فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في
الثمن إذا كان تاماً، وعند الإجازة إذا كان موقوفاً، وأما حكمته على ما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالباً، وصاحبه قد لا يبذله، ففي شرعية البيع وسيلة إلى بلوغ
الغرض من غير حرج. ثم ذكر صاحب التعليق حكماً أخرى.
- ٣٤٤ -

مرغوب فيه بمثله على وجه مفيد مخصوص أي بإيجاب أو تعاطٍ. وخرج بقيد :
((مفيد)» ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم. وغير المرغوب: مثل الميتة والدم والتراب(١).
وقال النووي في المجموع: البيع: مقابلة مال بمال تمليكاً(٢).
وعرفه ابن قدامة في المغني(٣): مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً.
وهو مشتق من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء،
ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي يصافحه عند البيع، فسمي البيع
صفقة(٤) .
والمراد بالمال عند الحنفية: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة.
والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم. وقد انتقد الأستاذ الزرقاء هذا التعريف،
واستبدل به تعريفاً آخر ، فقال : المال: هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس (٥).
وعليه لا تعتبر المنافع والحقوق المحضة مالاً عند الحنفية . أما جمهور الفقهاء فقد
اعتبروها مالاً متقوماً ؛ لأن المقصود من الأعيان منافعها .
والمقصود من البيع هنا : هو العقد المركب من الإيجاب والقبول .
مشروعية البيع :
البيع جائز بأدلة من القرآن والسنة والإجماع (٩).
أما القرآن : فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وقوله سبحانه: ﴿ وأشهدوا إذا
البدائع: ٥ ص ١٣٣، فتح القدير: ٥ ص ٧٣، حاشية ابن عابدين: ٤ ص ٣ وما بعدها.
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٢ ص ٢.
(٣)
انظر ج ٣ ص ٥٥٩.
(٤)
المرجع السابق .
راجع المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي له: ص ١١٤ - ١١٨.
(٥)
(٦)
المراجع السابقة، المبسوط: ١٢ ص ١٠٨، المهذب: ١ ص ٢٥٧.
- ٣٤٥ -

تبايعتم﴾ وقوله عز وجل: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم) وقوله جل
جلاله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾.
وأما السنة فأحاديث، منها: سئل النبي ◌ُ ◌ٍّ: أي الكسب أطيب ؟ فقال:
((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) (١) أي لا غش فيه ولا خيانة، ومنها حديث:
((إنما البيع عن تراض))(٢) وقد بعث الرسول ◌ُرائعٍ والناس يتبايعون فأقرهم عليه،
وقال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء)» قال الترمذي:
«هذا حديث حسن)).
وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما
في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض ، ففي تشريع البيع طريق إلى تحقيق
كل واحد غرضه ودفع حاجته، والإنسان مدني بالطبع، لا يستطيع العيش بدون
التعاون مع الآخرين .
والأصل في البيوع الإباحة، قال الإمام الشافعي: «فأصل البيوع كلها مباح إذا
كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيا تبايعا، إلا ما نهى عنه رسول الله م اله منها،
وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ◌ُ ◌ّ محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه،
وما فارق ذلك أبجناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى)) أي في قوله
سبحانه: ﴿وأحل الله البيع) وقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.
(١) رواه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع، وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير عن رافع بن خديج وعزاه
لأحمد ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير عن رافع ( سبل السلام : ٣ ص ٤ ).
(٢)
هذا حديث طويل رواه البيهقي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله }
قال: ((لألقين الله من قبل أن أعطي أحداً من مال أحد شيئاً بغير طيب نفسه، إنما البيع عن تراض)) ورواه
عبد الرزاق في الجامع عن عبد الله بن أبي أوفى بلفظ ((البيع عن تراض والتخيير بعد صفقة)) (الجامع الصغير:
١ ص ١٠٢، كنز الدقائق: ٢ ص ٢١٢، شرح المجموع للنووي: ٩ ص ١٥٨) وروى الترمذي وأبو داود عن أبي
هريرة حديثاً بمعناه بلفظ ((لا يفترق اثنان إلا عن تراض» (جامع الأصول: ٢ ص ٩، مجمع الزوائد:
٤ ص ١٠٠).
- ٣٤٦ -
<

المطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده
ركن(١) البيع عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم
مقامهما من التعاطي . فركنه بعبارة أخرى : الفعل الدال على الرضا بتبادل الملكين
من قول أو فعل(٢)، وهذا قولهم في العقود .
وللبيع عند الجمهور أركان أربعة : هي البائع والمشتري والصيغة والمعقود عليه
وهذا رأيهم في كل العقود .
والإيجاب عند الحنفية : إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من
كلام أحد المتعاقدين، سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري أن يبتدئ
المشتري فيقول : اشتريت بكذا .
والقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين(٣). فالمعتبر إذاً أولية الصدور
وثانويته فقط سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري .
وعند الجمهور: الإيجاب : هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخراً.
والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولاً(٤).
وأركان البيع عند الجمهور غير الحنفية ثلاثة أو أربعة(٥): عاقد (بائع ومشتر)
ومعقود عليه (ثمن ومثمن) وصيغة (إيجاب وقبول).
والكلام في الإيجاب والقبول في موضعين :
(١) الركن عند الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً منه، وعند الجمهور: هو ما يتوقف عليه وجود
الشيء وتصوره في العقل سواء أكان جزءاً منه، أم كان مختصاً به وليس جزءاً منه. وأما الشرط فهو ما يتوقف
عليه وجود الشيء وليس جزءاً منه .
فتح القدير: ٥ ص ٧٤، البدائع: ٥ ص ١٣٣ ، حاشية ابن عابدين: ٤ ص ٥ وما بعدها .
(٢)
المراجع السابقة .
(٣)
شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري: ٢ ص ١٨٠ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ ص ٣.
(٤)
(٥)
الشرح الكبير: ٢/٣، مغني المحتاج: ٣/٢، كشاف القناع: ١٣٥/٣.
- ٣٤٧ -

أحدهما - في صيغة الإيجاب والقبول.
والثاني - في صفة الإيجاب والقبول.
١ - صيغة الإيجاب والقبول
صيغة العقد: هي صورته التي يقوم بها من إيجاب وقبول إن كان العقد التزاماً
بين طرفين، أو إيجاب فقط إن كان التزاماً من جانب واحد.
اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي
من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هو ما يعرف عند العلماء ((بصيغة العقد))
وهو ما يسمى عند القانونيين ((التعبير عن الإرادة)) ويشترط في صيغة العقد أن
يكون صدورها من المتعاقدين بطريق يعتبره الشارع، وطريق اعتبار الشارع عند
الحنفية: هو أن البيع ينعقد بكل لفظ يدل على التراضي بتبادل الملك في الأموال
بحسب عرف الناس وعاداتهم(١).
فقالوا (٢) : ينعقد البيع بصيغة الماضي مثل: بعت، واشتريت. وبصيغة الحال
مع النية مثل : أبيع وأشتري .
م
أما البيع بلفظ الاستدعاء الذي يعبر به عن المستقبل ، فلا ينعقد به البيع عند
الحنفية كأن يقول: ((بعني أو اشتر مني)) ما لم يقل المشتري مرة ثانية في المثال الأول:
اشتريت، وفي المثال الثاني: يقول البائع ثانية: ((بعت)) لأن طالب البيع أو الشراء
وهو المستدعي ، ينسب إلى الغش والتدليس في العادة ، فربما فهم الناس منه أنه لو لم
یکن في البيع عيب، لما كان يسأل غيره في أخذه، وإنما غيره هو الذي يطلبه، کما هو
المعروف في الأسواق، ثم إنه لو تأخر القبول عن الإيجاب لم يصح به البيع، فلم يصح
إذا تقدم ، ولأنه عقد خلا عن القبول، فلم ينعقد كما لو لم يطلب البيع أو الشراء.
أصول البيوع الممنوعة في الشريعة والقانون للأستاذ الشيخ عبد السميع إمام: ص ١٦، ١٨ .
(١)
(٢)
البدائع: ٥/ ١٣٣.
- ٣٤٨ _

الفرق بين البيع والزواج: هذا بخلاف عقد النكاح، فإنه يصح بلفظ
الاستدعاء، مثل أن يقول: ((زوجني)) لأنه في هذه الحالة يكون قوله: ((زوجني)»
توكيلاً بالزواج، فإذا زوجه امتثل أمره، ولى طلبه فيكون المزوّج ولياً من طرف
ووكيلاً من طرف، والشخص الواحد: يتولى طرفي عقد النكاح، بخلاف البيع، فإنه
لا يجوز أن يتولى الواحد طرفي العقد في البيع إلا الأب يشتري مال ابنه لنفسه أو
يبيع ماله منه، وكذلك الوصي عند أبي حنيفة إذا اشترى لليتيم من نفسه أو لنفسه
منه .
وهناك فرق آخر بين البيع والنكاح وهو أن لفظ الأمر للمساومة حقيقة، فلا
تكون صيغته إيجاباً وقبولاً حقيقة، بل هي طلب الإيجاب والقبول، فلا بد للإيجاب
والقبول من لفظ آخر يدل عليها، ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في
النكاح؛ لأن المساومة لا توجد فيه عادة؛ لأنه مبني على مقدمة الخطبة، فتحمل هذه
الصيغة على الإيجاب والقبول. أما البيع فلا يكون مسبوقاً بمثل ذلك، فكان الأمر
فيه مساومة، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ولا يعدل عن الحقيقة إلى شيء آخر إلا بدليل،
ولم يوجد في البيع، بخلاف النكاح کما بينا .
والخلاصة : أن صيغة البيع عند الحنفية إما أن تكون بلفظين من غيرنية،
وذلك بصيغة الماضي، مثل بعت واشتريت، وهذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعاً،
لكنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على اللغة.
أو بلفظين مع النية للحال، وذلك بصيغة المضارع؛ لأن المضارع يحتمل الحال أو
الاستقبال، فتكون النية لدفع المحتمل: وهو أن يراد الوعد بالبيع في المستقبل،
فتكون نية الإيجاب للحال مانعة من إرادة المستقبل .
أو بثلاثة ألفاظ، وذلك بلفظ الاستفهام: بأن قال المشتري: ((أتبيع مني هذا
الشيء؟)) أو بلفظ الأمر بأن قال البائع: ((اشتر مني هذا الثوب)) أوقال المشتري:
- ٣٤٩ -

((بع مني هذا الثوب)) لا ينعقد في هذه الأمثلة ما لم ينضم إليها لفظ ثالث، فيقول
المشتري في المثال الأول: ((اشتريت)» لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة،
ويقول البائع في المثال الثاني: ((بعت)) ويقول المشتري في المثال الثالث:
«اشتريت)».
وعلى هذا، لا يصح أصلاً البيع بلفظ الأمر مجرداً سواء نوى، أو لم ينو إلا إذا دل
على الحال مثل: ((خذه بكذا)» كما لا يصح أصلاً بالمضارع المقترن بالسین أو سوف،
مثل: ((سأبيعك)) لأن ذكر السين يناقض إرادة الحال(١).
وقال المالكية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة: ينعقد العقد سواء أكان بيعاً أو
نكاحاً بلفظ الاستدعاء مثل: ((بعني)) أو ((اشتر مني)) فيقول الآخر: ((بعت)) أو
((اشتريت)) لأن أساس العقد هو التراضي، ولفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على
و
وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما به عرفاً، فصح كما لو تقدم الإيجاب ، وبه يحصل
الغرض بكون المستدعي بائعاً أو مشترياً(٢).
.mo
بيع المعاطاة :
بيع المعاطاة أو بيع المراوضة : هو أن يتفق المتعاقدان على ثمن ومثمن ، ويعطيا
من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما .
مثل: أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع،
فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة ، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً . وقد
اختلف الفقهاء في حكمه .
البدائع: ٥ ص ١٣٣ وما بعدها، فتح القدير مع العناية: ٥ ص ٧٥ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ٤ ص ٩
(١)
وما بعدها .
بداية المجتهد: ٢ ص ١٦٨، حاشية الدسوقي: ٣ ص ٣، الميزان: ٢ ص ٦٣، مغني المحتاج: ٢ ص ٤، المغني:
(٢)
٣ ص ٥٦٠، كشاف القناع: ١٣٦/٣.
- ٣٥٠ -

فقال الحنفية والمالكية والحنابلة في الأرجح عندهم: يصح بيع المعاطاة متى كان
هذا معتاداً دالاً على الرضا ومعبراً تماماً عن إرادة كل من المتعاقدين ، والبيع يصح
بكل ما يدل على الرضا، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم
ينقل إنكاره عن أحد، فكان ذلك إجماعاً، فالقرينة كافية هنا في الدلالة على
الرضا(١) .
وقال الشافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب
والقبول، فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع نفيساً أم حقيراً؛ لأن الرسول عليه
الصلاة والسلام قال: ((إنما البيع عن تراض))(٢) والرضا أمر خفي، فاعتبر ما يدل
عليه من اللفظ، لاسيما عند إثبات العقد حالة التنازع، فلا تقبل شهادة الشهود لدى
الحاكم إلا بما سمعوه من اللفظ
- وقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي صحة انعقاد بيع
المعاطاة في كل ما يعده الناس بها بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ ، فيرجع للعرف
كسائر الألفاظ المطلقة، قال النووي: وهذا هو المختار للفتوى. وبعض الشافعية
كابن سريج والروياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقرات أي غير النفيسة : وهي
ماجرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز وحزمة بقل ونحوها(٣).
ويلاحظ أن الفقهاء أجمعوا على أن الزواج لا ينعقد بالفعل، بل لابد من القول
للقادر عليه لخطره، فكان لابد من الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على
الإرادة : وهو القول .
البدائع: ٥ص١٣٤، فتح القدير: ٥ص٧٧، بداية المجتهد: ٢ص ١٦١ ، المغني: ٣ ص ٥٦١.
(١).
(٢)
صححه ابن حبان.
مغني المحتاج: ٢ص٣ وما بعدها، المهذب: ١ ص٢٥٧، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص ٨٩، ط التجارية.
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٣)
- ٣٥١ -

٢ - صفة الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس :
لا يكون كل من الإيجاب والقبول لازماً قبل وجود الآخر فإذا وجد أحدهما
لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر، ويكون لكل من المتعاقدين حينئذ خيار القبول
والرجوع، فإذا تم الإيجاب والقبول، فهل يكون لأحد العاقدين في مجلس العقد
خيار الرجوع ؟
اختلف العلماء فيه .
فقال الحنفية والمالكية والفقهاء السبعة بالمدينة(١): يلزم العقد بالإيجاب
والقبول ؛ لأن البيع عقد معاوضة، يلزم بمجرد تمام لفظ البيع والشراء، ولا يحتاج إلى
خيار مجلس، ولقول عمر رضي الله عنه: ((البيع صفقة أو خيار)).
وقالوا عن حديث ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا)): المراد بالمتبايعين: هما
المتساومان والمتشاغلان بأمر البيع، والمراد بالتفرق التفرق بالأقوال: وهو أن يقول
الآخر بعد الإيجاب : لا أشتري، أو يرجع الموجب قبل القبول، فالخيار قبل القبول
ثابت. ورد بعضهم هذا الحديث لمعارضته لآية ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض
منكم﴾ وآية ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وقال بعضهم : إنه منسوخ.
بهذا يظهر أن خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على ما قبل تمام العقد، فإذا
أوجب أحد المتعاقدين، فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد،
وهذا هو خيار القبول(٣) وخيار الرجوع.
(١) " فقهاء المدينة السبعة هم: سعيد بن المسيب (توفي ٩٤ هـ)، عروة بن الزبير (٩٤ هـ)، القاسم بن محمد
(١٠٦ هـ)، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ( ٩٤ هـ )، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
(٩٨ هـ)، سليمان بن يسار ( ١٠٧ هـ)، خارجة بن زيد بن ثابت ( ٩٩ هـ).
البدائع: ٥ص١٣٤، فتح القدير: ٥ص٧٨، بداية المجتهد: ٢ص١٦٩ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٣ص ٨١،
(٢)
المنتقى على الموطأ: ٥ص ٥٥، القوانين الفقهية: ص ٢٧٤، كشاف القناع: ١٨٧/٣، ط مكة.
- ٣٥٢ -

وقال الشافعية والحنابلة وسفيان الثوري وإسحاق: إذا انعقد البيع بتلاقي
الإيجاب والقبول، يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في المجلس،
ويكون لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ما داما مجتمعين لم يتفرقا
أو يتخايرا، ويعتبر في التفرق: العرف(١): وهو أن يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا
فيه .
والمراد به التفرق بالأبدان ، وهو التفرق حقيقة. وهو الذي يكون لذكره في
الحديث فائدة، لأنه معلوم لكل واحد أن المتعاقدين بالخيار إذا لم يقع بينهما عقد
بالقول .
وهذا هو خيار المجلس الثابت في أنواع البيع، لما روى الشيخان أنه مؤاقتر قال:
((البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر)) (٢) أي اختر اللزوم.
قال ابن رشد: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد، وأصحها. وقد
أثبت ابن حزم في المحلى تواتره .
وقد ردوا على المالكية والحنفية بأن اللفظ الوارد في هذا الحديث لا يحتمل
ما قالوه ( أي التفرق بالأقوال ) إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنما
بينهما اتفاق على الثمن والمبيع، بعد الاختلاف فيهما. وتأويلهم يبطل فائدة
مغني المحتاج: ٢ ص ٤٣، ٤٥، المغني: ٣ص٥٦٣، المهذب: ١ ص٢٥٧ . قال بعض الحنابلة: يختلف العرف في
(١)
التفرق باختلاف مواضع البيع : ففي فضاء واسع أو سوق : يكون التفرق بمشي أحد العاقدين مستدبراً لصاحبه
خطوات بحيث لا يسمع كلامه المعتاد ، وفي السفينة بصعود أحدهما لأعلاها ، أو نزوله لأسفلها، وفي قارب
صغير بخروج أحدهما منه ويمشي ، وفي دار كبيرة بخروجه من بيت أو مجلس لآخر، وفي دار صغيرة بصعود
أحدهما السطح أو خروجه منها . ولا يحصل التفرق ببناء حائط بين العاقدين، ولا إن ناما أو مشيا جميعاً
( راجع غاية المنتهى : ٢ ص ٣٠ ) .
(٢) سبل السلام: ٣ص٣٣ ومابعدها . وهذا هو بيع الخيار عند الشافعي: وهو أن يقول أحد العاقدين للآخر
بعدما تم الإيجاب والقبول وقبل التفرق : اختر : إن شئت فدع، وإن شئت فخذ. فإذا أخذ لزم البيع وقام
الخيار مقام التفرق بالأبدان .
١
- ٣٥٣ -

الحديث، لأنه من المعلوم أنها بالخيار قبل العقد في إنشائه، وإتمامه، أو تركه.
ومعنى قول عمر السابق: ((البيع صفقة أو خيار)) هو أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه
الخيار، وبيع لم يشترط فيه الخيار، وقد سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه.
إلا أنه أخذ على هذا الرأي كونه يهدر أو يزعزع القوة الملزمة للعقد، وهو مبدأ
خطير من أهم المبادئ القانونية(١).
المبحث الثاني - شروط البيع
يجب أن يتوافر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط وهي : شروط انعقاد،
وشروط صحة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم(٢)، والقصد من هذه الشروط في الجملة
منع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفي الغرر ( أي
الاحتمال ) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة ، فإذا اختل شرط الانعقاد كان العقد
باطلاً، وإذا اختل شرط الصحة كان العقد عند الحنفية فاسداً، وإذا لم يتوافر شرط
النفاذ كان العقد موقوفاً على الإجازة ولا تنتقل به الملكية إلا بالإجازة، وإذا انعدم
شرط اللزوم كان العقد مخيراً فيه أي مشتملاً على خيار الإمضاء أو الإبطال.
أولاً - شرائط الانعقاد : وهي ما يشترط تحققه لاعتبار العقد منعقداً شرعاً،
وإلا كان باطلاً. وقد اشترط الحنفية لانعقاد البيع أربعة أنواع من الشروط: في
العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه ، وفي المعقود عليه(٣).
أما ما يشترط في العاقد فهو شرطان :
١ - أن يكون العاقد عاقلاً أي مميزاً، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير العاقل.
راجع مصادر الحق للسنهوري : ٢ص٣٧ وما بعدها .
(١)
(٢)
راجع التفصيل في حاشية ابن عابدين : ٤ص٥ وما بعدها.
انظر أيضاً البدائع: ٥ص ١٣٥ وما بعدها، ٢ص٢٣٢، حاشية ابن عابدين: ٢ ص٤٤٨ .
(٣)
- ٣٥٤ -

ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح تصرف الصبي المميز البالغ من العمر
سبع سنوات كما سيأتي تفصيله، وفي الجملة : إن تصرفات الصبي المميز العاقل تنقسم
عند الحنفية إلى ثلاثة أقسام :
آ - التصرفات النافعة نفعاً محضاً: كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وقبول
الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين ، فهذه التصرفات تصح من الصبي العاقل
دون إذن ولا إجازة من الولي ، لأنها لنفعه التام.
ب - التصرفات الضارة ضرراً محضاً: كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض
وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس، فهذه لا تصح من الصبي العاقل، ولا تنفذ، ولو
أجازها وليه ؛ لأن الولي لا يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.
ج - التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع: كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار
والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها. فهذه التصرفات تصح من الصبي
المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته مادام صغيراً، أو على إجازته
بنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل(١).
٢ - أن يكون العاقد متعدداً: فلا ينعقد البيع بواسطة وكيل من الجانبين إلا في
الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، بخلاف الوكيل في عقد النكاح، فإنه
يصح أن يعقد النكاح وكيل من الجانبين .
والفرق بين البيع والنكاح: هو أن للبيع حقوقاً متضادة مثل التسليم والتسلم
والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب والخيارات. ويستحيل أن يكون
الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، وهذا محال. وبما أن
حقوق العقد مقتصرة على العاقد فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين . وأما الوكيل
(١) انظر كتب الأصول عند الحنفية مثل التلويح على التوضيح: ٢ص ١٦٥ وما بعدها .
- ٣٥٥ -

في النكاح فإن حقوق العقد لا ترجع إليه، وإنما ترجع إلى الموكل فكان سفيراً محضاً
بمنزلة الرسول .
وقد استثني الأب فيا يبيع مال نفسه من ابنه الصغير، بمثل قيمته أو بما يتغابن
الناس فيه عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه، لأنه حينئذ اقترب من مال اليتيم
بالتي هي أحسن، لكمال شفقته ووفرة رعايته بحكم طبيعة الحال. والوصي مثل الأب
عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا تصرف بما فيه نفع ظاهر لليتيم أو بمثل القيمة، لأنه
مرضي الأب ، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير.
وقال محمد : لا يجوز تصرف الوصي بمال الصبي لنفسه بمثل القيمة ؛ لأن القياس يأبى
جوازه أصلاً من الأب والوصي جميعاً. والتساهل في الأب لكمال شفقته بخلاف الوصي.
والقاضي لا ترجع إليه حقوق العقد، فكان بمنزلة الرسول، والرسول لا تلزمه
حقوق العقد، لأنه معبر وسفير، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن
الجانبین .
وأجاز جمهور الحنفية بخلاف الشافعي وزفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي
عقد النكاح بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور:
إذا كان ولياً أو وكيلاً من الجانبين كأن يقول شخص : زوجت ابني ببنت أخي،
أو زوجت مو کلي فلاناً موکلتي فلانة ، أو أصیلاً من جانب ووکیلاً من جانب آخر کا
لو وكلت امرأة شخصاً في أن يزوجها من نفسه، أو أصيلاً من جانب وولياً من جانب
كأن يتزوج بنت عمه الصغيرة، أو ولياً من جانب ووكيلاً من جانب: مثل زوجت
بنتي من موكلي. أما صورة الأصيل من الجانبين فهي مستحيلة عقلاً().
البدائع : ٥ص١٣٦، مجمع الضمانات : ص ٤١٠، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص١٣٩.
(١)
- ٣٥٦ _

وأما ما يشترط في نفس العقد فهو شرط واحد: وهو أن يكون القبول
موافقاً للإيجاب(١) كما سنفصل.
وأما ما يشترط في مكان العقد: فهو شرط واحد أيضاً وهو اتحاد مجلس
الإيجاب والقبول كما سنذكر تفصيله. ومجلس البيع: هو الاجتماع الواقع لعقد البيع
(م ١٨١ مجلة).
وأما ما يشترط في المعقود عليه أي المبيع فهو أربعة شروط(٢):
١ - أن يكون المبيع موجوداً : فلا ينعقد بيع المعدوم قبل وجوده وماله خطر
العدم. من أمثلة الأول: بيع نتاج النتاج أي ولد ولد هذه الناقة مثلاً، وبيع الثمر
قبل انعقاد شيء منه على الشجرة . ومن أمثلة الثاني: بيع الحمل، وبيع اللبن في
الضرع، فكل من الحمل واللبن متردد بين الوجود وعدم الوجود فها على خطر العدم.
ودليله في الجملة: أنه مر ◌ّ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها(٣) . ويلحق به بيع
ياقوتة فإذا هي زجاج، ففي هذا غلط في الجنس فلا ينعقد البيع، لأن المبيع
معدوم .
ويستثنى بيع السلم والاستصناع وبيع الثمر على الشجر بعد ظهور بعضه في رأي
بعض الحنفية .
٢ - أن يكون المبيع مالاً متقوماً:
والمال عند الحنفية كما عرفنا سابقاً: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت
الحاجة . وبعبارة أخرى : هو كل ما يمكن أن يملكه الإنسان وينتفع به على وجه
البدائع ، المرجع السابق : ص١٣٧ .
(١)
المرجع السابق: ص١٣٨ - ١٤٨ .
(٢)
نص الحديث رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله عا هل عن بيع الثمار حتى يبدو
صلاحها، نهى البائع والمبتاع» ( انظر جامع الأصول: ١ص ٣٨٩).
(٣)
- ٣٥٧ _

معتاد. والأصح أنه هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. والمتقوم: ما يمكن
ادخاره مع إباحته شرعاً . وبعبارة أخرى: هو ما كان محرزاً فعلاً ويجوز الانتفاع به
في حالة الاختيار(١)، فلا ينعقد بيع ماليس بمال کالإنسان الحر والميتة والدم، ولا بيع
مال غير متقوم كالخمر والخنزير في حق مسلم، ويجوز بيع آلات الملاهي عند
أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، وعند الصاحبين وبقية الأئمة:
لا ينعقد بيع هذه الأشياء، لأنها معدة للفساد.
٣ - أن يكون مملوكاً في نفسه : أي محرزاً وهو ما دخل تحت حيازة مالك خاص.
فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس مثل بيع الكلا ولو في أرض مملوكة،
والماء(٢) غير المحرز، والحطب، والحشيش، والصيود التي في البراري، وتراب الصحراء
ومعادنها ، وأشعة الشمس والهواء، ولقطات البحر وحيوانات البر في البراري.
أما كون المبيع ليس مملوكاً للبائع، فليس شرط انعقاد، وإنما هو شرط نفاذ كما
سيأتي.
٤ - أن يكون مقدور التسليم عند العقد: ؟
فلا ينعقد بيع معجوز التسليم ، وإن كان مملوكاً للبائع، مثل الحيوان الشارد
والطير في الهواء، والسمك في البحر بعد أن كان في يده.
شروط الإيجاب والقبول :
يفهم مما ذكرناه من شرائط الانعقاد أنه يشترط في الإيجاب والقبول ثلاثة
شروط :
حاشية ابن عابدين: ٤ ص٣، ١٥٠ ، الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ١٦٢، ١٦٤.
(١)
لا يجوز عند جمهور الفقهاء بيع الماء غير المحرز كمياه البحار والأنهار ونحوها ، لأنها مباحة لجميع الناس ،
(٢) .
لا يختص بها أحد دون غيره ، فلا يجوز بيعها مادامت في مقرها، ويجوز بيع الماء المحرز كاء البئر أو العين
ونحوهما المملوك لشخص ما . وقال فقهاء الظاهرية : لا يجوز بيع الماء مالم يكن تابعاً للبئر أو العين المملوكة .
- ٣٥٨ -

١ - الأهلية: هي عند الحنفية أن يكون كل من الموجب والقابل عاقلاً مميزاً
يدرك ما يقول ويعنيه حقاً(١)، فهو في الحقيقة شرط في العاقد لا في الصيغة، إلا
بالنظر لصدورها من العاقدين. والتمييز مقدر بتمام السنوات السبع، فلا ينعقد بيع
المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقد ارتباط بين إرادتي طرفيه .
والكلام ونحوه كالكتابة والإشارة دلیل علی هاتین الإرادتین، فكان لابد من أن
یکون هذا الدلیل صادراً من مميز عاقل .
والبلوغ والاختيار ليسا من شروط الانعقاد عند الحنفية، لذا كان من
الضروري الكلام في بيع الصبي والمكره عند فقهاء المذاهب.
بيع الصبي المميز:
قال الحنفية والمالكية والحنابلة : ينعقد تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما
أذن له الولي، وإلا كان موقوفاً على إجازة وليه. ودليلهم أن المدار في التصرف على
إذن الولي، لا على الصبي ، فصح البيع ؛ لأن الصبي حينئذ كالدلال ، والعاقد غيره،
ولأن دفع المال إلى الصبي بعد رشده متوقف على اختباره بالبيع والشراء، وأنه يغبن
أم لا ، فكان لابد من القول بصحة تصرفاته وعقوده، ولكن بإذن الولي لتحصيل
المصلحة وحفظ أمواله (٢).
وقال الشافعية(٣): لا ينعقد بيع الصبي لعدم أهليته، وشرط العاقد بائعاً أو
مشترياً: أن يكون راشداً: وهو أن يتصف بالبلوغ وصلاح الدين والمال، ودليلهم
قوله تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ والتصرف بالبيع
والشراء في معنى إعطاء السفهاء المال لاستلزام البيع والشراء لبذل المال، والجامع
(١) البدائع: ٥ص ١٣٥، الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٢٥٥ .
(٢)
البدائع: ٥ص ١٣٥، بداية المجتهد: ٢ص٢٧٨، حاشية الدسوقي: ٣ص ٥، المغني: ٤ ص٢٤٦.
(٣)
مغني المحتاج : ٢ ص٧ .
- ٣٥٩ -

بينهما نقص العقل المؤدي بكل منهما لإضاعة المال في غير طريقه الشرعي (١).
بيع المكره وبيع التلجئة :
بيع المكره :
قال جمهور الحنفية : إن عقود البيع والشراء والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً
ملجئاً أو غير ملجئ تكون فاسدة ؛ لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة
هذه العقود، لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن
تكون تجارة عن تراض منكم ) وحينئذ يحق للمستكره فسخ ما عقد أو امضاؤه.
ويثبت الملك للمشتري عند القبض كبقية العقود الفاسدة، ويلزم العقد بقبض
المستكره الثمن، أو تسليم المبيع طوعاً، إلا أنه يخالف البيع الفاسد في صور منها : أنه
يجوز بالإجازة القولية والفعلية، ويزول الفساد بخلاف غيره من البيوع الفاسدة
لا تجوز، وإن أجيزت ؛ لأن الفساد فيها لحق الشرع، والفساد هنا إنما كان صيانة
لمصلحة خاصة لا لمصلحة شرعية عامة، وبه يشبه بيع المكره البيع الموقوف، ومن هنا
قالوا : إنه بيع فاسد موقوف.
لذا قال زفر: إن الإكراه يجعل العقد غير نافذ، فهو كعقد الفضولي صحيح
موقوف بالنسبة إلى المستكره، فيتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه؛ لأن الإكراه
إنما يخل بحق المستكره ومصلحته، فيكفي لحمايته جعل العقد موقوف النفاذ على
رضاه بعد زوال الإكراه، ورأي زفر أقوى دليلاً(٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون العاقد مختاراً طائعاً في بيع متاع
قال الشافعية ( تحفة المحتاج وغيرها من شروح المنهاج ) : لا ينعقد بيع أربعة وهم : الصبي مميزاً أو غير مميز،
(١)
والمجنون ، والعبد ولو كان مكلفاً ، والأعمى ، ويقع بيعهم باطلاً .
حاشية ابن عابدين : ٤ص٤، ٥ص٨٩ - ٩١، الأموال ونظرية العقد للدكتور يوسف موسى: ص٣٩٨ ،
(٢)
مختصر الطحاوي: ص٤٠٨ ، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ١٨٥ في الحاشية ، الفرائد البهية في القواعد
الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص٣٢٤ .
- ٣٦٠ -