Indexed OCR Text
Pages 281-300
أولاً - المؤيدات المدنية : يتمثل دور المؤيدات المدنية في إلغاء التصرف المخالف لنظام الشريعة، إما إلغاءً كلياً وهو البطلان، وإما إلغاءً فرعياً وهو الفساد، وإما وضعه في طريق الإلغاء: وهو التوقف حماية لمصلحة الغير، أو التخيير لسلب اللزوم عن العقد حماية لمبدأ التعادل أو التوازن، أو لتوفير الرضا السليم. وقد سبق بحث هذه المؤيدات الأربعة (البطلان، الفساد، التوقف، التخيير) . وأكتفي هنا ببيان أهم الفروق وأوجه التشابه بين البطلان والفساد: أهم الفروق بين البطلان والفساد : تظهر الفوارق بين الباطل والفاسد فيما يأتي(١): ١ - السبب: إن سبب البطلان هو وجود مخالفة لنظام الشريعة في ناحية جوهرية كالخلل الذي يصيب أحد مقومات العقد الأساسية (العاقد، والمعقود عليه، والصيغة) أو أحد شرائط الانعقاد، كصدور العقد من عديم الأهلية بسبب الصغر أو الجنون وعدم قابلية المحل المعقود عليه للتصرف كبيع الأموال العامة والأوقاف، والزواج بالمحارم، وعدم الإشهاد في عقد الزواج، وعدم تسليم المعقود عليه في العقود العينية كالهبة ونحوها . 1 أما سبب الفساد: فهو مخالفة العقد لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة . وقد بينا أن أسباب الفساد ستة يمكن إيجازها في أربعة: وهي الجهالة الفاحشة، كبيع شاة من قطيع، وغرر الوصف كبيع بقرة على أنها حامل أو تحلب (١) راجع المبسوط: ٢٣/١٣، البدائع: ٢٩٩/٥، ٣٠٤، فتح القدير مع العناية: ١٨٥/٥ وما بعدها، ٢٢٧ وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: ١٠٤/٤، ١٣٦، جمع الضمانات: ص ٢١٥ وما بعدها. - ٢٨١ - كذا، والإكراه على رأي جمهور الحنفية (عدا زفر) الذين يعتبرونه مفسداً للعقد. وأما زفر فيعتبره موقفاً للعقد، ورأيه أوجه وأصح. والشرط المفسد في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والشركة: وهو الشرط التقييدي الممنوع شرعاً كالتوقيت في البيع، وعدم التقابض في عقد الصرف، والضرر الذي يلحق البائع بتسليم محل العقد کبیع جذع من سقف وذراع من ثوب يضره التبعيض . ٢ - النتيجة: لا يترتب على الباطل أي أثر أصلاً، فهو كالمعدوم سواء، فلا تنتقل الملكية في العوضين في عقد البيع مثلاً، ولا يترتب على الزواج الباطل حل الاستمتاع والنفقة والتوارث . لكن استثناء من ذلك: يعتبر المبيع المقبوض في البيع الباطل مضموناً بالمثل أو بالقيمة إذا تلف أياً كان سبب التلف، وليس مجرد أمانة لا تضمن حال التلف إلا بالتعدي أو بالتقصير في الحفظ. وكذلك يترتب على الزواج الباطل بعض الآثار الضرورية إذا أعقبه دخول : وهي ثبوت نسب الولد، وإيجاب العدة على المرأة ، واستحقاق المرأة المهر. فيختلف بذلك عن الزنى . أما الفاسد : فيترتب عليه بعض آثار العقد الصحيح إذا تم التنفيذ أي القبض أو التسليم، فتنتقل الملكية في العوضين في البيع الفاسد بالقبض. ويتلك المستأجر المنفعة في الإجارة الفاسدة وتلزمه الأجرة باستيفاء المنفعة فعلاً. لكن البيع الفاسد لا يلزم المشتري بدفع الثمن المسمى المتفق عليه، وإنما ثمن المثل أي قيمة المبيع في السوق يوم القبض. وفي الإجارة الفاسدة يلزم المستأجر بدفع أجر المثل، لا الأجر المسمى في العقد (١). (١) يلزم دفع أجر المثل على ألا يتجاوز الأجر المسمى، إلا إذا كان فساد الإجارة ناشئاً عن جهالة الأجرة فيجب عندئذ أجر المثل بالغاً ما بلغ. - ٢٨٢ - ويلاحظ أن هذا الأثر يرتبه الفقه على تنفيذ العقد ، لا على نفس العقد. ٣ - استحقاق الفسخ: الباطل لا يحتاج إلى فسخ؛ لأنه معدوم لم يوجد، والفسخ يرد على عقد قائم كالعقد المشتمل على أحد الخيارات . وأما الفاسد : فيستحق الفسخ رعاية لأحكام الشرع إما بإرادة أحد العاقدين، أو بإرادة القاضي ؛ لأن إزالة الفساد واجب شرعاً، وبالفسخ يرتفع الفساد(١). ويبقى حق الفسخ قائماً ولو بعد التنفيذ حتى يزول سببه إلا إذا وجد أحد موانع الفسخ وهي(٢) : أ - هلاك المعقود عليه أو استهلاكه أو تغيير شكله واسمه كطحن القمح وخبز الدقيق . ب - الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل والبناء على الأرض وصبغ الثوب . أما أنواع الزيادات الأخرى وهي الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمال، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد والثمرة أو غير المتولدة کالکسب والغلة فلا تمنع الفسخ والرد . ج - التصرف بالشيء المقبوض بعقد فاسد من قبل القابض كالبيع والهبة والرهن والوقف . ويلاحظ أن حق الفسخ بسبب الفساد يورث، فلومات أحد العاقدين جاز لورثته أو للعاقد الآخر فسخ العقد بعد الموت . ٤ - عموم الأثر وخصوصه : البطلان يمكن أن يصيب كل أنواع التصرفات (١) البدائع: ٣٠٠/٥. (٢) البدائع: ٣٠٠/٥ -٣٠٢، فتح القدير: ٢٣١/٥، ٣٠٢، رد المحتار: ١٣٧/٤، مجمع الضمانات: ص ٢١٦. - ٢٨٣ - القولية والفعلية ، العقدية وغير العقدية، كالبيع والإيجار والهبة ، والإقرار والدعوى، وإحراز المباح وقبض المبيع والموهوب. وأما الفساد فلا يجري إلا في العقود المالية المنشئة التزامات متقابلة أو ناقلة للملكية(١)، فلا يجري الفساد في العبادات والتصرفات الفعلية، والعقود غير المالية كالزواج والوصاية والتحكيم ، والعقود المالية التي لا تنشىء التزامات متقابلة ولا تنقل الملكية كالإيداع والإعارة، وتصرفات الإرادة المنفردة كالطلاق والوقف والإبراء. فهذه التصرفات لا تكون إلا صحيحة أو باطلة . وأما أوجه الشبه بين الباطل والفاسد فأهمها ما يأتي : أ - الباطل لا يقبل الإجازة لأنه معدوم. وكذلك الفاسد لا يرتفع فساده بالإجازة؛ لأن العاقد لا يملك مخالفة نظام الشريعة، وليس له إقرار المخالفة، وإنما ينبغي إزالة الفساد احتراماً لحكم الشرع، إلا إذا زال سبب فساده كتعيين المجهول. ب - الباطل لا يسري عليه التقادم ( مرور الزمان ) ويمكن التمسك ببطلان العقد مهما طالت المدة ؛ لأن الباطل معدوم. وكذلك الفاسد لا يسري عليه التقادم، وإنما يظل مستحق الفسخ شرعاً مهما طال الأمد، إلا إذا وجد مانع من موانع الفسخ التي سبق بيانها . ثانياً - المؤيدات التأديبية ( أو العقوبات ) إن مخالفة أحكام الشريعة وارتكاب المعاصي والمنكرات التي حرمتها الشريعة تستوجب عقاباً أخروياً ودنيوياً . والعقوبات الدنيوية نوعان : ١ - عقوبات مقدرة: وهي التي قدر لها الشرع نوعاً ومقداراً معيناً وهي (١) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف٢٦٨. - ٢٨٤ - -- القصاص، والحدود الخمسة ( وهي حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد شرب الخمر والمسكرات )(١). ٢ - عقوبات غير مقدرة وهي التعزيرات: وهي التي لم يحدد لها الشرع نوعاً ولا مقداراً معيناً، وإنما فوضها إلى تقدير الحكام لتطبيق ما يرونه محققاً للمصلحة حسب ظروف الجاني والجناية . والحكمة من تشريع الحدود أو العقوبات عامة: هو زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن الفساد، وتخليص الإنسان من آثار الخطيئة، وإصلاح الجاني . قال ابن تيمية(٢) وابن القيم(٣): كان من حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجرح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة. وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول : قتل، وقطع، وجلد، ونفي ، وتغريم مال، وتعزير. والجرائم الموجبة للعقوبة البدنية هي ثلاث عشرة جريمة وهي : (١) القصاص: هو عقوبة الإعدام بتعبير العصر، وحد القذف وشرب الخمر: ثمانون جلدة بسوط لاعقدة له مفرقة على أجزاء الجسد ماعدا المقاتل، وحد الزنا: مئة جلدة لغير المتزوج، والرجم بالنسبة للمحصن المتزوج، وحد السرقة: قطع اليد من الرسغ، وحد الحرابة: هو القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي، وتطبق العقوبة بحسب ما يناسب جريمة المحارب. (٢) رسالته في القياس: ص ٨٥، السياسة الشرعية له: ص٩٨ (٣) أعلام الموقعين: ٩٥/٢، ١٠٧ ومابعدها. - ٢٨٥ - القتل، والجرح، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي (١)، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام. وليس في هذه العقوبات قسوة أو تنكيل وتعذيب للمجرم كما يزعم بعض الناس ؛ لأن هذه الجرائم الموجبة لها خطيرة تهز كيان المجتمع، ولأنها أنسب عقوبة لزجر المجرم وأمثاله، وأقمع للجريمة ومطاردة المجرمين، وأدعى لتحقيق أمن المجتمع واستقراره . وقد حققت العقوبات الشرعية أمناً في السعودية لا يماثله أمن بلد في العالم تطبق فيه العقوبات الوضعية من حبس أوسجن ونحوهما . والتخلص من ضرر مجرم يتباكى عليه الزاعمون حب الإنسانية والإنسان أوجب من تهديد أمن المجتمع بكامله، عن طريق ترويع المجرمين أمن البيوت والنساء والأطفال، وما يعقبه من العديد من الجرائم والمنكرات. ولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود الشرعية، عاش آمناً مطمئناً على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه .5 هذا مع العلم بأن تطبيق القصاص والحدود يتطلب تشدداً كبيراً في شروط إثبات الجريمة(٢)، مما لا نكاد نجد له مثيلاً عند القانونيين، بل إن الحدود ومنها البغي: الخروج في حال الشوكة والمنعة على جماعة المسلمين بتأويل نص في حكم شرعي للتوصل إلى حق أو (١) ولاية، والتحصن في بلد ما، وتنظيم ثورة مسلحة على غيرهم، وتطبيق أحكامهم فيما بينهم كالخوارج. وأما الحرابة: فهي قطع الطريق على المارة، بقصد أخذ أموالهم قهراً عنهم أو قتلهم علانية دون اعتماد على تأويل سائغ . ففي السرقة مثلاً يشترط ما يزيد على ١٢ شرطاً. وفي الزنا: يشترط لإثباته بالشهادة شهادة أربعة رجال (٢) أحرار عدول يرون الجريمة رؤية بصرية كاملة لاشبهة فيها. وفي القتل يشترط عدة شرائط لتطبيق القصاص منها أن يكون القتل بسلاح ونحوه. - ٢٨٦ - القصاص تسقط بالشبهات عملاً بالحديث النبوي: (( ادرؤوا الحدود بالشبهات )) وقد توسع الفقهاء في بیان ماهو شبهة مسقطة للحد توسعاً کبیراً، حتى إن مجرد ادعاء الشبهة كادعاء الزوجية في حال الوطء من المتهم يسقط الحد، وكذا هرب المحدود أثناء إقامة الحد يسقط الحد(١). فالقسوة على المجرم رحمة عامة للمجتمع في مجموعه، حتى يتخلص من الجريمة وخطرها الوبيل، فإن التضحية بعدد محدود من المجرمين أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتك بآلاف الأبرياء. والشريعة الإسلامية هي شريعة الرحمة الحقة بالناس، والله سبحانه أدرى بما يعالج به خطر بعض المجرمین وهو أرحم بهم . وقد أدى كل هذا إلى أن يكون تطبيق الحد نادراً جداً في المجتمع الإسلامي، فقطع اليد مثلاً في السعودية لا يزيد عن حالة واحدة أو حالتين طوال العام. وأما العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات: فهي العقوبات المشروعة على كل معصية أو منكر أو إيذاء لا حد فيه، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة، وسواء أكانت الجريمة انتهاكاً للحرمات الدينية والاجتماعية كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة، وطرح النجاسة في طريق الناس، والاستهزاء بالدين، والإخلال بالآداب العامة، أو كانت اعتداء على حق شخصي كأنواع السب والشتم والضرب والإيذاء بأي وجه، والغش والتزوير والاحتيال ونحوها . والتعزير يكون إما بالضرب أو بالحبس أو الجلد أو النفي أو التوبيخ أو التغريم المالي، ونحو ذلك مما يراه الحاكم رادعاً للشخص بحسب اختلاف حالات الناس، حتى القتل سياسة كما قرر فقهاء الحنفية والمالكية . والتعزير مفوض للدولة في كل زمان ومكان ، تضع للقضاة أنظمة يطبقونها (١) الدر المختار: ١٥٨/٣ وما بعدها. - ٢٨٧ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٩) بحسب المصلحة. وأغلب العقوبات الوضعية الحديثة تدخل في نطاق التعزير. ولا مانع شرعاً من تقنين العقوبات التعزيرية بجانب الحدود والقصاص على النحو المعروف الآن. ويعد التعزير قاعدة مرنة صالحة للتطبيق في كل عصر بما يحقق المصلحة أو المقصود من العقوبة. وما وضع حدين للعقوبة قانوناً أدنى وأقصى ، أو الحكم مع وقف التنفيذ إلا لون من ألوان المرونة أو العفو عن العقوبة المقررين في التعزيرات. والشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب، وقد سبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة: (( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)) لتقريرهم القاعدتين التاليتين : ١ - ((لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص )). ٢ - ((الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء الإباحة)). ومصدر هاتين القاعدتين قول الله تعالى: ﴿ وما كنا معذیین حتى نبعث رسولا ) وقوله سبحانه: ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا) وقوله جل شأنه: ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾. فهذه النصوص قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان ، ولا عقوبة إلا بعد إنذار. ومن هنا كانت فترة الجاهلية لاعقاب فيها على الجرائم التي حدثت أثناءها ، سواء أكانت الجريمة إراقة دم حرام أم غيرها . وقد تضافر القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب الفقهاء على بيان المعاصي والمنكرات وتفصيل العقوبات المقررة في الدنيا على الأشخاص. ولا يقبل شرعاً من أي مسلم أو مسلمة الاعتذار بالجهل بأحكام الشريعة، وعليه أن يتعلم القدر الضروري منها لقوله عليه السلام: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) ويعد التقصير في التعليم والتعلم جريمة مستوجبة التعزير. - ٢٨٨ - والعمل بأحكام الشريعة في النطاقين الجزائي والمدني وغيرهما واجب على الدولة والأفراد، ويعد التخلي عن الشريعة إثماً كبيراً وجرماً عظيماً. وليس تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو غير متفق مع ظروف العصر الحديث، وإنما الإعراض عن ذلك نوع من الوهم وفقدان الثقة بالذات وافتتان بأنظمة العصر وبعد جائر عن الشرع . ولاشك بأن أحكام الشريعة تتطلب إقامة مجتمع إسلامي متكامل في العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي، وينبغي أن تتجه أنظمة الدولة الدستورية والإدارية والتعليمية والإعلامية إلى العمل بروح الإسلام وأنظمته وآدابه، حتى يسهل تقبل الحكم الشرعي الإلهي عن عقيدة واقتناع وحب واحترام. . الله تعالى - ٢٨٩ - ملحق ما اقتبسه القانون المدني من الفقه الإسلامي لا تتبوأ الأمة مكانتها وتنعم بعزتها بغير الاستقلال الكامل المادي والمعنوي الذي لا أثر فيه للتبعة الفكرية والثقافية والقانونية لأية دولة أخرى . ولا يكل الاستقلال الوطني ولا تتحقق أو تنمو ذاتية البلد المطلقة ولا تخطو خطوات بناءه نحو التقدم والمستقبل المشرق ، محطمة قيود التخلف إلا بالتخلص من كل آثار الاستعمار ورواسبه البعيدة المدى. ومن أولى مهام الحكم المستقل الوطني في سبيل تحقيق تلك الغاية الاعتماد في التقنين في مختلف أنواعه على التراث القومي النابع من البيئة ، والمتجاوب مع تطلعات أبناء البلاد وأهدافهم وعقيدتهم . فلقد اعترف الفقيه الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري واضع القانون المدني المصري وغيره في البلاد العربية بأن الفقه والقضاء المصري ضيفان على القضاء الفرنسي، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته، وطالب بتمصير الفقه، وجعله فقهاً مصرياً خالصاً نرى فيه طابع قوميتنا ونحس أثر عقليتنا ، ففقهنا حتى اليوم لا يزال يحتله الأجنبي ، الاحتلال هنا فرنسي، وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا أقل عنتاً من أي احتلال آخر. لذلك كانت أمنية من أغلى الأماني العراض وأعزها لدينا أن يصدر قانون مدني - ٢٩٠ - وغير مدني مستمد كله من أحكام الشريعة الإسلامية. قال الدكتور السنهوري(١) : أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يبنى عليه تشريعنا المدني ، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح. ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة ، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن . ومن بدهي القول إعلان أن الشريعة الإسلامية ذات المصدر السماوي الإلهي المستقل لا تزال شريعة حية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ، أكد ذلك فقهاء القانون في الغرب والشرق، وعمداء الحقوق في البلاد العربية والأجنبية، ومؤتمرات القانون المقارن والمحامين الدولية في العصر الحديث(٢). قال الدكتور السنهوري): ((ولا أريد الاقتصار على شهادة الفقهاء المنصفين من علماء الغرب، كالفقيه الألماني كوهلر والأستاذ الإيطالي دلفيشيو والعميد الأمريكي ويجمور وكثيرين غيرهم، يشهدون بما انطوت عليه الشريعة الإسلامية. من مرونة وقابلية للتطور، ويضعونها إلى جانب القانون الروماني والقانون الإنكليزي إحدى الشرائع الأساسية الثلاث التي سادت ولا تزال تسود العالم. وقد أشار الأستاذ لامبير الفقيه الفرنسي المعروف في المؤتمر الدولي للقانون المقارن ، الذي انعقد في مدينة لاهاي في سنة ١٩٣٢ إلى هذا التقدير الكبير للشريعة الإسلامية ، الذي بدأ يسود بين فقهاء أوروبا وأمريكا في العصر الحاضر. ولكني أرجع للشريعة نفسها لأثبت صحة ما قررته . ففي هذه الشريعة عناصر راجع كتابه الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: حاشية ص ٤٨ . (١) انظر قرار مؤتمر القانون المقارن في لاهاي سنة ١٩٣٨ ، ومؤتمر المحامين الدولي في لاهاي سنة ١٩٤٨، وتوصيات (٢) ندوة عمداء كليات الحقوق والقانون والشريعة بالجامعات العربية بجامعة بيروت العربية، عام ١٩٧٣، وبجامعة بغداد عام ١٩٧٤، وتوصيات ندوة التشريع الإسلامي في مدينة البيضاء، ليبيا عام ١٩٧٢، وتوصيات مؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض عام ١٩٧٦ . بحث الدكتور السنهوري فى مجلة نقابة المحامين بدمشق - السنة الأولى - العدد السابع: ص ٥٠٦. (٣) - ٢٩١ _ لو تولتها يد الصياغة، فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي وفي الشمول وفي مسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي نتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث. وآتي بأمثلة أربعة اضطررت إلى الاقتصار عليها لضيق المقام: يدرك كل مطلع على فقه الغرب أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين: نظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية تحمل التبعة، ومسؤولية عديم التمييز. ولكل نظرية من هذه النظريات الأربع أساس في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا للصياغة والبناء ليقوم على أركان قوية، ويسامت نظريات الفقه الحديث)). وقد أحدثت هذه الصيحة بالاعتراف بالحق دوياً في نفوس واضعي القوانين العربية، ولم يعد مقبولاً بحال ترك مصادرنا الفقهية الإسلامية ، وأخذ قانون مترجم ترجمة حرفية عن القانون المدني الفرنسي . وأثمر هذا الدوي القوي في أفكار القانونيين ، فصدر في دنيا العرب قانونان مدنيان مستمدان من الفقه الإسلامي ، وهما القانون المدني العراقي عام ١٩٥١ ، والقانون المدني الأردني عام ١٩٧٦ ، وصدر في ليبيا - الثورة إلغاء صريح فوري لكل مواد القانون المدني المعارضة للشريعة ، وبدئ بوضع قانون جديد مستمد من الفقه الإسلامي ، كما بدئ في مصر بوضع مشاريع قوانين مدنية وجزائية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، غير الملتزمة مذهباً فقهياً معيناً، وإنما تأخذ من مجموع أحكام المذاهب الإسلامية - السنية والشيعية ما يناسب ظروف العصر، وبدأت لجان منبثقة من قرارات وزراء الخارجية العرب بوضع قانون مدني وآخر جزائي مستمد من الشريعة الإسلامية منذ عام ١٩٨٠ . وقد جاء في الأسباب الموجبة للائحة القانون المدني العراقي المكون من ١٣٨٣ - ٢٩٢ - مادة ما يلي : إن قواعد القانون المدني العراقي استمدت من مصادر متباينة، فبعضها أخذ من الفقه الإسلامي مباشرة، وبعضها نقل عن الفقه الإسلامي مقنناً في المجلة، والبعض الآخر هو بقية من القوانين العثمانية العتيقة، وهذه القوانين بدورها قد اشتقت أحكامها بوجه خاص من القانون الفرنسي والعرف المحلي . والكثرة الغالبة من أحكام القانون العراقي قد خرجت على الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلفة دون تقيد بمذهب معين ، واستطاع مشروع هذا القانون أن يجد في غير عناء مادة خصبة في الفقه الإسلامي يصوغ منها طائفة العقود المسماة ، سواء وقع العقد على الملكية كالبيع والهبة والشركة والقرض، أو وقع على المنفعة كالإيجار والإعارة، أو وقع على العمل كالمقاولة وعقد العمل والوكالة والوديعة. وجاء في نص البيان الصحفي الذي أعلن به مشروع القانون المدني الأردني المكون من ١٤٤٩ مادة ما يلي : اعتمدت لجنة واضعية على المراجع والمصادر التالية : ١ - مجلة الأحكام العدلية والفقه الإسلامي بجميع مذاهبه. ٢ - التشريعات والقوانين الأردنية المعمول بها . ٣ - مشروع القانون المدني الموجود حالياً في مجلس الأعيان. ٤ - كافة التشريعات والقوانين المعاصرة والمستمدة من الفقه الإسلامي. وتناول المشروع أحكام المعاملات مستمدة من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المتفتحة على الحياة وقواعده المتطورة دائماً مع متطلبات العصر والصالحة للغد ولتبدل الأزمان. وهو مشروع رائد ينتظره العرب والمسلمون بفارغ الصبر، وهو يحقق رغبة طالما تمناها كثير من رجال القضاء والقانون وعلى رأسهم المرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري . ويقع المشروع في نحو ١٤٥٠ مادة، وتستند كل مادة من مواده إلى مآخذها - ٢٩٣ - ونظائرها في القوانين المعاصرة ومرجعها الفقهي في مذكرات إيضاحية تقع في نحو ١٥٠٠ صفحة، وهي شروح وافية لكل مادة وثروة قانونية لقضائنا ورجال القانون . فمن المقطوع به أن كل نص تشريعي أو مادة قانونية ينبغي أن تعيش في البيئة التي تطبق فيها والبلد الذي تنفذ فيه، مهما كان مصدرها ، لكن يلاحظ أن القانون الأردني لم يجز الفوائد الربوية ، بعكس القانون العراقي الذي أباح الاتفاق على الفائدة بنسبة ٧٪ . مدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري : القانون المدني السوري الصادر عام ١٩٤٩ وأصله القانون المصري الصادر عام ١٩٤٨ ما يزالان قائمين على أساس من القانون المدني الفرنسي ، إلا أنها جعلا الفقه الإسلامي (م١/ ٢) مصدراً رسمياً للقانون يأتي في المرتبة الثانية بعد نصوص القانون في قانوننا السوري ( ومثله القانون الجزائري الصادر عام ١٩٧٥) وفي المرتبة الثالثة بعد نصوص القانون والعرف والعادة في القانون المصري . وفي تقديري أن اعتبار الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً احتياطياً في كلا القانونين ليس له فائدة عملية كبيرة؛ لأن القاضي لا يلجأ إليه إلا إذا استحال عليه الوصول إلى الحكم القانوني من نصوص التشريع، وهذا احتمال نادر، لكنه لاشك يزيد كثيراً في أهمية الشريعة الإسلامية، ويجعل دراستها دراسة عملية في ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية . فكل من الفقيه والقاضي أصبح الآن مطالباً أن يستكمل أحكام القانون المدني، فيما لم يرد فيه نص بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي(١). ولكن المفيد التعرف على الأحكام التي استمدها القانون المدني السوري ( وأصله (١) الوسيط السنهوري: ص ٤٨ . - ٢٩٤ _ المصري) من الفقه الإسلامي. وبعض هذه الأحكام هي مبادئ عامة، وبعضها مسائل تفصيلية (١) : بعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي : ١ - النزعة الموضوعية ٢٠ - الأهلية، ومسؤولية عديم التمييز ٣ - نظرية التعسف في استعمال الحق ٤ - نظرية الظروف الطارئة ٥ - حوالة الدين ٦ - لا تر کة إلا بعد سداد الدين بعض الأحكام التفصيلية المستقاة من الفقه الإسلامي : ١ - في عقد البيع (أحكام مجلس العقد، البيع بالصفة، تبعة الهلاك في البيع - نظرية تحمل التبعة ، حق الحبس ، الغبن في بيع القاصر، ضمان العيوب الخفية وضمان التعرض والاستحقاق). ٢ - في عقد الإيجار (إيجار الأراضي الزراعية، غرس الأشجار في العين المؤجرة، هلاك الزرع في العين المؤجرة، المزارعة، انقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر، ايجار الوقف). ٣ - حقوق الارتفاق : (حق العلو والسفل، الحائط المشترك) ٤ - أحكام عقد الهبة - شكلاً وموضوعاً (تكوين العقد، محل العقد، الرجوع في الهبة ) (١) الوسيط السنهوري: ص ٤٦، ٤٧ . - ٢٩٥ _ ٥ - تصرف المريض مرض الموت ٦ - أحكام متفرقة (مدة التقادم، الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده) بيان أهم المبادئ والنظريات المقتبسة من الفقه الإسلامي : ١ - النزعة الموضوعية : أخذ القانونان المصري والسوري بالنزعة الموضوعية التي تخللت كثيراً من النصوص(١) . وهذه هي نزعة الفقه الإسلامي والقوانين الجرمانية ، آثرها التقنين على النزعة الذاتية التي هي طابع القوانين اللاتينية، وجعل الفقه الإسلامي عمدته في الترجيح. فأخذ بالإرادة الظاهرة وبالموضوعية معاً، ولكن بقدر متفاوت ، إذ أقل من الأخذ بالإرادة الظاهرة، وأكثر من الأخذ بالموضوعية، إلى حد أنه عندما كان في بعض المسائل يتخذ معايير ذاتية لم يتخذها ذاتية محضة ، بل رسم لها ضوابط موضوعية ليضفي عليها شيئاً من الثبات والاستقرار. من أمثلة المعايير الموضوعية ((عناية الشخص المعتاد)) أي أن الشخص مطالب بأن يبذل من العناية في حفظ مال الغير كالوديعة مثلاً ما يبذله عادة في حفظ ماله الخاص . 5 انظر القانون المدني السوري (المواد ٢١٢ / ١ في الالتزام بعمل، ٤٨٩ / ٢ في آثار الشركة، ٥٥١ / ١ في استعمال العين المؤجرة، ٦٠٧ / ١ التزام المستعير، ٦٥١ / ١ التزام العامل، ٦٧٠ / ٢ التزام الوكيل ، ٦٨٦ التزام الوديع ، ٧٠٠ / ١ التزام الحارس، ١٩٣ / ١ التزام الفضولي، ١٣٠ / ١ إبطال العقد بسبب الغبن ، ١٤٧ انتقال الالتزام إلى الخلف الخاص، ١٧٩ مسؤولية حارس الأشياء، ٢٢٢ تعويض الضرر، ٤١٥ / ١ التزام البائع بضمان العيوب الخفية، ٥٨٠ / ١ استغلال المستأجر الأراضي الزراعية ). الوسيط السنهوري : ص ٤٧ ، ٩٣ ، ٩٦. (١) - ٢٩٦ - وهذا المعيار الموضوعي مقرر في الفقه الإسلامي في الأحوال السابقة، فقد قرر فقهاؤنا أنه يجب على الأمين أن يحفظ الأمانة ، كما يحفظ ماله على النحو الذي جرت به عادة الناس في كيفية حفظ أموالهم(١). أما الفقه الإسلامي فيقرر مسؤولية الصبي غير المميز والمجنون مطلقاً عن الإتلافات، قال الحنفية: (( الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه من المال))(٢) ((لو أن طفلاً ابن يوم انقلب على قارورة فكسرها، لزمه الضمان))(٣) وقال المالكية: ((إن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس، إنما باختلاف البلاد والأزمان ))(٤). ونصت المجلة على ذلك فيما يأتي: (( .... يلزم الضمان على الصبي إذا أتلف مال الغير، وإن كان غير مميز)) (م١٩٦٠٢): ((إذا أتلف صبي مال غيره يلزم الضمان من ماله، وإن لم يكن له مال ينتظر إلى حال يساره، ولا يضمن وليه)) (م ٩١٦) ( م ٩١٢ ). ولكن لا يكون غير المميز مسؤولاً مسؤولية جنائية عن حوادث القتل، فلا ينفذ في حقه القصاص، وإنما يقتصر على تعزيره بالحبس أو بالتوبيخ ونحوهما . ٢ - أحكام الأهلية، ومسؤولية عديم التمييز: 5 إن أحكام الأهلية ( المواد ٤٦ - ٥٠، ١٠٩ - ١٢٩) مستمدة من الفقه الإسلامي(٥)، سواء فيما يتعلق بأهلية التملك أو بمباشرة التصرفات والعقود، ووجود بداية المجتهد: ٣٠٧/٢، وانظر كتابنا نظرية الضمان: ص ١٧٧ - ١٨٣. (١) (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٧٨/٢، درر الحكام: ٢٧٣/٢ مجمع الضمانات: ص١٤٦ - ١٥٤، ١٦١، ١٦٥، جامع الفصولين: ١١٣/٢، ١٢٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم: (٣) ٩٩/٢. (٤) الفروق للقرافي: ٣١/٤. (٥) نظرية العقد السنهوري: ٣٢٢/١ وما بعدها . - ٢٩٧ - الحاجة أحياناً إلى النائب الشرعي عن الغير، والحكم ببطلان التصرف بسبب انعدام الأهلية ، إلا أن القانون في حالة وجود عيب من عيوب الرضا كالإكراه والتدليس والغلط يجعل العقد قابلاً للإبطال أي أن العقد قائم وموجود، لكنه عرضة للإبطال من طريق القاضي بناء على طلب صاحب المصلحة في حماية حقه الخاص. وأما في الفقه فيسمى العقد حينئذ غير لازم أي يجوز فسخه من صاحب الحق بمحض إرادته من غير قضاء إلا في حالة وجود التدليس المتضمن إخفاء عيب ( خيار العيب ) فيحتاج إلى القضاء لتقدير وجود العيب. وقد يسمى العقد المعيب بعيب ( كما في حالة الإكراه ) غير نافذ أو موقوفاً على الإجازة كما في حالة تجاوز العاقد حدود النيابة المتعارف عليها ، إلا أن العقد الموقوف لا ينتج أي أثر، أما العقد القابل للإبطال فهو عقد صحيح منتج لآثاره . وكذلك أخذ القانون المدني بمبدأ مسؤولية عديم التمييز عن أعماله غير المشروعة التي تسبب ضرراً للغير، مسايرة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي توجب تعويض الضرر الواقع باعتباره واقعة مادية، ولو لم يتوفر عنصر الخطأ أحد أركان المسؤولية المدنية التقصيرية، وهو ما تقرره نظرية تحمل التبعة التي لا تقيم المسؤولية على أساس فكرة الخطأ، وإنما تكتفي بمراعاة مبدأ ((الغرم بالغنم )). وقد نص القانون المدني على ذلك في المادة ١٦٥ / ٢: « ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز، ولم یکن هناك من هو مسؤول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل، مراعياً في ذلك مركز الخصوم » أي أن هذه المسؤولية لغير المميز تتميز بأنها مسؤولية مشروطة، ومسؤولية مخففة أي في حدود التعويض العادل(١) . وبهذا يكون ولي القاصر بصفة عامة هو المسؤول عن عمل القاصر أو المجمون على (١) الوسيط السنهوري: ص٦٣، النظرية العامة للالتزام للدكتور وحيد سوار: ٧٠/٢. - ٢٩٨ - أساس الخطأ المفترض أو التقصير في الرقابة (راجع المادة ١٧٤ ). وسألقي الضوء إجمالاً على هذه المبادئ والنظريات والأحكام التفصيلية المستمدة من الفقه الإسلامي ، تاركاً الشرح لفقهاء القانون المدني الذين يبينون عادة منشأ هذه الأحكام، وموطن استمداد المشرع لها . ٣ - نظرية التعسف في استعمال الحق : ليس حق الملكية حقاً مطلقاً، وإنما هو مقيد بعدم إلحاق الضرر بالغير، فإذا ترتب على استعمال الحق إحداث ضرر بالغير نتيجة إساءة استعمال هذا الحق، كان محدث الضرر مسؤولاً . وقد نص القانون المدني السوري على هذا المبدأ في المادتين (٦،٥) ((من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر)) (مه). (« يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية : أ - إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير. ب - إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لاتتناسب ألبتة مع ما يصيب الغير من ضرر )). ج - إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة ( م٦ ) وقد حرص واضعو القانون - لدى صياغة النص الذي أورد في هذه النظرية - على الاستفادة من القواعد التي استقرت في الفقه الإسلامي(١) ومن أهمها: ((تصرف الإنسان في (١) الوسيط السنهوري: ٨٣٦/١، النظرية العامة للالتزام للدكتور سوار: ص٩٦، الحقوق العينية الأصلية للدكتور سوار: ص ٣١١. - ٢٩٩ - خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره )) فهذه القاعدة أساس واضح لنظرية منع التعسف في استعمال الحق، وهي القاعدة المنظمة لحقوق الجوار(١). أما نص المادة (٥) فمأخوذ من المبدأ المقرر في الشريعة المعبر عنه في القاعدة الفقهية الكلية القائلة: ((الجواز الشرعي ينافي الضمان)) أي أن الفعل المباح شرعاً لا يستوجب الضمان أو تعويض الضرر الذي قد يحدث . وأما نص المادة ( ٦) فمستمد من حيث المبدأ من الحديث النبوي المتقدم: ((لاضرر ولاضرار في الإسلام)» الذي يقضي بمنع الضرر في حالتين: الأولى - استعمال الحق بقصد الإضرار. الثانية - أن يترتب على استعمال الحق المشروع إضرار الآخرين ، سواء أكان الاستعمال على وجه معتاد ، أم على غير الوجه المعتاد . وفي كلتا الحالتين توجب قواعد الإسلام إزالة الضرر عيناً، سواء أكان مادياً أم معنوياً؛ لأن الراجح أن المنافع أموال متقومة، فإن تعذر ذلك يجب الحكم بتعويض مالي عادل لرفع آثار الضرر ومنع بقائه أو تجدده في المستقبل . ويلاحظ أن القانون قصر التعسف على حالات الاستعمال غير المشروع(١). أما الحالة الأولى قانوناً فتقابل الحالة الأولى المفهومة من الحديث، والحالة الثانية تقابل الحالة الثانية المأخوذة من الحديث، وتتفق مع ما أخذت به المجلة ( المادة ١٩، ٢٠) ويقتضيه الاستحسان الفقهي. وأما الحالة الثالثة في القانون فهي مستقاة من مجموع ما تقرره المذاهب الإسلامية وتقتضيه روح التشريع الإسلامي في محاربة الأعمال غير المشروعة، أو المعاصي والمنكرات الضارة بمصلحة المجتمع ، وأنه راجع تطبيقات القاعدة في نظرية الضمان للمؤلف: ص٢٠٧ (١) (٢) راجع كتابنا نظرية الضمان : ص ٥٣ وما بعدها . - ٣٠٠ -