Indexed OCR Text

Pages 1-20

الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالَِّنَّةُ
الشامل للأدّة الشرعيّة والآراء المذهبيّة وأهمّ النظريّات الفِقهِيّة
وتحقيق الأحَاديث النبوية وتخريجها
وَفَهْرَسَة الفَبَائِيَّة للمَوْضُوعَات وَأَهَمّ المَسَائِلِ الفِقِهِيَّة
((مَن يُرِدِشْدِهِ خَيْرًا يُفَقَّهُهُ فِي الِدِينِ))
تأليف
الدكتور وهبة الزحيلي
الجزء الرابع
النظريات الفقيّة والعقود
دار الفكر

الله
الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م
ط ١ ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م
تعالى
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع
الاقتباس منه ، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من
دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق
سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب (٩٦٢) - س.ت ٢٧٥٤
هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy
الصف التصويري : على أجهزة .C.T.T السويسرية
الإفشاء (أوفست) : في المطبعة العلمية بدمشق

ـِ اللهِ الرّحْمنِ الرَّحِيمُ
صدرة
كبيـ
لله تعالى
الفِقَةُ الإِسْلَامِ وَالْلِنَّهُ

لله تعالى
C
00

تقييم
تقتضي طبيعة التدرج المنطقي الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، ومن
الإفراد إلى التركيب، ومن الأحكام الجزئية إلى النظريات العامة، كما هو منهج
الدراسة القانونية الحديثة . لذا كان لزاماً علينا البحث عن نظريات الفقه
الإسلامي، وما أكثرها، بالرغم مما يكتنف ذلك من صعوبات استقرائية في تتبع
أحكام المسائل الفقهية في بحار الكتب القديمة المترعة بالثروة الفقهية الضخمة، التي
تمتاز بخصوبتها ومرونتها وتغطيتها لاحتمالات متعددة، لا تقل عن أروع ما ابتكره
الفكر القانوني الحديث، بل تفوقه أحياناً بالحرص على القيم الخلقية العالية والمصالح
العامة .
وبدراسة طائفة من النظريات الفقهية، يتجلى للمتأمل إحكام الربط بين الحكم
الشرعي ومصدره والأصول أو النظريات الفقهية التي أدركها المجتهدون من مصادر
الشريعة واتخذوها نبراساً لهم في الاجتهاد .
وقد أشرت لما يتفق مع القانون ويختلف فقهاً وقانوناً، ودعمت الحكم الشرعي
بدليله النقلي المعتمد على القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، أو بالدليل العقلي
المتجه نحو رعاية المصلحة ودرء المفسدة .
هذا ... وقد بحثت في الأجزاء الثلاثة الأولى القسم الأول من هذا الكتاب ،
وهو ((العبادات)) .
وأتابع في هذا الجزء بحث القسم الثاني من الكتاب وهو أهم النظريات الفقهية
- ٥ -

ومدى الاستفادة منها في القوانين الوضعية ، وذلك في فصول خمسة وملحق ، کما
سأبحث في هذا الجزء أيضاً خمسة عقود من القسم الثالث وهو ((العقود)).
أما موضوعات القسم الثاني أو فصوله فهي نظرية الحق ، الأموال ، نظرية
الملكية ، نظرية العقد ، المؤيدات الشرعية ، أهم ما اقتبسه القانون المدني من
الفقه الإسلامي .
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لإدراك عظمة الفقه الإسلامي وغناه وواقعيته
وسداده، لنعود إليه عند وضع القوانين عن جدارة وتقدير، تاركين الاعتماد على الفقه
الغربي ونظرياته وحلوله الغريبة عنا.
المؤلف
الله تعالى
٠٠
- ٦ -

الفصل الأول
نظرية الحق
النظرية : معناها المفهوم العام الذي يؤلف نظاماً حقوقياً موضوعياً تنطوي
تحته جزئيات موزعة في أبواب الفقه المختلفة ، كنظرية الحق، ونظرية الملكية،
ونظرية العقد، ونظرية الأهلية، ونظرية الضمان ، ونظرية الضرورة الشرعية،
ونظرية المؤيدات الشرعية من بطلان وفساد وتوقف وتخيير ونحو ذلك مما سنبحثه
هنا .
ومن المعروف أن فقهاءنا لم يقرروا أحكام المسائل الفقهية على أساس النظريات
العامة وبيان المسائل المتفرعة عنها، وفق المنهاج القانوني الحديث، وإنما كانوا
يتتبعون أحكام المسائل والجزئيات والفروع، مع ملاحظة ما تقتضيه النظرية أو
المبدأ العام الذي يهيمن على تلك الفروع. ولكن بملاحظة أحكام الفروع يمكن إدراك
النظرية وأصولها .
وبذلك تختلف النظرية عن القاعدة الكلية مثل (المشقة تجلب التيسير)
(والأمور بمقاصدها) في أن النظرية بناء عام لقضايا ذات مفهوم واسع مشترك . أما
القاعدة فهي ضابط أو معيار كلي في ناحية مخصوصة من نواحي النظرية العامة .
ونوضح نظرية الحق في أربعة مباحث :
الأول - تعريف الحق وأركانه
الثاني - أنواع الحق
- ٧ -

الثالث - مصادر الحق أو أسبابه
الرابع - أحكام الحق
المبحث الأول - تعريف الحق وأركانه
وفيه مطلبان :
المطلب الأول - تعريف الحق :
الحق في اللغة العربية له معان مختلفة تدور حول معنى الثبوت والوجوب مثل
قوله تعالى: ﴿ لقد حقّ القولُ على أكثرهم، فهم لا يؤمنون ﴾ أي ثبت ووجب .
وقوله سبحانه: ﴿ ليُحِقِّ الحقَّ وَيُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أي يثبت ويظهر. وقوله عز
وجل: ﴿جاءَ الحقُّ وَزَهَقَ البَاطِل﴾ أي الأمر الموجود الثابت. وقوله تعالى:
﴿ وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين ﴾ أي واجباً عليهم.
وتطلق كلمة الحق على النصيب المحدد مثل قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم
حقٌّ معلومٌ، للسائل والمحروم﴾، كما تطلق على العدل في مقابلة الظلم مثل قوله
تعالى: ﴿ والله يقضي بالحقِّ﴾.
وأما عند الفقهاء فقد ورد تعريف للحق عند بعض المتأخرين فقال : الحق ، هو
الحكم الثابت شرعاً(١). ولكنه تعريف غير جامع ولا شامل لكل ما يطلق عليه لفظ
الحق عند الفقهاء. فقد يطلق الحق على المال المملوك وهو ليس حكماً، ويطلق على
الملك نفسه، وعلى الوصف الشرعي كحق الولاية والحضانة والخيار، ويطلق على
مرافق العقار كحق الطريق والمسيل والمجرى. ويطلق على الآثار المترتبة على العقود
كالالتزام بتسليم المبيع أو الثمن .
٠٠
(١) حاشية قمر الأقمار على شرح المنار للشيخ عبد الحليم اللكنوي، أول مبحث الحقوق.
- ٨ -

وعرفه بعض الأساتذة المعاصرين ، فقال أستاذنا الشيخ علي الخفيف : الحق، هو
مصلحة مستحقة شرعاً(١). لكنه تعريف بالغاية المقصودة من الحق، لا بذاتيته
وحقيقته، فإن الحق: هو علاقة اختصاصية بين صاحب الحق والمصلحة التي
يستفيدها منه .
وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: الحق: هو اختصاص يقرر به الشرع سلطةً أو
تكليفاً(٣). وهو تعريف جيد ؛ لأنه يشمل أنواع الحقوق الدينية كحق الله على عباده
من صلاة وصيام ونحوهما، والحقوق المدنية كحق التملك، والحقوق الأدبية كحق
الطاعة للوالد على ولده، والزوج على زوجته ، والحقوق العامة كحق الدولة في
ولاء الرعية لها، والحقوق المالية كحق النفقة، وغير المالية كحق الولاية على النفس .
ويتميز هذا التعريف بأنه أبان ذاتية الحق بأنه علاقة اختصاصية بشخص معين ،
كحق البائع في الثمن يختص به، فإن لم يكن هناك اختصاص بأحد، وإنما كان هناك
إباحة عامة كالاصطياد والاحتطاب والتمتع بالمرافق العامة، فلا يسمى ذلك حقاً،
وإنما هو رخصة عامة للناس .
والسلطة : إما أن تكون على شخص كحق الحضانة والولاية على النفس ، أو على
شيء معين كحق الملكية .
5
والتكليف : التزام على إنسان إما مالي كوفاء الدين، وإما لتحقيق غاية معينة
کقيام الأخير بعمله .
وأشار التعريف لمنشأ الحق في نظر الشريعة: وهو إرادة الشرع، فالحقوق في
الإسلام منح إلَهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، فلا يوجد
حق شرعي من غير دليل يدل عليه، فمنشأ الحق هو الله تعالى؛ إذ لا حاكم غيره،
مذكرات الحق والذمة: ص ٣٦.
(١)
۔
(٢)
المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه: ف ٣ ص ١٠ وما بعدها .
- ٩ -

ولا تشريع سوى ما شرعه. وليس الحق في الإسلام طبيعياً مصدره الطبيعة أو العقل
البشري ، إلا أنه منعاً مما قد يتخوف منه القانونيون من جعل مصدر الحقوق إلّهياً
وبالتالي إطلاق الحرية في ممارسة الحق، منعاً من هذا الخطر، قرر الإسلام سلفاً
تقييد الأفراد في استعمال حقوقهم بمراعاة مصلحة الغير وعدم الإضرار بمصلحة
الجماعة ، فليس الحق مطلقاً وإنما هو مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الآخرين ،
والحق في الشريعة يستلزم واجبين :
واجب عام على الناس باحترام حق الشخص وعدم التعرض له .
وواجب خاص على صاحب الحق بأن يستعمل حقه بحيث لا يضر بالآخرين .
المطلب الثاني - أركان الحق :
للحق ركنان : صاحب الحق وهو المستحق، ومحل الحق : وهو ما يتعلق به
الحق ويرد عليه. وهو إما الشيء المعين الذي يتعلق به الحق كما في الحق العيني ، أو
الدين .
ويضاف للحق الشخصي كالعلاقة بين الدائن والمدين ركن ثالث: وهو المدين
المكلف بالحق. ونوع التكليف إما أن يكون قياماً بعمل كأداء الدين أو الثمن ، أو
امتناعاً عن عمل، كالامتناع عن إضرار الجار أو غيره، والامتناع عن استعمال الوديعة
أو الأمانة . والمكلف قد يكون معيناً فرداً أو جماعةً كالمدين بالنسبة للدين ، أو غير
معين كالواجبات العامة المكلف بها جميع الناس باحترام حقوق الآخرين وعدم
الاعتداء عليها .
صاحب الحق : هو الله تعالى في الحقوق الدينية، والشخص الطبيعي
( الإنسان ) أو الاعتباري (كالشركات والمؤسسات ) في الحقوق الأخرى، الذي يتمتع
بالسلطات التي يمارسها على محل الحق .
- ١٠ -

وتبدأ الشخصية الطبيعية لكل إنسان ببدء تكون الجنين ، بشرط ولادته حياً
ولو حياة تقديرية. ويعتبر حياً عند الحنفية بظهور أكثر المولود حياً، وتعتبر الحياة
تقديرية عندهم في حالة إسقاط الجنين بجناية، كما لو ضرب شخص امرأة حبلى
فأسقط جنيناً ميتاً، فإنه يرث ويورث.
وقال غير الحنفية: يشترط تمام الولادة لاعتبار الشخص حياً، وانفصاله عن أمه
انفصالاً تاماً. وبهذا الرأي أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري. واكتفى غير
الحنفية في حال إسقاط الجنين ميتاً بأن الجنين تورث عنه الغرة فقط (وهي دية
الجنين أو التعويض المالي الواجب دفعه بسبب الاعتداء على الجنين وقدرت شرعاً بـ
٥٠ ديناراً أو بـ ٥٠٠ درهم).
وتنتهي الشخصية الطبيعية بالوفاة الحقيقية (الموت) أو التقديرية كالحكم
بوفاة المفقود أو الغائب الذي لا يعلم مكانه، ولا يدرى أهوحي أوميت، وذلك
بوفاة أقرانه في غالب الظن ، أو ببلوغه تسعين سنة .
ولكن مع زوال الشخصية بالموت تظل ذمة الإنسان وأهلية وجوبه باقية
افتراضاً بقدر ما تقتضيه تصفية الحقوق المتعلقة بتركته، وذلك للضرورة وبقدر
الضرورة، كما سنبين في بحث الأموال والذمة المالية، فيتلك الميت ما باشر سبب
ملكيته في حياته كنصب شبكة للصيد وقع فيها المصيد، ويضمن ما باشر سبب
ضانه، كالالتزام بدفع قيمة ما يقع من حيوان في حفرة حفرها في الطريق العام .
ويقر الفقه الإسلامي ما يسمى قانوناً: الشخصية الاعتبارية، أو المعنوية أو
الشخصية المجردة عن طريق الاعتراف لبعض الجهات العامة كالمؤسسات والجمعيات
والشركات والمساجد بوجود شخصية تشبه شخصية الأفراد الطبيعيين في أهلية التملك
وثبوت الحقوق، والالتزام بالواجبات، وافتراض وجود ذمة مستقلة للجهة العامة
بقطع النظر عن ذمم الأفراد التابعين لها، أو المكونين لها .
- ١١ -
!

والأدلة كثيرة على هذا الإقرار، سواء من النصوص أو من الاجتهادات الفقهية .
فمن النصوص: الحديث النبوي: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم))(١) أي أن
الأمان الصادر للعدو من أحدهم يسري على جماعة المسلمين . ومنها نصوص الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تقضي بجواز رفع ما يسمى بدعوى الحسبة من أي
فرد لقمع غش وإزالة منكر أو أذى عن الطريق، وتفريق بين زوجين بينهما علاقة
محرمة، وإن لم يكن للمدعي مصلحة شخصية .
ومن الاجتهادات : فصل بيت المال عن مال الحاكم الخاص، وقولهم : بيت المال
وارث من لا وارث له، واعتبار الحاكم نائباً عن الأمة في التصرف بالأموال العامة
وفق المصلحة، كما يتصرف الوصي بمال اليتيم. وهو نائب عن الأمة أيضاً في إبرام
المعاهدات التي تظل نافذة رغم موته أو خلعه، وفي تعيين الموظفين أو العمال الذين
لا ينعزلون بموت الحاكم، وفي إصدار الأحكام القضائية، فلا يضمن القاضي الدية إذا
أخطأ في قضائه في حقوق الله كقطع يد السارق بشهود زور، وإنما ضمانها في بيت
المال .
ومن اجتهاداتهم : جواز تمليك الوقف والتزامه بما يجب عليه من حقوق
للآخرين ، وجواز الوصية والوقف للمسجد ، واعتبار ناظر الوقف مجرد نائب عنه
لا يتحمل شيئاً من ديون الوقف، ويشتري للوقف ما يحتاجه، ويدفع ثمنه من
غلات الوقف. فالوقف هو المالك والدائن والمدين، لا المتولي عليه. والناظر أمين
على الوقف، فلو خان مصلحة الوقف أو أساء التصرف إليه أو خالف شروط الواقف،
ضمن موجب فعله .
(١) رواه أحمد عن علي رضي الله عنه (نيل الأوطار: ٧ / ٢٧).
۔۔۔
- ١٢ -

المبحث الثاني - أنواع الحق
ينقسم الحق عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة حسب المعنى الذي يدور عليه
الحق، نذكر أهم هذه التقسيمات وأحكامها وما يترتب عليها من نتائج.
التقسيم الأول - باعتبار صاحب الحق
ينقسم الحق بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع: حق الله، وحق الإنسان، وحق
مشترك: وهو ما اجتمع فيه الحقان ولكن قد يغلب حق الله أو حق الإنسان
(١)
الشخصي
١ - حق الله تعالى (أو الحق العام):
وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو تحقيق
النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد من الناس. وينسب إلى الله تعالى لعظم
خطره وشمول نفعه ، أي أنه هو حق للمجتمع .
مثال الأول : العبادات المختلفة من الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنذر واليمين وتسمية الله عند الذبح وكل أمر
ذي بال .
ومثال الثاني : الكف عن الجرائم وتطبيق العقوبات من حدود ( حد الزنا
والقذف والسرقة والحرابة وشرب المسكرات) وتعزيرات على الجرائم المختلفة،
وصيانة المرافق العامة من أنهار وطرقات ومساجد وغيرها مما لا بد منها للمجتمع .
وتقسم حقوق الله تعالى عند الحنفية إلى ثمانية أقسام تعرف في أصول الفقه.
(١) راجع كتب أصول فقه الحنفية: التقرير والتحبير: ٢/ ١٠٤ - ١١١، كشف الأسرار: ٢/ ١٣٦، التلويح على
التوضيح: ٢/ ١٥١ وما بعدها، حاشية نسمات الأسحار: ص ٢٥٩.
- ١٣ -

وأحكام حق الله تعالى هي : لا يجوز إسقاطه بعفو أو صلح أو تنازل، ولا يجوز
تغييره، فلا يسقط حد السرقة بعفو المسروق منه أو صلحه مع السارق بعد بلوغ
الأمر إلى الحاكم. ولا يسقط حد الزنا بعفو الزوج أو غيره أو إباحة المرأة نفسها .
ولا يورث هذا الحق ، فلا يجب على الورثة ما فات مورثهم من عبادات ، إلا
إذا أوصى بإخراجها ، ولا يسأل الوارث عن جريمة المورث .
ويجري التداخل في عقوبة حقوق الله، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً ولم يعاقب
في كل مرة، فيكتفى بعقوبة واحدة؛ لأن المقصود من العقوبة هو الزجر والردع
ويتحقق بذلك(١). واستيفاء عقوبة هذه الجرائم للحاكم، فهو الذي يؤدب على ترك
العبادات أو التهاون بشأنها ، وهو الذي يقيم الحدود والتعزيرات على العصاة منعاً من
الفوضى وتثبتاً من وقوع الجريمة .؟
٢ - حق الإنسان ( أو العبد ) :
وهو ما يقصد منه حماية مصلحة الشخص ، سواء أكان الحق عاماً كالحفاظ
على الصحة والأولاد والأموال ، وتحقيق الأمن ، وقمع الجريمة ، ورد العدوان ،
والتمتع بالمرافق العامة للدولة . أم كان الحق خاصاً ، كرعاية حق المالك في
ملكه ، وحق البائع في الثمن والمشتري في المبيع ، وحق الشخص في بدل ماله
المتلف ، ورد المال المغصوب ، وحق الزوجة في النفقة على زوجها ، وحق الأم في
حضانة طفلها ، والأب في الولاية على أولاده ، وحق الإنسان في مزاولة العمل
ونحو ذلك .
وحكم هذا الحق أنه يجوز لصاحبه التنازل عنه، وإسقاطه بالعفو أو الصلح أو
الإبراء أو الإباحة، ويجري فيه التوارث، ولا يقبل التداخل ، فتتكرر فيه العقوبة
على كل جريمة على حدة، واستيفاؤه منوط بصاحب الحق أو وليه .
(١) البدائع: ٧ / ٥٥ وما بعدها، ٨٦، المبسوط: ٩ / ١٨٥.
- ١٤ -

٣ - الحق المشترك: وهو الحق الذي يجتمع فيه الحقان : حق الله وحق
الشخص ، لكن إما أن يغلب فيه حق الله تعالى أو حق الشخص .
مثال الأول : عدة المطلقة ، فيها حق الله: وهو صيانة الأنساب عن الاختلاط ،
وفيها حق الشخص، وهو المحافظة على نسب أولاده، لكن حق الله غالب؛ لأن في
صيانة الأنساب نفعاً عاماً للمجتمع، وهو حمايته من الفوضى والانهيار. ومثاله أيضاً:
صيانة الإنسان حياته وعقله وصحته وماله، فيها حقان ، لكن حق الله غالب لعموم
النفع العائد للمجتمع . ومثاله عند الحنفية(١) حد القذف (وهو ثمانون جلدة لمن يتهم
غيره بالزنا) فيه حقان : حق للمقذوف بدفع العار عنه وإثبات شرفه وحصانته،
وحق لله: وهو صيانة أعراض الناس وإخلاء العالم من الفساد، والحق الثاني
أغلب(٢).
وحكمه: أنه يلحق بالقسم الأول، وهو حق الله تعالى باعتبار أنه هو الغالب .
ومثال الثاني : حق القصاص الثابت لولي المقتول، فيه حقان : حق لله وهو
تطهير المجتمع عن جريمة القتل النكراء، وحق للشخص: وهو شفاء غيظه وتطييب
نفسه بقتل القاتل ، وهذا الحق هو الغالب ؛ لأن مبنى القصاص على المماثلة ، بقوله
تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ والمماثلة ترجح حق الشخص.
وحكمه أنه يلحق بالقسم الثاني: وهو حق الشخص في جمیع أحكامه، فيجوز
لولي المقتول العفو عن القاتل، والصلح معه على مال، بل ندب الله تعالى إلى العفو
والصلح، فقال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه
بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾. وقال عز وجل: ﴿ومن قتل مظلوماً
فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل ، إنه كان منصوراً ﴾.
فتح القدير: ٤ /١٩٤، البدائع: ٧/ ٥٦، المبسوط: ٩ / ١١٣، رد المحتار والدر المختار: ٤ / ١٨٩.
(١)
(٢)
وقال الشافعية والحنابلة وفي قول لمالك هو الأظهر عند ابن رشد: حد القذف حق خالص للمقذوف، لأن
القذف جناية على عرضه، وعرضه حقه فالعقاب حقه.
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢)
- ١٥ -

تقسيم حق الشخص ( أو العبد ):
ينقسم حق الشخص الخاص باعتبار أنه صاحب الحق تقسيمين آتيين :
الأول - حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لا تقبل الإسقاط :
١ - الحق القابل للإسقاط: الأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل الإسقاط
بخلاف الأعيان، كحق القصاص وحق الشفعة وحق الخيار. وإسقاط الحق إما أن
یکون بعوض أو بغیر عوض .
٢ - الحق الذي لا يقبل الإسقاط: هناك حقوق لا تقبل الإسقاط على
سبيل الاستثناء من الأصل العام الذي ذكرناه وهي ما يأتي :
أ - الحقوق التي لم تثبت بعد: كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة
المستقبلة ، وإسقاط المشتري حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية، وإسقاط الوارث
حقه في الاعتراض على الوصية حال حياة الموصي، وإسقاط الشفيع (الشريك أو
الجار) حقه في الشفعة قبل البيع. كل هذا لا يسقط ؛ لأن الحق نفسه لم يوجد بعد .
ب - الحقوق المعتبرة شرعاً من الأوصاف الذاتية الملازمة للشخص : كإسقاط
الأب أو الجد حقهما في الولاية على الصغير، فإن الولاية وصف ذاتي لهما لا تسقط
بإسقاطهما . ومثلها عند أبي يوسف: ولاية الواقف على وقفه، تثبت له سواء شرطها
أو نفاها؛ لأنها أثر ملكه .
ج - الحقوق التي يترتب على إسقاطها تغيير للأحكام الشرعية كإسقاط المطلق
حقه في إرجاع زوجته، وإسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة، وإسقاط
الموصي حقه في الرجوع عن الوصية .
ومنها إسقاط مالك العين حقه في ملكها، لا يقبل الإسقاط ؛ لأن معنى إسقاط
حقه في ملكها إخراجها عن ملكه إلى غير مالك ، فتكون سائبة لا مالك لها، وقد
- ١٦ -

نهى الشرع عن السائبة التي كانت في الجاهلية بقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة
ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ... ﴾(١) [المائدة: ١٠٣]، فأصبح المبدأ المقرر:
((لا سائبة في الإسلام)». وعليه فإن العين في حكم الشرع لابد أن يثبت فيها وصف
الملك لأحد من الناس ، فإسقاط الملك حقه في ملكها يترتب عليه تغيير حكم الشرع
الثابت، وهذا باطل إذ ليس لأحد من الناس ولاية تغيير حكم الشرع المقرر.
د - الحقوق التي يتعلق بها حق الغير: كإسقاط الأم حقها في الحضانة، والمطلق
حقه في عدة مطلقته، والمسروق منه حقه في حد السارق ؛ لأن هذه الحقوق
مشتركة، وإذا كان للإنسان ولاية على إسقاط حقه، فليس له ولاية على إسقاط حق
غيره .
الثاني - حقوق تورث وحقوق لا تورث:
اتفق الفقهاء على وراثة الحقوق المقصود بها التوثق كحبس المرهون لوفاء
الدين، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن ، وحق الكفالة بالدين لأنها من الحقوق اللازمة
المؤكدة .
واتفقوا أيضاً على وراثة حقوق الارتفاق كحق الشرب والمرور؛ لأنها حقوق
تابعة للعقار ولازمة له .
5
وكذلك اتفقوا على إرث خيار التعيين والعيب؛ لأن البيع في خيار التعيين
لازم، والحق محصور في اختيار أحد الأشياء. والبيع تم في خيار العيب على أساس
سلامة المبيع من العيب، فيثبت ذلك الحق للورثة دفعاً للضرر والغبن .
واختلف الفقهاء في إرث خيار الشرط وخيار الرؤية وأجل الدين وحق الغانم
في الغنية بعد الإحراز، وقبل القسمة :
(١) البحيرة: هي الشاة التي تلد خمسة أبطن خامسها أنثى، والسائبة: الناقة التي تسيب لآلهتهم فترعى حيث
شاءت، ولا يأخذ لبنها إلا ضيف ولا يحمل عليها. والوصيلة: الناقة التي تلد ذكراً ثم أنثى، فيقولون: وصلت
أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم كما كان مقرراً عندهم من ذبح الذكر وإبقاء الأنثى لهم. والحام: الفحل الذي
يولد من ظهره عشرة أبطن (تفسير ابن كثير: ٢ / ١٠٧ وما بعدها).
- ١٧ -

فقال الحنفية : لا تورث الحقوق والمنافع ؛ لأن الإرث يجري في المال الموجود وهو
الأعيان، وهذه ليست أموالاً عندهم. أما الديون فما دامت في الذمة فليست مالاً لأنها
أوصاف شاغلة لها ، ولا يتصور قبضها حقيقة، وإنما يقبض ما يعادلها ، لكنها تورث
لأنها مال حكمي : أي شيء اعتباري يملكه الدائن ، وهو موجود في ثروة المدين
فالدين مال من حيث المآل.
وقال غير الحنفية: تورث الحقوق والمنافع والديون ؛ لأنها أموال، ولقوله عليه
السلام: ((من ترك مالاً أو حقاً فلورثته، ومن ترك كَلاً أو عيالاً فإلي)»(١).
التقسيم الثاني - باعتبار محل الحق
ينقسم الحق باعتبار محله المتعلق به إلى حق مالي وغير مالي، وإلى حق شخصي
وحق عيني ، وإلی حق مجرد وحق غیر مجرد .
١ - الحقوق المالية وغير المالية :
الحقوق المالية : هي التي تتعلق بالأموال ومنافعها أي التي يكون محلها المال أو
المنفعة، كحق البائع في الثمن ، والمشتري في المبيع ، وحق الشفعة ، وحقوق الارتفاق ،
وحق الخيار، وحق المستأجر في السكنی، ونحوها .
والحقوق غير المالية : هي التي تتعلق بغير المال مثل حق القصاص، وحق
الحرية بجميع أنواعها، وحق المرأة في الطلاق أو التفريق لعدم الإنفاق، أو بسبب
العيوب التناسلية أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو الحبس، وحق الحضانة، وحق
الولاية على النفس، ونحو ذلك من الحقوق السياسية والطبيعية .
(١) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة بلفظ: ((مامن مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة،
واقرؤوا إن شئتم: ﴿النِِّيُّ أُوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا،
ومن ترك ديْناً أو ضياعاً، فليأتني فأنا مولاه)» والضياع أي ذوي ضياع أي لاشيء لهم (نيل الأوطار: ٥٧/٦).
- ١٨ -

٢ - الحق الشخصي والحق العيني:
الحق الشخصي : هو ما يقره الشرع لشخص على آخر. ومحله إما أن يكون قياماً
بعمل كحق البائع في تسلم الثمن وحق المشتري في تسلم المبيع ، وحق الإنسان في الدین
وبدل المتلفات والمغصوبات، وحق الزوجة أو القريب في النفقة. وإما أن يكون
امتناعاً عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة .
وللحق الشخصي عناصر ثلاثة : هي صاحب الحق، ومحل الحق ، والمكلف أو
· المدين ، إلا أن العلاقة بين طرفي هذا الحق هي المتميزة أو البارزة، دون المحل وهو
المال .
والحق العيني: هو ما يقره الشرع لشخص على شيء معين بالذات. فالعلاقة
القائمة بين صاحب الحق وشيء مادي معين بذاته، والتي بموجبها يمارس المستحق
سلطة مباشرة على الشيء هي الحق العيني . مثل حق الملكية الذي به يستطيع المالك
ممارسة أكمل السلطات على ما يملكه: وهي التصرف بالشيء واستثماره واستعماله.
وحق الارتفاق المقرر لعقار على عقار معين كحق المرور أو المسيل أو تحميل الجذوع
على الجدار المجاور. وحق احتباس العين المرهونة لاستيفاء الدين .
وللحق العيني عنصران فقط هما : صاحب الحق، ومحل الحق .
خصائص الحق العيني والحق الشخصي :
يتميز كل من هذين الحقين بمميزات وخصائص أهمها ما يأتي :
١ - حق التتبع لصاحب الحق العيني دون الشخصي: لصاحب الحق العيني تتبع
الشيء الذي تعلق به حقه في أي يد وجدت فيها العين مهما تغير واضع اليد عليها .
فلو غصب شخص شيئاً ثم باعه أو غصب منه وتداولته الأيدي، جازلمالکە رفع
الدعوى على الحائز الأخیر صاحب اليد .
- ١٩ -

أما الحق الشخصي: فلا يطالب به إلا المكلف به أصالة وهو المدين أو نيابة وهو
الكفيل أو المحال عليه .
وسبب التفرقة أن الحق العيني متعلق بعين معينة لا بذمة شخصية، والعين
يمكن انتقالها من يد إلى أخرى. أما الحق الشخصي فمتعلق بذمة المكلف أو المدين ، فلا
يسأل عنه غيره إلا بإرادته كما في الكفالة والحوالة .
٢ - حق الامتياز أو الأفضلية لصاحب الحق العيني: يكون لصاحب الحق
العيني حق الأولوية أو الامتياز على سائر الدائنين العاديين إذا كان دينه موثقاً
برهن .
أما صاحب الحق الشخصي فليس له حق الامتياز إلا استثناء في أحوال معينة
كحالة التهمة أو الشك ، فتقدم ديون الصحة على ديون المرض، وحالة الضرورة ،
فتقدم نفقات التكفين والتجهيز على بقية الحقوق المتعلقة بالتركة ويقدم دين النفقة
للزوجة والأولاد الصغار على الديون العادية ، وحالة رعاية المصلحة العامة فتقدم
دیون الحكومة علی دیون الناس العادية .
٣ - سقوط الحق العيني بهلاك محله: إذا هلك محل الحق العيني سقط الحق وبطل
العقد . فإذا هلك المبيع في يد البائع قبل قبض المشتري له بطل العقد ، وسقط حق
المشتري في تسلم المبيع . وإذا احترقت الدار المؤجرة بطل عقد الإجارة، وسقط حق
المستأجر في الانتفاع بها .
أما إذا هلك محل الحق الشخصي فلا يسقط الحق ولا يبطل العقد، فإذا هلكت
أموال المدين ، فلا يسقط حق الدائن بالدين ؛ لأن الدين متعلق بالذمة لابمال
معين . وإذا هلك الشيء المسلم فيه في عقد السلم وجب على البائع (المسلَم إليه) تسليم
غيره .
- ٢٠ -