Indexed OCR Text
Pages 261-280
خيار العيب خيار العيب(١): هو أن يكون لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيب في أحد البدلين، ولم يكن صاحبه عالماً به وقت العقد . فسبب هذا الخيار: هو ظهور عيب في المعقود علیه أو في بدله ینقص قيمته أو يخل بالغرض المقصود منه، ولم يكن صاحبه مطلعاً على العيب عند التعاقد، فسمي خيار العيب. وثبوت هذا الخيار مشروط دلالة أو ضمناً؛ لأن سلامة المعقود عليه أو بدله مطلوبة للعاقد، وإن لم يشترطها صراحة. فإذا لم تتوافر السلامة اختل رضا العاقد بالعقد، والرضا أساس العقود ، فشرع له الخيار لتدارك الخلل الحادث . وإذا لم تتوافر السلامة لم يتحقق أيضاً مبدأ التعادل في التبادل الذي تقوم عليه عقود المعاوضات، فشرع هذا الخيار حفاظاً على مبدأ المساواة هذا. وقد أثبت الشرع هذا الخيار لمن فوجئ بالعيب بأحاديث نبوية متعددة منها : ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بيَّنه له)) (٢)، ومر النبي ◌ُّ برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: ((من غشنا فليس منا)). ويثبت خيار العيب وخيار الرؤية في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ، كعقد البيع، والإيجار، وقسمة الأعيان والصلح على عوض عيني. العيب الموجب للخيار: وهو عند الحنفية والحنابلة(٣): كل ما يخلو عنه أصل راجع أحكام خيار العيب في المواد (٣٣٦ - ٣٥٥) من المجلة. (١) (٢) رواه ابن ماجه عن عقبة بن عامر (نيل الأوطار: ٢١١/٥). فتح القدير مع العناية: ١٥١/٥، ١٥٣، البدائع: ٢٧٤/٥، الدر المختار وحاشيته: ٧٤/٤، المغني: ٤ / ١٥٢، (٣) غاية المنتهى : ٣٥/٢. - ٢٦١ - الفطرة السليمة ويوجب نقصان القيمة في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور، وهذا التعريف ذو معيار مادي. وعند الشافعية(١) ذو معيار شخصي، وهو : کل ما ينقص القيمة أو یفوت به غرض صحيح، کجماح الدابة، أو قطع شيء من أذن الشاة المشتراة للأضحية، أو ضيق الحذاء المشترى . شروط ثبوت خيار العيب : يشترط لثبوت خيار العيب بعد الاطلاع على العيب شروط هي(٢): ١ - وجود العيب قبل العقد، أو بعده قبل التسليم أي أن يكون قديماً. فلو حدث العيب بعد التسليم، أو عند المشتري لا يثبت الخيار. ٢ - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض. فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة. ٣ - عدم اشتراط المالك البراءة عن العيوب في محل العقد، فلو شرط ذلك فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه . ٤ - ألا يزول العيب قبل الفسخ . هذا ويلاحظ أن الحنفية صححوا البيع بشرط البراءة من كل عيب، وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها ، سواء أكان المشترط جاهلاً وجود العيب في المبيع أم عالماً بعيب المبيع . وسواء أكان العيب موجوداً قبل البيع أم حادثاً بعده قبل القبض . وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد ومالك والشافعي وهو المعمول به في قانوننا المدني : يشمل شرط البراءة: العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض ؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود . (١) مغني المحتاج: ٥١/٢. (٢) البدائع: ٢٧٥/٥ وما بعدها، فتح القدير: ١٥٣/٥. - ٢٦٢ - كذلك لا تصح البراءة عند المالكية والشافعية وفي رواية عند الحنابلة(١) إلا عن عيب لا يعلم به البائع، أما ما يعلم به فلا تصح البراءة عنه . وقت خيار العيب: يثبت خيار العيب متى ظهر العيب ولو بعد العقد بزمن طويل. أما فسخ العقد بعد العلم بالعيب فوراً أو على التراخي ففيه رأيان للفقهاء : قال الحنفية والحنابلة(٢): خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور. فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا؛ لأن هذا الخيار شرع لدفع الضرر، فلا يبطل بالتأخير؛ ولأن الحقوق إذا ثبتت لا تسقط إلا بإسقاطها أو بانتهاء الوقت المحدد لها ، وليس لهذا الحق وقت محدد . وقال المالكية والشافعية(٢): يجب الفسخ على الفور بعد العلم بالعيب. والمراد بالفور: ما لا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة أو أكل ونحوه لا يعد متراخياً. والسبب في اشتراط الفور: هو ألا يلحق العاقد الآخر ضرر من التأخير، فإذا تأخر في رد المعقول عليه بدون عذر سقط حقه ولزم العقد . حكم العقد المشتمل على خيار عيب : حكم العقد أو أثره حال وجود شيء معيب : هو ثبوت الملك للمتلك في محل العقد للحال؛ لأنه إذا لم تتوافر سلامة المعقود عليه تأثر العقد في لزومه، لا في أصل الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٢٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٦٥، مغني المحتاج: ٥٣/٢، المغني: ١٧٨/٤، غاية (١) المنتهى : ٢٧/٢. (٢) الدر المختار: ٩٣/٤، المغني: ١٤٤/٤، غاية المنتهى: ٤١/٢. (٣) مغني المحتاج: ٥٦/٢، المهذب: ٢٧٤/١، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١٢٠/٣. - ٢٦٣ - حكمه. بخلاف خيار الشرط ؛ لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم أو الأثر في مدة الخيار(١). وأثر خيار العيب هو جعل العقد غير لازم بالنسبة لمن ثبت له الخيار(٢) ، فله إما الرضا بالمعقود عليه كما هو، وحينئذ يسقط الخيار ويلزم العقد، وإما رده إلى مالكه الأول ، وحينئذ يبطل العقد . وهل له الاحتفاظ بالمعقود عليه والمطالبة بفرق النقصان بسبب العيب ؟ قرر الحنفية(٢): أنه ليس للمتملك الرجوع بنقصان العيب أو الحط من ثمن المبيع ما دام الرد ممكناً؛ لأن المالك لا يلزم بدفع قيمة النقصان إلا برضاه دفعاً للضرر عنه. فإن تعذر الرد كان لصاحب الخيار الرجوع بالنقصان بشرط أن يكون امتناع الرد بسبب ليس لصاحب الخيار دخل فيه، كهلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب جديد، أو تغير صورته بحيث أصبح له اسم جديد، أو زيادته زيادة منفصلة متولدة منه، كالولد والثمرة، وذلك دفعاً للضرر بقدر الإمكان . ويجوز الحط من قيمة المبيع لقاء العيب بتراضي الطرفين . وطريقة معرفة النقصان : أن يقوم المعقود عليه سليماً من العيب، ثم يقوم على أنه معيب ، ويكون الفرق بين القيمتين هو النقصان، فيرجع به. فإذا كانت قيمته سليماً ألفين، وقيمته معيباً ألفاً، رجع بنصف الثمن الذي تم به الشراء. أما إذا كان امتناع الرد بسبب من جهة المشتري كأن باع الشيء أو وهبه أو وقفه لم يكن له الرجوع بالنقصان . (١) البدائع : ٢٧٣/٥ . (٢) البدائع : ٢٧٤/٥ . فتح القدير: ١٥٩/٥، ١٦٤ وما بعدها، الدر المختار: ٩٤/٤، اللباب شرح الكتاب: ٢١/٢، تبيين الحقائق: (٣) ٣٤/٤ وما بعدها، البدائع: ٢٨٩/٣. - ٢٦٤ - وكذلك إن رضي بالعيب صراحة أو دلالة ليس له الرجوع بالنقصان؛ لأن. الرضا بالعيب كما يمنع الفسخ يمنع الرجوع بنقصان العيب، إذ به يتبين أن السلامة من العيب لم تكن مطلوبة . كيفية فسخ العقد ورد المعقود عليه : إذا كان المعقود عليه ما يزال في يد صاحبه أي قبل قبضه من الآخر، فينفسخ العقد بقول العاقد الآخر: ((رددت))، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي، باتفاق الحنفية والشافعية . وأما إن قبضه المتلك فلا ينفسخ إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي عند الحنفية(١) لرفع النزاع الذي قد يقع بين العاقدين بسبب احتمال كون العيب جديداً عند القابض ، فلا يوجب الرد، أو كونه قديماً عند المالك الأصلي، فیوجب الرد . وقال الشافعية والحنابلة (٢): ينفسخ العقد بقول المتملك: ((رددت)) بغير حاجة إلى التراضي أو قضاء القاضي، كالفسخ بخيار الشرط أو خيار الرؤية؛ لأن خيار العيب يجعل العقد غير لازم بالنسبة لصاحب الخيار، وغير اللازم يجوز فسخه بغير حاجة إلى رضا العاقد الآخر، ولا إلى قضاء القاضي. موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار: يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم العقد بأسباب هي ما يأتي(٣) : ١ - الرضا بالعيب بعد العلم به: إما صراحة كقوله: رضيت بالعيب، أو أجزت (١) البدائع: ٢٨١/٥. (٢) مغني المحتاج: ٥٧/٢، المهذب: ٢٨٤/١، غاية المنتهى: ٤١/٢. (٣) البدائع: ٢٨٢/٥ - ٢٨٤، ٢٩١، الدر المختار وحاشيته: ٤ /٨٢، ٨٥ - ٨٩، ٩٤، ٩٩، ١٠١، ١٠٣، مجمع الضمانات: ص٢١٩ وما بعدها، فتح القدير: ١٦٤/٥ . - ٢٦٥ _ العقد، أو دلالة كالتصرف في المعقود عليه تصرفاً يدل على الرضا بالعيب، كبيعه أو هبته أو رهنه أو إيجاره، أو استعماله بأي وجه كلبس وركوب، أو مداواته، أو صباغته وتفصيله شيئاً آخر ، أو البناء على الأرض ، أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم ، أو وصول عوض العيب إليه، ونحو ذلك؛ لأن الرضا بالعيب بعد العلم به دليل على أن سلامة المعقود عليه ليست مقصودة له، فلا يكون هناك معنى لإثبات الخيار له. ٢ - إسقاط الخيار: صراحة كقوله: أسقطت خياري، أو دلالة كأن أبرأه من العيب الذي ظهر في المعقود عليه ؛ لأن خيار العيب حقه فله أن يتنازل عنه . ٣ - هلاك المعقود عليه، أو تعيبه بعيب جديد في يد صاحب الخيار، أو تغيره تغيراً تاماً، كطحن الحنطة، وخبز الدقيق ، ونحوه . ٤ - زيادة المعقود عليه في يد صاحب الخيار زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالبناء أو الغرس على الأرض، وصبغ الثوب، أو زيادة منفصلة متولدة من الأصل كالولد والثمرة . أما الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة كالغلة والكسب، فلا تمنع الرد بالعيب . 5 وامتناع الرد في الصورة الأولى سببه تعذر فصل الزيادة، ولا يرد معها لأنها حق صانعها . وامتناع الرد في الصورة الثانية ، سببه أن المتلك لو ردّ الأصل دونها، تبقى له دون مقابل ، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا . إرث خيار العيب : اتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين ، لتعلق الحق بذات المعقود عليه، فلومات صاحب الخيار لم يسقط الخيار، وينتقل الحق لورثته؛ لأن - ٢٦٦ - المورث استحق المعقود عليه سليماً من العيب، ولزمه أحد الأشياء في خيار التعيين ، فلا يجبر الوارث على أخذه معيباً، وإنما يثبت له ما ثبت لمورثه. وفي خيار التعيين يلزم الوارث بما لزم المورث . وأما خيار الشرط وخيار الرؤية فلا يورثان عند الحنفية(١) خلافاً للمالكية والشافعية؛ لأن الخيار متعلق بإرادة العاقد ومشيئته، فهو من الحقوق الشخصية التي لا تقبل الانتقال من شخص لآخر بالوراثة (٢). ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في إرث الخيار راجع إلى اختلافهم في إرث الحقوق . قال الحنفية: الأصل أن يورث المال دون الحقوق ، إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال . وقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال ، إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث، لقوله و التّ: «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته». خيار الرؤية خيار الرؤية (٣) : هو أن يكون للمشتري الحق في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه ، إذا لم يكن رآه عند إنشاء العقد أو قبله بوقت لا يتغير فيه عادة . فسبب هذا الخيار: عدم رؤية محل العقد حين التعاقد أو قبله، فإذا كان قد رآه سقط خياره . ويوافقهم الحنابلة في عدم إرث خيار الشرط كما بينا. (١) البدائع: ٢٦٨/٥، بداية المجتهد: ٢٠٩/٢، المجموع للنووي: ١٩٦/٩، حاشية الباجوري: ١٦٠/١، غاية (٢) المنتهى: ٢ /٣٠، ٣٣، المغني: ٥٧٩/٣ . راجع أحكام خيار الرؤية في المجلة في المواد (٣٢٠ - ٣٣٤). (٣) - ٢٦٧ - وقد ثبت هذا الخيار عند القائلين به بحكم الشرع من غير حاجة لاشتراطه في العقد، بخلاف خيار الشرط والتعيين ، فإنها مشروطان في العقد . ويثبت كخيار العيب في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ كبيع الشيء المعين بالذات، والإجارة، وقسمة الأموال القيمية كالأراضي والدواب، والصلح على عين بعوض معين. أما بيع الشيء المعين بالوصف كما في عقد السلم ( بيع آجل بعاجل ) فلا يثبت فيه خيار الرؤية . مشروعيته : أجاز جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية )(١) خيار الرؤية في بيع العين الغائبة أو غير المرئية، بدليل ما يروى حديثاً: ((من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه))(٢) ويؤيده أن عثمان بن عفان باع أرضاً له بالبصرة لطلحة بن عبد الله رضي الله عنهما ، ولم يكونا رأياها، فقيل لعثمان : غبنت، فقال: ((لي الخيار؛ لأني بعت مالم أره)). وقيل لطلحة: إنك قد غبنت، فقال: (( لي الخيار، لأني اشتريت مالم أره ))(٣) فحكما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة . 5 وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد، فكان إقراراً منهم على شرعية هذا الخيار. واحتجوا أيضاً بأن الشخص قد يحتاج إلى شراء شيء غائب عنه، فيجعل له المبسوط: ٦٩/١٣ وما بعدها، فتح القدير مع العناية: ١٣٧/٥ - ١٤٠، البدائع: ٢٩٢/٥، رد المحتار: ٦٨/٤، بداية (١) المجتهد: ١٥٤/٢، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢٥/٣ وما بعدها. المغني: ٥٨٠/٣ وما بعدها. المحلى: ٣٩٤/٨. (٢) روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند رواه الدارقطني عن أبي هريرة، والمرسل رواه ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن مكحول، وهو ضعيف ( نصب الراية : ٩/٤ ). أخرجه الطحاوي والبيهقي عن علقمة بن أبي وقاص ( نصب الراية: ٩/٤ ). (٣) - ٢٦٨ - الخيار عند رؤيته دفعاً للضرر عنه حينما يجد المعقود عليه غير موافق لغرضه أو المقصوده، وتحقيقاً لرضاه المطلوب في العقود. وأما ماقد يكون من جهالة في المعقود عليه فلا تؤثر في صحة العقد، لأنها لا تفضي إلى النزاع بسبب إعطاء الخيار لمن لم ير محل العقد . وقال الشافعي في المذهب الجديد(١): لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة ، أم بغير الصفة ، ولا يثبت خيار الرؤية ؛ لأن في العقد غرراً وجهالة قد تفضي إلى النزاع بين العاقدين، وقد نهى رسول الله مُ ◌ّ عن بيع الغرر (٢). وأما حديث ((من اشترى مالم يره )) فهو حديث ضعيف أو باطل. من يثبت له خيار الرؤية : يثبت خيار الرؤية عند الحنفية والمالكية للمتلك، كالمشتري في البيع ، والمستأجر في الإيجار، أما المملك فلا يثبت له هذا الخيار، وهو البائع والمؤجر، عملاً بما قضى به جبير بن مطعم بين عثمان وطلحة ، ولأن الملك يعرف ما يملكه عادة ، فلا ضرورة لثبوت الخيار له. فإذا باع مالم يره، وهو أمر نادر، كان مقصراً في حق نفسه، فلا يستحق المطالبة بفسخ العقد . أما المتملك فلم يتمكن من رؤية محل العقد، ولا سبیل إلیه، فكان من المصلحة منحه الخیار. وأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للمملك كالبائع إذا باع مالم ير. وقت ثبوت الخيار: يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المعقود عليه، لاقبلها ، فلو أجاز العقد قبل مغني المحتاج: ١٨/٢ وما بعدها، المهذب: ٢٦٣/١. (١) روى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ((أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر)) (نيل الأوطار: (٢) ١٤٧/٥ ). - ٢٦٩ - الرؤية، لا يلزم العقد، ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المعقود عليه؛ لأن النبي مطلقة أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية . أما لو فسخ العقد قبل الرؤية صح الفسخ، لا من أجل الخيار، وإنما لأن العقد غير لازم، وغير اللازم يجوز فسخه كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع(١). شروط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً وهي(٢): ١ - عدم رؤية محل العقد عند إنشاء العقد أو قبله بزمن لا یتغیر فیه، فإن كان قد رآه قبل العقد لا يثبت له الخيار. ٢ - أن يكون محل العقد عيناً معينة أو مشخصة من الأعيان كالأرض والدار والدابة والسيارة، إذا وصفت بما ينفي عنها الجهالة المفضية إلى النزاع؛ لأن للناس أغراضاً خاصة في الأعيان ، فيثبت الخيار لينظر المتلك هل يصلح له أم لا ؟ ويظل له الخيار ولو وافق الوصف عند الحنفية . أما المعين بالوصف لا بالذات بأن كان ديناً موصوفاً في الذمة كالمسلم فيه ( المبيع المؤجل لموسم الحصاد ) فلا يثبت فيه خيار الرؤية؛ لأن المعقود عليه الموصوف إن وجد بأوصافه المتفق عليها لزم العقد، وإن تخلف وصف منها لم يتحقق لعدم وجود محله . ٣ - أن يكون العقد مما يقبل الفسخ كما بينا كالبيع والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال ونحوها ؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فیثبت فيها خيار الرؤية . (١) البدائع : ٢٩٥/٥. (٢) البدائع: ٢٩٢/٥ وما بعدها، ٢٩٨، المبسوط: ٧٢/١٣، ٧٧، فتح القدير: ٢٩٨/٥، الدر المختار: ٧٠/٤. - ٢٧٠ - أما مالا يقبل الفسخ كالزواج والخلع والصلح عن دم العمد ونحوها ، فلا يثبت فيها خيار الرؤية بسبب عدم رؤية المهر أو بدل الخلع أو عوض الصلح إذا كان شيئاً معيناً كدار وأرض معينة . كيفية الرؤية : الرؤية قد تكون لجميع المعقود عليه، أو لبعضه (رؤية الأنموذج)، والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به(١). وذلك بأي حاسة من الحواس حسب طبيعة محل العقد، فإن كان من المطعومات يكون العلم به بالذوق، وإن كان من المشهومات كالروائح كانت معرفته بالشم، وإن كان من الملموسات كالأقمشة كان العلم به باللمس. وإن كان من المرئيات كالدور والأراضي والحبوب كان العلم به بواسطة النظر بالنسبة للبصير. أما الأعمى فهو كالبصير في غير المرئيات، وأما في المرئيات فيكتفى منه بوصف الشيء وصفاً كافياً. ويجوز عند الحنفية للبصير والأعمى التوكيل بالنظر والرؤية(٣). وبناء عليه لا يكفي رؤية بعض حجرات الدار، بل لابد من رؤية بيوتها كلها، ورؤية كل الأرض والبستان ونحوهما . ولا يكفي رؤية شاة من قطيع، بل S لا بد من رؤية القطيع کله . وإذا كان الشيء يباع عددياً كالجوز والفجل والثياب فلا تكفي رؤية البعض ، بل لابد من رؤية الكل . وإذا كان الشيء من المثليات التي تباع كيلاً أو وزناً كالحبوب والأقطان أو كان مغيباً في الأرض كالثوم والبصل، فيكتفى برؤية بعض الأجزاء أو الوحدات، وهو المسمى بالبيع بالنوذج . البدائع: ٢٩٣/٥، الدر المختار وحاشيته: ٦٨/٤. (١) (٢) البدائع: ٢٩٥/٥، فتح القدير: ١٤٥/٥ . - ٢٧١ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٨) أثر خيار الرؤية : يكون العقد الوارد على العين الغائبة أو غير المرئية غير لازم لمن ثبت له الخيار، فيخير بين الفسخ والإجازة عند رؤية المعقود عليه ؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف المعقود عليه تؤثر في رضا المتلك فيثبت له الخيار، سواء أكان المعقود عليه موافقاً للوصف المتفق عليه أم مخالفاً له ، وهذا مذهب الحنفية(١). وقال الحنابلة والمالكية والشيعة الإمامية (٢): العقد لازم للمتملك إذا وجد المعقود عليه مطابقاً للوصف المتفق عليه، فإن كان مخالفاً لما وصف، ثبت له الخيار. وأما حكم العقد أو أثر الخيار: فلا يمنع نقل الملكية في البدلين، أي لا أثر لخيار الرؤية على العقد، فتنتقل ملكية المعقود عليه للمتملك، وملكية العوض للمالك فور تمام العقد بالإيجاب والقبول. وبهذا يختلف خيار الرؤية عن خيار الشرط عند الحنفية والمالكية، كما بينا. وسبب التفرقة بينهما أن العقد في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بشرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، لكنه ثبت من جهة الشرع. أما خيار الشرط فقد ثبت باشتراط العاقدين ، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال . كيفية فسخ العقد : لا يتوقف الفسخ بخيار الرؤية على التراضي أو قضاء القاضي، ويكون بالقول وبالفعل صراحة أو دلالة، مثل فسخت العقد أو رددته، أو أن يتصرف بالمعقود عليه بالبيع أو الهبة ونحوهما ، أو أن يهلك المعقود عليه قبل القبض(٣). البدائع: ٥/ ٢٩٢، فتح القدير: ٥/ ١٣٧. (١) (٢) المغني: ٣ / ٥٨٢، القوانين الفقهية: ص ٢٥٦، المختصر النافع: ص ١٤٦ . (٣) البدائع : ٥/ ٢٩٨. - ٢٧٢ - ويشترط للفسخ شروط هي(١) : ١ - أن يكون الخيار موجوداً، فإن سقط لزم العقد . ٢ - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على المالك، برد بعض المعقود عليه وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً به . ٣ - أن يعلم المالك بالفسخ ليكون على بينة من أمره وأمر سلعته ليتصرف فيها كما یرید. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأما أبو يوسف فلا يشترط ذلك، کما بينا في خيار الشرط . مدة خيار الرؤية : الأصح عند الحنفية(٢): أن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت ، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه؛ لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها ، أو بانتهاء الأمد المحدد لها ، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه. وقال الحنابلة(٣) : يكون خيار الرؤية على الفور. 5 ما يسقط به خيار الرؤية : يسقط خيار الرؤية في الأصل بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهو ما يأتي(٤) : ١ - ما يدل على الرضا بالعقد صراحة أو دلالة: فالصريح أن يقول: أجزت (١) البدائع: ٥ / ٢٩٨. (٢) فتح القدير: ٥ / ١٤١، البدائع: ٢٩٥/٥، الدر المختار ورد المختار: ٤ / ٦٧. (٣) المغني: ٣ / ٥٨١. البدائع: ٢٩٥/٥ - ٢٩٧، فتح القدير: ٥/ ١٤١، ١٤٩. (٤) - ٢٧٣ - / العقد أو أمضيته أو رضيت به ونحو ذلك. والدلالة على الرضا: أن يتصرف في المعقود عليه بعد الرؤية لا قبلها تصرفاً يدل على الإجازة والرضا بالعقد كقبض الشيء، والانتفاع به، وبيعه أو إجارته، أو رهنه أو هبته. والسبب في اشتراط كون التصرف قبل الرؤية : هو أن الخيار حق أثبته الشارع بعد الرؤية، والحقوق لا تسقط قبل ثبوتها . واستثناء من هذا المبدأ قالوا بسقوط الخيار ولو قبل الرؤية في البيع والإجارة والوقف، والرهن والهبة مع التسليم، ونحوها من التصرفات الباتة التي يترتب عليها حق للغير. ٢ - هلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب يمنع الرد، سواء أكان بفعل العاقد أم بفعل شخص أجنبي عن العقد ، أم بآفة سماوية . ٣ - زيادة المعقود عليه بعد القبض زيادة تمنع الرد، وهي الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كالبناء وصبغ الشيء، والزيادة المنفصلة المتولدة منه كالولد واللبن والصوف. أما الزيادة المتصلة المتولدة منه كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة منه کالغلة، فإنها لا تمنع الرد. ٤ - موت صاحب الخيار، سواء قبل الرؤية أم بعدها . فلا يورث خيار الرؤية عند الحنفية والحنابلة(١) كخيار الشرط؛ لأن الخيار مجرد رغبة ومشيئة أو حق شخصي . وقال مالك(٢): يورث خيار الرؤية كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن (١) تبيين الحقائق: ٤ / ٣٠، غاية المنتهى: ٢ / ٣٣. (٢) الشرح الصغير: ٣/ ١٤٥. - ٢٧٤ - الإرث يثبت في الحقوق والأموال المملوكة على السواء. وهذا أقرب إلى المنطق ؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار(١) . خيار النقد خيار النقد(٢): هو أن يتبايع اثنان على أنه إذا لم ينقد المشتري الثمن في مدة معينة، فلا بيع بينهما، فإذا نقد المشتري الثمن في المدة المحددة تم البيع، وإذا لم ينقده فيها كان البيع فاسداً . ويصح أن يكون خيار النقد للبائع أيضاً ، كما لو تبايع اثنان وقبض البائع الثمن، وقال: إذا رددت الثمن في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا، فإن رده فسد البيع، وان لم يرده تم العقد . وقد أجاز أبو حنيفة وصاحباه خلافاً لزفر هذا الخيار استحساناً لحاجة الناس إليه، ولأنه في الحقيقة نوع من خيار الشرط. ويؤيده أن ابن عمر أجازه(٣). مدته : قال أبو حنيفة : أقصى مدة هذا الخيار ثلاثة أيام. وقال الصاحبان : يجوز إلى أربعة أيام فأكثر. ولا يورث هذا الخيار عند الحنفية؛ لأنه حق شخصي. لكن إذا كان الخيار للبائع في رد الثمن، فمات في أثناء المدة يلزم البيع بموته، لأنه تحقق عدم الرد بموته . وإن كان الخيار للمشتري في نقد الثمن فمات في مدة الخيار، بطل البيع بموته، لأنه تحقق عدم نقد الثمن بموته، فيبطل العقد . الأموال ونظرية العقد لأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى: ص ٤٧٧، ٤٨٧ . (١) راجع أحكامه في المواد (٣١٣ - ٣١٥) من مجلة الأحكام العدلية. (٢) فتح القدير: ٥/ ١٣٢، الدر المختار ورد المختار: ٤ / ٥١. (٣) - ٢٧٥ - المبحث السابع - انتهاء العقد : ينتهي العقد إما بالفسخ، أو بالموت، أو بعدم الإجازة في العقد الموقوف. وانتهاء العقد بالفسخ له حالات . وأما الموت فقد تنتهي به بعض العقود. انتهاء العقد بالفسخ : فسخ العقد : قد يكون برفعه من أصله كما في حالة الخيارات وهو الإلغاء، وقد يكون بوضع نهاية له بالنسبة للمستقبل كما في الإعارة والإجارة، وهو الفسخ بالمعنى الشائع . والفسخ في العقود غير اللازمة واضح، تقرره طبيعة العقد ذاته ، سواء في العقود غير اللازمة من الجانبين كالإيداع والإعارة والشركة والوكالة، فلكل من الطرفين الفسخ متى أراد، ما لم يتعلق بالوكالة حق الغير، كما بينا في بحث الوكالة، أم في العقود اللازمة من جانب، وغير اللازمة من الجانب الآخر، كالرهن والكفالة، فللمرتهن فسخ الرهن دون رضا الراهن . وللمکفول له وهو الدائن فسخ الكفالة دون رضا المدين . وأما الفسخ في العقود اللازمة فله حالات هي : أ - الفسخ بسبب فساد العقد: إذا وقع العقد فاسداً كبيع المجهول أو البيع المؤقت بمدة، وجب فسخه إما من طريق العاقدين، أو من طريق القاضي ، إلا إذا وجد مانع من الفسخ كأن يبيع المشتري ما اشتراه أو يهبه. وحينئذ يجب على المشتري دفع قيمة المبيع يوم قبضه، لا الثمن المتفق عليه . ب - بسبب الخيار: يجوز لصاحب الخيار في خيار الشرط أو العيب أو الرؤية ونحوها فسخ العقد بمحض إرادته، إلا في خيار العيب بعد القبض عند الحنفية لا يجوز الفسخ فيه إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي . - ٢٧٦ - ج - بالإقالة : الإقالة هي فسخ العقد بتراضي الطرفين، إذا ندم أحدهما وأراد الرجوع عن العقد. وهي مندوبة لقوله ◌َ له: «من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)»(١). د- لعدم التنفيذ: يجوز الفسخ لعدم تنفيذ الطرف الآخر التزامه في حالة خيار النقد، كما بينا. ويجوز الفسخ بسبب استحالة التنفيذ لآفة سماوية (قوة قاهرة أو ظروف طارئة بتعبير القانونيين) وذلك في عقد البيع في حالة هلاك المبيع قبل التسليم أي في يد البائع قبل أن يتسلمه المشتري، وفي عقد الإجارة في حالة طروء أعذار من جانب المؤجر أو المستأجر أو العين المؤجرة عند الحنفية، كلحوق دین فادح بالمؤجر لا سبيل لوفائه إلا ببيع المأجور وأداء الدين من ثمنه، وإفلاس المستأجر، أو انتقاله من حرفة إلى حرفة. وهجرة أهل القرية بعد استئجار حمام في قرية ليستغله المنتفع المستأجر. هـ- لانتهاء مدة العقد أو تحقيق غرضه: ينفسخ العقد من نفسه وينتهي بانتهاء مدته أو بتحقيق الغرض المقصود من العقد، وذلك كانتهاء مدة عقد الإيجار المعينة ، وسداد الدين في عقدي الرهن والكفالة، وتنفيذ الوكيل المهمة الموكل بها . انتهاء العقد بالموت : تنتهي طائفة من العقود بموت أحد العاقدين ، منها نماذج مما يأتي :. ١ - الإجارة: تنتهي الإجارة عند الحنفية(٢) بموت أحد العاقدين، بالرغم من أنها عقد لازم من الطرفين ، أي أن العقد ينفسخ من نفسه بالموت . (١) رواه البيهقي عن أبي هريرة، ورواه أيضاً ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (نصب الراية: ٤ /٣٠). البدائع: ٤ /٢٠١، ٢٢٢، تبيين الحقائق: ١٤٤/٥، تكملة فتح القدير: ٢٢٠/٧. (٢) - ٢٧٧ _ ٠٫٠ وقال غير الحنفية(١): لا تنتهي الإجارة أو لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. وسبب الخلاف راجع لتصور كيفية انعقاد الإجارة، فعند الحنفية : تنعقد الإجارة في المنافع بحسب حدوثها شيئاً فشيئاً، أي أن المستأجر يتملك المنفعة تدريجياً مع مضي المدة، فما يحدث من منفعة بعد موت المالك لا يكون مملوكاً له، فلا يصح بقاء العقد عليه. وعند غير الحنفية: تعتبر المنفعة كأنها موجودة حال العقد، ويتلك المستأجر المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً، فيورث عنه، كما يورث الشيء المبيع، فتكون الإجارة كالبيع لا يبطل بموت أحد العاقدين. وهذا ما أخذ به القانون المدني في المادة ( ٥٦٨ ). ٢ - الرهن والكفالة: هما من العقود اللازمة من جانب واحد هو الدائن المرتهن أو المكفول له. فإذا مات الراهن بيع الرهن بواسطة وصيه وقضي منه دینه إن كان ورثته صغاراً. فإن كانوا كباراً خلفوا الميت في المال، وكان عليهم تخليص الرهن بقضاء الدين(٢) . وأما الكفالة: فإذا كانت كفالة بالدين فلا تنتهي بموت المدين الأصيل، وإنما تنتهي بأحد أمرين : أداء الدين إلى الدائن، أو الإبراء من الدين. وإذا مات الكفيل يؤخذ الدين من تركته. وإن كانت كفالة بالنفس فتنتهي بموت الأصيل المكفول بنفسه، وبموت الكفيل، للعجز عن إحضار المكفول عنه(٣). ٣ - الشركة والوكالة: هما من العقود غير اللازمة من الجانبين. وينتهيان بالموت ، فالشركة تنفسخ بموت أحد الشريكين، سواء علم الآخر بالموت أم لم يعلم(٤). وكذلك الوكالة تنفسخ بموت الوكيل أو الموكل، سواء علم الطرف الآخر بموت صاحبه (٥) أم لم يعلم(٥) . بداية المجتهد: ٢٢٧/٢، الشرح الكبير للدردير: ٣٠/٤، المهذب: ٤٠٦/١، المغني: ٤٥٦/٥. (١) الدر المختار: ٣٦٩/٥، ط الحلبي. (٢) (٣) البدائع: ١١/٦ وما بعدها، ١٣، الدر المختار: ٤ / ٢٦١، ٢٨٥. (٤) البدائع: ٧٨/٦، المبسوط: ٢٠٢/١١، فتح القدير: ٣٤/٥. البدائع: ٣٨/٦، تكملة فتح القدير والعناية: ١٢٦/٦ وما بعدها، المبسوط: ١٩ / ١٣. (٥) - ٢٧٨ - ٤ - المزارعة والمساقاة(١): عقدان غير لازمين من الجانبين، لم يجزهما أبو حنيفة، وأجاز الشافعية المساقاة، والمزارعة تبعاً للمساقاة، وأجازهما المالكية بشروط منها المساواة بين المالك والعامل في الربح. وأجازهما الحنابلة والصاحبان. وعلى هذا الرأي ينفسخ العقد بموت صاحب الأرض أو العامل (المزارع أو المساقي)، سواء قبل العمل والزراعة أم بعدهما، وسواء أكان الزرع أو الثمر قد آن حصاده وجنيه أم لا(٢). لكن إذا مات صاحب الأرض قبل نضج الزرع تترك الأرض بيد المزارع إلى الحصاد مراعاة لمصلحة الطرفين . وإذا مات العامل فلورثته المضي في العمل إلى الحصاد . انتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف : ينتهي العقد الموقوف إذا لم يجزه صاحب الشأن، كما بينا في بحث عقد الفضولي ولا تصح الإجازة كما عرفنا إذا مات الفضولي أو من تعاقد معه، فينتهي العقد حينئذ قبل الإجازة. وللفضولي نفسه فسخ العقد قبل الإجازة دفعاً للعهدة عن نفسه(٣). عالى المزارعة: عقد على زرع الأرض بنسبة معينة شائعة من المحصول. والمساقاة: عقد على العناية بأشجار الفاكهة (١) بنسبة معلومة شائعة من الناتج. (٢) البدائع: ١٨٥/٦، الهداية: ٤٥/٤، ٤٨، ط الخيرية، غاية المنتهى: ١٨٤/٢. البدائع: ١٤٨/٥، ١٥١. (٣) - ٢٧٩ - الفصل الخامس المؤيدات الشرعية المؤيدات الشرعية: هي الأحكام أو التدابير التي شرعت لا لتنظيم علاقات الناس، وإنما لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعة الأصلية(١). فالأحكام الأصلية : هي التي تنظم علاقات الناس بوضع الواجبات وبيان المحظورات. فهي غاية التشريع لإقامة مجتمع أخلاقي متضامن قوي سعيد . وضماناً لاحترام تلك الأحكام الأصلية شرعت المؤيدات : وهي الأحكام الموضوعة لحماية الأحكام الأصلية . وهذه المؤيدات إما ترغيبية أو ترهيبية . تعـ فالترغيبية : هي التي وضعت لترغيب الناس بتطبيق أحكام الشريعة كالمكافآت التشجيعية لمن يقدم للجماعة عوناً في أمر حربي يحقق النصر. والترهيبية : هي التي وضعت لمنع الناس من مخالفة أوامر ونواهي الشريعة. وهذه نوعان : إما مؤيدات مدنية أو مؤيدات تأديبية . والمؤيد المدني أقوى تأثيراً من المؤيد التأديبي، وأشد منعاً للمخالفة بسلب التصرف نتائجه، واعتباره ملغى . أما المؤيد التأديبي فبالرغم من تأثيره الزاجر القامع للجريمة قد يتجرأ الناس على نظامه، فيقترفون الجريمة ويرضون بالعقوبة . (١) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ٣٠٩، ٣١٠. - ٢٨٠ -