Indexed OCR Text

Pages 101-120

به من عصر النبوة فما بعده. ولم ينقل عن النبي مع تلّ وأصحابه الاقتصار على الإيجاب
والقبول، ولا إنكار التعاطي ، فكانت القرينة كافية في الدلالة على الرضا.
الثالث - مذهب الشافعية والشيعة والظاهرية(١): لا تنعقد العقود
بالأفعال أو بالمعاطاة لعدم قوة دلالتها على التعاقد؛ لأن الرضا أمر خفي ، لا دليل
عليه إلا باللفظ ، وأما الفعل فقد يحتمل غير المراد من العقد، فلا يعقد به العقد، وإنما
يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية ، أوما يقوم مقامها عند الحاجة
كالإشارة المفهمة أو الكتابة .
ونظراً لما يشتمل عليه هذا المذهب من تشدد وشكلية محددة ومجافاة لمبدأ المرونة
والسماحة واليسر، فقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي،
صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ ،
فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة، وبعض الشافعية كابن سريج والروياني
خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقَّرات أي غير النفيسة : وهي ما جرت العادة فيها
بالمعاطاة كرطل خبز، أو رغيف، وحزمة بقل ونحوها(٢).
عقد الزواج: وبغض النظر عن الاختلاف السابق في التعاقد بالمعاطاة ، أجمع
الفقهاء على أن الزواج لا ينعقد بالفعل ، كإعطاء المهر مثلاً، بل لابد من القول
للقادر عليه ؛ لأن عقد الزواج خطير مقدس له آثار دائمة على المرأة، فكان لابد من
الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة: وهو القول، حفاظاً على كرامة
المرأة ومستقبلها ، وصوناً لها عن الابتذال، ولأن عقد الزواج يتطلب الإشهاد عليه،
تمييزاً له عن السفاح أو الزنا ، ولا يتمكن الشهود من معرفة عقد الزواج إلا بسماع لفظ
مغني المحتاج: ٣/٢ وما بعدها، المهذب: ٢٥٧/١، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ١٤٢ ، المحلى لابن حزم:
(١)
٨ / ٤٠٤، المهذب: ١ / ٢٥٧.
(٢)
سيأتي بحثه في عقد البيع .
- ١٠١ -

الإيجاب والقبول(١).
وكالزواج عند الإمام الشافعي : الطلاق والخلع والرجعة، لا تجوز إلا بالقول.
ثالثاً - التعاقد بالإشارة :
الإشارة إما من الناطق أو من الأخرس .
أ- إذا كان العاقد قادراً على النطق فلا ينعقد العقد بإشارته ، بل عليه أن يعبر
عن إرادته بلسانه لفظاً أو كتابة ؛ لأن الإشارة وإن دلت على الإرادة لا تفيد اليقين
المستفاد من اللفظ أو الكتابة ، فلا بد من العبارة، وإلا لم ينشأ العقد عند الحنفية
.. (٢)
والشافعية(٣).
لكن القانون المدني السوري وغيره في المادة ٩٣/ ١ أجاز انعقاد العقد بالإشارة
المتداولة عرفاً، ولو كانت من الناطق ، إذ لم يقيدها بالخرس. وهذا يتفق مع مذهب
المالكية والحنابلة(٣) الذين يجيزون التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة،
لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد ، كما بينا في المعاطاة.
ب - وأما العاقد العاجز عن النطق كالأخرس ومعتقل اللسان، فإن كان يحسن
الكتابة فلا بد منها على الرواية الراجحة عند الحنفية ؛ لأن الكتابة أبلغ في الدلالة
وأبعد عن الاحتمال من الإشارة، فيلجأ إليها .
وإن كان لا يحسن الكتابة ، وله إشارة مفهمة، فتقوم مقام النطق باللسان
باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لا يحرم من حق التعاقد، وعليه نصت القاعدة
(١) الدر المختار: ٣٦٤/٢ وتنص المادة ٥ من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يأتي: ((ينعقد الزواج
بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر)) والمادة ٦ تنص: ((يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ
التي تفيد معناه لغة أو عرفاً)).
البدائع: ٥/ ١٣٥، حاشية ابن عابدين: ٩/٤، نهاية المحتاج: ٣ / ١١.
(٢)
(٣)
الشرح الكبير: ٣/٣، المغني: ٥٦٢/٥.
- ١٠٢ -
.

الفقهية: ((الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان)) (م / ٧٠ من المجلة). هذا
إذا كان الخرس أصلياً ، بأن ولد أخرس، فأما إذا كان عارضاً بأن طرأ عليه الخرس،
فلا تعتبر إشارته إلا إذا دام به الخرس حتى وقع اليأس من كلامه، وصارت الإشارة
مفهومة ، فيلحق بالأخرس الأصلي .
رابعاً - التعاقد بالكتابة :
يصح التعاقد بالكتابة بين طرفين ، ناطقين أو عاجزين عن النطق ، حاضرين
في مجلس واحد، أو غائبين ، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان ، بشرط أن تكون الكتابة
مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة
المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل)، فإذا كانت غير مستبينة كالرقم
أو الكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً، لم
ينعقد بها العقد، وعليه نصت القاعدة الفقهية : (الكتاب كالخطاب) (م ٦٩ مجلة)
وهذا رأي الحنفية والمالكية(١).
وذلك كأن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: ((بعتك سيارتي بكذا)»، فإذا
وصله الكتاب، فقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. فإن ترك
المجلس ، أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر.
وفي حال إرسال رسول إلى آخر مثل إرسال الكتاب، يعتبر مجلس وصول
الرسول هو مجلس العقد، فيلزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل
انتهى مفعول الإيجاب. فالمعتبر هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة. وصورة
الإرسال: أن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له ، فذهب
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ١٠/٤ وما بعدها، الشرح الكبير: ٣/٣، فتح القدير: ٧٩/٥، البدائع:
٠١٣٧/٥
- ١٠٣ -

الرسول، فأخبره، فقبل المشتري في مجلسه ذلك صح العقد(١).
لكن عقد الزواج لا يصح انعقاده بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في
مجلس واحد، إلا حال العجز عن النطق كالخرس ؛ لأن الزواج يشترط لصحته
حضور الشهود وسماعهم كلام العاقدين ، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة .
وقيد الشافعية والحنابلة(٢) صحة التعاقد بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان
غائبين ، أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة ؛ لأن العاقد قادر على النطق،
فلا ينعقد العقد بغيره .
الفرع الثاني - شروط الإيجاب والقبول :
الشرط : ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً خارجاً عن حقيقته.
كالوضوء أو الطهارة للعبادات، لا تصح الصلاة بدون الطهارة ، لكنها غير داخلة في
تكوين الصلاة. وكالقدرة على التسليم في المعاملات لا بد منها لانعقاد العقد، لكنها
ليست جزءاً داخلاً في تكوين العقد. وبذلك يظهر أن الركن والشرط يتوقف
عليهما وجود الشيء، إلا أن الركن داخل في حقيقة الشيء وجزء منه، أما الشرط
فخارج عن الحقيقة ولا يعد جزءاً منها .
وقد اشترط الفقهاء لانعقاد العقد شروطاً ثلاثة في الإيجاب والقبول هي(٢) :
١ - وضوح دلالة الإيجاب والقبول، أي أن يكون كل من الإيجاب والقبول
نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة ٩٨: (( يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان
(١)
اللذين صدر فيهما القبول ... )).
(٢)
المهذب: ١ / ٢٥٧، غاية المنتهي: ٢ / ٤.
البدائع: ٥/ ١٣٦ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ٥/٤، فتح القدير: ٥/ ٨٠، أحكام المعاملات الشرعية
(٣).
للشيخ علي الخفيف: ص ٦٩ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢ / ٥ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٣/ ٥، غاية
المنتهى: ٢/ ٤، نهاية المحتاج: ٣ / ٨ - ٠١٠
- ١٠٤ -

واضح الدلالة على مراد العاقدين ، بأن تكون مادة اللفظ المستعمل لهما في كل عقد
تدل لغة أو عرفاً على نوع العقد المقصود للعاقدين ؛ لأن الإرادة الباطنة خفية، ولأن
العقود يختلف بعضها عن بعض في موضوعها وأحكامها ، فإذا لم يعرف بيقين أن
العاقدين قصدا عقداً بعينه لا يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به .
ولا يشترط لهذه الدلالة لفظ أو شكل معين، فإن الشكلية في غير عقد الزواج
والعقود العينية كالهبة والرهن غير مطلوبة فقهاً؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، لا
للألفاظ والمباني، فيصح البيع بلفظ الهبة بعوض، وينعقد الزواج بلفظ الهبة إذا
اقترن بالمھر.
٢ - تطابق القبول والإيجاب : بأن يكون القبول موافقاً للإيجاب ، بأن يرد على
كل ما أوجبه الموجب وبما أوجبه، أي على كل محل العقد، ومقدار العوض في عقود
المعاوضات، سواء أكانت الموافقة حقيقية، كما لو قال البائع: بعتك الشيء بعشرة،
فيقول المشتري : اشتريته بعشرة، أو ضمنية، كما لوقال المشتري في المثال السابق:
اشتريته بخمس عشرة. أو أن تقول المرأة : زوجتك نفسي بمئة، فيقول الزوج: قبلت
الزواج بمئة وخمسين، فالتوافق متحقق ضمناً، وهذه المخالفة خير للموجب. لكن
العقد لا يلزم إلا بالمقدار الذي وجهه الموجب أي مئة في المثال الأخير، وأما الزيادة
فموقوفة على قبول الموجب في مجلس العقد، فإن قبل به الموجب لزم القابل؛ لأن
المال لا يدخل في ملك إنسان بغير اختياره إلا في الميراث .. .
فإن لم يتطابق القبول مع الإيجاب، وحدثت مخالفة بينهما، لا ينعقد العقد،
كأن خالف القابل في محل العقد، فقبل غيره، أو بعضه، مثل قول البائع : بعتك
الأرض الفلانية ، فيقول المشتري: قبلت شراء الأرض المجاورة لها، أو قبلت شراء
نصفها بنصف الثمن المتفق عليه، فلا ينعقد العقد لمخالفته محل العقد، أو لتفرق
الصفقة على البائع ، والمشتري لا يملك تفريقها أي تجزئتها .
- ١٠٥ -

وإذا خالف في مقدار الثمن ، فقبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد أيضاً،
وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع بثمن حال نقدي، فقبل
المشتري بثمن مؤجل ، أو أوجب بأجل إلى شهر معين ، فقبل المشتري بأجل أبعد منه،
لم ينعقد البيع في الحالتين ، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب، وحينئذ لا بد من
إیجاب جدید .
ويختلف القانون المدني مع الفقه الحنفي في حالة المخالفة إلى خير للموجب ، إذ
يقرر القانونيون(١) أن العقد لا يتم، كما يفهم من صريح المادة ٩٧ مدني سوري ((إذا
اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه، اعتبر رفضاً يتضمن
إيجاباً جديداً)) لكن يتفق ذلك مع ظاهر مذهب الشافعي(٢).
٣ - اتصال القبول بالإيجاب: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد إن
كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب.
ويتحقق الاتصال بأن يعلم كل من الطرفين بما صدر عن الآخر بأن يسمع
الإيجاب ويفهمه، وبألا يصدر منه ما يدل على إعراضه عن العقد، سواء من الموجب
أو من القابل .
ومجلس العقد : هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد .
وبعبارة أخرى: اتحاد الكلام في موضوع التعاقد .
ويشترط لتحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب شروط ثلاثة هي(٣):
أولها - أن يكونا في مجلس واحد، وثانيها - ألا يصدر من أحد العاقدين
(١)
الوسيط للسنهوري: ص ٢١٩ وما بعدها .
(٢)
مغني المحتاج: ٢/ ٦.
الملكية ونظرية العقد للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: ص ١٧٥، ط ١٩٣٩.
(٣)
- ١٠٦ -

ما يدل على إعراضه، ثالثها - ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل الآخر.
الشرط الأول - أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول: فلا يجوز أن يكون
الإيجاب في مجلس ، والقبول في مجلس آخر؛ لأن الإيجاب لا يعد جزءاً من العقد إلا
إذا التحق به القبول. فلو قال البائع: بعتك الدار بثمن كذا، أو آجرتك المنزل بأجرة
كذا، ثم انتقل الموجب إلى مكان آخر بعيد عن مجلسه الأول بحوالي مترين أو ثلاثة ،
أو إلى غرفة أخرى، انتهى المجلس الأول، فإذا قبل القابل بعد هذا الانتقال لم ينعقد
العقد، ويحتاج إلى إيجاب جديد؛ لأن الإيجاب كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم ينضم
إليه القبول في حال واحدة من المجلس .
وهل تشترط الفورية في القبول ؟
قرر جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة (١)) أنه لا يشترط الفور في
القبول، لأن القابل يحتاج إلى فترة للتأمل ، فلو اشترطت الفورية لا يمكنه التأمل،
وإنما يكفي صدور القبول في مجلس واحد، ولو طال الوقت إلى آخر المجلس ؛ لأن
المجلس الواحد يجمع المتفرقات للضرورة، وفي اشتراط الفورية تضييق على القابل،
أو تفويت للصفقة من غير مصلحة راجحة ، فإن رفض فوراً، فتضيع عليه الصفقة ،
وإن قبل فوراً، فربما كان في العقد ضرر له، فيحتاج لفترة تأمل ؛ للموازنة بين
ما يأخذ أو يغنم وبين ما يعطي أو يغرم في سبيل العقد، وقدرت فترة التأمل بمدة
مجلس العقد؛ لأن المجلس جامع للمتفرقات ، فتعتبر ساعاته وحدة زمنية تيسيراً على
الناس، ومنعاً للمضايقة والحرج، ودفعاً للضرر عن العاقدين قدر الإمكان .
وقد أخذ القانون المدني في المادة ٩٥ / ٢ بهذا الرأي، فلم يشترط الفورية في
(١) البدائع: ١٣٧/٥، فتح القدير: ٧٨/٥، الشرح الكبير للدردير: ٥/٣، الشرح الصغير: ٣ حاشية ص ١٧،
غاية المنتهى: ٤/٢، مواهب الجليل الحطاب: ٢٤٠/٤، الشرح الكبير مع المغني: ٤/٤.
- ١٠٧ -

القبول، وصرح الأستاذ السنهوري بأن القانون أخذ هذا من الفقه الحنفي(١).
وقال الرملي من الشافعية(٢): يشترط أن يكون القبول فور الإيجاب، فلو تخلل
لفظ أجنبي لا تعلق له بالعقد ولو يسيراً بأن لم يكن من مقتضاه ولا من مصالحه ولا
من مستحباته، لا يتحقق الاتصال بين القبول والإيجاب، فلا ينعقد العقد. لكن لو
قال المشتري بعد توجيه الإيجاب له: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله، قبلت ، أي (الشراء) صح العقد .
واتجاه الشافعية هذا متمش مع الأصل في القبول: وهو أن يتصل بالإيجاب
مباشرة وفوراً لينعقد العقد ، ويخفف تشدد هذا الرأي أخذ الشافعية بمبدأ خيار
المجلس لكل من العاقدين بعد انعقاد العقد، والذي بمقتضاه يثبت لكل من العاقدين
حق فسخ العقد ما داما في المجلس لم يفترقا عنه بأبدانها .
هذا وقد فسر غير الرملي من الشافعية اتصال القبول بالإيجاب بأنه السائد عرفاً
بين الناس، فلا يضر الفصل اليسير ويضر الطويل وهو ما أشعر بإعراضه عن
القبول. فيكون رأي الشافعية كغيرهم(٢).
التعاقد بالهاتف والمراسلة :
ليس المراد من اتحاد المجلس كون المتعاقدين في مكان واحد ؛ لأنه قد يكون
مكان أحدهما غير مكان الآخر، إذا وجد بينهما واسطة اتصال؛ كالتعاقد بالهاتف ، أو
بالمراسلة. وإنما المراد باتحاد المجلس اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون المتعاقدان
مشتغلين فيه بالتعاقد . فمجلس العقد : هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين
الوسيط السنهوري : ص ٢١٥ .
(١)
نهاية المحتاج: ٨/٣، مغني المحتاج: ٦/٢.
(٢)
حاشية الباجوري على ابن قاسم الغزي: ٣٥٤/١، المجموع للنووي: ١٧٩/٩.
(٣)
- ١٠٨ -

على التفاوض في العقد (١) وعن هذا قال الفقهاء: ((إن المجلس يجمع المتفرقات))(٢).
وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية : هو زمن الاتصال ما دام
الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس .
ومجلس التعاقد بإرسال رسول، أو بتوجيه خطاب هو مجلس تبليغ الرسالة ، أو
وصول الخطاب، كما بينا سابقاً؛ لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه
حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل ، فينعقد العقد . وفي مكاتبة الغائب بخطاب
يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب ، فقبل في المجلس. فإن تأخر القبول إلى
مجلس ثان لم ينعقد العقد. وبه يتبين أن مجلس التعاقد بين حاضرين: هو محل
صدور الإيجاب، ومجلس التعاقد بين غائبين : هو محل وصول الكتاب أو تبليغ
الرسالة ، أو المحادثة الهاتفية.
لكن للمرسل أو للكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود بشرط أن يكون قبل
قبول الآخر ووصول الرسالة أو الخطاب . ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب
الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها ، كما سنبين.
التعاقد حالة المشي أو الركوب :
إذا تعاقد شخصان على ظهر سفينة أو متن طائرة ، أو في قطار أو سيارة ، انعقد
العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أو ماشية؛ لأن الشخص لا يستطيع إيقاف
تلك الوسائل، فاعتبر مجلس العقد فيها مجلساً واحداً، مما يؤكد أن المقصود من اتحاد
المجلس اتحاد الزمان وليس الاتحاد المكاني المادي.
لكن إذا كان العاقدان ماشيين على الأقدام ، أو راكبين دابة واحدة أو دابتين ،
(٢)
المدخل الفقهي للزرقاء : ف ١٧١ .
(١)
البدائع : ٠١٣٧/٥
- ١٠٩ -

فقد تشدد الحنفية في تصور المجلس . فقالا : إذا تم القبول متصلاً بالإيجاب ، انعقد
العقد، حتى ولو مشيا خطوة واحدة ، أو خطوتين . فإن مشيا خطوات ثلاثة فأكثر،
ثم حدث القبول، لم ينعقد العقد؛ لأن العاقدين يستطيعان الوقوف، أو إيقاف
الدابة لمداولة العقد، فإن سارا فقد تبدل المجلس قبل القبول. ويجعل السير دليلاً على
الإعراض عن العقد(١).
وهذا ما حدا بالدكتور السنهوري إلى القول بأن نصوص المذهب الحنفي
أغرقت في تصوير مجلس العقد تصويراً مادياً لا سبيل إلى مجاراتها فيه(٢).
الشرط الثاني - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد :
بأن يكون الكلام في موضوع العقد، وألا يتخلله فصل بكلام أجنبي يعد قرينة على
الإعراض عن العقد .
فإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الآخر، أو ترك الطرف الآخر المجلس
بعد صدور الإيجاب، أو انشغل الطرفان في موضوع آخر لا صلة له بالعقد ، بطل
الإيجاب. ولو قبل الآخر حينئذ لا يعتبر قبوله متماً للعقد؛ لأن الإيجاب ذهب ولم
يبق له وجود، إذا لم يتعانق مع القبول، وسبب ذهابه أنه كلام اعتباري لا بقاء له
إذا لم يتصل بالقبول، ويجعل باقياً مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين ودفع
العسر عنهما ليمكن تلاقي القبول به ، وانعقاد العقد .
متی يصير المجلس قد تغير ؟
العرف الشائع بين الناس هو الحكم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره، فإذا صدر
القبول في حال اتحاد المجلس ، نشأ العقد، وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس لم يعتبر
(١) البدائع: ٢٣٢/٢، و١٣٧/٥، فتح القدير: ٧٨/٥ - ٨٠.
مصادر الحق للسنهوري: ٧/٢.
(٢)
- ١١٠ -

ولم ينشأ به العقد . وضابط ذلك أن القبول يكون معتبراً ما دام لم يتخلل بينه وبين
الإيجاب ما يعد إعراضاً عن العقد من أحد الطرفين، وما دام المجلس قائمً(١).
وتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية(٢): أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع، فقام
الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم
قبل، لا ينعقد العقد ؛ لأن القيام دليل الإعراض والرجوع عن العقد .
والاحتكام إلى العرف في بيان ما يغير المجلس متفق عليه بين المذاهب(٢) حتى
عند بعض الشافعية القائلين بفورية القبول؛ لأن الفورية شيء، والحكم بتغير المجلس
شيء آخر، فإنهم قالوا: يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس، فما يعده الناس
تفرقاً يلزم به العقد، وما لا فلا؛ لأن ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، يرجع
فيه إلى العرف، فلو كان العاقدان في دار كبيرة يتغير المجلس بالخروج من البيت إلى
صحن الدار، أو بالعكس ، وإن كانا في دار صغيرة أو في سفينة أو مسجد صغير يتغير
المجلس بخروج أحدهما منه، أو بصعود السطح، وإن كانا في سوق أو صحراء يتغير
المجلس بأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً كثلاث خطوات. ولو تناديا بالعقد من
مكان بعيد، بقي المجلس ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإن مشى كل منهما ولو إلى
صاحبه، تغير المجلس. ولو تماشى الطرفان مسافة دام المجلس، وإن زادت المدة على
ثلاثة أيام ما لم يعرضا عما يتعلق بالعقد .
الشرط الثالث - ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل :
لا بد لانعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل، فإن
عدل عن إيجابه، لم يصح القبول.
الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٢٥٩.
(١)
(٢)
البدائع: ١٣٧/٥، فتح القدير والهداية: ٧٨/٥ و٨٠.
مواهب الجليل الحطاب: ٢٤٠/٤ وما بعدها، المجموع للنووي: ٢٠١/٩، مغني المحتاج: ٤٥/٢، المحلي على
المنهاج: ١٩١/٢، الباجوري على ابن قاسم: ٣٦٠/١، غاية المنتهى: ٤/٢.
(٣)
- ١١١ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٨)

وهل يصح العدول عن الإيجاب في مجلس العقد ؟
أجاب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة)(١) للموجب أن يرجع عن
إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر، ويبطل الإيجاب حنيئذ؛ لأن الالتزام
بالعقد لم ينشأ بعد، ولا ينشأ إلا بارتباط القبول بالإيجاب، ولأن الموجب حر
التصرف بملكه وحقوقه، وبإيجابه أثبت للطرف الآخر حق التملك، وحق الملك
أقوى من حق التملك، فيقدم عليه عند التعارض ؛ لأن الأول ثابت لصاحبه أصالة
والثاني لا يثبت إلا برضا الطرف الأول، والتراضي بين الجانبين أساسي لصحة
العقود .
والقانون المدني في المادة ٩٥ يتفق مع هذا الرأي ، فإنه إذا لم يعين ميعاد للقبول
يجوز للموجب التحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً.
وقال أكثرية المالكية(٢): ليس للموجب الرجوع عن إيجابه، وإنما يلتزم بالبقاء ..
على إيجابه حتى يعرض الطرف الآخر عنه، أو ينتهي المجلس ؛ لأن الموجب قد أثبت
للطرف الآخر حق القبول والتملك ، فله استعماله وله رفضه ، فإذا قبل ثبت العقد،
وإذا أعرض عن الإيجاب لم ينشأ العقد. وعليه لا يكون الرجوع مبطلاً للإيجاب.
تعيين مدة للقبول : إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة للقبول، فيلتزم بها
عند فقهاء المالكية ؛ لأنهم قالوا كما بينا : ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول
الآخر، فيكون من باب أولى ملتزماً بالبقاء على إيجابه إذا عين ميعاداً للقبول كأن
يقول: أنا على إيجابي مدة يومين مثلاً، فيلزمه هذا التقييد ولو انتهى المجلس. وهذا
يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو ((المسلمون على شروطهم))(٢)، ومثل هذا الشرط
لا ينافي مقتضى العقد .
البدائع: ١٣٤/٥، مغني المحتاج: ٤٣/٢، غاية المنتهى: ٢٩/٢.
(١)
(٢)
مواهب الجليل للخطاب: ٤ /٢٤١.
هو حديث نبوي رواه الترمذي عن عمرو بن عوف، وقال: هذا حديث حسن صحيح (نيل الأوطار:
(٣)
٢٥٤/٥)
- ١١٢ -

والقانون المدني في المادة ٩٤ يقرر ذلك: ((إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب
بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف
الحال، أو من طبيعة التعامل)).
العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس :
اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، والوكالة .
أما الوصية ( وهي تصرف مضاف إلى ما بعد الموت): فيستحيل فيها تحقق
اتحاد المجلس ؛ لأن القبول لا يصح من الموصى له في حال حياة الموصي، وإنما يكون
بعد وفاته مصراً على الوصية .
وأما الإيصاء (وهو جعل الغير وصياً على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته):
فلا يلزم صدور القبول فيه في حياة الموصي ، وإنما يصح بعد وفاته، وعلى كل حال
لا يصبح وصياً إلا بعد وفاة الموصي، وإن قبل في حياته.
وأما الوكالة ( وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية
على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس ؛ لأن قبولها قد يكون
باللفظ (القول)، أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وكل فيه، ويصح فيها
توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد)، فبمجرد علمه بالتوكيل له القيام
بالعمل الموكل فيه(١) .
وكالوكالة عند الحنابلة : كل عقد جائز غير لازم يصح القبول فيه على التراخي ،
مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة ، والوديعة والجعالة .
(١) البدائع: ٦/ ٢٠ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٢٨، نهاية المحتاج: ٢١/٤، مغني المحتاج: ٢/ ٢٢٢، غاية
المنتهى : ٢ / ١٤٧ .
- ١١٣ -

مبطلات الإيجاب: يبطل الإيجاب بالأمور التالية(١)
١ - رجوع الموجب عنه قبل القبول في المجلس، على رأي الجمهور.
٢ - رفض الإيجاب من الطرف الآخر، إما صراحة كأن يقول: لا أقبل، أو
ضمنا كأن يعرض عنه إما بالقيام عن المجلس بعد القعود، أو بالاشتغال بعمل آخر
كأكل ، أو سماع حديث آخر، أو قراءة خبر صحفي ونحوه .
٣ - انتهاء مجلس العقد، بتفرق العاقدين عرفاً؛ لأن الإيجاب يظل قائماً في
المجلس ، فلما انتهى بطل مفعوله، لأن المجلس يجمع المتفرقات .
٤ - خروج الموجب عن أهليته قبل القبول بالموت أو بالجنون أو بالإغماء ونحوه
وكذا فقد القابل أهليته بهذه الأسباب ؛ لأن انعقاد العقد يتوقف على توافر الأهلية،
فإذا فقدت لم ينعقد العقد، لاحتمال وجود الرجوع عن الإيجاب، أو لعدم فهم
القبول ، أو لعدم صدور قبول معتبر شرعاً .
٥ - هلاك محل العقد قبل القبول، أو تغيره بما يصيره شيئاً آخر، مثل قلع عين
حيوان ، أو انقلاب عصير العنب خمراً، ونحو ذلك.
العنصر الثاني - العاقد :
الإيجاب والقبول اللذان يكونان ركن العقد كما بينا، لا يتصور وجودهما من
غير عاقد، فالعاقد ركيزة التعاقد الأصلية. لكن ليس كل واحد صالحاً لإبرام
العقود، فبعض الناس لا يصلح لأي عقد، وبعضهم يصلح لإنشاء بعض العقود،
وآخرون صالحون لكل عقد .
(١)
الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٤ /٢١، فتح القدير: ٨٠/٥ وما بعدها، الشرح الكبير: ٣/ ٥، مغني
المحتاج: ٢ / ٦، غاية المنتهى: ٢ /٥.
- ١١٤ -

وهذا يعني أن العاقد لا بد له من أهلية للتعاقد بالأصالة عن نفسه، أو ولاية
شرعية للتعاقد بالنيابة عن غيره .
ويستلزم ذلك بحث الأهلية والولاية، لكن بقدر إجمالي، وأما تفصيل أحكام
الأهلية والولاية فمتروك لكتب الفقه والأصول(١) المطولة، ولمادة الأحوال الشخصية
ومدخل القانون، إذ إن نصوص الأهلية والولاية موزعة بين قانون الأحوال .
الشخصية والقانون المدني السوريين .
والذي يهمنا من بحث الأهلية أن العاقد يشترط فيه عند الحنفية والمالكية(٢):
أن يكون عاقلاً أي مميزاً أتم سن السابعة(٣)، فلا ينعقد تصرف غير المميز لصغر أو إغماء
أو جنون، وتصح تصرفات الصبي المميز(٤) المالية على التفصيل الآتي (راجع المادة
٩٦٧ من المجلة):
أ - التصرفات النافعة نفعاً محضاً: وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه
من غير مقابل، كالاحتطاب، والاحتشاش والاصطياد، وقبول الهبة والصدقة ..
والوصية والكفالة بالدين. تصح من الصبي المميز دون إذن ولا إجازة من الولي ، لأنها
لنفعه التام .
ب - التصرفات الضارة ضرراً محضاً: وهي التي يترتب عليها خروج شيء من
ملكه دون مقابل، كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض وكفالته لغيره بالدين أو
(٢)
راجع كتابنا الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٧٠ وما بعدها، ط ثانية.
(١)
حاشية ابن عابدين: ٤/ ٥، الشرح الكبير: ٥/٣.
المميز: هو الذي إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه.
(٣)
اشترط الشافعية والحنابلة لانعقاد العقود: الرشد وهو البلوغ مع العقل، وصلاح الدين والمال، فلا يصح
(٤)
التصرف من صبي ولا من مجنون ولا من محجور عليه بسفه أي تبذير المال. واستثنى الحنابلة شراء الشيء اليسير
وتصرف الصبي بإذن وليه (مغني المحتاج: ٢/ ٧، غاية المنتهى: ٥/٢).
- ١١٥ -

بالنفس لا تصح من الصبي العاقل ولا تنفذ، ولو أجازها وليه؛ لأن الولي لا يملك
إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.
ج - التصرفات المترددة بين الضرر والنفع : وهي التي تحتمل الربح والخسارة
كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها .
تصح من الصبي المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته ما دام
صغيراً أو على إجازته لنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل(١).
فإن أجيزت نفذت، وإلا بطلت، والإجازة تجبر نقص الأهلية.
والأشخاص بالنسبة للأهلية: إما عديم الأهلية وغير المميز فتعد تصرفاتها
باطلة، أو ناقص الأهلية كالصبي المميز فيصح بعض تصرفاته، ويبطل بعضها
الآخر، ويتوقف بعضها على الإجازة على التفصيل السابق، أو كامل الأهلية وهو
الراشد الذي تصح منه كل التصرفات وتنفذ ما لم يكن محجوراً عليه بسبب السفه أو
الدين ، أو كان ممنوعاً من التصرف بسبب مرض الموت أو الفقد أو الغياب. وكل ذلك
يضطرنا إلى بحث الأهلية والولاية .
وبه تعرف أحكام الأهلية إجمالاً علماً بأن القانون المدني استمد أحكامها من الفقه
الإسلامي وذلك في المواد (٤٦ - ٥٠) وقد اعتبر القانون أحكام الأهلية من قواعد
النظام العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها ، فكل اتفاق مخالف لأحكامها
باطل، ولا يجوز للشخص التنازل عن أهليته ولا التعديل في أحكامها (المادة ٥٠).
أولاً - الأهلية :
الأهلية في اللغة : الصلاحية، وفي اصطلاح الفقهاء: هي صلاحية الشخص
لثبوت الحقوق المشروعة له ووجوبها عليه، وصحة التصرفات منه. وهي نوعان :
(١) التلويح على التوضيح: ٢/ ١٦٥ وما بعدها.
- ١١٦ -

أهلية وجوب ، وأهلية أداء(١).
أ- أهلية الوجوب: هي صلاحية الشخص للإلزام والالتزام، أو هي صلاحية
الشخص لثبوت الحقوق له كاستحقاق قيمة المتلف من ماله، أو وجوبها عليه كالتزامه
بثمن المبيع وعوض القرض، أي أن لهذه الأهلية عنصرين :
عنصر إيجابي: وهو صلاحية كسب الحقوق بأن يكون دائناً، وهو عنصر الإلزام
أوالدائنية .
وعنصر سلبي: وهو صلاحية تحمل الواجبات أو الالتزامات بأن يكون مديناً،
وهو عنصر الالتزام أو المديونية .
ومناط هذه الأهلية: هو الحياة أو الصفة الإنسانية(٢)، فكل إنسان حتى الجنين
في بطن أمه له أهلية وجوب . فالأهلية تبدأ في الفقه مع بدء الشخصية، فهي ملازمة
للشخصية ، وصفة من صفات الشخصية, والشخصية تبدأ في فقهنا منذ بدء تكون
الجنين في الرحم وتنتهي بالموت .
وفي القانون المدني تبدأ بتمام ولادة الإنسان حياً، وتنتهي بموته (م ٣١)
والعنصر السلبي للأهلية (أي المديونية) يتطلب وجود شيء آخر في الشخصية
وهو الذمة : وهي وصف شرعي مقدر كوعاء اعتباري في الشخص تثبت فيه الديون
والالتزامات المترتبة عليه .
وبناء عليه : يتوقف ثبوت الحق للشخص على وجود أهلية فيه. وأما ثبوت
الديون عليه فيتوقف على وجود ظرف اعتباري مفترض في كل شخص هو الذمة.
(١) مرآة الأصول: ٢ / ٤٣٥، التقرير والتحبير: ٢/ ١٦٤، كشف الأسرار على أصول البزدوي ص ١٣٥٧، حاشية
نسمات الأسحار: ص ٢٧٢.
(٢) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف ٤٠٨ .
- ١١٧ -

فيقال: لفلان في ذمة فلان مبلغ مالي كذا(١).
وأهلية الوجوب نوعان : ناقصة وكاملة .
فأهلية الوجوب الناقصة : هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط
أي تؤهله للإلزام ليكون دائناً لا مديناً. وتثبت للجنين في بطن أمه قبل الولادة .
وسبب نقص أهليته أمران: فهو من جهة يعد جزءاً من أمه، ومن جهة أخرى يعد
إنساناً مستقلاً عن أمه، متهيئاً للانفصال عنها بعد تمام تکوینه. لذا فإنه تثبت له
بعض الحقوق الضرورية النافعة له: وهي التي لا تحتاج إلى قبول، وهي أربعة
أنواع(٢) :
١ - النسب من أبو یه.
٢ - الميراث من قريبه المورث، فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكراً
أو أنثى .
الله
٣ - استحقاق الوصية الموصى له بها .
ـتعالىـ
٤ - استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوفة عليه .
لكن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيها ملكية نافذة في الحال بل
تتوقف على ولادته حياً. فإن ولد حياً ثبتت له ملكية مستندة إلى وقت وجود
سببها أي بأثر رجعي . وإن ولد ميتاً رد نصيبه إلى أصحابه المستحقين له. فغلة
الوقف تعطى لبقية المستحقين ، والموصى به يرد إلى ورثة الموصي، وحصة الميراث
المجمدة له توزع لبقية الورثة. وثبوت الحق للجنين في الوقف هو رأي الحنفية
المرجع السابق: ف ٤١٠، مدخل نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء أيضاً: ف ١١٨ وما بعدها.
(١)
(٢)
كشف الأسرار على أصول البزدوي: ص ١٣٥٩ وما بعدها، القواعد لابن رجب الحنبلي: ص ١٧٨ وما بعدها.
- ١١٨ -

والمالكية ، أما رأي الشافعية والحنابلة فلا يثبت له حق التملك إلا بالإرث والوصية،
فلا يصح عندهم الوقف على الجنين ، لأنه يشترط إمكان التملك في الحال وهو
لا يتلك .
أما الحقوق التي تحتاج إلى قبول كالشراء والهبة فلا تثبت له، ولو مارسها عنه
وليه (الأب أو الجد) إذ ليس له ضرورة بها، ولأن الشراء له يلزمه بالثمن وهو ليس
أهلاً للالتزام.
وأما الواجبات أو الالتزامات لغيره فلا تلزمه، كنفقة أقاربه المحتاجين(١).
والخلاصة : أن الجنين له ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط ،
وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات .
أهلية الوجوب الكاملة : هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له، وتحمل
الواجبات (أو الالتزامات). وتثبت للشخص منذ ولادته حياً، دون أن تفارقه في
جميع أدوار حياته، فيصلح لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات. ولا يوجد إنسان
فاقد لهذه الأهلية .
وتحديد وجود الولادة: فيه رأيان للفقهاء، قال الحنفية(٢): تثبت أهلية
الوجوب بمجرد ظهور أثر الجنين حياً. وقال غير الحنفية(٣): لا تثبت هذه الأهلية إلا
بتمام ولادة الجنين حياً. وبهذا الرأي أخذ القانون المدني السوري (م ٣١) وقانون
الأحوال الشخصية السوري (م ٢٣٦/ ١، ٢٦٠/ ٢).
وأما الحقوق الثابتة للطفل بعد الولادة : فهي التي تحصل له نتيجة التصرف
قرر فقهاء الحنابلة إيجاب نفقة الأقارب على الحمل من ماله (القواعد لابن رجب: ص ١٨١).
(١)
(٢)
شرح السراجية : ص ٢١٦ وما بعدها .
المغني: ٣١٦/٦ وما بعدها .
(٣)
- ١١٩ -

الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه بالنيابة عنه، كتلك ما يشترى له أو يوهب
له .
وأما الالتزامات الواجبة على الطفل فهي كل ما يستطاع أداؤه عنه من ماله،
سواء من حقوق العباد أو من حقوق الله ، وهي :
(١) الأعواض المالية في الأفعال المدنية كثمن المشتريات وأجرة الدار، أو في
الأفعال الجنائية كتعويض المتلفات التي يتلفها من أموال الآخرين .
(٢) والضرائب المالية للدولة كعشر الزرع وخراج الأرض (ضريبة الأراضي
الزراعية) وضريبة ورسوم الجمارك والمباني وضريبة الدخل ونحوها .
(٣) والصلات الاجتماعية المنوطة بالغنى كنفقة الأقارب والمعسرين وزكاة
الفطر في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف(١). وزكاة المال في رأي جمهور الفقهاء غير
الحنفية(٢)، رعاية لمصلحة الفقراء والمحتاجين والمجتمع بصفة عامة، وهو رأي أقوم
وأفضل وأحق بالعمل ، لا سيما في ظروفنا الحاضرة .
وأما الحنفية فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي لأنهم اعتبروها عبادة مالية،
والطفل لا يكلف بالتكاليف الدينية إلا بعد البلوغ .-
ويلاحظ أن أهلية الوجوب، ولو كانت كاملة ليس لها أثر في إنشاء
العقود، فكل تصرف من الطفل غير المميز، حتى ولو كان نافعاً نفعاً محضاً له كقبول
الهبة أو الوصية، يعد باطلاً ، لأن عبارته ملغاة .
كذلك لا يجب على الطفل غير المميزشيء من العبادات الدينية كالصلاة
والصوم والحج .
التلويح على التوضيح: ١٦٣/٢ وما بعدها، ط صبيح، كشف الأسرار: ص ١٣٦ وما بعدها .
(١)
(٢)
بداية المجتهد: ٢٣٦/١ وما بعدها، ط الاستقامة.
- ١٢٠ -