Indexed OCR Text

Pages 541-560

ذلك من الفخار وغيره من الظروف وإن طالت المدة ما لم يظن به الإسكار .
وعلة الكراهة خوف تعجيل الإسكار ، لما ينبذ فيها ، إذ شأنها ذلك بخلاف
غيرها .
وقال الشافعية والحنابلة(١) كالحنفية : يجوز الانتباذ في الأوعية كلها.
ثالثاً - تخلل الخمر وتخليلها :
اتفق الفقهاء على أن الخمر إذا تخللت بنفسها ، جاز أكلها، لقوله عالٍ:
((نعم الأدم الخل )) (٣).
وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس ، ولو بقصد التخليل ،
حل الخل عند الحنفية والشافعية والظاهرية ، وفي احتمال عند الحنابلة ؛ لأن
الشدة المطربة ( أي الإسكار ) التي هي علة النجاسة والتحريم ، قد زالت من غير
أن تعقب نجاسة في الوعاء ، فتطهر .
ويحتمل في وجه آخر عند الحنابلة ألا تطهر، لأنها خللت بفعل ، كما لو ألقي
فيها شيء(٣) .
ويعرف التخلل عند أبي حنيفة بالتغير من المرارة إلى الحموضة ، بحيث
لا يبقى فيها مرارة أصلاً ، فلو بقي فيها بعض المرارة ، لا يحل شربها ؛ لأن الخمر
عنده لا تصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه ، كما لا يصير العصير عنده خمراً
إلا بعد تكامل معنى الخمرية ، كما سنذكر في حد الشرب .
(١) شرح مسلم للنووي: ١٣ / ١٥٨، كشاف القناع: ٦ / ١٢٠، المغني: ٨ / ٣١٨ .
(٢) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله (نصب الراية: ٤ / ٣١٠).
(٣) انظر المبسوط: ٢٤ / ٧، البدائع: ٥ / ١١٣ وما بعدها، تكملة الفتح: ٨ / ١٦٦ ، تبيين الحقائق:
٦ / ٤٨، الدر المختار: ٥ / ٣٢٠، مغني المحتاج: ١ / ٨١، شرح المحلي على المنهاج: ١ / ٧٢ ، بداية المجتهد :
١ / ٤٦١، القوانين الفقهية: ص ١٧٥، منتقى الموطأ: ٣ / ١٥٣، المغني: ٨ / ٣١٩، المحلي: ١ / ١١٧.
- ٥٤١ -

وقال الصاحبان : تصير الخمر خلاً بظهور قليل من الحموضة فيها ، اكتفاء
بظهور الخلّية فيها ، كما أن العصير يصير خمراً بظهور دليل الخمرية ، عندهما .
ويظهر أن هذا هو رأي بقية الفقهاء .
وأما تخليل الخمر بعلاج بإلقاء جسم غريب عنها كالملح أو الخل أو السمك
أو الخبز الحار، أو البصل ، أو بإيقاد النار قربها ، حتى صارت حامضاً،
فيجوز، ويحل شربها عند الحنفية ، لأنه إصلاح ، والإصلاح مباح ، قياساً
على دبغ الجلد ، فإن الدباغ يطهره، كما ثبت في السنة النبوية: ((أيما إهاب
دبغ، فقد طهر))(١). وقال مع اقل عن جلد الشاة الميتة: ((إن دباغها يُحلّه ، كما
يُحِلُّ خَلَّ الخمر))(٣) فأجاز النبي التخليل ، كما ثبت حل الخل شرعاً ، بدليل قوله
عَ المُ: ((خير خلكم خل خمركم))(٣). والحديث السابق: ((نعم الأدم الخل)) لم
يفرق بين التخلل بنفسه ، والتخليل ، فالنص مطلق .
ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد ، ويجعل في الخمر صفة الصلاح ،
والإصلاح مباح، كما أشرنا ، لأنه يشبه إراقة الخمر .
وإذا صارت الخمر خلاً ، يطهر ما يجاورها من الإناء ، كما يطهر أعلى الإناء
( وهو الذي نقص منه الخمر ) تبعاً .
وللمالكية في تخليل الخمر بمعالجة أقوال ثلاثة : قول بالمنع أو التحريم ؛ لأن
(١) أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس . وأخرجه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن
عمر .
(٢) أخرجه الدارقطني عن أم سلمة، وفي سنده ضعف ( نصب الراية: ١ / ١١٩، ٤ / ٣١١).
(٣) رواه البيهقي في المعرفة عن جابر، وقال : تفرد به المغيرة بن زياد ، وليس بالقوي. ويلاحظ أن أهل
الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر (نصب الراية: ٤ / ٣١١).
- ٥٤٢ -

النبي ◌ُّ الّ أمر بإراقة راوية خمر، أهداها له رجل(١)، ولو جاز تخليلها، لما أباح
له إراقتها ، ولنبهه على تخليلها .
وقول بالجواز مع الكراهة ؛ لأن علة تحريم الخمر الشدة المطربة ، فإذا زالت
زال التحريم ، كما لو تخللت بنفسها .
وقول بالتفصيل : يجوز تخليل الخمر الذي تخمر عند صاحبه ، بدون قصد
الخمرية ، ولا يجوز تخليل الخمر المتخذة خمراً .
وقال الشافعية والحنابلة : لا يحل تخليل الخمر بالعلاج ، ولا تطهر
حينئذ ؛ لأننا مأمورون باجتنابها ، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه
التموُّل ، وهو مخالف للأمر بالاجتناب ، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس
بملاقاتها ، فينجسها بعد انقلابها خلاً ، ولأن الرسول التع أمر بإهراق الخمر بعد
نزول آية المائدة بتحريمها . وعن أبي طلحة: أنه سأل النبي عَظِلّ عن أيتام ورثوا
خمراً، فقال: ((أهرقها)) قال: (( أفلا أخللها؟ قال: لا)) (٢) وهذا نهي يقتضي
التحريم . ولو كان إلى استصلاحها سبيل مشروع لم تجز إراقتها ، بل أرشدهم
إليه ، سيما وهي لأيتام ، يحرم التفريط في أموالهم (١٠٧)
المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي :
يحرم استعمال الذهب والفضة للرجال والنساء في الآنية ووسائل الكتابة
والزينة وغيرها باتفاق أئمة المذاهب(٤)، فلا يجوز الأكل والشرب والادهان
(١) رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: ٨ / ١٦٩) والراوية: المزادة من ثلاثة جلود
يوضع فيها الماء .
(٢) أخرجه مسلم وأبو داود ( نصب الراية : ٣١١/٤) .
(٣) راجع بحثنا (( الأشربة )) للموسوعة الفقهية بالكويت ، أول بحث نشر من بين البحوث .
(٤) انظر تكملة الفتح: ٨١/٨ - ٨٢، اللباب: ١٥٩/٤ وما بعدها، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني :
٣٧١/٢ - ٣٧٣، حاشية الباجوري على ابن قاسم: ٤٢/١، المغني: ٧٥/١ - ٧٨، المهذب: ١١/١ وما بعدها ، بجيرمي
الخطيب : ٢٩٤/٢ وما بعدها .
- ٥٤٣ -

والاكتحال والتطيبُ والتوضؤ في آنية الذهب والفضة ، كما لا يجوز استعمال
الساعات والأقلام وأدوات المكتب والمرايا وأدوات الزينة الذهبية أو الفضية.
ولا يجوز تزيين البيوت والمجالس بالذهب أو بالفضة لقوله تع الى: (( لا تشربوا
في آنية الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافها(١)، فإنها لهم - أي للمشركين - في
الدنيا، ولكم في الآخرة)) (٢) وقوله: ((الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في
بطنه نار جهنم )» (٢) .
وحرم الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية اتخاذ آنية الذهب والفضة أي
اقتناءها؛ لأن اتخاذها يجر إلى استعمالها، وما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه
على هيئة الاستعمال . وقال الشافعية : وظاهره حرمة الاتخاذ ولو للتجارة ؛ لأن
آنية الذهب والفضة ممنوع من استعمالها لكل أحد ، بعكس الحرير ، يجوز اتخاذه
للتجارة فيه ، لأنه ليس ممنوعاً من استعماله لكل أحد .
ويستثنى من حرمة استعمال الذهب والفضة أمور للضرورة أو للحاجة :
١ - صناعة الأنف إذا قطع، والأسنان إذا سقطت ، يجوز عملها من الذهب
أو الفضة . وهذا رأي الجمهور ومنهم محمد ، وفي رواية عن أبي يوسف من الحنفية .
وقال أبو حنيفة : لا تشد الأسنان بالذهب ، وتشد بالفضة ، وأضاف الحنفية :
لابأس بمسمار الذهب لتثبيت حجر فص الخاتم ، لأنه تابع له . وقال الشافعية :
يحرم سن خاتم الذهب على الرجل : وهي الشعبة التي يستمسك بها الفص .
٢ - طلاء الأدوات بالذهب أو الفضة إذا كان قليلاً: بأن لم يحصل منه شيء
(١) الصحاف جمع صحفة ، والصحفة : هي ما تشبع الخمسة .
(٢) متفق عليه بين الشيخين عن حذيفة بن اليمان ( سبل السلام: ٢٩/١) .
(٣) متفق عليه عن أم سلمة ( نصب الراية: ٢٢٠/٤ ، سبل السلام: ٣٠/١) والجرجرة : صوت وقوع الماء في
الجوف .
- ٥٤٤ -

بالعرض على النار ، أو الذي لا يخلص ، أي لا يمكن فصل شيء مادي منه .
٣ - وأجاز أبو حنيفة الشرب والوضوء في الإناء المفضض (المزين بالفضة)،
والركوب على السَرْج المفضض ، والجلوس على السرير المفضض .
وأجاز أيضاً الإناء المضبب ( الذي لحم كسره ) بالذهب والفضة ، والكرسي
المضبب بها ، وكذا إذا جعل ذلك في السيف وحلقة المرآة ، أو جعل المصحف
مذهباً أو مفضضاً ، ومثل ذلك اللجام والركاب ، والثوب الذي كتب فيه بذهب
أو فضة . ولابأس بتحلية المصحف ونقش المسجد وزخرفته بماء الذهب إذا كان
المقصود بذلك تعظيمه ، ويكره إذا كان بقصد الرياء .
وقال المالكية : لابأس بالفضة ( لا الذهب ) في حلية الخاتم والسيف
والمصحف ، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك . وفي
الجملة عندهم قولان بالمنع أو الكراهة في المموه بالذهب والفضة ، وفي الإناء
المضبب .
وقال الشافعية : يحرم الإناء المطلي بذهب أو فضة إن حصل من الطلاء
شيء بعرضه على النار ويحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار . ويحرم
الإناء المضبب(١) بضَبة فضة كبيرة عرفاً لزينة ، فإن كانت كبيرة للحاجة ، جاز
مع الكراهة ، وإن كانت صغيرة عرفاً لزينة كرهت ، أما لحاجة فلا تكره . أما
ضبة الذهب فتحرم مطلقاً ، كبيرة أو صغيرة لحاجة أو لزينة ، كلها أو بعضها ،
ولو کمكحلة .
ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة ، وتحلية آلة الحرب كالسيف
(١) يقال : ضبب الإناء والباب ونحوهما: عمل له ضبّة، وأدخل بعضه في بعض، وشَعَبه وأصلحه .
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٥)
- ٥٤٥ _

والرمح والمنطقة بالفضة للرجل لأنها تغيظ الكفار، ولا يحل ذلك للمرأة
١٠
ولا يجوز تحلية مالا يلبسه الرجل من آلات الحرب كالسرج واللجام .
وللمرأة تحلية المصحف بالذهب أيضاً . والتحلية : وضع قطع رقيقة .
٤
ويحرم تمويه السقوف والجدران بالذهب والفضة ، سواء أمكن استخراج شيء
منها بالعرض على النار أم لا .
ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب أو بالفضة ، كما يحرم كسوتها
بالحرير المزركش بالذهب أو بالفضة .
وقال الحنابلة مثل الشافعية : يحرم المضبب بضبة كثيرة من الذهب أو
الفضة ، لحاجة أو غيرها . ولا يباح اليسير من الذهب إلا للضرورة كأنف الذهب
وما ربط به الأسنان ، ويباح اليسير من الفضة ؛ لحاجة الناس إليه .
وعلل الفقهاء حرمة استعمال الذهب والفضة بالسرف والخيلاء ، والأصح في
التعليل : هو كون الذهب والفضة أثمان الأشياء ، والنقد المتداول ، فلو أبيح
استعمالهما لأثر ذلك في رواجها في الأسواق ، فيحصل الاضطراب والقلق .
ويجوز استعمال آنية غير الذهب والفضة من الأواني النفيسة كإناء ياقوت
وزجاج وبلور وعقيق وزبرجد ومرجان، ونحاس ورصاص ، ونحو ذلك ؛ لأنها
ليست في معنى الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولأن النبي محمد له
توضأ من إناء نحاس(١) .
(١) روى الشيخان عن عبد الله بن زيد قال: ((أتانا رسول الله وَجَلٍ، فأخرجنا له ماء في تور من صُفْر،
فتوضأ)) وروى أبو داود عن عائشة قالت: ((كنت أغتسل أنا ورسول اللّه مَِّ في تَوْر من شَبَه)) وتور: إناء يشرب
فيه ، والصفر : النحاس ، والشبه : أرفع النحاس .
- ٥٤٦ _

لبس الحرير والتختم بالذهب والفضة :
يحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب ، ويحل للنساء اللبس
والتختم مطلقاً والتحلي بالحلي من الذهب والفضة (١)، لقوله لٍ: ((الذهب
والحرير حِلِّ لإناث أمتي، حرام على ذكورها))(1) وعن علي ((نهى رسول الله ما اتّ
عن التختم بالذهب))(٣) وعن ابن عباس أن رسول الله مَ التّ رأى في يد رجل خاتماً
من ذهب ، فنزعه فطرحه ، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في
يده))(٤)، وقال رسول الله عاتقٍ: ((إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في
الآخرة)»(٥) .
واستثنى أئمة المذاهب الخاتم الفضي للرجل ، فأباحوا له لبسه والتختم به إذا
كان قليلاً، ومقداره عند الحنفية: بقدر مثقال ( ٢٫٩٧٥ غم ) فما دونه ، وعند
المالكية: إذا كان لا يزيد على درهمين بشرط قصد الاقتداء بالنبي مَ ◌ّةٍ.
والصواب عند الشافعية : بما دون المثقال . والمعول في ذلك على العرف والعادة ،
سواء زاد عن مثقال أو نقص عنه ، فمتى زاد على العادة حرم . ويليس في خنصر
اليد اليسرى . ولو لبسه في غير الخنصر جاز مع الكراهة عند الشافعية . وقال
(١) تكملة الفتح: ٨٣/٨، ٩١ - ٩٧، اللباب: ١٥٧/٤ - ١٥٨، تبيين الحقائق: ١٤/٦ وما بعدها، الدر المختار:
٢٥٥/٥، شرح الرسالة: ٣٧١/٢ وما بعدها، المنتقى على الموطأ : ٢٥٤/٧ المهذب: ١١/١ ، بجيرمي الخطيب:
٢٢٧/٢ - ٢٣٠، ٢٩٥، نيل الأوطار: ٨١/٢ - ٨٣، الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني النحلاوي : ص٢٤
وما بعدها، كشاف القناع: ٢٧٥/٢ - ٢٧٩، المغني ٥٨٨/١ - ٥٩١ .
(٢) رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن أرقم ، وأخرجه الترمذي بلفظ آخر عن أبي موسى الأشعري ، وقال : حديث
حسن صحيح، ورويت أحاديث كثيرة في معناه ( نصب الراية: ٢٢٢/٤ - ٢٢٥).
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري . وقال عنه الترمذي : حديث حسن صحيح ، ورواه ابن حبان في صحيحه
( نصب الراية : ٢٢٥/٤ ) .
(٤) رواء مسم (نصب الراية: ٢٢٥/٤).
(٥) رواه الشيخان عن ابن عمر (نصب الراية: ٢٢٢/٤).
- ٥٤٧ -

الحنفية : ترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي الحاجة إليه أولى ، والحاجة
مثل الختم به ..
ولا بأس أيضاً عند الحنفية من استخدام المنطقة ( ما ينتطق به الرجل ويشد
وسطه ) وحلية السيف ، من الفضة ، كالخاتم ، بشرط ألا يضع يده على موضع
الفضة ، لورود الآثار في إباحة ذلك .
٠٠
أما الخاتم: فأخرج الأئمة الستة عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله مع اقتلع
اتخذ خاتماً من فضة ، له فص حبشي ، ونقش فيه : محمد رسول الله )).
وفي السيف وردت عدة أحاديث : منها ما رواه أبو داود والترمذي عن
أنس، قال: ((كانت قبيعة - مقبض - سيف رسول الله مُ تّ فضة)).
وأما المنطقة: ففي عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري قال: (( وكان
للنبي عَ لّ منطقة من أديم منشور ثلاث، حَلَقها وإبزيمها(١)، وطرفها فضة))(٢).
ولا بأس عند أبي حنيفة بتوسد الحرير ( جعله وسادة أي مخدة ) ، وافتراشه
والنوم عليه ؛ لأن ذلك استخفاف به ، فصار كالتصاوير على البساط ، فإنه يجوز
الجلوس عليه . وقال الصاحبان : يكره التوسد والافتراش والجلوس على الحرير ،
لعموم النهي عنه ، ولأنه زي من لا خلاق له من الأعاجم .
ولا بأس عند الصاحبين للضرورة بلبس الديباج ( وهو ما سداه ولجمته إبْريَسم
أي أحسن الحرير) في الحرب؛ لأن الحاجة ماسة إليه، فإنه يرد الحديد بقوته،
ويكون رعباً في قلوب الأعداء، وهو أهيب في عين العدو لبريقه ولمعانه. وعن
الحكم بن عمير، قال: ((رخص رسول الله ماته في لباس الحرير عند القتال))(٣) ويكره
(١) الإبزيم : الذي في رأس المنطقة، وما أشبهه، وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر.
(٢) راجع الآثار الثلاثة المذكورة في نصب الراية : ٢٣٢/٤ - ٢٣٤.
(٣) رواه ابن عدي في الكامل ، وفيه ضعيف ، وروي عن الشعبي ، وهو غريب عنه ( نصب الراية : ٢٣٧/٤)
- ٥٤٨ _

لبسه عند أبي حنيفة لعموم النهي ، والضرورة تندفع بالمخلوط.
وأباح الحنفية في الحرب وغيرها لبس الثوب المختلط بالحرير ( المُلْحَم ) بأن
كان سداه حريراً ولمته غير حرير كقطن أو كتان أو خز ( صوف مخلوط
بحرير: لُمته صوف، وسداه حرير) ؛ لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، والخز
مسدى بالحرير ، ولأن النسج باللحمة ، فهي المعتبرة دون السدى . فإن انعكس
الأمر بأن كانت لحمة الثوب حريراً ، وسداه غير حرير ، لا يحل لبسه في غير
الحرب ، ولابأس به في الحرب باتفاق الحنفية .
ويجوز عند الحنفية قليل الحرير ، فالقليل عفو: وهو مقدار ثلاثة أو أربعة
أصابع ، كالأعلام ، والمكفوف بالحرير، لما روى عمر، فقال: (( نهى رسول الله
عَؤُفّ عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع))(١). وكان النبي عد اله
يلبس جبة مكفوفة بالحرير (٢).
ويباح للضرورة عند جمهور الفقهاء غير المالكية لبس الحرير لدفع أذى من
قَمْل ونحوه، أو لدفع مرض كجرب وغيره ، بدليل أن النبي صَ لّ رخص لعبد
الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بها (٣). وقال المالكية:
لا يحل ولو لذاك ، ويلاحظ أن الحديث حجة عليهم .
ويكره عند الحنفية للولي أن يلبس الصبيان الذكور الذهب والفضة
والحرير؛ لأن التحريم ثبت في حق الذكور ، وإذا حرم اللبس ، حرم الإلباس ،
كالخمر لما حرم شربه حرم سقيه .
(١) أخرجه مسلم ( نصب الراية : ٢٢٥/٤ ).
(٢) أخرجه مسلم عن عبد الله أبي عمر ، مولى أسماء بنت أبي بكر ، ورواه أبو داود ، والبخاري أيضاً (نصب
الراية : ٢٢٦/٤ ) .
(٣) رواه الجماعة عن أنس إلا أن لفظ الترمذي: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي ◌َّ القَمْلَ،
فرخص لهما في قُمُص الحرير، في غزاة لهما ( نيل الأوطار : ٨٨/٢).
- ٥٤٩ _

وحرم الحنابلة في الأصوب على الولي أن يلبس الصبي الحرير لعموم قول
النبي ◌ُ ◌ّ: (( حرم لباس الحرير على ذكور أمتي وأحل لنسائهم )) وروى أبو داود
عن جابر قال: (( كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري )).
وحرم الجمهور غير الحنفية الجلوس على الحرير ، أو الاستناد عليه ، أو توسده
وستر الجدران به ، إلا أن المالكية أجازوا ستر النافذة به ، وأجاز الحنابلة ستر
الكعبة به ، وأباح الشافعية الجلوس على الحرير بحائل ( غطاء ) كملاءة من قطن
أو صوف أو كتان أو نحوها .
ودليلهم على تحريم الجلوس على الحرير قول حذيفة: ((نهانا النبي ◌ُ اللّ أن
نشرب في آنية الذهب والفضة ، وأن نأكل فيها ، وعن لبس الحرير والديباج ،
وأن نجلس عليه)»(١) .
وأجاز الجمهور غير الحنفية كالحنفية لبس القليل من الحرير كالعَلَم(٢) في
الثوب الحريري المقدر بأربع أصابع ، ولكن عند المالكية يجوز لباس الخز (غير
الخالص ) مع الكراهة للباس السلف له، ودليل الجمهور حديث عمر المتقدم ،
وحديث ابن عباس قال: ((إنما نهى رسول الله ◌ُّ عن الثوب المصْمَت من قَزّ(٢).
قال ابن عباس: أما السَّدَى والعَلَم، فلا نرى به بأساً )) (٤).
والمنسوج من الحرير وغيره : الحكم فيه عند الشافعية والحنابلة للأغلب منهما
فإن كان القطن ونحوه هو الأكثر، جاز؛ لأن الحرير مستهلك في غيره . وقال
المالكية في الأصوب: يكره المختلط بغيره، كالخالص، سواء أكان المختلط يسيراً أم
كثيراً .
(١) رواه البخاري ( نيل الأوطار: ٨٥/٢)
(٢) أعلمت الثوب : جعلت له علماً من طراز وغيره ، وهي العلامة .
(٣) المصمت من قز: هو الذي جميعه حرير، لا يخالطه قطن ولا غيره .
(٤) رواه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: ٩٠/٢ )
- ٥٥٠ -

ولا يجوز في الأصوب عند الحنابلة كالحنفية لولي الصبي أن يلبسه الحرير .
وأجاز الشافعية إلباس الصبي أو المجنون حريراً ؛ لأنه غير مكلف ، ولأن خنوثة
الحرير لا تتنافى مع الأولاد بعكس الرجال .
وكره تنزيها عند الحنفية للرجال لبس المعصفر والمزعفر : الأحمر والأصفر ،
ولا يكره للنساء ، ولا بأس لهن بسائر الألوان .
المبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو والسلام :
أولاً - الوطء :
الاستمتاع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر ، بما يحقق الإعفاف
والصون عن الحرام ، وتباح كل وجوه الاستمتاع إلا الإتيان في الدبر فهو حرام .
ومكان الوطء باتفاق المذاهب: هو القبل، لا الدبر (١)، لقوله تعالى: ﴿نساؤكم
حرث لكم ، فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾(٢) أي على أية كيفية: قائمة، أو قاعدة ،
مقبلة ، أو مدبرة ، في أقبالهن (٣). قال ابن عباس : إنما قوله: ﴿فأتوا حرثكم أنى
شئتم﴾ . قائمة ، وقاعدة ، ومقبلة ، ومدبرة ، في أقبالهن ، لا تعدو ذلك إلى
غيره . وله عبارة أخرى في الآية : إن شئت فمقبلة ، وإن شئت فمدبرة ، وإن
شئت فباركة ، وإنما يعني ذلك موضع الولد للحرث ، يقول : ائت الحرث حيث
شئت .
(١) القوانين الفقهية: ص٢١١، فتح المعين شرح قرة العين: ص١٠٧)
(٢) الآية ٢٢٣ من سورة البقرة .
(٣) قال الشافعي : لا يجب قضاء الجماع للمرأة إلا مرة بعد الزفاف ، وهذا هو مذهب الحنفية في الرواية
الظاهرة والمعروف عند الشافعية أنه لاحق للمرأة في الجماع. وقال الطحاوي: يلزم في كل أربع ليال مرة . وقال
بعضهم : يلزم كل أربعة أشهر مرة وهي مدة الإيلاء . هذا في أحكام القضاء . أما ديانة فيلزم الزوج شرعاً إعفاف
زوجته وإبعادها عن الوقوع في الحرام ، متى كان قادراً على ذلك. وقال بعضهم : إن الإعفاف بحسب تقدير حال
الزوجين واجب قضائي أيضاً ، وهو الرأي المعقول .
- ٥٥١ _

وقد ثبت تحريم الوطء في الدبر(١) ، في السنة النبوية ، بأحاديث كثيرة
منها: ((ملعون من أتى امرأة في دبرها)) (٢) ((الذي يأتي المرأة في دبرها هي
اللوطية الصغرى)) (٣) ((من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها ، أو كاهناً ، فصدقه ،
فقد كفر بما أنزل على محمد)) (٤). ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين ، لقوله
تعالى : ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) ويجوز
وطؤها في القبل مدبرة لقول جابر: ((يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا
كان ذلك في الفرج )» .
وطء الحائض :
ويحرم بالاتفاق إتيان الحائض ، ومستحله كافر ، لقوله تعالى :
﴿ ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ،
ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله
يحب التوابين ، ويحب المتطهرين ﴾ [ البقرة - ٢٢٢] والنفساء كالحائض .
ويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم ،
وبنصفه في إدباره ؛ لخبر أبي داود والحاكم وصححه (( إذا واقع الرجل أهله وهي
حائض ، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار ، وإن كان أصفر ، فليتصدق بنصف
دینار )»(٥) .
(١) المهذب : ٦٦/٢ .
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ، وهو حديث صحيح .
(٣) رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
(٤) رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة (راجع الأحاديث الثلاثة في تفسير ابن كثير: ٢٦٣/١).
(٥) روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس عن النبي ميّز في الذي يأتي امرأته وهي حائض:
يتصدق بدينار، أو بنصف دينار. قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة ، قال : دينار أو نصف دينار. وفي لفظ
للترمذي: إذا كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار، وفي رواية لأحمد أن النبي ◌َ ◌ّ جعل في
الحائض تصاب ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها، ولم تغتسل، فنصف دينار)) (نيل الأوطار: ٢٧٨/١).
- ٥٥٢ -

وأجاز أبو حنيفة إتيان المرأة إذا انقطع دم الحيض ، ولو لم تغتسل بالماء إلا
أنه إذا انقطع دمها بعد أكثر الحيض ( عشرة أيام ) حلت حينئذ ، وان انقطع
دمها لأقل من عشرة أيام ، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل أو تغتسل .
ولم يجز الجمهور غير أبي حنيفة إتيانها حتى ينقطع الحيض ، وتغتسل بالماء
غسل الجنابة .
وأما ما عدا الوطء في الفرج للحائض من الاستمتاع بالضم أو اللمس ، أو
القبلة أو غير ذلك ، فتجوز المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة باتفاق العلماء .
وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة ففيه أقوال ثلاثة(١) :
١ - قول أكثر العلماء، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية والشافعية:
وهو التحريم ، سداً للذريعة، ولحديث عائشة: ((كانت إحدانا إذا كانت
حائضاً ، فأراد رسول الله عَ اقلٍ أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزار، في فور
حيضتها ، ثم يباشرها )) (٢) .
٢ - قول الحنابلة والأوزاعي ومحمد من الحنفية وغيره : الجواز، لقول النبي
عَ ◌ّم: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح، وفي لفظ: إلا الجماع))(١) وهو صريح
بتحليل كل شيء ما عدا النكاح .
٣ - التفصيل: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، إما لشدة ورع ، أو
لضعف شهوة ، جاز، وإلا لم يجز .
وأرجح العمل بالأحوط في الأحوال العادية ، فإن كان المرء مسافراً ثم قدم ،
(١) نيل الأوطار: ٢٧٦/١، الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص٤١، اللباب: ٤٨/١ وما بعدها، تبيين
الحقائق: ٥٧/١ ، الشرح الكبير: ١٧٣/١، مغني المحتاج: ١١٠/١، المغني: ٣٠٦/١ .
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين . قال الخطابي: فور الحيض: أوله ومعظمه ( نيل الأوطار: ٢٧٨/١ ).
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري عن أنس بن مالك (نيل الأوطار: ٢٧٦/١ ).
- ٥٥٣ _

أو شديد الشَّبَق(١) ، جازله العمل بالقولين الآخرين ، بشرط أن يضبط نفسه
عن الفرج ، منعاً من الوقوع في الحرام بالنظر إلى الأجنبيات وغيره ، ولأن النبي
عَ اتٍ كان إذا أراد من الحائض شيئاً، ألقى على فرجها شيئاً(٢).
العزل :
الإيجاد والخلق في الحقيقة منوط بالإرادة الإلهية ، ففي حديث حسن رواه
الطبراني: (( اعزلوا أو لا تعزلوا ، ما كتب الله تعالى من نسمة هي كائنة إلى يوم
القيامة إلا وهي كائنة)) ولا خلاف بين العلماء ما عدا ابن حزم الظاهري(٣): أنه
يجوز العزل(٤) عن الزوجة، بشرط إذنها، بدليل قول جابر: (( كنا نعزل على
عهد رسول الله محطاته، والقرآن ينزل)) متفق عليه. ولمسلم: ((كنا نعزل على عهد
رسول الله صَ ◌ّ، فبلغه ذلك، فلم ينهنا))(٥) ودليل اشتراط الإذن مارواه أحمد
وابن ماجه عن عمر: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن أن يعزل عن الحرة، إلا
یاذنها ))(٦) .
إلا أن الشافعية والحنابلة وقوماً من الصحابة قالوا بكراهة العزل ؛ لأن.
الرسول عَ لّ في حديث مسلم عن عائشة سماه الواد الخفي، فحمل النهي على
(١) وأجاز الحنابلة لمن به شبق وطء الحائض بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ، ويخاف تشقق
أنثييه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض من زوجة أخرى ( كشاف القناع: ٢٢٧/١).
(٢) رواه أبو داود عن عكرمة عن بعض أزواج النبي عَ ◌ّرِ (نيل الأوطار: ٢٧٧/١ ).
(٣) تكملة الفتح: ١٠٩/٨، إحياء علوم الدين: ٤٧/٢ وما بعدها، نيل الأوطار: ١٩٧/٦، فتح القدير:
٤٩٤/٢، الشرح الكبير: ٢٦٦/٢، المهذب: ٦٦/٢، المغني: ٢٢٣/٧، الإحياء: ٢٤٨/٢، شرح مسلم: ٦/١٠، ١٧.
(٤) العزل : النزع بعد الإيلاج ، لينزل الماء خارج الفرج .
(٥) رويت أحاديث أخرى في معناه ( نيل الأوطار: ١٩٥/٦ وما بعدها ) .
(٦) قال المحدثون : وليس إسناده بذلك ، لأن في إسناده ابن لهيعة ، وفيه مقال معروف . ويشهد له ما أخرجه
عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: (( نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها )) وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن
أمته ، وروى البيهقي عن ابن عمر مثله ( نصب الراية: ٢٥١/٤ ، نيل الأوطار: ١٩٦/٦ وما بعدها ) .
- ٥٥٤ _

كراهة التنزيه . وأجاز الغزالي العزل لأسباب منها كثرة الحرج بسبب كثرة
الأولاد .
وبناء عليه يجوز استعمال موانع الحمل الحديثة كالحبوب وغيرها لفترة مؤقتة ،
دون أن يترتب عليه استئصال إمكان الحمل ، وصلاحية الإنجاب ، قال
الزركشي : يجوز استعمال الدواء لمنع الحبل في وقت دون وقت كالعزل ،
ولا يجوز التداوي لمنع الحبل بالكلية .
آداب الجماع :
للجماع آداب كثيرة ثابتة في السنة النبوية منها ما يأتي (١): تستحب التسمية
قبله ، ويقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ، ویکبر ، ويهلل ، ويقول ولو مع اليأس
عن الولد: (( باسم الله العلي العظيم ، اللهم اجعلها ذرية طيبة ، إن كنت قدرت
أن تخرج ذلك من صلبي)) ((اللهم جنبني الشيطان ، وجنب الشيطان مارزقتني))
رواه أبو داود . وينحرف عن القبلة ، ولا يستقبل القبلة بالوقاع ، إكراماً
للقبلة .
وأن يتغطى نفسه هو وأهله بغطاء ، وألا يكونا متجردين(٢) فذلك مكروه
کما سيأتي .
وأن يبدأ بالملاعبة والضم والتقبيل . وإذا قضى وطره ، فليتمهل لتقضي
وطرها ، فإن إنزالها ربما تأخر. ويكره الإكثار من الكلام حال الجماع ،
ولا يخليها عن الجماع كل أربع ليال مرة بلا عذر .
(١) المغني: ٢٥/٧، إحياء علوم الدين: ٤٦/٢ وما بعدها، كشاف القناع: ٢١٦/٥ وما بعدها، مختصر منهاج
القاصدين: ص٧٣ ، فتح المعين: ص١٠٧ ، الأذكار للنووي: ص١٥٩ ، نيل الأوطار : ١٩٤/٦.
(٢) روى ابن ماجه حديثاً عن عتبة بن عبد السُّمي: ((إذا أتى أحدكم أهله ، فليستتر، ولا يتجردا تجرد
العيرين)) أي الحمارين ( نيل الأوطار : ١٩٤/٦ ).
- ٥٥٥ _

وتأتزر الحائض بازار مابين السرة والركبة إذا أراد الاستمتاع بها .
ومن أراد أن يجامع مرة ثانية ، فليغسل فرجه ، ويتوضأ ؛ لأن الوضوء
يزيد نشاطاً ونظافة .
وليس في السنة استحباب الجماع في ليال معينة كالاثنين أو الجمعة ، ومن
العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة .
ويكره الوطء وهما متجردان . لما روى ابن ماجه عن عتبة بن عبد الله
قال: ((قال رسول الله ماته: إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردان تجرد
العَيْرين)) والعَيْر: حمار الوحش ، شبههما به تنفيراً عن تلك الحالة . ويكره
تحدثها بما جرى بينهما ، وحرمه بعضهم لما فيه من إفشاء السر، وهو حرام .
ومن الآداب ألا يحلق شعره ، ولا يقلم أظفاره ، ولا يخرج دماً ، وهو
جنب .
ويستحب في ليلة الزفاف قبل الجماع أن يأخذ الرجل بناصية المرأة
ويقول: ((اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه ، وأعوذ بك من
شرها وشر ما جبلتها عليه))(١) .
الإجهاض :
اتفق العلماء على تحريم الإجهاض دون عذر بعد الشهر الرابع أي بعد ١٢٠
يوماً من بدء الحمل ، ويعد ذلك جريمة موجبة للغُرَّةِ(٢) ، لأنه إزهاق نفس وقتل
إنسان .
(١) ثبت ذلك بحديث رواه ابن ماجه وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( نيل الأوطار:
٦ / ١٨٩ ) .
(٢) الغرة : دية الجنين ، وتساوي ٥٪ من الدية الكاملة أي ٥٠ ديناراً أو ٥٠٠ درهم .
- ٥٥٦ _

وأرجح أيضاً عدم جواز الإجهاض بمجرد بدء الحمل ، لثبوت الحياة ، وبدء
تكون الجنين إلا لضرورة كمرض عضال أو سار كالسل أو السرطان ، أو عذر ، كأن
ينقطع لبن المرأة بعد ظهور الحمل ، وله ولد ، وليس لأبيه ما يستأجر به الظئر
( المرضع ) ، ويخاف هلاك الولد . وإني بهذا الترجيح ميَّال مع رأي الغزالي الذي
يعتبر الإجهاض ولو من أول يوم كالوأد جناية على موجود حاصل(١) .
ومع هذا أذكر أقوال الفقهاء في الإجهاض :
١ - مذهب الحنفية(٢): يباح الإسقاط بعد الحمل ، ما لم يتخلق منه
شيء ، ولن يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوماً ؛ لأنه ليس بآدمي . وهذا
يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق: نفخ الروح . وقيل عندهم : إن ذلك مكروه بغير
عذر ، فإذا أسقطت بغير عذر يلحقها إثم .
ومن الأعذار : أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل ، وليس لأبي الصبي
: ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه .
وحمل بعضهم إباحة الإسقاط المطلقة على حالة العذر ؛ لأن الماء بعد ما وقع
في الرحم مآله الحياة ، فله حكم الحياة . وهذا التأويل معقول وضروري .
٢ - مذهب المالكية(٣): المعتمد أنه يحرم عندهم إخراج المني المتكون في
الرحم ، ولو قبل الأربعين يوماً . وقيل : يكره إخراجه قبل الأربعين . وإذا
نفخت فيه الروح حرم إجماعاً ، وهذا رأي الغزالي والظاهرية(٤) .
(١) إحياء علوم الدين : ٢ / ٤٧.
(٢) فتح القدير: ٢ / ٤٩٥، حاشية ابن عابدين: ١ / ٢٧٨، ٢ / ٥٢٢، ط الأميرية، و ٥ / ٤١٨، الفتاوى
الهندية: ٥ / ٣٦٥ - ٣٦٧.
(٣) الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢ / ٢٦٦ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢١٢ .
(٤) المحلى: ١١ / ٣٨ ، ط الإمام.
- ٥٥٧ _

٣ - مذهب الشافعية(١): يباح الإجهاض مع الكراهة إذا تم في فترة
الأربعين يوماً ( ٤٠ أو ٤٢ أو ٤٥ يوماً) من بدء الحمل ، بشرط كونه برضا
الزوجين ، وألا يترتب على ذلك ضرر بالحامل . وبعد فترة الأربعين يحرم
الإسقاط مطلقاً .
ورجح الرملي جواز الإجهاض قبل نفخ الروح والتحريم بعد نفخ الروح
مطلقاً ، فيكون رأيه كالحنفية .
وحرم الغزالي(٢) الإجهاض مطلقاً ، لأنه جناية على موجود حاصل .
٤ - مذهب الحنابلة(٣)، هو كالحنفية: المعتمد عندهم أنه يجوز الإسقاط في
فترة الأربعة الأشهر الأولى أي في مدة الـ ١٢٠ يوماً من بدء الحمل قبل نفخ
الروح ، ويحرم قطعاً بعدها ، أي بعد ظهور الحركة الإرادية .
الإعقام أو التعقيم:
جعل المرأة عقيماً ، بمعالجة تمنع الإنجاب نهائياً، وقد صرح الفقهاء بأنه يحرم
استعمال ما يقطع الحبل من أصله ، لأنه كالوأد(٤) . وذلك إلا إذا كانت هناك
ضرورة ملجئة كانتقال مرض خطير بالوراثة إلى الأولاد والأحفاد ، ودرء المفاسد
مقدم على جلب المصالح ، ويرتكب أخف الضررين ، ولا مانع من عقم المصابة
بمرض خبيث ، وتكون من فئة النساء اللاتي تحققت فيهن مشيئة الله بالعقم :
(١) بجيرمي الخطيب: ٤ / ٤٠، حاشية الشبرامسلي على نهاية المحتاج: ٦ / ٢٠٥، ط البهية المصرية ، تحفة
المحتاج لابن حجر: ٨ / ٢٤١، نهاية المحتاج: ٨ / ٢٣٩ وما بعدها، شرح مسلم: ١٦ / ١٩٠.
(٢) إحياء علوم الدين : ٢ / ٤٧ .
(٣) الفروع لشمس الدين المقدسي: ١ / ٢٨١، الإنصاف لعلاء الدين المرداوي: ١ / ٣٨٦، منتهى الإرادات
لابن النجار: ١ / ٢٨٦، المغني: ٧ / ٨١٦ .
(٤) المراجع السابقة .
- ٥٥٨ _

﴿ لله ملك السموات والأرض ، يخلق ما يشاء ، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن
يشاء الذكور ، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ، ويجعل من يشاء عقيماً ﴾.
أما ما يبطئ الحبل مدة ، ولا يقطعه من أصله ، فلا يحرم ، بل إن كان
لعذر كتربية ولد ، لم يكره أيضاً ، وإلا كره عند الشافعية .
التلقيح الصناعي :
هو استدخال المني لرحم المرأة بدون جماع . فإن كان بماء الرجل لزوجته ،
جاز شرعاً ، إذ لا محذور فيه ، بل قد يندب إذا كان هناك مانع شرعي من
الاتصال الجنسي .
وأما إن كان بماء رجل أجنبي عن المرأة ، لا زواج بينهما ، فهو حرام ؛ لأنه
بمعنى الزنا الذي هو إلقاء ماء رجل في رحم امرأة ، ليس بينهما رابطة زوجية .
ويعد هذا العمل أيضاً منافياً للمستوى الإنساني ، ومضارعاً للتلقيح في دائرة
النبات والحيوان .
خصاء البهائم :
ولا بأس عند الحنفية بخصاء البهائم ، وإنزاء الحمير على الخيل ، لإنجاب
البغال ، ولأن الخصاء للنفع ، إذ تسمن الدابة ويطيب لحمها . وقال المالكية :
يجوز خصاء الغنم وسائر الدواب إلا الخيل ؛ لأن خصاء الغنم يزيد في سمنها ،
وخصاء الخيل ينقص من قوتها ويقطع نسلها ، ويكره الوسم في الوجه ، ولا بأس
به في غير ذلك(١) .
(١) اللباب: ٤ / ١٦١، القوانين الفقهية: ص ٤٤٥، شرح الرسالة: ٢ /٤١٤.
- ٥٥٩ -

ثانياً - النظر :
للنظر أربعة أقسام ، لكل قسم حكم ، وهي : نظر الرجل للمرأة ، ونظر
المرأة إلى الرجل ، ونظر الرجل إلى الرجل ، ونظر المرأة إلى المرأة (١).
الأول - نظر الرجل للمرأة :
أ - إذا كانت المرأة زوجة: جاز للزوج اللمس والنظر إلى جميع جسدها ،
حتى فرجها باتفاق المذاهب الأربعة ، والفرج محل التمتع . ولكن يكره لكل منهما
نظر الفرج من الآخر ، ومن نفسه بلا حاجة ، وإلى باطنه أشد كراهة ، قالت
عائشة رضي الله عنها: (( ما رأيت منه ، ولا رأى مني)) أي الفرج(٣) .
ب - وإذا كانت المرأة ذات مَحْرم كالأخت والخالة(٣)، جاز عند الحنابلة
النظر إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ، وليس له النظر
إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما .
ومذهب الحنفية قريب من الحنابلة مع تعديل : فعندهم يجوز النظر إلى
الوجه والرأس والصدر والساقين ( الساق: من الركبة إلى القدم ) والعضدين ( أي
الساعدين ، والساعد : من المرفق إلى الكتف ) ، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها ؛
(١) راجع تكملة الفتح: ٨ / ٩٧ - ١٠٧، البدائع: ٥ /١١٩ - ١٢٤، اللباب: ٤ / ١٦٢ - ١٦٥، تبيين
الحقائق: ٦ / ١٧ - ٢١، الدر المختار: ٥ / ٢٥٧ - ٢٦٤، الشرح الكبير: ٢ / ٢١٥، القوانين الفقهية: ص ١٩٣،
٤٤٦، تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر: ٧ / ١٩٠ - ٢٠٥، المهذب: ٢ / ٣٤ - ٣٥، المغني: ٦ / ٥٥٢ وما بعدها ،
٥٥٨ - ٥٦٣، ٥٨٠، مغني المحتاج: ٣ / ١٢٨ - ١٣٤، فتح المعين: ص ٩٨.
(٢) أما خبر: ((النظر إلى الفرج يورث الطمس)) أي العمى ، فرواه ابن حبان وغيره في الضعفاء ، بل ذكره
ابن الجوزي في الموضوعات فهو منكر لا أصل له . وخالفه ابن الصلاح وحسن إسناده ( نصب الراية: ٤ / ٢٤٨ )
وحديث عائشة رواه ابن ماجه .
(٣) ذوات المحارم : كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح كأم
الزوجة عند الشافعية والحنابلة . والأصح عند الحنفية أن المصاهرة سبب للتحريم سواء أكانت بسبب مباح كالنكاح أم
بسبب محرم كالسفاح .
- ٥٦٠ -
''۔۔