Indexed OCR Text

Pages 81-100

ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله(١). أو بعبارة أخرى:
تعلق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعاً على وجه يظهر أثره في المحل(٢). وهذا
التعريف هو الغالب الشائع في عبارات الفقهاء.
فإذا قال شخص لآخر: بعتك الكتاب، فهو الإيجاب، وقال الآخر: اشتريت،
فهو القبول، ومتى ارتبط القبول بالإيجاب، وكانا صادرين من ذوي أهلية معتبرة
شرعاً، ثبت أثر البيع في محله (وهو الكتاب هنا ): وهو انتقال ملكية المبيع
للمشتري ، واستحقاق البائع الثمن في ذمة المشتري .
والإيجاب أو القبول: هو الفعل الدال على الرضا بالتعاقد. والتقييد بكونه
((على وجه مشروع)) لإخراج الارتباط على وجه غير مشروع، كالاتفاق على قتل
فلان، أو إتلاف محصوله الزراعي ، أو سرقة ماله، أو الزواج بالأقارب المحارم، فكل
ذلك غير مشروع لا أثرله في محل العقد. والتقييد بكونه (« يثبت أثره في محله ))
لإخراج الارتباط بین کلامین لا أثر له، کالاتفاق على بيع کل شريك حصته من دار
أو أرض لصاحبه بالحصة الأخرى المساوية لها ، فهذا لا فائدة منه ولا أثر له.
والعقد قانوناً يلتقي مع هذا التعريف الثاني عند الفقهاء: وهو ((توافق إرادتين
على إحداث أثر قانوني من إنشاء التزام أو نقله، أو تعديله أو إنهائه))(٣) فإنشاء
الالتزام كالبيع والإجارة، ونقله كالحوالة، وتعديله كتأجيل الدين ، وإنهاؤه كالإبراء
من الدين ، وفسخ الإجارة قبل أوانها ، فالتعريفان متقاربان .
وهذا التعريف وإن كان واضحاً سهلاً، إلا أن تعريف الفقهاء في نظر الشرعيين
المادة ١٠٣، ١٠٤ من مجلة الأحكام العدلية، رد المحتار لابن عابدين: ٣٥٥/٢ ، ط الأميرية.
(١)
(٢)
العناية بهامش فتح القدير : ٧٤/٥ .
الوسيط للدكتور السنهوري: ص١٣٨، النظرية العامة للالتزام للدكتور عبد الحي حجازي: ص٣٥ وما بعدها .
(١)
- ٨١ -

أدق ؛ لأن العقد ليس هو اتفاق الإرادتين ذاته، وإنما هو الارتباط الذي يقره
الشرع، فقد يحدث الاتفاق بين الإرادتين، ويكون العقد باطلاً لعدم توافر الشروط
المطلوبة شرعاً، فالتعريف القانوني يشمل العقد الباطل .
ثم إن مجرد توافق الإرادتين بدون واسطة للتعبير عنهما من كلام أو إشارة أو
فعل لا يدل على وجود العقد، وتظل الإرادة حينئذ أمراً خفياً غير معروف.
وبذلك يشمل التعريف القانوني الوعد بالعقد مع أنه ليس بعقد (١).
والعقد في القانون المدني أحد أنواع الاتفاق، فليس كل اتفاق عقداً، وإنما
يتخصص العقد بما يمثل التعارض بين مصلحتين، وبما ينصب على محل وقتي يستنفد
وينتهي بالتنفيذ مرة واحدة، فالاتفاق على إنشاء منظمة معينة لا يعتبر عقداً، لأنه
لا يمثل تعارضاً في المصالح، ولأن محل العقد هو وضع دائم مستمر، وليس وضعاً وقتياً
يستنفد مرة واحدة .
أما العقد في الفقه الإسلامي فلا يعرف هذا التخصيص، فالزواج عقد،
والإسلام عقد، والذمة عقد، مع أنها نظم دائمة، وقد لا تقوم على تحكيم المصلحة
الشخصية ، والعقد في الإسلام: هو دائماً انضمام لنظام موجود من قبل ، هو النظام
النوعي للعقد المبرم الذي وضعه الشرع ليسير عليه الناس. وما على الأفراد إلا التقيد
التام بأحكام الشرع التي نظم العقود عليها. والخلاصة: أن العقد في القانون أداة
لإدراك مصلحة ذاتية شخصية لكل من المتعاقدين ، وأما في الإسلام فهو معد لإدراك
مقاصد شرعية عامة .
العقد والالتزام :
الالتزام: هو كل تصرف يتضمن إنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إنهاءه سواء
(١)
المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف١٣٤، المدخل للأستاذ مصطفى شلبي: ص٣١٥.
- ٨٢ -

أكان صادراً من شخص واحد كالوقف والإبراء والطلاق على غير مال، أم من
شخصين كالبيع والإجارة والطلاق على مال .
فالالتزام يرادف كلمة العقد بالمعنى العام الذي ذكرناه، ويختلف عن كلمة العقد
بالمعنى الخاص، فالعقد مقصور على نوع خاص من الالتزام وهو ما كان صادراً من
شخصين كالبيع والإيجار والرهن ونحوه، والالتزام أعم من ذلك فيشمل ماصدر من
شخص واحد كالوقف والنذر واليمين ونحوه، كما يشمل ماصدر من شخصين أو وجد
بإرادتين مزدوجتين كالبيع والإجارة .
العقد والتصرف :
التصرف: هو كل ماصدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل ، يرتب عليه
الشرع أثراً من الآثار، سواء أكان في صالح ذلك الشخص أم لا. فيشمل الأقوال
الصادرة عن الشخص كالبيع والهبة والوقف والإقرار بحق، والأفعال كإحراز
المباحات والاستهلاك والانتفاع ، سواء أكان القول أو الفعل لصالح الشخص كالبيع
والاصطياد، أم لغير صالحه كالوقف والوصية، والسرقة والقتل.
وبه يتبين أن التصرف نوعان : فعلي وقولي .
أما التصرف الفعلي : فهو الواقعة المادية الصادرة عن الشخص كالغصب
والإتلاف وقبض الدين وتسلم المبيع .
أما التصرف القولي فهو نوعان : عقدي وغير عقدي . أما العقدي فهو اتفاق
إرادتين كالشركة والبيع، وغير العقدي قد يكون مجرد إخبار بحق كالدعوى
والإقرار، وقد يقصد به إنشاء حق أو إنهاؤه كالوقف والطلاق والإبراء.
وعلى هذا فإن التصرف أعم من العقد والالتزام إذ أنه يشمل الأقوال والأفعال،
وينتظم الالتزام وغير الالتزام ، وقد يكون التصرف القولي غير داخل في معنى العقد .
ولو بمعناه الواسع أو العام كالدعوى والإقرار.
- ٨٣ -

والخلاصة : أن التصرف أعم من العقد والالتزام. والعقد بالمعنى العام والالتزام
مترادفان متساويان، والالتزام أعم من العقد بالمعنى الخاص، والعقد بمعناه الخاص
نوع من الالتزام، وأخص من كلمة تصرف. فكل عقد هو تصرف، وليس كل تصرف
عقداً .
العقد والإرادة المنفردة :
قد تستقل الإرادة الواحدة بإنشاء التزام، كما قد تنشىء أحياناً عقداً من العقود
في أحوال استثنائية، عملاً بالنزعة الموضوعية للالتزام أو بالمذهب المادي الذي
نلاحظه في الفقه الإسلامي ، والذي يعد الالتزام فيه علاقة مالية أكثر منه علاقة
شخصية بين طرفين : دائن ومدين .
والالتزام بإرادة واحدة : معناه التعهد بشيء يصبح به المتعهد مديناً لآخر
غير موجود حين إنشاء الالتزام كالوعد بالمكافأة أو بالجائزة للمتفوقين من الناجحين ،
أولمن يصنع دواء لعلاج مرض معين مثلاً.
وأمثلة الالتزام بإرداة واحدة في الفقه الإسلامي كثيرة منها :
١ - الجعالة: هي التزام جعل(١) أو أجر معين لمن يقوم بعمل معين، بدون
تحديد أمد معين، وهي عقد جائز غير لازم كتقديم مكافأة لمن يرد متاعاً ضائعاً، أو
يبني حائطاً أو يحفر بئراً يصل إلى الماء، أو ينجح نجاحاً متفوقاً في امتحان، أو
يحقق نصراً حربياً على العدو، أو يشفي مرضاً معيناً، أو يبتكر علاجاً ناجعاً، أو
يخترع اختراعاً صناعياً ، أو يحفظ القرآن الكريم.
وقد أجازها جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة(٢) عملاً بقصة يوسف
الجعْل : ما يجعل للإنسان من شيء على فعل كأجر العامل ومكافأة المحارب على عمل حربي رائع .
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٢٣٢/٢ وما بعدها، الشرح الصغير للدردير: ٧٩/٤ ومابعدها ، القوانين الفقهية ص٢٧٥
وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤٢٩/٢ وما بعدها، المغني ٥٠٧/٥ وما بعدها ، غاية المنتهى: ٢٨٤/٢ .
- ٨٤ _

عليه السلام مع إخوته : ﴿ قالوا: نفقد صُواع (١) الملك ، ولمن جاء به حمل بعير ،
وأنا به زعيم﴾، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام يوم حُنين: (( من قتل قتيلاً فله
(٢)
سلبه )) (7) .
ولم يجزها الحنفية(٣)، لما فيها من الغرر والخطر أي الجهالة والاحتمال بالنسبة
للملتزم وبالنسبة للقائم بالعمل الذي لا يدري ما يحتاجه من مجهود لإنجاز العمل .
والقانون المدني السوري في المادة ( ١٦٣) نظم الوعد بجائزة: وهو تخصيص أجر
لشخص لن يتعين إلا بتنفيذ الأداء الذي حدده الواعد. وأجاز الرجوع عنه إذا لم
يعين الواعد أجلاً للقيام بالعمل .
٢ - الوقف: هو حبس المال عن التصرف، وتخصيص ريعه لجهة بر، تقرباً إلى
الله تعالى، كالوقف على دور العلم وجهات الخير كالمشافي والمدارس والمصانع الحربية،
والوقف لفلان ، ثم على جهة خير معينة . وينعقد الوقف بإرادة الواقف وحده، فإن
كان على شخص فله حق الرد، فيصرف إلى جهة الخير أو البر التي عينها الواقف.
٣ - الإبراء : إسقاط شخص ماله من حق لدى شخص آخر، كإسقاط الدائن
دينه المستقر في ذمة مدينه. يتم بدون حاجة لقبول المدين ، إلا أنه يرتد برده في
مجلس الإبراء، لما فيه من معنى التمليك ( أي تمليك الدين للمدين )، دفعاً للمِنَّة
والجميل الذي يصنعه الدائن له، والإنسان لا يملّك شيئاً جبراً عنه. فهو من قبيل
الإسقاطات عند جمهور الفقهاء غير المالكية .
قال المالكية على ماهو راجح عندهم : يحتاج الإبراء إلى قبول المبرأ؛ لأنه من
(١)
الصواع : المكيال الذي يكال به .
(٢)
السلب : ما يكون مع القتيل من متاع أو مال أو سلاح أو خيل . والحديث رواه أحمد وأبو داود عن أنس
بلفظ: (( من قتل رجلاً فله سلبه)) ( نيل الأوطار : ٢٦٢/٧).
البدائع : ٢٠٦/٦ .
(٣)
- ٨٥ -

قبيل التمليكات التي يشترط فيها القبول كالهبة والصدقة .
٤ - الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان
المملك عيناً أم منفعة، كالوصية بمبلغ من المال أو بمنفعة دار لفلان أو لجهة خير بعد
وفاة الموصي، فهي عقد يتم بإرادة واحدة هي إرادة الموصي، وتتحقق بإيجابه (أو
عبارته أو كتابته أو إشارته المفهمة) فيكون ركن الوصية هو الإيجاب من الموصي
فقط ، إلا أنها ترتد بالرد عند الحنفية(١)؛ لأنه ليس له إلزامه على قبولها .
واتفق الفقهاء على أن الوصية من العقود الجائزة غير اللازمة أي أن للموصي أن
یرجع فیا أوصى به .
فالإِيجاب بالوصية هو ركن الوصية. وأما القبول من الموصى له بعد وفاة
الموصي فليس بركن للوصية، ولكنه على الراجح عند فقهاء المالكية والحنفية
والشافعية والحنابلة(٢) شرط للزوم الوصية ودخول الموصى به في ملك الموصى له من
بعد الموت. فالحقيقة الشرعية للوصية عندهم تكون بالإيجاب من الموصي فقط، ولا
تتوقف على قبول الموصى له. وتنفذ الوصية من ثلث التركة، ولا وصية جائزة
للوارث إلا بإجازة الورثة، كما لا تجوز الوصية لغير الوارث بما زاد عن ثلث التركة إلا
5
بموافقة الورثة .
٥ - اليمين: عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك(٣)، مثل والله لأكرمن
جاري، أو لأعلمن هذا اليتيم على نفقتي ، فيجب عليه ديانة الوفاء بيمينه، فإن لم يوف
به حنث في يمينه ولزمته كفارة اليمين .
اللباب شرح الكتاب: ٤ / ١٧٠، تبيين الحقائق للزيلعي: ٦/ ١٨٢، ١٨٤، رد المحتار على الدر المختار: ٤٦٠/٥.
(١)
(٢)
بداية المجتهد: ٢/ ٣٣٠، الشرح الكبير للدردير: ٤٢٤/٤، مغني المحتاج: ٣/ ٥٣، غاية المنتهى: ٢ / ٣٥١،
المغني: ٦/ ٢٥.
(٣)
فتح القدير: ٤ /٢، تبيين الحقائق: ٣ / ١٠٦.
- ٨٦ -

٦ - الكفالة: عند غير الحنفية : ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام
الحق أي في الدين ، فيثبت الدين في ذمتهما معاً. واقتصر الحنفية على أن الضم محصور
في المطالبة بالدين. فالكفالة : التزام الكفيل بالدين بأدائه إلى الدائن بدلاً من المدين
عند مطالبته. وهي توجد بمجرد التزام الكفيل بالدين ورضاه به عند المالكية
والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية(١)، أي أن ركن الكفالة هو الإيجاب
وحده، وأما القبول من الدائن أو المدين فليس ركناً عند هؤلاء. فتكون التزاماً من
جانب واحد. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن(٢): ركن الكفالة: الإيجاب من
الكفيل ، والقبول من الدائن .
العقد بإرادة منفردة:
الأصل العام في العقود أن يكون العاقد متعدداً أي أن العقد ينشأ بإيجاب
وقبول يعبر كل واحد منهما عن إرادة صاحبه؛ لأن العقد ينشئ آثاراً متعارضة
وحقوقاً أو التزاماتٍ متضادة، مثل تسليم المبيع وتسلمه، والمطالبة بتسليم المبيع
وقبض الثمن ، ورد المبيع بالعيب، وفسخ العقد بالخيارات، ويستحيل أن يكون
الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، مملكاً ومتملكاً، مما
يوجب أن يكون العقد من طرفين ، لكل منهما إرادته وعبارته والتزامه، لا من
شخص واحد ليس له إلا إرادة واحدة .
لكن استثناء من هذا الأصل يجوز عند بعض الفقهاء إبرام العقد بعاقد واحد في
بعض حالات البيع والزواج .
(١)
الشرح الصغير للدردير: ٣/ ٤٢٩ ومابعدها، مغني المحتاج: ٢ / ٢٠٠، المهذب: ١ / ٣٤٠، المغني: ٥ / ٥٣٥.
(٢)
فتح القدير: ٥/ ٣٩٠، البدائع: ٢/٦، الدر المختار: ٤ /٢٦١، مجمع الضمانات: ص ٢٧٥ .
- ٨٧ -

البيع بعاقد واحد :
أجاز الحنفية ما عدا زفر(١) انعقاد البيع بإرادة شخص واحد متخذاً صفتين
بالنيابة عن البائع وعن المشتري، في حالات نادرة هي شراء الأب ، أو وصيه، أو
الجد، مال الصغير لنفسه، أو بيع مال نفسه من الصغير، وبيع القاضي والرسول عن
طرفي العقد ؛ لأن القاضي لا ترجع إليه حقوق العقد أي (لا يلتزم بشيء من
التزامات العقد كالتسليم ودفع الثمن)، فكان بمنزلة الرسول، والرسول بعكس الوكيل
عن الجانبين لا تلزمه حقوق العقد ؛ لأنه سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فجاز لكل
من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين . ولا يجوز ذلك للوكيل من الجانبين .
لكن تعامل الأب مع الصغير لنفسه مقيد بأن يكون السعر بمثل قيمة الشيء، أو
بشيء يسير من الغبن المعتاد حدوثه بين الناس عادة؛ لأن الأب مفترض فيه كمال
الشفقة والرحمة ووفرة الرعاية لمصلحة الصغير.
وأما وصي الأب فمقيد تعامله مع الصغير عند أبي حنيفة وأبي يوسف بأن يكون
تصرفه بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة، أو بما فيه نفع ظاهر (أو خير بيّن) لليتيم (٢)،
لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير. ولم يجز محمد بن
الحسن تصرف الوصي بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة؛ لأن التساهل في الأب لكمال
شفقته بخلاف الوصي .
وأجاز الحنابلة أن يتولى عاقد واحد عن الجانبين كالوكيل عن الطرفين عقد
البيع ونحوه من عقود المعاوضات الأخرى كالإجارة مثلاً؛ لأن حقوق العقد وآثاره أو
التزاماته ترجع عندهم للموكل نفسه صاحب الشأن. كما أجازوا ذلك أيضاً في عقد
البدائع: ٢ / ٢٣٢، ١٣٦/٥، رد المحتار لابن عابدين: ٤ /٥، فتح القدير: ٢ / ٤٢٨، تبيين الحقائق: ٦/ ٢١١.
(١)
النفع الظاهر في العقار يكون بشراء الوصي لنفسه من الصغير بضعف القيمة، ويبيع بنصفها. وفي المنقول ببيع
(٢)
ما يساوي ١٥ بعشرة، وشراء ما يساوي عشرة بخمسة عشر.
- ٨٨ -

الزواج، وفي الدعوى، فيصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً في الدعوى عن
المدعي والمدعى عليه، ممثلاً مصلحة الطرفين ومقيماً الحجة أو الدفوع لكل منها(١).
وروي عن الإمام مالك أن للوكيل والوصي أن يشتريا لأنفسهما من مال الموكل
واليتيم ، إذا لم يحابيا أنفسهما(٣) .
الزواج بعاقد واحد :
أجاز جمهور الحنفية ما عدا زفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد الزواج
بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور(٣).
١ - إذا كان الشخص ولياً من الجانبين: كأن يزوج الجد بنت ابنه الصغيرة لابن
ابنه الصغير.
٢ - إذا كان وكيلاً من الجانبين: كأن يقول: زوجت موكلي فلاناً موكلتي فلانة .
٣-إذا كان أصيلاً من جانب وولیاً من جانب آخر، أن يتزوج ابن عم بنت عمه
الصغيرة التي تحت ولايته، فيقول أمام الشهود : تزوجت بنت عمي فلانة .
٤ - إذا كان أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، كمالو وكلت امرأة رجلاً
ليزوجها من نفسه .
٥ - إذا كان ولياً من جانب ووكيلاً من جانب، مثل زوجت بنتي من موكلي .
والسبب في مشروعية انعقاد الزواج في هذه الأحوال أن العاقد ليس إلا سفيراً عن
الأصيل ومعبراً عنه، فلا يتحمل شيئاً من التزامات العقد، والواحد يصلح أن يكون
معبراً عن اثنين بصفتين مختلفتين .
(١) كشاف القناع: ٢/ ٢٣٨، المغني: ٥/ ١٠٩ مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى للسيوطي الرحيباني:
٣ /٤٦٤، ط المكتب الإسلامي بدمشق.
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٣٢٨.
البدائع: ٢ / ٥،٢٣١/ ١٣٧.
(٣)
٠
- ٨٩ -

وقال الشافعي(١): يجوز الزواج بعاقد واحد إذا كان ولياً من الجانبين وذلك في
حالة الجد فقط ، له أن يزوج حفيديه ببعضهما ، ويتولى وحده العقد عن الطرفين ،
وذلك للضرورة لعدم وجود ولي آخر من درجته، ولقوة ولایته وشفقته دون سائر
الأولياء.
والخلاصة : أن العقد بالمعنى الخاص لا يتحقق بإرادة منفردة، بل لابد لتحققه
من توافق أو اجتماع إرادتين. وأما انعقاد البيع أو الزواج في الحالات السابقة، وإن
اقتصر فيه على شخص واحد ، إلا أنه في الحقيقة يمثل صفتين، فقامت عبارة الشخص
الواحد التي تدل على إرادتين متوافقتين مقام العبارتين من عاقدين مختلفين(٣).
وهناك فرق ثان بينهما من ناحية الحكم (أي الأثر المترتب على العقد)، وهو أن
العقد يلزم الوفاء به من العاقد ديانة وقضاء باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿ يا أيها
الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله سبحانه: ﴿وأوفوا بالعهد﴾. أما الوعد فلا يلزم
الوفاء به قضاء ، بل الوفاء به مندوب مطلوب ديانة ومن مكارم الأخلاق . فلو وعد
شخص غيره ببيع أو قرض أوهبة مثلاً لا يجبر على الوفاء بوعده بقوة القضاء، بل
يندب له تنفيذه ديانة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما
لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وقال النبي ◌ُ اله: ((آية
المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))(٣).
هذا هو السائد عند الفقهاء، لكن توجد آراء قد تكون مخالفة للرأي السائد ،
(١)
نهاية المحتاج: ١٩٢/٥ وما بعدها.
(٢)
منع القانون المدني المصري والسوري في المادة ١٠٩ من تعاقد الشخص مع نفسه، سواء أكان التعاقد لحساب نفسه
أم لحساب غيره إلا إذا رخص الأصيل مقدماً لنائب في التعاقد مع نفسه، أو وجد نص في القانون، أو قضت
قواعد التجارة بجواز ذلك (الوسيط السنهوري: ص ٢٠٢).
رواه الشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
(٣)
- ٩٠ -

وقد تكون ملطفة أحياناً بجعل الوعد ملزماً قضاء في بعض الحالات .
قال ابن شبرمة(١): يلزم الواعد ويجبر على الوفاء بوعده قضاء. وقال الحنفية:
يلزم الوعد إذا صدر معلقاً على شرط منعاً لتغرير الموعود. وعبروا عن ذلك بقاعدة
فقهية: ((المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة)) (م ٨٣ مجلة) وقال ابن نجيم:
((لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقاً)) مثل أن يقول شخص لآخر: إذا لم يعطك فلان
ثمن المبيع، فأنا أعطيه لك . فيلزمه إعطاؤه حينئذ ؛ لأن الوعد اكتسى صفة الالتزام
والتعهد .
وقال المالكية(٢) : يلزم الواعد بوعده قضاء إن أدخل الموعود في سبب أو وعده
مقروناً بذكر السبب، كما قال أصبغ من فقهائهم لتأكد العزم على الدفع حينئذ. مثال
الحالة الأولى أن يقول لآخر: اهدم دارك وأنا أقرضك ما تبني به الدار، أو اخرج إلى
الحج وأنا أقرضك ، أو اشتر سلعة ، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك ، ففعل الموعود ذلك،
فيجب عليه الإقراض لأنه أدخل الموعود في الالتزام. ومثال الحالة الثانية عند أصبغ:
أن يقول شخص لآخر: تزوج أو اشتر، وأنا أقرضك ، فيلزمه الوفاء بوعده ولو لم
يباشر الموعود فعل الزواج أو الشراء أي سواء تزوج الموعود أو اشترى أم لا ، يلزم
الواعد بما وعد ، دفعاً للضرر الحاصل للموعود من تغرير الواعد .
فإن وعده بدون ذكر السبب، كأن يقول شخص لآخر: أسلفني كذا، فيقول
المخاطب: نعم، لا يلزمه الوعد . والقوانين الوضعية المدنية تتفق مع رأي ابن شبرمة
وبعض المالكية على أن الوعد بعقد أو بعمل ملزم قانوناً .
هو عبد الله بن شبرمة، قاضي فقيه من التابعين ولد سنة ٧٢ هـ وتوفي سنة ١٤٤ هـ (تهذيب
(١)
التهذيب: ٥ / ٢٥٠).
(٢)
الفروق للقرافي: ٤ / ٢٤ - ٢٥، المحلى لابن حزم: ٨/ ٣٣، م / ١١٢٥.
- ٩١ -

المبحث الثاني - تكوين العقد
يشتمل هذا المبحث على مطالب ثلاثة :
المطلب الأول - ركن العقد :
الركن في اصطلاح علماء الأصول من الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود
الشيء وكان جزءاً داخلاً في حقيقته. ففي العبادات يعد الركوع والسجود وقراءة
القرآن أركاناً للصلاة . وفي المعاملات : الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما هو ركن
العقد. فركن العقد : هو كل ما يعبر به عن اتفاق الإرادتين أوما يقوم مقامهما من
فعل أو إشارة أو كتابة(١).
هذا هو مذهب الحنفية، وأما بقية العناصر أو المقومات التي يقوم عليها العقد
من محل معقود عليه، وعاقدين ، فهي لوازم لا بد منها لتكوين العقد، لأنه يلزم
من وجود الإيجاب والقبول وجود عاقدين، ولا يتحقق ارتباط العاقدين إلا بوجود
محل يظهر فيه أثر الارتباط .
· وغير الحنفية(٢) يقولون: إن للعقد أركاناً ثلاثة هي عاقد ومعقود عليه وصيغة.
فالعاقد في البيع هو البائع والمشتري، والمعقود عليه هو الثمن والمثمن ، والصيغة هي
الإيجاب والقبول، باعتبار أن الركن عند الجمهور: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء
وإن لم يكن جزءاً داخلاً في حقيقته.
وأياً كان هذا الاختلاف فهو اصطلاح لا تأثير له من حيث النتيجة .
فتح القدير: ٥ / ٧٤، البدائع: ٥/ ١٣٣، رد المحتار لابن عابدين: ٤ / ٥.
(١)
الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: ٣/ ٢، مغني المحتاج: ٣/٢، غاية المنتهى: ٣/٢، القوانين الفقهية:
(٢)
ص ٢٤٥.
- ٩٢ -

تعريف الإيجاب والقبول :
الإيجاب والقبول يكونان صيغة العقد ، أي العبارات الدالة على اتفاق الطرفين
المتعاقدين .
وتعريفهما عند الحنفية(١) ما يأتي.
الإيجاب: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد
المتعاقدين، أوما يقوم مقامه، سواء وقع من المملك أو المتلك(٢). فقول العاقد الأول
في البيع هو الإيجاب، سواء صدر من البائع أو من المشتري. فإذا قال البائع أولاً
((بعت)) فهو الإيجاب. وإذا ابتدأ المشتري الكلام فقال: ((اشتريت بكذا)) فهو
الإيجاب .
والقبول : ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين ، دالاً على موافقته ورضاه
بما أوجبه الأول(٣).
فالمعتبر إذاً : أولية الصدور وثانويته فقط ، سواء أكان من جهة البائع أم من
جهة المشتري في عقد البيع .
وعند غير الحنفية(٤): الإيجاب: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء
متأخراً، والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك، وإن صدر أولاً. ففي عقد
البيع : إذا قال المشتري : اشتريت منك هذه البضاعة بكذا، وقال البائع : بعته لك
(١) رد المحتار لابن عابدين والدر المختار: ٤ /٦، والمراجع السابقة.
ورد تعريف الإيجاب في المجلة (م ١٠١): ((الإيجاب: أول كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف،
(٢)
وبه يوجب ويثبت التصرف)».
عرفت المجلة في المادة (١٠٢) القبول بما يأتي: ((القبول: ثاني كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء
(٣)
التصرف، وبه يتم العقد)».
(٤)
شرح المنهج للأنصاري: ٢ / ١٨٠ وما بعدها، كشاف القناع: ٢/ ٣، غاية المنتهى: ٢/ ٣ وما بعدها، الشرح
الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: ٣/ ٠٣
- ٩٣ -

بهذا الثمن ، انعقد البيع ، وكان الإيجاب ما صدر عن البائع، لأنه المملك، والقبول:
ما صدر من المشتري، وإن صدر أولاً .
والواقع أن تسمية إحدى عبارتي العاقدين إيجاباً، والأخرى قبولاً هي تسمية
اصطلاحية ، ليس لها أثر يذكر، والأصل العام في الإيجاب أن يقع من البائع أولاً ،
ويقع القبول من المشتري ثانياً .
المطلب الثاني - عناصر العقد :
عناصر العقد: هي مقوماته الذاتية التي ينشأ بها العقد، ولا يتحقق إلا
بوجودها ، وهي أربعة : صيغة التعاقد، والعاقدان ، ومحل العقد، وموضوع العقد .
العنصر الأول - صيغة العقد :
صيغة العقد : هي ما صدر من المتعاقدين دالاً على توجه إرادتها الباطنة لإنشاء
العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم
مقامه من الفعل أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول. وقد
اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي من
كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هوما يعرف بصيغة العقد عند فقهائنا.
ويسمى عند القانونيين ((التعبير عن الإرادة)). والبحث فيها يكون ببيان أساليب
الصيغة، وشروطها .
الفرع الأول - أساليب صيغة الإيجاب والقبول :
التعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفاً أولغة على
إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة، وقد نصت على هذه
الأساليب المادة (١٧٣) و(١٧٤) من المجلة، كما نصت عليها المادة ٩٣ /١ من القانون
المدني السوري .
- ٩٤ _

أولاً - اللفظ (أو القول):
اللفظ: هو الأداة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية رهو الأكثر
استعمالاً في العقود بین الناس لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، فیلجأ إليه متى كان
العاقد قادراً عليه، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان . ولا يشترط فيه عبارة خاصة ، وإنما
يصح بكل ما يدل على الرضا المتبادل بحسب أعراف الناس وعاداتهم ؛ لأن الأصل في
العقود هو الرضا، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وقوله عليه
الصلاة والسلام: ((إنما البيع عن تراض)).
مادة النفظ: وعليه فلا يشترط في العقود كالبيع والإيجار والرهن والهبة
ونحوها لفظ معين أو عبارة مخصوصة ، كأن يقول البائع: بعت بكذا، أو ملكته لك
بكذا، أو أعطيته لك بكذا، أو وهبته بثمن كذا. ويقول المشتري : اشتريت، أو
قبلت، أو رضيت، أوخذ الثمن وهات المبيع .
أما عقد الزواج فاختلف الفقهاء في شأن الألفاظ المستعملة فيه، نظراً
لخطورته وقداسته .
ـعالـ
فقال الحنفية والمالكية(١) : يصح انعقاد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين
في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط
توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود
للمقصود ؛ لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين ، فيصح بكل
لفظ يدل على تراضيهما وإرادتها. وقد ورد لفظ ((الهبة)) في القرآن الكريم دالاً على
صحة استعماله لإبرام الزواج، كما ورد في السنة النبوية استعمال عبارة ((التمليك)).
(١) فتح القدير: ٢ / ٣٤٦، الدر المختار ورد المختار لابن عابدين: ٢ / ٣٦٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٩٥ ،
الشرح الكبير للدردير: ٢ / ٢٢٠ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢ / ١٦٨ .
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٧)
- ٩٥ -

أما الوارد في القرآن فقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن
أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾(١) والخصوصية للنبي محمد القر في
قوله تعالى ﴿ خالصة لك) ليست في انعقاد زواجه بلفظ ((الهبة)) وإنما في صحة
زواجه بغیر مھر.
وأما الوارد في السنة فقوله عليه السلام لخاطب من الصحابة يحفظ سوراً من
القرآن: ((ملكتكها بما معك من القرآن)) (٢).
ولا يصح الزواج بلفظ لا يفيد الملك كإجارة وإعارة ووصية وره ووديعة
ونحوها ، ولا بالألفاظ المصحفة مثل تجوزت.
وقال فقهاء الشافعية والحنابلة (٢): يشترط لصحة عقد الزواج استعمال لفظي
((زوج أو نكح)) وما يشتق منهما لمن يفهم اللغة العربية. أما من لا يعرف اللغة
العربية فيصح الزواج منه بالعبارة التي تؤدي الغرض المقصود، وتفهم هذا المعنى ؛
لأن عقد الزواج له خطورة لوروده على المرأة وهي حرة، وشرع لأغراض سامية
منها تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني، وتكوين الأسر، ففيه معنى التعبد لله ،
بتكثير عباد الله الذين يعبدونه، مما يوجب علينا التزام ما ورد به الشرع، ولم يرد
في القرآن الكريم إلا هذان اللفظان فقط وهما ((النكاح والتزويج)» وذلك في أكثر من
عشرين آية ، منها: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾(3) ومنها ﴿فلما قضى زيد
منها وطراً زوجناكها ﴾(٥) .
(١)
الأحزاب : ٥٠.
متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: ٦/ ١٧٠).
(٢)
(٣)
مغني المحتاج: ٣/ ١٣٩، المغني: ٦/ ٥٢٢ وما بعدها .
(٤)
النساء : ٣.
(٥)
الأحزاب: ٣٧ .
- ٩٦ -

ويمكن أن يكون رأي الحنفية والمالكية أرجح، لأن الزواج كغيره من العقود،
فيصح بكل لفظ بنبئ عن الرضا والإرادة .
صيغة اللفظ أو نوع الفعل :
اتفق الفقهاء على صحة انعقاد العقد بالفعل الماضي ، لأنها أدل على المراد
وأقرب إلى تحقيق مقصود العقود وهو انشاؤها في الحال، فينعقد بها العقد من غير
توقف على شيء آخر كالنية أو القرينة، وقد تعارف الناس استعمال هذه الصيغة(١)،
وأقرهم الإسلام عليها واستعملها الرسول عَ لّ في جميع العقود، لإفادتها تنجيز العقد
حالاً ودلالتها على الإرادة الجازمة وحدوث الشيء قطعاً من غير احتمال معنى آخر،
مثل بعت، واشتريت، ورهنت، ووهبت، وزوجت، وأعرت ، وقبلت، ونحو
ذلك .
واتفق الفقهاء أيضاً على الانعقاد بصيغة المضارع إذا توافرت نية الحال أو
دلت القرينة على إرادة إنشاء العقد حالاً؛ لأن المضارع يدل على الحال والاستقبال،
ففيه احتمال الوعد والمساومة ، فكان لا بد من النية لتعيين المراد في الحال، وإنشاء
العقد حالاً ، مثل أبيع وأشتري وأزوجك وأقبل وأرضى .
وينعقد العقد بالجملة الاسمية على الأصح، مثل أنا بائع لك كذا، أو واهب
لك كذا، فقال آخر: أنا قابل : أو قال : نعم .
واختلف الفقهاء في انعقاد العقد بلفظ الأمر الذي يعبر به عن المستقبل،
مثل : بعني أو اشتر مني، أو آجرني، أو خذه بكذا .
(١) نصت المادة ١٦٨ من المجلة على ما يأتي: الإيجاب والقبول في البيع عبارة عن كل لفظين مستعملين لإنشاء البيع
في عرف البلدة.
- ٩٧

فقال الحنفية(١): إن ما عدا عقد الزواج لا ينعقد عقده بلفظ الأمر، ولو نوى
ذلك، ما لم يقل القائل الآمر مرة أخرى في المثال السابق : اشتريت، أو بعت ، أو
استأجرت؛ لأن لفظ الأمر مجرد طلب وتكليف، فلا يكون قبولاً ولا إيجاباً . أو
كانت العبارة تنبئ عن إيجاب أو قبول مقدر (مفهوم ضمناً) يقتضيه المعنى ويستلزمه
كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذا بكذا، فقال البائع: خذه، أو الله يبارك
لك، فكأنه قال: بعتك فخذه ( المجلة: م ١٧٢ ).
وأما عقد الزواج فيصح بصيغة الأمر مثل : زوجيني نفسك، فقالت:
زوجتك ، أو قال الرجل لولي المرأة أو وكيلها : زوجني فلانة، فأجاب : زوجتك،
لأن لفظ الأمر للمساومة، وعقد الزواج يسبق عادة بالخطبة، فلا يقصد بهذا الأمر
الوعد والمساومة، وإنما المقصود به إنشاء العقد، لا مقدمات العقد وهي الخطبة،
فيحمل على الإيجاب والقبول. أما غير الزواج كالبيع مثلاً، فإنه يحصل فجأة بدون
مقدمات غالباً، فيكون الأمر فيه مساومة ، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ويكون المراد به
العدة أو المساومة ، ولا يعدل عن المعنى الحقيقي للفظ إلى شيء آخر إلا بدليل، ولم
يوجد الدليل في البيع ، بخلاف الزواج، كما بينا.
وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية(٢): ينعقد العقد بلفظ الأمر بدون حاجة للفظ
ثالث من الآمر، سواء أكان بيعاً أو زواجاً؛ لأن أساس العقد هو التراضي، وقد جرى
العرف على استعمال صيغة الأمر في إنشاء العقود كالماضي والمضارع، فينعقد بها العقد،
ويكون الآمر أو المستدعي عاقداً فعلاً: بائعاً أو مشترياً مثلاً، وهذا الرأي هو
البدائع: ١٣٣/٥ وما بعدها، فتح القدير مع العناية: ٥/ ٧٥ وما بعدها، حاشية ابن عابدين: ٤ / ٩
(١)
وما بعدها، المجلة: م ١٦٩ - ١٧٢ .
(٢)
مواهب الجليل للحطاب: ٤ / ٢٢٨ - ٢٤٠، حاشية الدسوقي: ٣/٣ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢/ ١٦٨، مغني
المحتاج: ٢/ ٤-٥، المغني: ٥٦٠/٣.
- ٩٨ -

الأرجح لما فيه من تحقيق مصالح الناس ومراعاة أعرافهم وعاداتهم دون مصادمة
النصوص الشرعية .
واتفق الفقهاء على عدم انعقاد العقد بصيغة الاستقبال: وهي صيغة المضارع
المقرون بالسين أوسوف مثل: سأبيعك؛ لأن ذكر السين يدل على إرادة العقد في
المستقبل، فهو وعد بالعقد وليس عقداً، أي أنه يدل على عدم إرادة الحال ، فلا ينعقد
بها العقد، حتى ولو نوى بها العاقد الإيجاب والقبول.
كذلك لا ينعقد العقد بصيغة الاستفهام، لدلالتها على المستقبل، لأنها سؤال
الإيجاب والقبول، وليست إيجاباً ولا قبولاً، كأن يقول المشتري : أتبيع مني هذا
الشيء ؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد العقد إلا إذا انضم لذلك لفظ ثالث يقوله
المشتري مرة أخرى: اشتريت ؛ لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة.
ثانياً - التعاقد بالأفعال (العقد بالمعاطاة):
قد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ ، وإنما بفعل يصدر من المتعاقدين ويسمى
في الفقه بالمعاطاة أو التعاطي أو المراوضة: وهو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على
التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول(١).
مثل أن يأخذ المشتري المبيع ، ويدفع للبائع الثمن ، أو يدفع البائع المبيع ،
فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة ، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً .
ففي البيع لو وجد الرجل سلعة مسعرة كتب عليها الثمن كساعة أو حلي ،
فناول الثمن للبائع وأخذ السلعة دون إيجاب وقبول لفظيين ، انعقد البيع لدلالته على
نصت المادة ١٧٥ من المجلة على ما يأتي: ((حيث إن المقصد الأصلي من الإيجاب والقبول هو تراضي الطرفين،
(١)
فينعقد البيع بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي، ويسمى هذا بيع التعاطي)) وذكرت المادة أمثلة لذلك.
- ٩٩ _

التراضي في عرف الناس. كذلك ينعقد لو اقتصر المشتري على دفع عربون ؛ لأنه جزء
من الثمن .
وفي الإجارة: لو ركب الإنسان سيارة من وسائل النقل، ثم دفع ثمن التذكرة
إلى الجابي دون كلام متبادل صح الإيجار عرفاً .
لكن الفقهاء اختلفوا في التعاقد بالتعاطي في العقود المالية على أقوال ثلاثة :
الأول - مذهب الحنفية(١) والحنابلة(٢): ينعقد العقد بالتعاطي فيا
تعارفه الناس، سواء أكان الشيء يسيراً كالبيضة والرغيف والجريدة أم نفيساً ((كثير
الثمن» كالدار والأرض والسيارة؛ لأن تعارف الناس دليل ظاهر على التراضي، سواء
تمت المبادلة الفعلية من الجانبين، أو من جانب واحد ومن الآخر اللفظ على الأصح
المفتى به، وسواء في ذلك البيع والإجارة والإعارة والهبة والرجعة .
وذلك بشرط أن يكون ثمن المعقود عليه معلوماً تماماً، وإلا فسد العقد، وألا
يصرح العاقد مع التعاطي بعدم الرضا بالعقد.
والقانون المدني السوري يتفق مع هذا الرأي، كما جاء في المادة ٩٣ / ١.
الثاني - مذهب مالك وأصل مذهب أحمد(٣): ينعقد العقد بالفعل أو
بالتعاطي متى كان واضح الدلالة على الرضا، سواء تعارفه الناس أم لا ، وهذا الرأي
أوسع من سابقه وأيسر على الناس ، فكل ما يدل على البيع أو الإجارة، أو الشركة أو
الوكالة وسائر العقود الأخرى ما عدا الزواج ينعقد العقد به ؛ لأن المعول عليه وجود
ما يدل على إرادة المتعاقدين من إنشاء العقد وإبرامه والرضا به، وقد تعامل الناس
البدائع: ٥/ ١٣٤، فتح القدير: ٧٧/٥، الدر المختار ورد المختار: ١١/٤ وما بعدها.
(١)
(٢)
غاية المنتهى : ٢ / ٥.
مواهب الجليل: ٤ / ٢٢٨ وما بعدها، الشرح الكبير: ٣/ ٣، بداية المجتهد: ٢/ ١٦١، المغني: ٣/ ٥٦١، فتاوى
(٣)
ابن تيمية: ٣ / ٢٦٧ وما بعدها .
- ١٠٠ -