Indexed OCR Text
Pages 661-680
المطلب السابع - سنن التذكية : يستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح(١) : ١ - التسمية عند من لا يوجبها وهم الشافعية ، والتكبير، فيقول : بسم الله ، والله أكبر . ولا يقل : باسم الله واسم محمد ، وأضاف الشافعية : ويصلي على النبي ◌ُّ عند الذبح؛ لأنه محل طاعة . ٢ - كون الذبح بالنهار، ويكره تنزيهاً عند الحنفية بالليل ، قياساً على الأضحية ، خشية الخطأ في الذبح ، وقد روي عن رسول الله پ ڼ( أنه نهى عن الأضحية ليلاً ، وعن الحصاد ليلاً(٢). ٣ - توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة ؛ لأن القبلة جهة معظمة ، والتذكية عبادة ، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة ، ولأن النبي مع التع لما ضحى، وجه أضحيته إلى القبلة ، وقال : وجهت وجهي .. الآيتين(٣) . فإن لم يستقبل ساهياً أو لعذر ، أكلت . ٤ - إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق ، ورأسها مرفوع . ويأخذ الذابح جلد حلقها من اللحي الأسفل ، فيده ، حتى تتبين البشرة ، ثم يمر السكين على الحلق تحت الجوزة ، حتى يقف في عظم الرقبة . فإن كان أعسر ، جاز أن يجعلها على شقها الأيمن . ويكره ذبح الأعسر ويستحب أن يستنيب غيره . (١) البدائع: ٦٠/٥، الدر المختار: ٢٠٨/٥، تبيين الحقائق: ٢٩١/٥، تكملة الفتح: ٦٠/٨، بداية المجتهد : ٤٣٥/١، القوانين الفقهية: ص١٨٥، الشرح الكبير: ١٠٧/٢، مغني المحتاج: ٢٧١/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥١/١ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٠٨/٦ وما بعدها . (٢) أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه مَّ نهى عن الذبح ليلا، لكن في اسناده متروك . وفي البيهقي عن الحسن: ((نهى عن جذاذ الليل وحصاده، والأضحية بالليل)) وهو حديث مرسل ( نيل الأوطار: ١٢٦/٥). (٣) رواه ابن ماجه عن جابر ( نيل الأوطار : ١٢٦/٥ ). - ٦٦١ _ ٥ - نحر الإِبل قائمة معقولة الركبة اليسرى ، وذبح البقر والغنم مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى ، وتشد باقي القوائم ، لقوله تعالى في الإبل : ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافّ﴾ قال ابن عباس: ((أي قياما على ثلاث))(١) أما الشاة ففي الصحيحين: ((أنه يَّامٍ أضجعها)) وقيس عليها البقر وغيره ، لأنه أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين ، وامساك الرأس باليسار . ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل(٣) ، وذبح ما سواها ، قال الله تعالى: ﴿ فصل لربك وانحر﴾ وقال تعالى: ﴿ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو اسرائيل بالذبح(٣). وثبت ((أن رسول الله مِ ◌ّ نحر بدنة ، وضحى بكبشين أقرنين ذبحها بيده))(٤). ٦ - قطع الأوداج كلها والتذفيف أي الإسراع بالذبح ، ويكره قطع البعض دون البعض ، لما فيه من إبطاء فوات الحياة . ولا يبلغ بالذبح النخاع ( وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة) ولا إبانة الرأس ، ولو فعل ذلك يكره ، لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليه ، كما بينا سابقا . ٧ - إحداد الشفرة ( السكين العظيمة ) قبل الإضجاع ، لا بمرأى البهية ؛ لأنها تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك، فتتحرز عنها ، فإذا أحد الشفرة ، وقد أضجعها، يزداد ألمها. قال النبي ◌ُ ◌ّ: (( ان الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم ، فأحسنوا القِتْلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبجة ، وليحد أحدكم (١) رواه الحاكم وصححه . (٢) معنى النحر : أن يضربها بحربة أو نحوها ، في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها . (٣) المغني : ٥٧٥/٨ وما بعدها . (٤) متفق عليه . - ٦٦٢ - شفرته وليرح ذبيحته)) (١) وفي سنن البيهقي أن عمر رضي الله عنه ( رأى رجلا وقد أضجع شاة ، ووضع رجله على صفحة وجهها ، وهو يحد الشفرة ، فضربه بالدِّرة )) وعن ابن عباس قال: ((مر رسول الله ما اتّ على رجل واضع رجله على صفحة شاة ، وهو يحد شفرته ، وهي تلحظ إليه ببصرها ، قال: أفلا قُتِل هذا ، أو يريد أن يميتها موتتين))(٢) . ويستحب ألا يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر: (( أن رسول الله مَ اتٍ أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم))(٣). ٨ - الترفق بالبهيمة، فلا يضرب بها الأرض ، ولا تجر برجلها إلى المذبح ؛ لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في التذكية . المطلب الثامن - مكروهات التذكية : يكره في الذبح أو التذكية ترك السنن السابقة ، فتكون مكروهات التذكية ما يأتي (٤) : ١ - ترك التسمية عند من لا يوجبها أو لا يشترطها، وهم الشافعية وبعض المالكية . أو قرن اسم الله باسم محمد أو غيره . ويكره عند الحنفية أن يقول الذابح عند الذبح : اللهم تقبل من فلان . وإن قال ذلك قبل التسمية والإضجاع أو بعد الذبح جاز . (١) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن شداد بن أوس ( نيل الأوطار: ١٤١/٨) والقتلة والذبحة: هي الهيئة والحالة . (٢) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد: ٣٣/٤ ). (٣) رواه أحمد وابن ماجه . (٤) البدائع: ٦٠/٥، تبيين الحقائق: ٢٩٢/٥، الدر المختار: ٢٠٨٥، الشرح الصغير: ١٧٣/٢، القوانين الفقهية: ص١٨٥ ، مغني المحتاج: ١٧٢/٤، كشاف القناع: ٢٠٨/٦ وما بعدها ، المغني : ٥٨٠/٨ . - ٦٦٣ - ٢ - التوجه بالذبيحة لغير القبلة ، لمخالفة السنة. ٣ - نحر الشياه وذبح الإبل عند الحنفية ، لمخالفة ما ثبت بالسنة ، ولا يكره ذلك عند الشافعية والحنابلة ، لعدم ورود نهي فيه . ٤ - التعذيب أو زيادة الألم بلا فائدة مثل قطع الرأس ، وكسر الرقبة ، وبلوغ النخاع ، والذبح من القفا (١)، وجر الحيوان برجله إلى المذبح ، وحد الشفرة أمامه بعد الإضجاع ، والذبح أمام بهيمة أخرى مخالفة الثابت في السنة ، والسلخ أو النخع ( قطع النخاع) قبل أن يبرد الحيوان، لما روي ((أن الفَرافِصَة قال لعمر رضي الله عنه: إنكم تأكلون طعاما لا نأكله ، قال : وما ذاك يا أبا حسان ؟ فقال: تُعجلون الأنفس قبل أن تزهق(٢) . فأمر عمر رضي الله عنه منادياً ينادي : الذكاة في الحلق والَّبة لمن قدر ، ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق )» (٣) . ٥ - الذبح بالسن والظفر والعظم المنزوعين عند الحنفية الذين يجيزون م التذكية بها ، مع الكراهة لما فيه من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة . أما الذبح بالقائم غير المنزوع من الظفر ونحوه فلا يحل . 5 المطلب التاسع - أنواع التذكية : التذكية التي تحل الأكل عند المالكية(٤) أربعة أنواع : ١ - ادماء أو صيد أو عقر في غير المقدور عليه، المتوحش، لا الإنسي الذي (١) ان بقيت حية حتى تقطع العروق ، وإلا لم يحل لحدوث الموت بلا ذكاة . (٢) الأنفس ههنا : الأرواح التي تكون حركة الأبدان بها ، وزهوقها : خروجها من الأبدان وذهابها . (٣) المهذب : ٢٥٣/١. (٤) الشرح الكبير: ٩٩/٢، ١٠٣، ١٠٧، بداية المجتهد: ٤٢٩/١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٨٣ وما بعدها . - ٦٦٤ - يكون من الأنعام ، أما الحمام ونحوه فكله صيد ، فلو توحش أكل بالعقر . ٢ - وذبح في الحلق بقطع جميع الحلقوم وجميع الودجين للطيور ولو نعامة ، والغنم . ٣ - ونحر في اللبة: وهي وسط الصدر للإبل والزرافة(١). وأما البقر فيجوز فيها الذبح والنحر ، لكن يندب فيها الذبح ، أي أن الأنعام يشترط فيها الذبح أو النحر . ٤ - فعل يزيل الحياة بأي وسيلة وهو تأثير بقطع أو غيره في الجراد ؛ لأن المقرر عند المالكية خلافاً لعامة الفقهاء : أن الجراد لا يؤكل من غير ذكاة ، وذكاته عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك . ويجب النحر في الإبل والزرافة ، والذبح في غيرها . فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح ولو سهواً إن قدر ، من غير ضرورة ، لم تؤكل الذبيحة . ويجوز للضرورة الذبح في الإبل ، والنحر في غيرها كوقوع الحيوان في هوة ، أو لعدم وجود آلة الذبح أو النحر . والخلاصة : أن الأنعام إذا توحشت لا تؤكل بالصيد عندهم ، لكن يؤكل بالصيد إن تأنس المتوحش الأصل ثم هرب، أو توحش الحمام ونحوه؛ لأن كله صيد. وقال الجمهور غير المالكية(٢) : الذكاة نوعان: اختيارية ، واضطرارية في معنى الصيد . (١) الذبح عند المالكية : قطع الحلقوم والودجين من المقدَّ بنية . وعقر الحيوان: هو أن يرمى بسهم في أي موضع من جسمه ، فيجرحه ويميته . والنحر : ذبح من أعلى الصدر، ويكون في اللّبة : وهي الوحدة التي بين أصل العنق والصدر . (٢) تبيين الحقائق: ٢٨٦/٥، تكملة الفتح: ٦٠/٨ وما بعدها، الدر المختار وحاشيته: ٢٠٦/٥، ٢١٣ ، مغني المحتاج: ٢٦٥/٤، ٢٦٨ وما بعدها، ٢٧١، المهذب: ٢٥٥/١، المغني: ٥٦٦/٨، ٥٧٣، ٥٧٥، ٥٧٧ ، كشاف القناع : ٢٠٥/٦، الشرح الكبير للدردير: ١٠٣/٤، ١١٠. - ٦٦٥ - أما الاختيارية : فهي الجرح في الحلق ( الحلقوم ) مابين اللبة واللحيين ، عند القدرة على الحيوان . ولابد من ذبح المستأنس ؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار . والاضطرارية : الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان ، أي كأنها صيد ، فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام ، أي أنها تستعمل عند الجمهور غير المالكية في الحيوان المتوحش ، أو الحيوان المستأنس إذا شرد ، ولم يمكن الحصول عليه ، لأن التكليف بحسب الوسع. وتسمى هذه الحالة : العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان . ويكون العقر أو ذكاة الضرورة بآلة جارحة لا يمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن ، أو إنهار الدم في أي موضع كان من البدن ، بحيث يسيل دمه . ويشترط عند الشافعية : أن يكون الجرح مفضيا إلى الزهوق أي يؤدي إلى الموت . وأما عند المالكية : فلا يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنساً من الأنعام . فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسيا أو مستأنسا ، أو ندَّ بعير ( شرد ) أو تردى في بئر ونحوه ، ولم تمكن الذكاة الاختيارية أي عجز عنها بذبحه في الحلق ، فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي جرح من بدنه ، ويحل حينئذ أكله ، كصيد الطائر أو الحيوان المتوحش، لحديث رافع بن خديج، قال: (( كنا مع رسول الله صَ لّه في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم ، ولم يكن معهم خيل ، فرماه رجل بسهم ، فحبسه ، فقال رسول الله طاقةٍ: إن لهذه البهائم أوابد ، كأوابد الوحش ، فما فعل منها هذا ، فافعلوا به هكذا(١))). وهذا هو الرأي الأرجح. (١) رواه الجماعة (نيل الأوطار: ١٤٣/٨) والأوابد جمع آبدة: أي غريبة، وتأبدت: توحشت ، والمراد أن لها توحشاً . - ٦٦٦ - وإن نحر ما يذبح ، أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية(١)، وبلا كراهة عند الشافعية والحنابلة ، لعدم ورود نهي فيه . المطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح : قال الحنفية(٢) : لا تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي : الدم المسفوح ، والذكر ، والأنثيان ، والقبل، والغدة(٣)، والمثانة ، والمرارة . لقوله عز شأنه: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة. وروي عن مجاهد أنه قال: (( كره رسول الله م اقل من الشاة: الذكر، والانثيين ، والقبل ، والغدة ، والمرارة ، والمثانة والدم )) والمراد منه كراهة التحريم ، بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم ، في الكراهة ، والدم المسفوح محرم . والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: (( الدم حرام ، وأكره الستة )) أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح ، لأنه ثبت بدليل مقطوع به ، وهو النص القرآني: ﴿ قل: لا أجد فيا أوحي إلي محرماً ... إلى قوله : أو دماً مسفوحاً ) وسمى ما سواه مكروهاً ، لثبوته بدليل ظني . المطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين : الذكاة الجنين أربعة أحوال(٤): الأول - أن تلقيه الأم ميتاً قبل الذبح ، فلا يؤكل اجماعاً . (١) يجوز في قول عند الحنفية استخدام ذكاة الضرورة فيما لو أدرك صيده حياً، أو أشرف ثوره على الهلاك ، وضاق الوقت على الذبح ، أو لم يجد آلة الذبح ، فجرحه في غير محل الذبح ، حل . وفي قول آخر: لا يحل أكله إلا إذا قطع العروق . (٢) البدائع : ٦١/٥، رد المحتار: ٢١٩/٥ . (٣) الغدة : قطعة لحم صلبة تحدث عن داء بين الجلد واللحم . (٤) البدائع : ٤٢/٥، تبيين الحقائق: ٢٩٣/٥، اللباب: ٢٢٨/٣، القوانين الفقهية: ص١٨٣ ، بداية المجتهد : ٤٢٨/١ وما بعدها، الشرح الكبير: ١١٤/٢، مغني المحتاج: ٥٧٩/٤، ٣٠٦، المغني: ٥٧٩/٨، شرح الرسالة: ٣٨١/١. - ٦٦٧ - الثاني - أن تلقيه حياً قبل الذبح ، فلا يؤكل إلا أن يذكى ( يذبح ) وهو مستقر الحياة . الثالث - أن تلقيه حياً بعد تذكيتها، فإن ذبح وهو حي أكل ، وإن لم تدرك ذكاته في حال الحياة ، فهو ميتة ، وقيل عند المالكية : ذكاته ذكاة أمه . الرابع - أن تلقيه الأم ميتاً بعد تذكيتها ، وهذا موطن الخلاف بين الفقهاء : آ - فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد : لا يؤكل بتذكية الأم ؛ لأن الله تعالى حرم الميتة ، وحرم المنخنقة ، والجنين ميتة ؛ لأنه لا حياة فيه ، والميتة : كل حيوان مات من غير ذكاة ، أو ان الجنين مات خنقاً فيحرم بنص القرآن . ولا يجعل الجنين تبعاً لأمه ؛ لأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح الأم ، فوجب إفراده بالذبح ليخرج الدم عنه ، فيحل به، ولا يحل بذكاة أمه ، إذ المقصود بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم ، فيطيب ، فلا يكون تبعاً للأم . والمراد بحديث ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) هو التشبيه أي كذكاتها ، فلا يدل على أنه يكتفى بذكاة الأم . والخلاصة : أن الجنين الميت لا يؤكل عند الحنفية ، أشعر أو لم يشعر، أي تم خلقه ، أو لم يتم ، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام الخلق . ب - وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة : يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بذكاة أمه ، أو وجد ميتاً في بطنها ، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح . ويشترط فيه عند المالكية : أن يكون قد كمل خلقه : ونبت شعره ، لما روي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة ، وقال كعب بن مالك: ((كان أصحاب رسول الله مؤتمر يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه)). - ٦٦٨ - وأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت ، أشعر أو لم يشعر ، لما روى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله صل الله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر)). ودليل الجمهور على الجواز حديث حسن: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))(١)، ورأيهم بدليل الثابت في السنة هو الأصح عندي ، بل القياس يقتضي أن تكون زكاة الجنين في ذكاة أمه ؛ لأنه جزء منها ، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه . قال ابن رشد المالكي : وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره ، فلا يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس أي قياسه على الأشياء التي تعمل فيها التذكية . المطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض : إذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه ، أو مرض ، ثم ذبح ، فهل يحل أكله ؟ أولاً - أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء : إذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق ، أو ضرب ، أو جرح سبع كذئب ، ثم أدركه صاحبه فذبحه ، أو لم يدركه ، فمات ، فله أحوال أربعة(٢): ١ - إن مات قبل الذكاة، لم يؤكل اجماعا، لقوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم (١) روي عن أحد عشر صحابيا وهم الخدري ، وجابر، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وأبو أيوب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وكعب بن مالك ، وأبو الدرداء ، وأبو أمامة ، وعلي . فحديث أبي سعيد الخدري مثلا رواه أحمد والترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، والدارقطني وابن حبان وصححه ( نصب الراية : ١٨٩/٤ وما بعدها ، نيل الأوطار : ١٤٤/٨ ) . (٢) رد المحتار: ٢١٧/٥، الشرح الكبير: ١١٣/٢، البدائع: ٤٠/٥، القوانين الفقهية: ص١٨٢، بداية المجتهد: ٤٢٥/١ وما بعدها، كشاف القناع: ٢٠٦/٦، أحكام القرآن للجصاص: ٣٠٦/٢، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٣٩/٢ . - ٦٦٩ - الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم﴾(١) فهذه الحيوانات الخمسة المذكورة في الآية ( ما بعد المهل به لغير الله ) لم يحل أكلها إذا ماتت قبل ادراكها حية ولم تذبح . ٢ - ان أدرك حيا أي غلب على الظن أنها تعيش ، بأن يصاب لها مقتل ، فذبح ، أكل اجماعا ، لقوله تعالى : ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ . ٣ - إن نفذت مقاتل البهيمة: وهي المنفوذة المقاتل(٢) ( أي المقطوع بموتها ) ، لم تؤكل عند المالكية وأجاز علي وابن عباس أكلها . وتعمل فيها الذكاة عند الشافعية والحنابلة متى كان فيها حياة مستقرة . وتؤثر فيها الذكاة عند الحنفية إن علمت حياتها ، أو لم تدر حياتها فتحركت أو خرج الدم ، وهذا يتأتى فيما اعتدى عليها الذئب فبقر بطنها ، وفي المنخنقة والمتردية والنطيحة ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ . ٤ - الميئوس من حياته ولم تنفذ مقاتله ؛ أو المشكوك في أمره ، تؤثر الذكاة في حل أكله عند الحنفية ، وهو مشهور قول المالكية ما دامت حياته محققة . وقال بعض المالكية : لا تؤثر الذكاة فيه ولا يؤكل . وأجاز الشافعية والحنابلة (١) أي الا ما ادركتموه حيا مما سبق، فذكيتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع جزءاً منه وما أهل لغير الله به ، فإذا كانت فيه حياة ولو بسيطة بأن يطرف عينا أو يضرب برجل أو يد ثم ذبح ، صار حلالا . والمنخنقة : هي التي ماتت خنقا بأي شكل كان . والموقوذة : هي التي ماتت بعصا أو بحجر بلا ذكاة شرعية. والمتردية : هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو هوت في بئر. والنطيحة : هي ما نطحتها بهيمة أخرى ، فماتت . وما أكل السبع : هي ما قتلت بافتراس حيوان كالذئب والنمر مثلا ، وما أهل لغير الله به : أي ما ذكر عليه اسم غير الله ، لأن أكله مشاركة لأهله في عبادة غير الله . (٢) هي التي بلغ القتل فيها أحد أمور خمسة متفق عليها : وهي قطع الأوداج ، وانتشار الدماغ ، وانتشار الأحشاء ، وخرق أعلى المصران في مجرى الطعام والشراب ، لا أسفله . وقطع النخاع الشوكي ( القوانين الفقهية ، المكان السابق : الشرح الكبير : ١١٣/٢ ) . - ٦٧٠ - ذبح الميئوس الذي تكون فيه حياة مستقرة ، ولم يجز المشكوك في أمره . وعلى هذا فإذا غلب على الظن أن المعتدى عليها تهلك بإصابة مقتل أو غيره ، فقال الحنفية والشافعية : تعمل الذكاة فيها ، وقال قوم : لا تعمل الذكاة فيها ، وعن مالك : الوجهان ، وقال ابن القاسم : تذكى وتؤكل . ومنشأ الخلاف في الميئوس منها وفي منفوذة المقاتل : هو الاستثناء المذكور في الآية السابقة ، هل هو استثناء متصل أو منقطع ؟ فمن قال : انه متصل ، قال : تعمل الذكاة في هذه الأحوال . ومن قال : إنه منقطع أي ما ذكيتم من غيرها ، لم يعمل الذكاة فيها . والمراد بالحياة المطلوب تحققها في هذه الحالة عند الحنفية والمالكية : هو وجود أمارة الحياة من حركة رجل أو طرفة عين أو جريان نفس ، سواء عاشت من مثله أو لا تعيش ، بقيت لمدة قصيرة أو طويلة ، أي أن المطلوب بقدر حياة المذبوح بعد الذبح ، وهو الحد الأدنى للحياة. وعند الشافعية والحنابلة : أن تبقى فيه حياة مستقرة يمكن زيادتها على حركة المذبوح ، سواء انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش . ثانياً - أثر الذكاة في الحيوان المريض : اتفق الفقهاء على تأثير الذكاة ، وحل الأكل في الحيوان المريض الذي لم يشرف على الموت . واختلفوا في تأثير الذكاة في الحيوان الذي أشرف على الموت من شدة المرض (١) . فقال الجمهور : وهو المشهور عن مالك : إن الذكاة تعمل فيه . (١) بداية المجتهد: ٤٢٨/١، القوانين الفقهية: ص١٨١ وما بعدها . - ٦٧١ _ ٠ وقال بعضهم : إن الذكاة لا تعمل فيه . وسبب الخلاف تعارض القياس مع الأثر . فالجمهور أخذوا بحديث كعب بن مالك المتقدم : أن جارية له كانت ترعى غنما بسَلْع ، فأبصرت شاة مشرفة على الموت، فأدركتها وذبحتها بحجر، فسئل رسول الله مُؤ ثّرٍ فقال: كلوها(١). والبعض أخذ بالقياس : وهو أن الذكاة إنما تؤثر في الحي ، وهذا في حكم الميت . والحنفية من الجمهور على المفتى به فصلوا في المريضة ، وفي الحالة الأخيرة من أحوال المنخنقة والمتردية والنطيحة ، فقالوا (٢) : آ - ان علمت حياة الشاة، وإن كانت حياتها خفيفة على المفتى به ، وقت الذبح ، أكلت مطلقاً ، وان لم تتحرك ولم يخرج الدم . والحياة القليلة أو الخفيفة: هي أن يبقى في الشاة من الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح . ب - وإذا لم تعلم الحياة ، فتحركت، أو خرج الدم ، حلت ، وإن لم تتحرك أو لم يخرج الدم ، لم تحل . وعلامات الحياة والموت تعرف بما يأتي : فتح الفم ، أو العين ، ومد الرجل ، ونوم الشعر : علامة الموت ، لأنها استرخاء ، والحيوان يسترخي بالموت . وعكس ذلك يدل على الحياة ، فضم الفم والعين ، وقبض الرجل ، ووقوف الشعر علامة الحياة . وذكر المالكية علامات خمسة على الحياة هي(٢): سيلان الدم ، لا خروج القليل منه ، والركض باليد أو الرجل ، وطرف (١) رواه أحمد والبخاري ( نيل الأوطار: ١٣٩/٨). (٢) الدر المختار ورد المحتار : ٢١٧/٥، ٣٣٤. (٣) القوانين الفقهية: ص١٨٢، أحكام القرآن للجصاص : ٣٠٦/٢. - ٦٧٢ - العين ، وتحريك الذنب ، وخروج النفَس ، فإن تحركت ولم يسل دمها ، أكلت . وان سال دمها ولم تتحرك ، لم تؤكل ؛ لأن الحركة أقوى في الدلالة على الحياة من سيلان الدم . وأما الاختلاج الخفيف فليس دليلاً على الحياة ؛ لأن اللحم يختلج بعد السلخ . والحياة عند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع(١): ١ - الحياة المستمرة: وهي الطبيعية الباقية إلى خروجها بذبح ، أو نحوه. والذكاة تؤثر فيها بالحل . ٢ - الحياة المستقرة : هي ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات تغلب على الظن بقاء الحياة . ومن أماراتها : انفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء . والأصح الاكتفاء بالحركة الشديدة . ولا يشترط العلم بوجود الحياة المستقرة عند الذبح ، بل يكفي الظن بوجودها بقرينة كشدة الحركة أو انفجار الدم . وهذه تحل الذبيحة ، فإن شك في وجودها ، حرم تغليباً للتحريم . ٣ - حياة المذبوح، أو حركة عيش المذبوح: وهي التي لا يبقى معها سمع ولا إبصار، ولا حركة اختيار، وهذا النوع : ان وجد له سبب يحال عليه الهلاك ، كما لو مرض الحيوان بأكل نبات مضر، حتى صار في آخر رمق ، لم يحل على المعتمد . وإن لم يوجد سبب يحال عليه الهلاك ، كأن مرض الحيوان ، أو جاع حتى صار في آخر رمق ، فذبحه ، حل أكله . المطلب الثالث عشر - أثر الذكاة في غير المأكول : المقصود بهذا أن الذكاة أو الذبح ، هل تؤثر في تحليل الانتفاع بجلود الحيوانات غير مأكولة اللحم ، وسلب النجاسة عنها ؟ (١) بجيرمي الخطيب: ٢٤٨/٤، كشاف القناع: ٢٠٦/٦، مغني المحتاج: ٢٧١/٤، المغني: ٥٨٣/٨ - ٥٨٥ . - ٦٧٣ - الفقه الإسلامي جـ ٣ (٤٣) ٠ للفقهاء رأيان في ذلك : ١ - فقال الحنفية والمالكية في المشهور(١): إذا ذبح مالا يؤكل كالسباع وغيرها يطهر لحمه وشحمه وجلده إلا الآدمي والخنزير. أما الآدمي فلحرمته وكرامته ، وأما الخنزير فلنجاسة عينه. وقال الدردير والصاوي : مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرَّم الأكل كالخيل والبغال والحمير ، والكلب والخنزير . أما سباع الوحش وسباع الطير ، فتطهر بذبحها على المشهور . وأصح ما يفتى به عند الحنفية : أن اللحم والشحم لا يطهر بالذكاة ، والجلد يطهر بها ، وهذا التفصيل عندهم مخالف لما في متن الكنز والدر المختار والهداية من عدم التفصيل . ودليلهم : ان الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة والدماء السيالة ، فإذا زالت طهرت البهيمة كما في الدباغ ، وليس الجلد واللحم من الرطوبات أو الدماء . وإذا ثبت تحريم تناول لحم غير المأكول، بقي ما سواه على الأصل : وهو التطهير ، فتؤثر الذكاة فيه ، كما يؤثر الدباغ في تطهير الجلود . وإذا طهر الجلد بعد الذبح ، فلو وقع في الماء القليل لا ينجسه . ويجوز الانتفاع بالجلد في غير الأكل . وقيل بقول آخر عند الحنفية : لا يجوز قياساً على الأكل . ٢ - وقال الشافعية والحنابلة(٢): لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول ؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل ، والجلد تبع للحم ، فإن لم تعمل الذكاة في اللحم ، لم تعمل فيما سواه ، كذبح المجوسي أو الذبح غير المشروع . (١) تبيين الحقائق: ٢٩٦/٥، تكملة الفتح: ٦٤/٨، الدر المختار: ٢٩٠/١، ٢١٦/٥، البدائع: ٨٦/١، بداية المجتهد: ٤٢٧/١، اللباب: ٢٣٠/٣، القوانين الفقهية: ص١٨١، الشرح الصغير: ٤٥/١، شرح الرسالة: ٣٨٤/١ الشرح الكبير : ٥٦/١ . (٢) مغني المحتاج: ٥٨/١، المغني: ٧١/١. - ٦٧٤ _ ولا يقاس الذبح على الدباغ ، لكون الدبغ مزيلا للخبث والرطوبات كلها ، مطيباً للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير ، والذكاة لا يحصل بها ذلك ، فلا يستغنى بها عن الدبغ . هذا ... وقد صرح الشافعية بأنه يحرم ذبح الحيوان غير المأكول ، ولو الإراحته، كالحمار الزمن مثلا، لأنه تعذيب له (١)، ونهى النبي ◌ُ ◌ّ عن قتل الكلاب إلا الأسود البهيم ، فإنه أمر بقتله(٢). المبحث الثالث - آلة الذبح اتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر ، أو عود ، أو قضيب ، أو زجاج تحل التذكية به . واختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم ، على رأيين ، فأجاز الحنفية ، والمالکیة ۔ في الجملة - الذبح بها ، ومنع الشافعية والحنابلة اجمالاً التذکیة بها ، كما سنفصل ، والأولى أو الأصح عدم الذبح بها لصحة الحديث الذي استدل به الشافعية وغيرهم . ١ - قال الحنفية (٣): يجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج، وأنهر الدم ( أساله) ولو بنار أسالت الدم ، أو بليطَة ( قشر القصب ) ، أو مَرْوة ( حجر أبيض كالسكين يذبح بها ) ، أو ظفر وعظم وقرن وسن منزوع من مكانه غير قائم في محله ، ولكن مع كراهة الذبح بهذه الأربعة الأخيرة لما فيه من الضرر بالحيوان ، (١) البجيرمي على الخطيب : ٢٤٨/٤ . (٢) رواه أحمد وأصحاب السنن ( الخمسة) وصححه الترمذي عن عبد الله بن المُغَفَل (نيل الأوطار: ١٢٨٨). (٣) تكملة فتح القدير: ٥٩/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٩٠/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٢٠٧/٥ وما بعدها ، اللباب شرح الكتاب : ٢٢٧/٣ . - ٦٧٥ - كذبحه بشفرة كليلة. ودليلهم قوله عليه الصلاة والسلام: ((انهر الدم بما شئت))() ويروى (( أفر الأوداج بما شئت))(٢)، ولأن هذه آلة جارحة ، فيحصل بها ما هو المقصود ، وهو إخراج الدم ، وصار العظم ونحوه كالحجر والحديد . فإن كان الظفر أو العظم قائما محله ، فلا يحل الذبح به ، وإن فرى الأوداج ، وأنهر الدم بالإجماع للنص عليه في الحديث . واستثناء السن والظفر في حديث رافع بن خديج محمول على غير المنزوع ، القائم محله ؛ لأن الظفر القائم ونحوه يقتل بالثقل ؛ لأنه يعتمد عليه . وكما كرهوا الذبح بالظفر ونحوه ، كرهوه بغير الحديد والسلاح من غير حاجة أو ضرورة ، مع وجود الحديد وأسلحته ، لما فيه من تعذيب الحيوان بلا فائدة ، للأمر بالحديث السابق بالإحسان في القتلة والذبحة . ٢ - وقال المالكية(٣): إن وجد الحديد أي الآلة الجارحة كالسكين ونحوها (٤) ، تعين . وإن وجد غير الحديد كالحجر والزجاج مع الظفر والسن ، ففي الذبح بها أربعة أقوال للإمام مالك : الأول - الجواز مطلقا متصلاً أو منفصلاً ، والثاني - المنع مطلقاً فلا يؤكل ما ذبح بها ، والثالث - التفصيل بالجواز عند الانفصال ، والمنع عند الاتصال . والرابع - الكراهية بالسن مطلقاً ، والجواز بالظفر مطلقاً . (١) هذا لفظ النسائي وأحمد في حديث عدي بن حاتم، ونصه ((أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله)) (نصب الراية : ١٨٧/٤ ) . (٢) هذا حديث غريب كما قال الزيلعي، وفي معناه روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن رافع بن خديج: ((كل ما أفری الأوداج ، إلا سنا وظفراً)) ( نصب الراية: ١٨٥/٤ وما بعدها). (٣) الشرح الكبير: ١٠٧/٢، الشرح الصغير: ١٧٨/٢، بداية المجتهد: ٤٣٣/١، القوانين الفقهية: ص١٨٣. (٤) السكين تذكر وتؤنث . - ٦٧٦ - وان لم يوجد غيرهما ، أي غير السن والظفر جاز بها جزما . ولو تم الذبح بقطعة عظم محددة ، فلا خلاف في الجواز . ٣ - وقال الشافعية والحنابلة(١): يحل الذبح بكل محدّد ( له حد) يجرح ( يقطع ) أو يخرق بحده لا بثقله ، كحديد ونحاس ، وذهب ، وخشب ، وقصب ، وحجر ، وزجاج ، إلا ظفراً وسناً ، وعند الشافعية : وسائر العظام ، متصلاً كان أو منفصلاً من آدمي أو غيره ؛ لأن منع الذبح بالسن علل بكونه عظماً فكل عظم وجدت العلة فيه ، فيكون ممنوعاً . وأجاز الحنابلة الذبح بالعظم (٢) ، واستدلوا على السن والظفر بحديث رافع بن خديج عند الأئمة الستة وأحمد ، قال: ((قلت : يا رسول الله، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدىّ(٣) ، فقال النبي ◌ٍَّ: (( ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه ، فكلوا ، مالم يكن سناً أو ظُفْراً، وسأحدثكم عن ذلك : أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة))(٤). السكين الكالَّة : لو ذبح بسكين كالَّة ، حل عند الشافعية بشرطين : ألا يحتاج القطع إلى قوة الذابح . وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى حركة مذبوح . ويقرب منه قول الحنابلة : إن كانت الآلة كالة ، وأبطأ قطع الحيوان وطال تعذيبه ، لم يبح أكله ، لأنه مشكوك في وجود ما يحله . (١) مغني المحتاج: ٢٧٢/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥٢/١، المغني: ٥٧٣/٨ وما بعدها، كشاف القناع : ٢٠٣/٦ - ٢٠٥ (٢) لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثني السن والظفر خاصة ، فيبقى سائر العظام داخلاً فيا يباح الذبح به ، والمنطوق مقدم على التعليل ، ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ؛ ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة ، ويحصل بها المقصود ، فأشبهت سائر الآلات . (٣) مدى : جمع مُدْية : هي السكين ، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره . والمراد بلقاء العدو: أنهم سيغنون منه ما يذبحونه ، أو أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلون للتقوي . (٤) علق ابن رشد عليه فقال ( بداية المجتهد: ٤٣٣/١) : من الناس من فهم منه ان ذلك لمكان أن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبا. ومنهم من فهم أن ذلك شرع غير معلل . وهؤلاء منهم من اعتقد أن النهي فيه يدل على فساد المنهي عنه ، ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه ، ومنهم من اعتقد أن النهي للكراهة . - ٦٧٧ - : والخلاصة : أن الجمهور أجازوا التذكية بالعظم ، وحرم الشافعية الذبح به . وأما السن والظفر فأجاز الحنفية الذبح بالمنزوع منهما ، وحرم الشافعية والحنابلة الذبح بها متصلين أو منفصلين . وصحح ابن رشد المالكي الذبح بها عند الانفصال ، ولا يجوز حالة الاتصال ، أي كما قال الحنفية . المبحث الرابع - الحيوان الذبيح الكلام في هذا المبحث مجمل بالقدر المتصل بالذبائح ، والتفصيل فيه سبق في مبحث مستقل عن (( الأطعمة والأشربة )). التذكية شرط لحل الأكل من الحيوان البري المأكول ، فلا يحل أكله - كما بينا - بدون الذكاة، لقوله تبارك وتعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم - إلى قوله : إلا ما ذكيتم ﴾ استثنى سبحانه المذكى من المحرم ، والاستثناء من التحريم إباحة . والحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة : مائي ، وبري ، وبرمائي ( بري - مائي ) ؛ لأن منه ما يؤكل بدون ذكاة ، ومنه ما يؤكل بالذكاة ، ومنه مالا يؤكل وان ذكي . النوع الأول - الحيوان المائي : الحيوان المائي : هو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط . وللعلماء في أكله رأيان : ١ - مذهب الحنفية(١)، جميع ما في الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك. (١) البدائع: ٣٥/٥ - ٣٩، تبيين الحقائق: ٢٩٤/٥ - ٢٩٧، تكملة الفتح: ٦١/٨ - ٦٥، الدر المختار: ٢١٤/٥ - ٢١٧، اللباب: ٢٢٨/٣ - ٢٣١. - ٦٧٨ - خاصة ، فإنه يحل أكله بدون ذكاة إلا الطافي (١) منه ، فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل . وأدلتهم كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ) وقوله ﴿ ويحرِّم عليهم الخبائث) وما سوى السمك : من الضفادع والسرطان والحية ونحوها : من الخبائث . ونهى رسول الله مُ الل عن دواء يتخذ فيه الضفدع ، ونهى عن قتل الضفادع(٢) ، وذلك نهي عن أكله؛ لأن النهي عن قتل الحيوان ، إما لحرمته كالآدمي، وإما لتحريم أكله ، كالصُّرَد (٣)، والهدهد. وبما أن الضفدع ليس بمحترم ، فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر ، وهو تحريم الأكل . وأما دليل تحريم أكل السمك الطافي، فهو حديث جابر: (( ما ألقاه البحر ، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه ، وطفا ، فلا تأكلوه ))(٤) . ٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية(٥)، ورأيهم هو الأصح: حيوان الماء: السمك وشبهه مما لا يعيش إلا في الماء كالسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك ، حلال يباح بغير ذكاة ، كيف مات ، حتف أنفه ، أو بسبب ظاهر ، كصدمة (١) الطافي على وجه الماء : هو الذي مات حتف أنفه ، وهو ما بطنه من فوق . أما لو كان ظهره من فوق، فليس بطاف ، فيؤكل . كما يؤكل الموجود في بطن الطافي لموته بضيق المكان . قال العلامة عبد البر : الأصل في اباحة السمك أن ما مات بآفة ( أي بسبب ) يؤكل ، وما مات بغير آفة لا يؤكل . فالذي مات بحر الماء وبرده ، أو بربطه فيه أو القاء شيء فيه ، فموته بآفة ( رد المحتار : ٢١٦/٥). (٢) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وأحمد واسحق بن راهويه وأبو داود الطيالسي: ((ان طبيبا سأل رسول الله ◌ُ فّ عن الضفدع يجعلها في دواء، فنهى عن قتلها)) نصب الراية : ٢٠١/٤ . (٣) الصرد : الطائر ضخم الرأس أبيض البطن أخضر الظهر يصطاد صغار الطير. (٤) رواه أبو داود وابن ماجه. وهو حديث ضعيف (نصب الراية: ٢٠٢/٤، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء : ٧٠/٣ ) . (٥) بداية المجتهد: ٤٢٥/١، ٤٥٦، القوانين الفقهية: ص١٧١، ١٨١، مغني المحتاج: ٢٦٧/٤، ٢٩٧ ، المهذب: ٢٥٠/١، المغني: ٦٠٦/٨ - ٦٠٨، كشاف القناع: ٢٠٢/٦. - ٦٧٩ - حجر، أو ضربة صياد ، أو انحسار ماء ، راسياً كان أو طافياً ، وأخذه ذكاته ، لكن ان انتفخ الطافي بحيث يخشى منه السقم يحرم للضرر . إلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء ، وقال : أنتم تسمونه خنزيراً . وقال الليث بن سعد : أما إنسان الماء ، وخنزير الماء ، فلا يؤكلان على شيء من الحالات . واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ، متاعا لكم وللسيارة﴾ واسم ((الصيد)) يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالاً . وبقوله مع اللّ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر ، فقال : ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) (١) وبقوله عليه السلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال)) (٢) وبحديث: ((إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم)) (٣) وبحديث صحيح عند الشيخين وأحمد في العنبر(٤) : أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوه بشاطئ البحر ميتاً ، فأكلوا منه شهراً حتى سمنوا، وادهنوا، وقدموا منه للنبي ◌ّر ، فأكل منه(٥)؛ ولأنه لا دم لحيوان الماء . النوع الثاني - الحيوان البري : الحيوان البري : هو الذي لا يعيش إلا في البر . وهو أصناف ثلاثة : (١) رواه الخمسة ومالك وابن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلام: ١٤/١، نيل الأوطار : ١٤٩/٨ ). (٢) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر، وفيه ضعف ( سبل السلام: ٢٥/١ ، نيل الأوطار: ١٤٧/٨ ) . (٣) رواه الدارقطني، وذكره البخاري موقوفا على أبي شريح بلفظ ((كل شيء في البحر مذبوح)) ( نيل الأوطار: ١٥٠/٨ ) . (٤) حوت قد يبلغ نحو ٦٠ قدما ، ضخم الرأس ، وله أسنان . (٥) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ( جمع الفوائد: ٥٤٢/١، نصب الراية : ٢٠٤/٤) . - ٦٨٠ -