Indexed OCR Text

Pages 681-700

الأول : ماليس له دم أصلاً ، كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود
والزنبور والعنكبوت والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها ،
لا يحل أكلها إلا الجراد خاصة ؛ لأنها من الخبائث غير المستطابة ، لاستبعاد
الطباع السليمة إياها ، وقد قال الله تعالى: ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ).
لكن الجراد وشبهه الجندُب ( نوع من الجراد تسميه العامة القبُّوط ) خص من
هذه الجملة بالحديث السابق: ((أحلت لنا ميتتان )) والميتتان : السمك والجراد .
واشترط المالكية تذكية الجراد أو موته بسبب ، بقطع عضو منه أو احراقه أو
جعله في الماء الحار ، کما بينا في أنواع التذکیة ؛ لأن کل حيوان بري ليس له دم
سائل يفتقر عندهم إلى الذكاة. ويكره عند الحنابلة بلع الجراد حياً؛ لأن فيه
تعذيباً له ، كما يحرم عندهم بلع السمك حياً(١) .
الثاني : ماليس له دم سائل : كالحية والوَزَغ بأنواعها، وسام أبرص(٢)،
وجميع الحشرات ، وهوام الأرض من الفأر والقُرَاد ( دويبة تتعلق بالبعير ونحوه
كالقمل للإنسان ) والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس والدود ونحوها ، يحرم
أكلها، لاستخبائها، ولأنها ذوات سموم ولأنه معَ ◌ّ أمر بقتلها(٣)، قال الاتٍّ:
(( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية(٤) والغراب الأبقع والفأرة والكلب
العقور، والحديا)) وفي رواية ((العقرب)) بدل ((الغراب)) (٥) .
(١) البدائع: ٣٦/٥، بداية المجتهد: ٤٢٥/١، ٤٥٦، القوانين الفقهية: ص١٨١، مغني المحتاج: ٣٠٣/٤،
المغني: ٥٧٣/٨، ٥٨٥، ٥٩٠، كشاف القناع: ٢٠٢/٦.
(٢) نوع من الزحافات كجسم الضفدع ، لكن له ذيل . وسام أبرص : هو كبار الوزغ .
(٣) البدائع: ٣٦/٥، بداية المجتهد: ٤٥٤/١، مغني المحتاج: ٢٩٩/٤، ٣٠٣، المغني: ٥٨٥/٨، ٦٠٣ ، القوانين
الفقهية : ص١٧٢ .
(٤) قال في كتاب الجواهر عند المالكية : يحكي المخالفون عن المذهب جواز أكل الحيوانات المستقذرة كالحشرات
وهوام الأرض ، والمذهب بخلاف ذلك . وحرمها الشافعي لأنها خبائث ( القوانين الفقهية: ص١٧٢ ).
(٥) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة . والرواية الأخيرة عند أبي داود .
- ٦٨١ -

وحرم الحنفية وفي قول عند المالكية الضب ، لأنه مع قّ نهى عائشة حين
سألته عن أكله(١) .
وأباح الجمهور غير الحنفية أكل الضب ، لإقراره عليه الصلاة والسلام أكل
الضب بين يديه ، لما روى ابن عباس أنه أقر خالد بن الوليد على أكله أمامه وهو
ينظر إليه، وقوله عليه الصلاة السلام: (( لا - أي ليس حراما - ولكنه لم يكن
بأرض قومي ، فأجدني أعافه))(٢). وأباح المالكية أكل الحلزون إذا سلق أو شوي ،
لا ما مات وحده .
وأجاز الشافعية أكل القُنْفذ وابن عِرْس والثعلب واليَرْبوع والفَنَك
والسَّور(٣) ؛ لأن العرب تستطيب ذلك ، وما كانت العرب ( أي أهل الحجار)
تسميه طيباً فهو حلال ، وما كانت تسميه خبيثاً ، فهو محرم ، لقول الله تعالى :
﴿ ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ) .
الثالث: ماله دم سائل : وهو إما مستأنس، أو متوحش.
أما المستأنس من البهائم : فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم
بالإجماع ، لقوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ، ومنها تأكلون )
﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها، ومنها تأكلون﴾ ﴿أحلت لكم بهيمة
الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ واسم الأنعام يقع على هذه الحيوانات لغة .
ويحرم أكل البغال والخمير ، ويحل لحم الخيل ، لكن مع الكراهة تنزيهاً عند
(١) قال الزيلعي عنه: غريب. وروى أبو داود أن النبي مَّلُ نهى عن أكل لحم الضب ، لكن في اسناده مقال
( نصب الراية : ١٩٥/٤ ) والضب : حيوان من الزحافات شبيه بالحردون ذنبه كبير العقد .
(٢) أخرجه أحمد والأئمة الستة إلا الترمذي ( جمع الفوائد لابن سليمان الروداني: ٥٥٠/١ ).
(٣) الفنك : حيوان يؤخذ من جلده الفرو للينه وخفته . والسمور: حيوان يشبه السنور ( الهر) وهما نوعان
من ثعالب الترك .
- ٦٨٢ -

أبي حنيفة(١)، لحديث جابر: ((نهى رسول الله ◌ُ الّ يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل))(٢) والبغال متولدة من الخمير، والمتولد من الشيء
له حكمه في التحريم . وهكذا يحرم عند الشافعية خلافاً للحنفية والحنابلة كل
ما تولد من بين الأنسي والوحشي ، تغليباً للتحريم . والآخرون قالوا: تغلب
الإباحة لأنها الأصل ، وعموم النصوص يقتضيها .
والسبب في كراهة لحم الخيل عند أبي حنيفة : هو استخدامها للركوب
والجهاد ، ولاختلاف الأحاديث المروية في حلها وتحريمها ، فتكره احتياطاً
للحرمة(٢) . والمشهور عند المالكية تحريم الخيل.
ويحل بالتذكية بالإجماع : المستأنس من الطير الذي لا مخلب له ، كالدجاج
والحمام والنعامة والبط والإوز .
ويحرم المستأنس من السباع: وهو الكلب والسنور الأهلي ( الهر)(٤) .
وأما المتوحش : فيحرم عند الجمهور غير مالك أکل کل ذي ناب منه من
السباع ، وكل ذي مخلب من الطير لأنها تأكل الجيف أي الميتات . وذو الناب من
(١) البدائع: ٣٧/٥ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٥٥/١، الشرح الكبير: ٤٩/١، القوانين الفقهية: ص١٧٢،
مغني المحتاج : ٢٩٨/٤ ومابعدها ، المغني : ٥٨٦/٨ ومابعدها .
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين ، قال ابن عبد البر: وروى عن النبي معظم تحريم الحمر الأهلية علي وعبد
الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء ، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح
حسان ، وحديث غالب بن الحر لا يعرج على مثله مع ما عارضه ( نصب الراية : ١٩٨/٤ ، المغني : ٥٨٧/٨).
(٣) ثبت في الصحيحين عن أسماء رضي الله عنها، قالت: ((نحرنا فرساً على عهد رسول الله معطفلٍ، وأكلناه ،
ونحن بالمدينة )) وأما خبر خالد في النهي عن أكل لحوم الخيل ، فقال الإمام أحمد وغيره : منكر، وقال أبو داود :
منسوخ. والاستدلال على التحريم بآية ((لتركبوها وزينة)) مردود، كما ذكر البيهقي وغيره ، لأن الآية مكية
بالاتفاق ، ولحوم الحمر انما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق .
(٤) البدائع : ٣٩/٥ ، مغني المحتاج: ٣٠٠/٤، ٣٠٢، المغني: ٥٩٢/٨، القوانين الفقهية: ص١٧٢ ، المهذب :
٢٤٨/١ وما بعدها .
- ٦٨٣ -

سباع الوحش : مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد ، والثعلب ، والسنور
البري ، والسنجاب ، والفنك ، والسمور، والدب ، والقرد والفيل، والدَّلَق (١).
وابن آوى ( فوق الثعلب ودون الكلب طويل المخلب ) .
وذو المخلب من الطير: كالبازي والباشق ، والصقر، والشاهين والحدأة
والبومة والنعَّاب ( فرخ الغراب لكثرة نعبه ) وغراب البين ( وهو أكبر الغربان
والأبقع ) والرَّخْم (طير يشبه النسر في الخلقة) والنسر والعقاب، والخُطَّاف
( هو عرفاً طائر أسود الظهر أبيض البطن ، يأوي إلى البيوت في الربيع ، وهو
السنونو) والخُفَّاش ( أي الوطواط، وهو طائر صغير لا ريش له ، يشبه الفأرة ،
يطير بين المغرب والعشاء ) ، وما أشبه ذلك(٢).
وحرم الشافعية أكل الببَّغاء والطاووس لخبث لحمهما ، كما حرموا أكل الهدهد
والصُّرَد (وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير ) وعند الحنابلة في الهدهد
والصرد : روايتان عن أحمد ، إحداهما : أنها حلال لأنهما ليسا من ذوات المخلب
ولا يستخبثان ، والثانية: تحريمهما لنهي النبي ◌َ ◌ّ عن قتل الهدهد والصرد ،
والنملة والنحلة . والدليل على تحريم ذي الناب والخلب ؛ أنه څے يوم خيبر (نهى
عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير))(٣) .
وروي عن مالك القول بأن السباع ذوات الأربع مكروهة وهو الراجح
لديه ، وقيل : جميعها محرمة ، وذهب أصحابه إلى التحريم . وأما الطير فهو
(١) الدلق: حيوان يقرب من السنور في الحجم ، وهو أصفر اللون ، بطنه وعنقه مائلان إلى البياض .
(٢) البدائع : ٣٩/٥، تكملة الفتح: ٦١/٨ ومابعدها، بداية المجتهد: ٤٥٣/١ ومابعدها ، القوانين الفقهية:
ص١٧٢ ، مغني المحتاج: ٣٠٠/٤، المهذب: ٢٤٧/١ ومابعدها، المغني: ٥٨٧/٨ - ٥٩٣، ٦٠٣، اللباب: ٢٢٩/٣
ومابعدها .
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس ، وروي مثله عن علي وخالد بن الوليد ( نصب الراية :
١٩٢/٤ ومابعدها ، نيل الأوطار : ١١٦/٨).
- ٦٨٤ -

حلال عند المالكية سواء ذو المخلب وغيره ، عملاً بظاهر الآية : ﴿ قل : لا أجد
فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه﴾ فما عدا المذكور في هذه الآية حلال .
ويحمل النهي المذكور في الحديث على الكراهية .
وقيد الشافعية تحريم ذي الناب بكونه ضارياً ( عادِياً ) ذا ناب قوي ، وذي
المخلب بكونه قوياً يجرح به ، فأباحوا كل ما نابه ضعيف كالضبع والثعلب
والفنك والسمور واليربوع . والأصح عندهم حل غراب زرع ( وهو أسود صغير
يقال له : الزاغ ) ؛ لأنه يأكل الزرع .
ورخص الحنابلة أيضا في أكل الضبع، لما روى جابر، قال: ((أمرنا رسول
الله ◌ُ تعٍ بأكل الضبع، قلت: صيد هي؟ قال: نعم)) وفي لفظ قال: (( سألت
رسول الله صلّ عن الضبع، فقال : هو صيد ، ويجعل فيه كبش إذا صاده
المحرم)) (١) ورويت الرخصة فيه عن سعد وابن عمر ، وأبي هريرة ، وعروة بن
الزبير ، وعكرمة واسحاق ، وقال عروة : ما زالت العرب تأكل الضبع ، ولا ترى
بأكلها بأسا . ورخص أحمد أيضا في أكل اليربوع ؛ لأن الأصل الاباحة مالم يرد
فیه تحريم .
وما عدا كل ذي ناب أو مخلب من الوحوش ، يحل أكله ، كالظباء وبقر
الوحش ، وحمار الوحش على اختلاف أنواعها كالوعل والمها وغيرها ؛ لأنها كالمعز
الأهلية ، ومن الطيبات ، ولما ثبت في الصحيحين أنه مُ ◌ّ قال في حمار الوحش:
((كلوا من لحمه ، وأكل منه )) .
ويباح أكل الأرنب لأنه حيوان مستطاب ، ليس بذي ناب كالظبي ، وقد
(١) رواه أبو داود ( نيل الأوطار: ١٢١/٨).
- ٦٨٥ -

أباح النبي مؤلفل أكله(١).
ويباح أيضا أكل كل مالا مخلب له من الطير المتوحش كالحمام بأنواعه ،
والحبارى ( طائر أكبر من الدجاج وأطول عنقاً) والعصافير والكركي ( وهو طائر
كبير معروف ، كنيته أبو نعيم ، يمشي برجل واحدة على الأرض ، ويعلق
الأخرى ) والغراب (٣) الذي يأكل الزرع والحب ( وهو المعروف بالزاغ ) ، وكل
ما على شكل العصفور، وان اختلف لونه ونوعه كعندليب ( وهو الهزار ) وصَعْوة
( صغار العصافير، المحمرة الرأس ) وزرزور (عصفور صغير أحمر الأنف ) ،
وبُلبل ، وحُمّرة .
وأحل الحنفية في الأصح أكل العقعق ( ويقال له القعقع وهو القاق : وهو
طائر ذو لونين أبيض وأسود ، طويل الذنب ، قصير الجناح ، عيناه يشبهان
الزئبق ، صوته العقعقة، كانت العرب تتشاءم بصوته ) لأنه يخلط بين أكل الحب
والجيف . وحرم الشافعية أكله ، وأكل الغدَّف الكبير ( ويسمى الغراب الجبلي ،
لأنه لا يسكن إلا الجبال ) لخبثهما . واختلف الشافعية في الغداف الصغير (وهو
أسود رمادي اللون ) : فقيل : يحرم ، وقيل بحله وهو الظاهر، لأنه يأكل
الزرع .
وحرم الحنابلة أيضا أكل العقعق ، لأنه يأكل الجيف . قال أحمد : ان لم يكن
يأكل الجيف ، فلابأس به .
(١) عن محمد بن صفوان: ((أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين، فأتى رسول الله متر، فأمره بأكلها )) رواه أحمد
والنسائي وابن ماجه . وروى الجماعة عن أنس أنه أمسك أرنبا بمّ الظهران ، فذبحها أبو طلحة وبعث مع أنس بوركها
( أو عجزها) إلى رسول الله ◌َ المُ، فقبله (نيل الأوطار: ١٢١/٨).
(٢) جاء في العناية عند الحنفية: الغراب ثلاثة أنواع: نوع يلتقط الحب ولا يأكل الجيف وهو الزاغ: يباح
ولا يكره . ونوع لا يأكل إلا الجيف ، وهو الأبقع ، وإنه مكروه . ونوع يخلط ، يبأكل الحب مرة ، والجيف أخرى .
وهو غير مكروه عند أبي حنيفة ، مكروه عند أبي يوسف .
- ٦٨٦ -

النوع الثالث - الحيوان البرمائي :
وهو الذي يعيش في البر والماء معا ، كالضفدع والسلحفاة والسرطان ،
والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها . وفيه آراء ثلاثة :
١ - قال الحنفية والشافعية(١): لا يحل أكلها ؛ لأنها من الخبائث ، وللسمية
في الحية، ولأن ((النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن قتل الضفدع))(٢) ولو حل أكله، لم ينه عن
قتله .
٢ - وقال المالكية(٢): يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات
والسلحفاة ، إذ لم يرد نص في تحريمها . وتحريم الخبائث : هو ما نص عليه
الشرع ، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص .
٣ - وفصل الحنابلة فقالوا(٤): كل ما يعيش في البر من دواب البحر،
لا يحل بغير ذكاة كطير الماء ، والسلحفاة ، وكلب الماء ، إلا مالا دم فيه
كالسرطان، فإنه يباح في رأي أحمد بغير زكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر،
وليس له دم سائل، فلا حاجة إلى ذبحه، خلافاً لما له دم، لا يباح بغير ذبح. والأصح
كما في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي (٢١٤/٩): أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة.
ولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ - فيما رواه النسائي - نهى عن
قتله ، فيدل ذلك على تحريمه .
كما لا يباح أكل التمساح .
(١) اللباب شرح الكتاب: ٢٣٠/٣، تكملة الفتح: ٦٢/٨ وما بعدها، مغني المحتاج : ٢٩٨/٤ ، المهذب :
٢٥٠/١ .
(٢) أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي والحاكم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي
( نصب الراية : ٢٠١/٤ ) .
(٣) بداية المجتهد : ٦٥٦/١ ، القوانين الفقهية: ص١٧٢ .
(٤) المغني: ٦٠٦/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٢٠٢/٦.
- ٦٨٧ -

ملحق - حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث :
لا مانع من استخدام وسائل تضعف من مقاومة الحيوان ، دون تعذيب
له(١) ، وبناء عليه: يحل في الإسلام استعمال طرق التخدير المستحدثة غير المميتة
قبل الذبح ، مثل استعمال ثاني أكسيد الفحم ، إذا ذبح الحيوان ، وكان الغالب
على الظن وجود الحياة الطبيعية فيه عند ذبحه ، لأنه لا يترتب عليه إيلام
الحيوان ، ويحرم الصرع بمسدس ، أو بمثقل كخشب وقدوم وعصا ، أو تيار
كهربائي ونحوها من كل مخدر غير ضار، لما فيها من تعذيب الحيوان المنهي عنه
شرعاً . ولكن استعمال ما ذكر لا يمنع من أكل الحيوان بعد ذبحه ، إذا ظل حياً
حياة مستقرة ، وإن كان سيموت بعد مدة لو ترك بغير ذبح ، ولو بعد استعمال
هذه الوسائل التي يراد منها تسهيل عملية الذبح . وأما اتلاف الجملة العصبية في
المخ بالضرب ، فيمنع من اباحة الأكل عند المالكية ؛ لأن الحيوان يصبح منفوذ
المقاتل ، ومن المقاتل انتشار أو نثر الدماغ ، لكن إذا كانت حياته محققة يؤكل
عندهم . ويؤكل المذكور عند الشافعية والحنابلة إذا ذبح الحيوان وكان فيه حياة
مستقرة أي حركة اختيارية يدل عليها انفجار الدم ، أو الحركة الشديدة .
كذلك يؤكل عند الحنفية إذا أسرع الذابح بقطع العروق . ويتم الذبح الآن في
المسالخ عادة بالآلات الحادة السريعة القطع . وقد نقل لنا أن عملية الذبح تعقب
عملية التخدير أو الصرع بثوان معدودات .
٠
ولا مانع من الذبح من القفا عند غير المالكية ، ولكن مع الكراهة ، لما فيه
من تعذيب الحيوان .
ولا يجوز أكل الحيوان إذا نزف دمه بآلة ، ثم ذبح قبل معرفة الحياة الطبيعية
عنده .
(١) انظر فتوانا المنشورة في مجلة حضارة الإسلام بدمشق - السنة الثامنة، العدد الخامس: ص٦٢ وما بعدها .
- ٦٨٨ -

وقد بينا سابقاً أنه لا مانع من أكل الذبائح المستوردة من البلاد النصرانية ،
حتى وإن لم يسم عليها ، بشرط كونها مذبوحة لا مخنوقة ، ولا ممزوعة الرقبة .
ولا تحل اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية أو اللادينية كاليابان والهند والدول
الشيوعية . ويكبر على ذبيحة النصراني أخذاً بمذهب المالكية في حل الأكل مع
الكراهة من ذبائح أهل الكتاب إن سموا غير اسم الله . لكن الشافعية والشيعة
يتشددون في مثل هذه اللحوم ، فلا يبيحونها في الواقع العملي .
وأما الطالب الذي يدرس في البلاد الشيوعية ، فيجب عليه الامتناع من
تناول الطعام المشتمل على اللحوم ، ويكتفي بأكل أغذية النباتات والخضار ، أو
يستعين بالمعلبات من اللحوم المستوردة من أوربا مثلاً . ولا يحل بحال أكل تلك
اللحوم الممنوعة ، وبخاصة الخنزير في أي بلد ، حتى مع ادعاء وجود الضرورة ؛
لأن معنى الضرورة لا يتوفر حينئذ، إذ يمكن الحفاظ على النفس من الهلاك ،
بتناول أطعمة غير ممنوعة شرعاً .
الله تعالى
- ٦٨٩ -
الفقه الإسلامي جـ٣ (٤٤)

الفصل الثاني
الصيد
وفيه مباحث أربعة :
المبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته .
المبحث الثاني - شروط إباحة الصيد .
المبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان .
المبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد ؟
عالى
- ٦٩٠ -
٠

المبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته :
تعريف الصيد : الصيد أو الاصطياد لغة: مصدر ((صاد)) أي أخذ ، فهو
صائد ، وذاك مصيد ، ويسمى المصيد صيداً ، ويجمع على صيود . والمصيد : هو
كل حيوان متوحش طبعاً ، ممتنع عن الآدمي ، مأكولاً كان أو غير مأكول ،
لا يمكن أخذه إلا بحيلة . والصيد : اقتناص حيوان حلال متوحش ، طبعاً غير
مملوك ، ولا مقدور عليه (١).
حكم الصيد : الاصطياد مباح لقاصده اجماعاً في غير حرم مكة وحرم
المدينة ، لغير المحرم بحج أو عمرة . ويؤكل المصيد إن كان مأكولا شرعاً(٢) لقوله
تعالى: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ أمر بعد حظر، فيفيد الإباحة . ولقوله
سبحانه : ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ ﴿قل: أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح
S
مكلبين ﴾ .
وثبت في السنة أن النبي وظائفّ قال لعدي بن حاتم: ((إن أرسلت كلبك ،
وسميت ، فأخذ ، فقتل ، فكل ، وإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على
(٣)
نفسه)) (٣).
وعن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله مَ اهتم ، فرأى حماراً وحشياً ، فاستوى
(١) تبيين الحقائق: ٥٠/٦، اللباب: ٢١٧/٣، كشاف القناع: ٢١١/٦ .
(٢) تبيين الحقائق: ٥٠/٦، المغني: ٥٣٩/٨، ٥٥١ وما بعدها، الدر المختار: ٣٢٨/٥.
(٣) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار: ١٣٤/٨، تلخيص الحبير: ١٣٣/٤ وما بعدها ) .
- ٦٩١ -

على فرسه ، وأخذ رمحه ، ثم شد على الحمار، فقتله ، فلما أدركوا رسول الله معت العٍ ،
سألوه عن ذلك، فقال: ((هي طُعْمة، أطعمكموها الله)) (١) .
وعن أبي ثعلبة الخشني ، أن النبي ماثم قال: « ما صدت بقوسك ، فذكرت
اسم الله عليه ، فكل ، وما صدت بكلبك المعلم ، فذكرت اسم الله عليه ، فكل ،
وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته ، فكل))(٢) . وأجمع العلماء على
إباحة الاصطياد ، والأكل من الصيد .
ويكره الصيد لهواً، لأنه عبث لقوله عليه السلام: (( لا تتخذوا شيئاً فيه
الروح غرضا))(٢) أي هدفاً («من قتل عصفوراً عبثاً، عج إلى الله يوم القيامة
يقول : يا رب ، ان فلاناً قتلني عبثاً ، ولم يقتلني منفعة))(٤) . وهو حرام ان كان
فيه ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم ؛ لأن الوسائل لها أحكام
المقاصد(٥) .
والصيد أفضل مأكول ؛ لأنه حلال لا شبهة فيه ، كما أن الزراعة أفضل
مكتسب ؛ لأنها أقرب إلى التوكل من غيرها ، وأقرب للحل ، وفيها عمل اليد ،
والنفع العام للإنسان والحيوان(٦).
5
ومما يؤكد مشروعية الصيد : أنه نوع اكتساب ، وانتفاع بما هو مخلوق
للإنسان ، ليتمكن من البقاء ، وتنفيذ التكاليف الشرعية .
(١) متفق عليه .
(٢) متفق عليه ( نيل الأوطار: ١٣٠/٨).
(٣) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس .
(٤) رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه ( نيل الأوطار: ١٣٧/٨
وما بعدها ) .
(٥) كشاف القناع : ٢١١/٦ .
(٦) المرجع السابق .
- ٦٩٢ -

هذا وقد قسم المالكية(١) أحكام الصيد خمسة أقسام :
مباح للمعاش ، ومندوب التوسعة على العيال ، وواجب لإحياء النفس عند
الضرورة ، ومكروه للهو، وحرام إذا كان عبثاً لغير نية ، للنهي عن تعذيب
الحيوان لغير فائدة .
المبحث الثاني - شروط إباحة الصيد :
يشترط لإباحة الصيد خمسة عشر شرطاً عند الحنفية(٢) ، وستة عشر شرطاً
عند المالكية (٣)، وأجملها الشافعية والحنابلة(٤) في شروط سبعة .
وهذه الشروط هي في الصائد ، وفي آلة الصيد ، وفي المصيد .
ويلاحظ أن مجموع هذه الشروط هو لحالة ما يحل أكله ولم يدركه حياً ،
فإن أدركه حياً وجب ذبحه ، وهي شروط في صيد البر ، أما صيد البحر فيجوز
مطلقاً ، سواء صاده مسلم أو كافر على أي وجه كان .
المطلب الأول - شروط الصائد :
شروط الصائد خمسة عند الحنفية ، ستة أو سبعة عند المالكية وهي :
١ - أن يكون الصائد من أهل الذكاة أي ممن تقبل تذكيته شرعاً، كما بينا في
الذبائح وهذا شرط متفق عليه . فيجوز صيد المسلم اتفاقاً ، ولا يجوز صيد الوثني
والمرتد والمجوسي والباطني اتفاقاً ؛ لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة ، والجارحة آلة
(١) القوانين الفقهية: ص١٧٥، الشرح الكبير : ١٠٨/٢.
(٢) رد المحتار على الدر المختار: ٣٢٨/٥، تكملة الفتح: ١٧٤/٨، ١٨٠ وما بعدها .
(٣) القوانين الفقهية: ص١٧٥ - ١٧٨، الشرح الكبير: ١٠٣/٢ - ١٠٦، بداية المجتهد: ٤٤١/١ - ٤٤٨.
(٤) مغني المحتاج: ٢٦٦/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥٣/١ وما بعدها، المغني: ٥٣٩/٨ - ٥٤٥ ، كشاف القناع:
٢١٤/٦ _ ٠٢٢٥
- ٦٩٣ -

كالسكين ، وعقر الصائد الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج ، ولا يجوز صيد المجنون عند
الجمهور خلافا للشافعية ؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه . ويجوز
صيد الكتابي ( اليهودي والنصراني ) في المذاهب الأربعة ، لكن قيد الشافعية حل
اصطياده وذبحه بألا يعلم تهود آباء اليهودي بعد مجيء الإسلام الناسخ لليهودية ،
وبأن يعلم تنصر آباء النصراني قبل الإسلام . فإن كان أبو الكتابي مجوسياً وأمه
كتابية ، أو بالعكس ، فمالك يعتبر الوالد ، والشافعي يعتبر الأم ، وأبو حنيفة :
يعتبر أيها كان ممن تجوز تذكيته ، فالمتولد بين مشرك وكتابي ككتابي ؛ لأنه
أخف ؛ لأن الولد يتبع أخف الأبوين ضرراً . وأحمد : يعتبر المتولد من كتابي
ومشرك كولد مجوسية من كتابي مثل المشرك لا يؤكل صيده(١) .
٢ - ألا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده: وهذا شرط اتفاق أيضا.
ويمكن جعل الشرط الأول والثاني واحداً . ودليل هذا الشرط حديث عدي بن
حاتم الذي فيه: (( مالم يُشركها كلب ليس معها )) فهو يدل على أنه لا يحل أكل
ما شاركه كلب آخر في اصطياده .
فلو شارك مجوسي مسلماً في اصطياد أو ذبح ، أو اشتركا في إرسال كلبين أو
سهمين ، ولم يسبق كلب المسلم أو سهمه ، فجرحا المصيد ، أو جهل الجارح ، لم
يؤكل المصيد أو المذبوح ؛ لأنه اجتمع المبيح والمحرِّم ، فتغلب جهة المحرم احتياطاً ،
مما يدل على أن المبدأ في الأطعمة في المذاهب الأربعة هو تغليب التحريم(٢) .
ويطبق ذلك أيضا على حالة الاشتراك بين كلب معلم وغير معلم ، أو كلب لم يذكر
اسم الله تعالى عليه عمداً مع ما ذكر ، عند الجمهور مشترطي التسمية .
(١) القوانين الفقهية: ص١٧٦، الدر المختار ورد المختار: ٢١٠/٥، كشاف القناع: ٢١٥/٦.
(٢) اللباب: ٢١٩/٣ وما بعدها، الشرح الكبير: ١٠٥/٢، مغني المحتاج: ٢٦٦/٤، كشاف القناع: ٢١٥/٦،
المهذب : ٢٥٣/١.
- ٦٩٤ _

٣ - أن ينوي الاصطياد أو يوجد منه الإرسال ــ ارسال الجارحة على
الصيد ، وهو شرط متفق عليه ، فان استرسلت بنفسها ، فقتلت ، لم يبح ، لقول
النبي ◌َّ في حديث عدي بن حاتم المتقدم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت
اسم الله عليه ، فكل ما أمسك عليك )) ، ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة
الذبح ، ولهذا اعتبرت التسمية معه .
وان استرسل الجارح بنفسه ، فسمى صاحبه ، وزجره ، فزاد في عدوه ، أبيح
صيده عند الحنابلة والحنفية ؛ لأن الزجر مثل الإرسال ، ولا يباح عند المالكية ،
والشافعية في الأصح ، لاجتماع الإرسال بنفسه والاغراء ، فغلب جانب المنع(١) ،
والأول أرجح في تقديري .
٤ - ألا يترك التسمية عامداً ، وهذا شرط عند الجمهور ، وعند الشافعية ليس
بشرط ، والسنة أن يسمي الصائد الله تعالى عند الرمي أو إرسال الجارح ، كما
يسمي الذابح عند الذبح بأن يقول بسم الله، أو يضيف إليه: ((والله أكبر))،
للحديث السابق المذكور فيه التسمية . فإن ترك القانص التسمية عمداً لم يؤكل
المصيد عند الجمهور، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾
وقوله سبحانه: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه ﴾ . وإن ترك
التسمية سهواً يؤكل المصيد عند المالكية والحنفية ، ولا يؤكل عند الحنابلة(٢)
بعكس الذبيحة تؤكل عندهم في حال ترك التسمية سهواً ، لقول ابن عباس: (( من
نسي التسمية فلابأس )) . وروى سعيد بن منصور باسناده عن راشد بن ربيعة
قال: قال رسول الله مَ اللّ: ((ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم مالم يتعمد)).
وقوله تعالى : ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) محمول على ما تركت
(١) المغني: ٥٤١/٨ ومابعدها، الشرح الكبير: ١٠٤/٢، مغني المحتاج: ٢٧٦/٤، تكملة الفتح: ١٨١/٨.
(٢) المغني : ٥٤٠/٨ ، ٥٦٥ .
- ٦٩٥ -

تسميته عمداً بدليل قوله: ﴿ وإنه لفسق ) والأكل مما نسيت التسمية عليه ، ليس
بفسق .
وتختلف الذبيحة عن الصيد عند الحنابلة ؛ لأن ذبح الصيد في غير محل ،
فاعتبرت التسمية تقوية له ، والذبيحة بخلاف ذلك ، ويرشد إلى وجوب التسمية
مطلقاً حديث عدي بن حاتم قال: (( قلت : يا رسول الله ، إني أرسل كلبي ،
وأسمي ، قال : ان أرسلت كلبك ، وسميت ، فأخذ ، فقتل ، فكل ، وإن أكل
منه ، فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه . قلت : إني أرسل كلبي ، أجد معه كلباً
آخر ، لا أدري أيهما آخذه ؟ قال : فلا تأكل ، فإنما سميت على كلبك ، ولم تسم
علی غیره )»(١) .
وقال الشافعية(٢) : يباح أكل متروك التسمية عمداً أو سهواً ، في الصيد
والذبائح، لقول النبي ◌َ ◌ّ: (( المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم))(٣) وعن
أبي هريرة رضي الله عنه ((أن النبي ◌ُ ◌ّ سئل، فقيل: أرأيت الرجل منا
يذبح ، وينسى أن يسمي الله ؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم))(٤) .
وأما النهي في قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وانه
الفسق ﴾ فمقيد بحال كون الذبح فسقاً ، والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله بما
(١) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار: ١٣٤/٨).
(٢) مغني المحتاج : ٢٧٢/٤ .
(٣) قال عنه الزيلعي : غريب بهذا اللفظ . وفي معناه أحاديث منها حديث ابن عباس عند الدارقطني لكن
في اسناده كلام ، والصحيح عند ابن حبان انه موقوف على ابن عباس . وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس موقوفا .
( نصب الراية : ١٨٢/٤ ) .
(٤) أخرجه الدارقطني أيضا ، وفيه ضعيف . وعند أبي داود حديث مرسل عن الصلت السدوسي ، بلفظ
((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر)). ولأحمد رواية مثل حديث أبي هريرة (نصب الراية: ١٨٣/٤ ،
المغني : ٥٤٠/٨ ) .
- ٦٩٦ -

أهل لغير الله به ؛ لأن جملة ﴿وإنه لفسق ) لا تصلح أن تكون معطوفا ،
للتباين بين الجملتين ، إذ الأولى : فعلية انشائية ، والثانية : اسمية خبرية ، فتعين
أن تكون حالية .
وأما الأحاديث المطالبة بالتسمية في خبر أبي ثعلبة وعدي بن حاتم ونحوهما ،
فمحمولة على الندب .
٥ - ألا يشتغل الصائد بين الإرسال وأخذ المصيد بعمل آخر . وعبر المالكية
عن ذلك بقولهم : أن يتبع الصائد الصيد عند الإرسال أو الرمي .
والسبب في اشتراط هذا الشرط : أن الصائد مطالب بملاحقة المصيد ،
ليذبحه ان أدركه حياً فيه روح ، فإن قصر في ذلك ، ومات ولم يذكه ، لم يؤكل ،
لأنه قدر على الذكاة الاختيارية ، فلا تجزئ الذكاة الاضطرارية لعدم الضرورة .
وللفقهاء آراء في إدراك المصيد ، قال الحنفية(١) : ان أدرك المصيد ، وكان
فيه فوق حياة المذبوح ، بأن يعيش مدة كاليوم أو نصفه ، فوق ما يعيش
المذبوح ، وترك التذكية ، حتى مات ، لم يؤكل ؛ لأنه مقدور على ذبحه ، ولم
يذبح ، فصار كالميتة ، والله تعالى يقول: ﴿إلا ما ذكيتم) ولقوله عليه الصلاة
والسلام لعدي: (( إذا أرسلت كلبك ، فاذكر اسم الله عليه ، وإن أمسك عليك ،
فأدركته حياً ، فاذبحه )) .
أما لو أدرك به حياة مثل حياة المذبوح ، فلا تلزم تذكيته ، لأنه ميت
حكماً ، ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة ، لا يحرم ، كما لو وقع وهو ميت .
ولو أدرك الصيد حياً حياة فوق ما يكون في المذبوح ، ولم يتمكن من ذبحه لفقد
(١) تكملة الفتح: ١٧٨/٨ وما بعدها، اللباب: ٢١٩/٣، تبيين الحقائق: ٥٣/٦، الدر المختار: ٣٣٤/٥.
- ٦٩٧ -

١
آلة ، أو ضيق الوقت ، لم يؤكل في ظاهر الرواية ، وفي رواية أخرى عن أئمة
الحنفية الثلاثة : إنه يؤكل استحسانا ، وقيل : هذا أصح .
أما إن لم يتمكن من ذبحه ، لعدم قدرته عليه ، أي عدم ثبوت يده عليه ،
فمات ، أكل ؛ لأن اليد لم تثبت عليه ، ولم يوجد منه التمكن من الذبح .
وقال المالكية(١) : إن رجع الصائد بعد الإرسال أو الرمي، ثم أدرك المصيد
غير منفوذ المقاتل ، ذكاه . وإن لم يدركه إلا منفوذ المقاتل ، لم يؤكل ، إلا أن
يتحقق أن مقاتله أنفذت بالمصيد به .
وقال الشافعية والحنابلة(٢): ان كانت حياة المصيد كحياة المذبوح ، ليس
فيه حياة مستقرة ، بأن شق جوفه وخرجت الحشوة ، أو أصاب العقر من الكلب
مقتلاً ، يباح من غير ذبح ، باتفاق المذاهب ؛ لأن الذكاة في مثل هذا لا تفيد
شيئاً ، لكن المستحب عند الشافعية أن يمر السكين على الحلق ليريحه ، وان لم
يفعل حتى مات ، حل ؛ لأن عقر الكلب المرسل عليه ، قد ذبحه ، وبقيت فيه
حركة المذبوح . وإن كانت فيه حياة مستقرة أدركها الصائد فينظر في الأمر :
أ - إن تعذر ذبحه ، بلا تقصير من الصائد ، حل أكله ، كأن سل السكين على
الصيد ، أو ضاق الزمان فلم يتسع الوقت لذكاته ، حتى مات ، أو مشى له على
هينته ولم يأته عدواً ، أو اشتغل بتوجيهه للقبلة أو بطلب المذبح ( مكان
الذبح ) ، أو بتناول السکین ، أو منع منه سبع ، فمات قبل إمكانه الذبح ، أو
امتنع منه بقوته ، ومات قبل القدرة عليه ، فيحل في الجميع كما لو مات ، ولم
يدرك حياته .
(١) القوانين الفقهية: ص١٧٦.
(٢) مغني المحتاج : ٢٦٩/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥٤/١، المغني: ٥٤٧/٨ وما بعدها ، كشاف القناع: ٢١٤/٦
وما بعدها .
- ٦٩٨ -

ب - وان مات لتقصيره ، بأن لا يكون معه سكين ، أو لم تكن محددة ، أو.
ذبح بظهرها خطأ ، أو أخذها منه غاصب ، أو نشبت في الغمد ( أي عسر
إخراجها بأن تعلقت في الغلاف ) ، حرم الصيد ، للتقصير ، لحديث أبي ثعلبة
الخشني المتقدم أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قال: (( مارد عليك كلبك المكلب ، وذكرت اسم الله
عليه ، وأدركت ذكاته ، فذكه ، وكل ، وإن لم تدرك ذكاته ، فلا تأكل .. )) .
٦ - ألا يكون الصائد في صيد البر محرماً بحج أو عمرة ، أما صيد البحر
فحلال للمحرم لقوله تعالى : ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ، متاعاً لكم
وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ . وفي حديث صحيح :
((صيد البر لكم حلال - وأنتم حرم - مالم تصيدوه أو يُصَد لكم))(١) وحكمة التفرقة
بين نوعي الصيد كما ورد في الآية هو توفير زاد للمسافرين والنائين عن البحر ،
ولأن صيد البر ترفه يتطلب مشقة ومطاردة تصرف المحرم عما فيه من عبادة .
٧ - أن يرى الصائد الصيد ويعينه أو يحس به ، ويرسل كلبه المعلم على
صيد ، وهذا شرط ذكره المالكية والشافعية والحنابلة(٢)، ويمكن عده مع الشرط
الثالث .
فلو علم الصائد بالصيد ، ولو كان أعمى ، فأرسل كلبه أو بازه المعلم ، فقتل
المصيد ، فإنه يؤكل ، ويصح صيد الأعمى عند المالكية والحنابلة . أما لو أرسله
على صيد ، وهو لا يرى شيئاً ، ولا يحس به ، فأصاب صيداً ، لم يبح في قول
أكثر أهل العلم ؛ لأنه لم يرسله على الصيد ، وإنما استرسل بنفسه .
وكذلك إن رمى سهاً لاختبار قوته أو إلى غرض ، فأصاب صيداً ، أو رمى
(١) رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث جابر.
(٢) الشرح الكبير: ١٠٤/٢، القوانين الفقهية: ص١٧٦، المغني: ٥٤٥/٨ ، كشاف القناع: ٢١٤/٦ ، المهذب :
٢٥٥/١، مغني المحتاج : ٢٧٧/٤ .
- ٦٩٩ _

به إلى أعلى ، فوقع على صيد ، فقتله ، لم يبح ؛ لأنه لم يقصد برمیه عيناً ، كما لو
نصب سكيناً فانذبحت بها شاة . ولو أرسل الصائد الجارح في غار أو غيضة ( مجتمع
شجر) ، لم يعلم أن فيها صيداً ، ونوى ذكاة ما وجده فيها ، أو علم فيها صيداً ،
ولم يره ببصره ، فوجد صيداً ، فقتله ، فإنه يؤكل كما صرح المالكية ، تنزيلاً
للغالب منزلة المعلوم .
واشترط الشافعية(١) أن يكون الصائد بصيراً، فلا يحل عندهم صيد الأعمى في
الأصح لعدم صحة قصده ؛ لأنه لا يرى الصيد ، فصار كاسترسال الكلب بنفسه ،
لا يحل به الصيد ، ولو أرسل كلباً ، وهو لا يراه صيداً ، فأصاب صيداً لم يحل .
وتطبيقاً على هذه الشروط نذكر حالتين : هما حالة غيبة مصرع المصيد ، وحالة
وقوعه في ماء أو ترديه من سطح بعد الصيد :
حالة غيبة المصرع : إن رمى الصائد الصيد ، فغاب عن عينه ، فوجده
ميتاً وليس به إلا أثر سهمه (٢) ، يباح أكله عند الحنفية ، والحنابلة : إن تابع طلبه
والبحث عنه ، أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر ، فأن تشاغل عنه ، ثم وجده ، أو
وجد به أثر سهم آخر ، أو شك في سهمه لم يبح أكله ، لاحتمال موته بسبب آخر .
ولقول ابن عباس: ((كل ما أصميت، ودع ما أغميت))(٣) والاصاء : ما رأيته،
والانماء: ما توارى عنك، مما يدل على أن الصيد يحرم بالتواري. ولقوله ما له
في حدیث عدي بن حاتم : « إذا رمیت الصید فوجدته بعد یوم أو یومین ، لیس
به إلا أثر سهمك ، فكل ، وإن وقع في الماء فلا تأكل )) .
(١) مغني المحتاج: ٢٦٦/٤ - ٢٦٧، المهذب: ٢٥٥/١.
(٢) اللباب: ٢٢٠/٣، تبيين الحقائق: ٥٧/٦، تكملة الفتح: ١٨٣/٨، الشرح الكبير: ١٠٤/٢، ١٠٦ ،
المهذب: ٢٥٤/١، المغني: ٥٥٣/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٢١٨/٦ ، بداية المجتهد : ٤٤٦/١ ، مغني المحتاج :
٢٧٧/٤ ، القوانين الفقهية : ص١٧٨ .
(٣) رواه البيهقي موقوفا ( تلخيص الحبير : ١٣٦/٤).
- ٧٠٠ -