Indexed OCR Text
Pages 441-460
وفاكهة وأبًّا ، متاعاً لكم ولأنعامكم ) فالله سبحانه عطف الفاكهة على العنب ، والمعطوف غير المعطوف عليه . وقال الصاحبان : يحنث بأكل هذه الأشياء ؛ لأن معنى التفكه موجود فيها عرفاً ، فإنها أعز الفواكه ، والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها . هذا هو مذهب الحنفية في الفاكهة ، والعبرة الآن للعرف ، فيحنث الحالف بكل ما يعد فاكهة عرفاً . وأما قول أبي حنيفة بأن العنب والرطب والرمان ليس بفاكهة ، فهذا اختلاف عرف وزمان ، وكان في زمنه لا تعد هذه الأشياء من جملة الفواكه ، فأفتى بحسب عرف زمانه ، وقد تغير العرف في زمان الصاحبين ، فكانت فتواهما مخالفة لفتوى الإمام رضي الله عنه . ولو حلف لا يأكل فاكهة يابسة فأكل الجوز واللوز والتين ونحوها : فإنه كان في الماضي يحنث ؛ لأن اسم الفاكهة يطلق على الرطب واليابس منها ، وأما في عرفنا فلا يحنث في الجوز واللوز، لأنه لا يتفكه بها (١). وقال المالكية والشافعية والحنابلة(٢): يدخل في فاكهة: رُطَب النخيل وعنب ورمان وأُتْرُجّ (نارنج ) ورَطْب ويابس وليمون ونَبْق ( ثمر حمل السدر) ، وبطّيخ ولبُّ فُسْتق وبُنْدق وغيرهما من اللبوب كلبّ لوز وجوز، في الأصح . ولا يشمل القثاء والخيار والجزر والباذنجان . ١٤ - عدم أكل الحنطة : لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة يقع على أكل عينها مقلية(٣) ومطبوخة ، ولا يقع على الحنطة النيئة إلا بالنية ، كما لا يقع على (١) المبسوط: ٨ / ١٧٩، البدائع: ٣ / ٦٠ وما بعدها، فتح القدير: ٤ / ٥٣، تبيين الحقائق: ٣ / ١٣٠ وما بعدها ، الدر المختار: ٣ / ١٠٣. (٢) مغني المحتاج: ٤ / ٣٤٠ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٦٣، المغني: ٨ / ٨٠٤ . (٣) المقلية : هي التي يغليها الناس على النار ويأكلونها قضاً ، وهي التي تسمى في عرف بلادنا ( بليلة ). - ٤٤١ - الخبز، وما يتخذ من الدقيق إلا أن ينويه فيحنث به ، وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه ؛ لأن اسم الحنطة لا يقع على الخبز حقيقة ، فحملها على الخبز يكون حملاً على المجاز ، والحقيقة أولى . ورأى الشافعية (١) أنه يحنث بأكل الحنطة مطبوخة ونيئة ومقلية ، ولا يحنث بأكل طحينها وسويقها وعجينها وخبزها . كذلك لا يتناول الرطب تمرأً ولا بُشْرً(٣) ، ولا يتناول العنب زبيباً. وقال الصاحبان رحمهما الله والمالكية : إن أكل الحنطة خبزاً حنث أيضاً ، كما لو أكل من عينها ؛ لأن المتعارف في إطلاق أكل الحنطة هو أكل المتخذ منها وهو الخبز، لا أكل عينها ، يقال : فلان يأكل من حنطة كذا أي من خبزها ، ومطلق الكلام يحمل على المتعارف . ومنشأ الخلاف في هذه القضية راجع إلى اختلافهم في مسألة في أصول الفقه : وهي أن الكلام إذا كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف ، فعند أبي حنيفة : الحقيقة أولى من المجاز المتعارف . وعند الصاحبين : المجاز المتعارف أولى . فمن حلف لا يشرب من الفرات أو من هذا النهر فعند أبي حنيفة : يقع على الشرب كرعاً(٣) حتى لو اغترف بإناء أو بيده : لا يحنث . وعند الصاحبين : يقع عليهما أخذاً بعموم المجاز . وعموم المجاز : معناه أن يكون للمجاز أفراد كثيرة ، ومن جملة أفراده محل الحقيقة ، فتدخل الحقيقة في المجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان ، فإنه مجاز عن المسكن ، وحقيقته الدار المملوكة لفلان ، فيدخل في اليمين : ما يسكنه كيفما كان، سواء أكان مستأجراً أم عارية أم ملكاً لعموم المجاز اتفاقاً. (١) مغني المحتاج: ٤ / ٣٣٨. (٢) قال أهل اللغة: ثمر النخل أوله طلع وكافور، ثم خلال، ثم بلح ، ثم بسر، ثم رطب ، ثم تمر . (٣) كَرع في الماء أو الإناء : مد عنقه وتناول الماء بفيه من موضعه . - ٤٤٢ - عدم أكل الدقيق : ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق ، فأكل مما يتخذ منه وهو الخبز: يحنث ؛ لأن عينه لا يؤكل ، وإنما يؤكل عادة خبزاً ، ولا يستف إلا نادراً ، والنادر ملحق بالعدم . فإن نوى لا يأكل عين الدقيق : لا يحنث بأكل ما يخبز منه ، لأنه نوى حقيقة كلامه . عدم أكل الخبز : ولو حلف لا يأكل خبزاً فيمينه على حسب المعتاد عند أهل البلد فيما يعتبر أكله خبزاً ، وذلك خبز الحنطة والشعير ، لأنه هو المعتاد في غالب البلدان(١) . والخبز في الحلف على أكله يتناول عند الشافعية(٢) كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا ( فول ) وذُرة وحِمَّص . وبناء على مسألة الدقيق : إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فأكل من ثمرتها : يحنث ؛ لأن عينها لا تؤكل . ١٥ - الحلف على عدم الأكل وقصد طعام خاص : لو حلف لا يأكل أو لا يشرب ، أو لا يلبس ، ونوى طعاماً خاصاً وشراباً خاصاً ، وثوباً: فإنه لا يصدق ؛ لأنه نوى خلاف مقتضى كلامه وهو لا عموم له ، فلا يحتمل الخصوص ، والنية إنما تعمل في الملفوظ لتعيين بعض محتملاته . أما لو قال : لا آكل طعاماً ، أو لا ألبس ثوباً ، ونوى طعاماً بعينه وثوباً بعينه : يصدق ديانة لا قضاء ، لأنه نوى تخصيص كلامه الظاهر منه العموم ولكنه يحتمل (٣) الخصوص ) . (١) انظر المبسوط: ٨ / ١٨١، البدائع، المرجع السابق: ص ٦١ وما بعدها، فتح القدير: ٤ / ٥٠ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣ / ١٢٩، الدر المختار: ٣ / ١٠٠ وما بعدها، الشرح الكبير: ٢ / ١٤٥. (٢) مغني المحتاج: ٤ / ٣٣٩ . (٣) البدائع: ص ٦٦، تبيين الحقائق: ٣ / ١٣٣، الدر المختار: ٣ / ١٠٥ وما بعدها . - ٤٤٣ - وذكر المالكية (١) : أن من حلف ألا يأكل رغيفاً ، فأكل بعضه ، فإنه يحنث في المشهور، ولو حلف أن يأكله ، لم يبر إلا بأكل جميعه . والقاعدة عندهم أن من حلف على فعل يحمل على أكثر ما يحتمله اللفظ على المشهور. ومن حلف على فعل شيء حنث بأكل ما يشتق منه ، فمن حلف ألا يأكل قمحاً ، حنث بأكل خبزه ، ومن حلف ألا يأكل لبناً ، حنث بأكل الجبن ، ومن حلف ألا يأكل عنباً ، حنث بأكل الزبيب . الحلف على الشرب : عرفنا معنى الشرب : وهو إيصال ما لا يحتمله المضغ من المائعات إلى الجوف ، فلو حلف لا يشرب ، فأكل : لا يحنث ، كما لو حلف لا يأكل ، فشرب : لا يحنث ؛ لأن الأكل والشرب فعلان متغايران . وإذا حلف لا يشرب ولا نية له : فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث ، لأنه منع نفسه عن الشرب عموماً ، وسواء شرب قليلاً أو كثيراً ، لأن بعض الشراب يسمى شراباً . ولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات : قال أبو حنيفة : لا يحنث ما لم يشرب منه كرعاً : وهو أن يضع فاه عليه ، فيشرب منه ، فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث . وقال الصاحبان : يحنث سواء شرب كرعاً أو بإناء أو اغترف بيده . دليلها : أن مطلق اللفظ ينصرف إلى المتعارف عند أهل اللغة . والمتعارف عندهم : أن من رفع الماء من النهر بيده أو بإناء أنه يسمى شارباً من النهر ، فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف ، وإن كان مجازاً بعد أن كان متعارفاً ، كما أشرنا قريباً ، وهو مثل ما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة ، فإنه ينصرف (١) القوانين الفقهية : ص ١٦٤ وما بعدها . - ٤٤٤ - إلى الثمرة . ودليل أبي حنيفة : أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة ، وحقيقة الشرب من النهر : هو أن يكرع منه كرعاً بأن يضع فاه عليه فيشرب منه . الشرب من الجب أو البئر : إن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب(١) أو البئر فاغترف بإناء أو بيده من الأول واستقى من الثاني وشرب : يحنث بالاتفاق ، لأنه لا يمكن الشرب منه كرعاً . فلو حلف لا يشرب من هذا الجب : فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الحلف من دجلة أو الفرات ، فلا يحنث عند أبي حنيفة ما لم يكرع منه . وعند الصاحبين : يحنث مطلقاً(٢) . الحلف على الغداء والعشاء والسحور : الغداء والعشاء والسحور عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة ، ويعتبر غداء كل بلدة : ما تعارفه أهلها ، فإن كان خبزاً فخبز، وإن كان لحماً فلحم ، حتى إن الحضري إذا حلف على ترك الغداء ، فشرب اللبن لم يحنث ، والبدوي بخلافه ، لأنه غداء في البادية أي أن المعتبر فيما يتغدى به عادة أهل بلد الحالف . ولا بد من أن يأكل أكثر من نصف الشبع في غداء وعشاء وسحور . والغداء في الماضي : هو الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر . والعشاء في الماضي : هو الأكل من صلاة الظهر إلى نصف الليل ؛ لأن ما بعد الزوال يسمى عشاء ، وعليه تسمى الظهر إحدى صلاتي العشاء في الحديث ، فإنه ورد أن النبي اتّ صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين : يريد به الراوي : الظهر أو العصر . (١) الجب بضم الجيم : البئر العميقة . (٢) المبسوط: ٨ / ١٨٦ وما بعدها، البدائع: ٣ / ٦٦، فتح القدير: ٤ / ٥٨ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٣ / ٠١٣٤ - ٤٤٥ _ وفي عرفنا اليوم يعتبر الأكل من طلوع الفجر إلى ارتفاع الضحى الأكبر فطوراً ، وما بعده يدخل وقت الغداء وينتهي إلى العصر ، لأنه أول وقت العشاء في عرفنا ، وحينئذ يدخل وقت العشاء : وهو ما بعد صلاة العصر ، وهذا العرف يعمل به . والسحور : هو الأكل من بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر ، مأخوذ من السحر وهو الثلث الأخير من الليل ، وقد أطلق على النصف الثاني من الليل لقربه من الثلث الأخير . وأما التضحي : فهو الأكل في وقت التضحي . ووقت الضحى : هو من بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار ؛ لأن هذا وقت صلاة الضحى . وأما التصبيح : فهو ما بين طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحوة الكبرى لأنه من الإصباح ، وهذا يعرف بتسمية أهل اللغة . ولو حلف ليأتينه غدوة : فهذا بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار(١). وإن حلف ألا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله ، لا يحنث عند الجمهور، وعن الإمام أحمد روايتان : إحداهما - يحنث ؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء ، فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي . والثانية - لا يحنث ؛ لأن الأفعال أنواع كالأعيان (٢). (١) البدائع: ٣ / ٦٩، فتح القدير: ٤ / ٥٥، تبيين الحقائق: ٣ / ١٣٢، الدر المختار: ٣ /١٠٥. (٢) المغني : ٨ / ٨١٦. - ٤٤٦ _ المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة : من حلف ألا يلبس ثوباً وهو لابسه ، نزعه في الحال ، فإن لم يفعل حنث بالاتفاق(١) . وإذا حلف إنسان (( لا يلبس قميصاً أو سراويل أو رداء)) فاتزر به : لا يحنث ، وكذا إذا اعتم بشيء مما ذكر ؛ لأن المطلق تعتبر فيه العادة ، والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء ، فلا يحنث . ولو حلف « لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء)» فعلى أي حال لبسه حنث بالاتفاق(٢) ، حتى بالاتزار والتعمم ؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود اسم العين ، ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة . ولو حلف (( لا يلبس من غزل فلانة شيئاً)» فلبس ثوباً قد غزلته فلانة : يحنث في يمينه ؛ لأن الغزل عينه لا يلبس ، فيقع على ما يصنع منه ، وهو الثوب . ولو نوى الغزل بعينه : لا يحنث إذا لبس الثوب ، لأنه نوى حقيقة كلامه . ولو حلف (( لا يلبس ثوباً من غزل فلانة)» يقع على الثوب ، ولو نوى الغزل لا يصدق . ولو حلف (( لا يلبس ثوباً من غزل فلانة)) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها : لا يحنث باتفاق الحنفية والشافعية ؛ لأن الثوب اسم لشيء مقدر ، فلا يقع على بعضه . (١) المغني : ٨ / ٧٧٧ . (٢) المغني: ٨ / ٧٧٩، الشرح الكبير: ٢ / ١٥٤. - ٤٤٧ - وعند الحنابلة روايتان : إحداهما : يحنث كالصورة الآتية بعدها ، والثانية : لا يحنث . ولو حلف (( لا يلبس من غزل فلانة)) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها : حنث بالاتفاق(١) ، لأن البعض يسمى غزلاً . ولو حلف (( لا يلبس من غزل فلانة)) ولم يقل ثوباً: لم يحنث في التكة والزر والعروة والطوق ؛ لأن هذا ليس بلبس في العادة ، فلو لبس ثوباً تلابيبه(٢) من غزل فلانة : يحنث ؛ لأن هذا القدر ملبوس من غزلها بلبس الثوب(٣) . ومن حلف ((لا يلبس حلياً)) فلبس خاتم فضة لم يحنث ؛ لأنه ليس بحلي عرفاً ولا شرعاً ، حتى أبيح استعماله للرجال ، وإن كان من ذهب حنث ، لأنه حلي ولهذا لا يحل استعماله للرجال ، ولو لبس عقد لؤلؤ يحنث عند الصاحبين ، لأنه حلي حقيقة ، والتحلي به معتاد ، وهو الرأي المفتى به خلافاً لرأي أبي حنيفة القائل بأنه لا يحنث . وقال غير الحنفية: يحنث بلبس الفضة واللؤلؤ(٤). ولو حلف (( لا يكسو فلاناً شيئاً)) ولا نية له، فكساه قلنسوة، أو خفين أو جوربين : حنث ؛ لأن الكسوة اسم لما يكسى به ، وذلك يوجد في القليل والكثير . ولو حلف (( لا يكسو فلاناً ثوباً)» فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً لم (١) المغني: ٨ / ٧٨١. (٢) التلابيب : جمع تلبيب وهو ما في موضع اللبب من الثياب ، واللبب واللبة : موضع القلادة من الصدر . (٣) انظر المبسوط: ٩ / ٢ وما بعدها، البدائع: ٣ / ٦٩ وما بعدها، تحفة الفقهاء الطبعة القديمة: ٢ / ٤٨٣، فتح القدير : ٤ / ٩٦ وما بعدها . (٤) فتح القدير: ص ٩٧ ، المهذب: ٢ / ١٣٦، المغني: ٨ / ٧٧٩ . - ٤٤٨ _ يحنث ، لأنه لم يكسه ، وإنما وهبه دراهم ، وشاوره فيما يفعل بها . ولو أرسل له ثوب كسوة : حنث ؛ لأن حقوق العقد أو اليمين لا تتعلق بالرسول ، وإنما تتعلق بالمرسل(١) . المطلب السادس - الحلف على الركوب : إذا حلف (( لا يركب دابة)» فهو يقع على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم ، كالفرس والخمار والبغل ، فلو ركب ظهر إنسان أو بعيراً أو بقرة أو فيلاً: لا يحنث استحساناً إلا بالنية . والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان ، لأن الدابة لفظ عام يشمل كل ما يدب على الأرض . قال تعالى: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ إلا أنهم استحسنوا وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في حوائجهم غالباً : وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصاً للعموم بالعرف والعادة . قال صاحب الدر: وينبغي حنثه بالبعير في مصر والشام أي ( إذا كان ممن يركب البعير كالمسافر وأهل البدو ) وبالفيل في الهند للتعارف . ولو حمل على الدابة مكرهاً فلا حنث . ولو حلف « لا یرکب فرساً )» فرکب برذوناً ، أو حلف لا یرکب برذوناً (٣) فركب فرساً : لم يحنث ؛ لأن كل حيوان يختلف عن الآخر فالفرس عربي ، والبرذون أعجمي . ولو حلف ((لا يركب)» وقال: نويت الخيل ، لا يصدق قضاء (١) المبسوط: ٩ / ٤، البدائع: ٣ / ٧١ . (٢) البرذون : التركي من الخيل ، والجمع البراذين ، وخلافها العراب. الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢٩) - ٤٤٩ - ولا ديانة ، لأن المركوب ليس بمذكور ، فلا يحتمل اللفظ التخصيص . فإن حلف ((لا يركب الخيل)) فركب برذوناً أو فرساً: يحنث لأن الخيل اسم جنس ، فيعم جميع أنواعه . ولو حلف (( لا يركب مركباً)) ولا نية له ، فيقع على كل ما يركب : من السفينة والدواب وغيرها سوى الآدمي . ولو حلف (( لا يركب دابة)» وهو راكبها فمكث على حاله ساعة : حنث ؛ لأن الركوب له أمثال تتجدد مع الزمن ، فله حكم الابتداء ، مثل ما لو حلف لا يلبس وهو لابس ، أو لا يجلس وهو جالس(١) . المطلب السابع - الحلف على الجلوس : إذا حلف (( لا يجلس على الأرض)» فجلس على شيء حائل بينه وبين الأرض كحصير أو بساط أو كرسي : لم يحنث ، لأنه لا يسمى جالساً على الأرض ؛ لأن الجالس على الأرض : من باشر الأرض ، ولم يحل بينه وبينها شيء ، بخلاف ما إذا حال بينه وبين الأرض ثيابه ، فإنه لا يعتبر حائلاً لأن الثياب تبع له . وإن حلف (( لا يجلس على هذا الفراش)» فجعل عليه فراشاً مثله ، ثم جلس : لم يحنث ؛ لأن الجلوس ينسب إلى الفراش الثاني دون الأول . وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة فقال : إذا حلف لا ينام على هذا الفراش ، فجعل فوقه فراشاً آخر ونام عليه : حنث ، لأنه يحصل به زيادة توطئة ولين ، فيكونان مقصودين بالنوم عليهما . (١) المبسوط، المرجع السابق: ٣ / ١٢ وما بعدها، البدائع: ٣ / ٧١، فتح القدير: ٤ / ٤٢ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ٣ / ٩٤، الفتاوى الهندية: ٢ / ٧٤ . - ٤٥٠ - واتفقوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه ملاءة أي شرشفاً : حنث لأنه تبع للفراش ، فلا يمنع أن يقال : نام على الفراش . ولو حلف (( لا يجلس على هذا السرير أو السطح)» فجعل فوقه مصلى أو بساطاً ، ثم جلس عليه: حنث ؛ لأن السرير يجلس عليه هكذا غالباً ، ويقال : نام على السطح ، وإن كان نام على فراش . فلو جعل فوق السرير سريراً أو بنى فوق السطح سطحاً : لم يحنث ؛ لأن الجلوس ينسب إلى الثاني دون الأول . ولو نوى الجلوس على ألواح هذا السرير مباشرة دون أن يكون فوقه شيء : يصدق ديانة فيما بينه وبين الله ، لا قضاءً ، لأنه خلاف المعتاد وإن كان حقيقة . ولو قال: ((والله لا أنام على ألواح هذا السرير)) فجلس على بساط فوقه : لم يحنث ، لأنه ما نام على ألواح . ولو حلف ((لا يجلس على الأرض)) فجلس على السطح : يحنث لأنه يسمى أرض السطح(١) . المطلب الثامن - الحلف على السكنى : إذا حلف (( لا يسكن هذه الدار)) فإن لم يكن ساكناً فيها فالسكنى : أن يسكنها بنفسه ، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ، ويستعمله في منزله ، فإذا فعل ذلك فهو ساكن ، وحانث في يمينه ؛ لأن السكنى هو الكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة ، وهو يكون بما يسكن به عادة ، ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه ، لم يكن ساكناً في المسجد ، ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى ساكن المسجد ، فكان هذا معتبراً في اليمين . (١) البدائع: ٧١/٣ وما بعدها، فتح القدير: ٩٨/٤، تبيين الحقائق: ١٥٥/٣ وما بعدها . - ٤٥١ _ وقال الشافعية والحنابلة(١) : إن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها ، فإذا حلف ساكن الدار لا يسكنها ، فمتى أقام فيها بعد يمينه زمناً يمكنه فيه الخروج ، حنث . وإن أقام لنقل متاعه لم يحنث ؛ لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال ، فيحتاج أن ينقل ذلك معه ، حتى يكون منتقلاً . وإن أكره على المقام لم يحنث ، لحديث العفو عن الاستكراه . وإن كان الرجل ساكناً في الدار فحلف لا يسكنها : فإنه لا يبر في يمينه مالم ينتقل بنفسه وأهله وولده ومتاعه وخادمه ومن يقوم بشأنه في منزله ، لأن السكنى في الدار بهذه الأشياء ، فكان ترك السكنى فيها بضدها ، فإذا لم يأخذ في النقلة من ساعته مع الإمكان : يحنث في يمينه . وهنا ثلاثة افتراضات : أحدها - إذا انتقل بأهله ومتاعه في الحال : لم يحنث عند أئمة الحنفية الثلاثة ، ولا يؤثر وجود السكنى القليلة ، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه ، فكان مستثنى دلالة . وقال زفر : يحنث لوجود شرط الحنث وهو السكنى . الثاني - لو انتقل بنفسه ، ولم ينتقل بأهله ومتاعه : يحنث عند أئمة الحنفية والحنابلة ؛ لأن السكنى في المكان - كما بينا - هي الكون في الشيء على وجه الاستقرار، ولا يكون هذا إلا بما يسكن به عادة ، فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها ، فالبر في إزالة ما كان به ساكناً ، فإذا لم يفعل حنث ، ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه ، وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار. هذا بخلاف ما إذا حلف لا يسكن في بلد فخرج منه وترك أهله فيه : لم يحنث ؛ لأن العادة لا يقال لمن بدمشق وأهله بحلب : انه ساكن بحلب . (١) مغني المحتاج : ٣٢٩/٤ ، المغني: ٧٦٧/٨ وما بعدها . - ٤٥٢ - وقال الإمام الشافعي(١) : لا يحنث ، ويكفي أن يخرج ببدنه بنية التحول ، لأن اليمين على سكناه ، وقد ترك السكنى ، فلم يحنث بترك أهله ومتاعه ، كما لو حلف لا يسكن في بلد ، فخرج بنفسه وترك أهله فيه . وقال الشافعي محتجاً على الحنفية : إذا خرجت من مكة ، وخلفت دفيترات بها أفأكون ساكناً بمكة ؟ ! . ومن حلف لا يسكن داراً معينة أو لا يقيم فيها ، فليخرج في الحال ، فإن مكث بلا عذر حنث ، حتى ولو أخرج متاعه ؛ لأن المحلوف عليه سكناه ، وهو موجود ، إذ السكنى تطلق على الدوام كالابتداء ، أما إن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب ، فلم يحنث بمكثه لذلك ؛ لأنه لا يعدّ ساكناً ، وإن طال مقامه بسبب ذلك . وكذلك الدوام على التزوج أو التطهر أو اللبس أو الركوب أو القيام أو القعود ، له حكم ابتداء هذه الأفعال عندهم . وهذا بعكس الوطء والصوم والصلاة وبقاء الطيب ، الدوام فيها ليس كالابتداء باتفاق الفقهاء(٢). الثالث - إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئاً يسيراً فإن أبا حنيفة قال : يحنث لأن السكنى قد ثبتت بكل ذلك فيبقى ما بقي شيء منه . 5 وقال أبو يوسف : يعتبر نقل الأكثر، لأن نقل الكل قد يتعذر في بعض الأوقات . وقال محمد : يعتبر ما تقوم به السكنى ، قالوا : وهذا القول أحسن وأرفق بالناس . ولاشك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم الرجوع إليه ، ونقل من (١) انظر مغني المحتاج: ٣٢٩/٤، المهذب : ١٣٢/٢. (٢) المغني : ٧٧٨/٨. - ٤٥٣ - أمتعته ما يقوم به أمر سكناه . وهو على نية نقل الباقي يقال عنه : ليس ساكناً فيه ، بل انتقل منه ، وسكن في مكان آخر ، وبهذا يترجح قول محمد . فإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه ومنعوا متاعه ، وأوثقوه وقهروه : لا يحنث وإن أقام على وضعه أياماً ، لأنه ليس بساكن ، إنما هو أسكن فيها عن إكراه ، فلا يحنث . وقال محمد : إذا خرج الحالف من ساعته ، وخلف متاعه كله في المسكن ، ومكث في طلب المنزل أياماً ثلاثة ، فلم يجد ما يستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج الدار : لا يحنث ؛ لأن هذا من عمل النقلة عادة ، لأن المعتاد أن ينتقل من منزل إلى منزل لا أن يلقي متاعه على الطريق . وقال محمد أيضاً : وإن كان الساكن موسراً وله متاع كثير ، وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم ، فلم يفعل ، وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول ، ومكث في النقلة سنة وهو لا يترك الاشتغال بالنقل : فإنه لا يحنث ، لأنه لا يلزمه الانتقال بأسرع الوجوه . وإن حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها ، فتحول ببدنه فقط ، وقال : ذلك عنيت بيميني : يصدق ديانة فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق قضاء ، لأنه نوى خلاف الظاهر والعادة . وإن كان حلف وهو غير ساكن فيها وقال : نويت الانتقال ببدني فقط يصدق ديانة وقضاء ، لأنه نوى ما يحتمله كلامه ، ولأنه شدد على نفسه(١) . (١) المبسوط: ١٦٢/٨ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ٦٩/٢، البدائع: ٧٢/٣ وما بعدها، فتح القدير: ٣٦/٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ١١٩/٣ . - ٤٥٤ - ... هل الدوام على السكنى له حكم الابتداء ؟ قال الحنفية : دوام السكنى واللبس والركوب له حكم الابتداء ، حتى لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لا يركب هذه الدابة وهو راكبها ، أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها ، واستمر على ما كان عليه : حنث ؛ لأن هذه الأفعال تتجدد بحدوث أمثالها . وذلك بعكس الدخول والخروج والتزوج والتطهر : لا يعتبر الدوام عليها بمثابة انشائها . والضابط الفارق بينهما : أن ما يمتد فلدوامه حكم الابتداء كالقعود والقيام والنظر ونحوه ، ومالا يمتد لا دوام له كالخروج والدخول . وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً(١) . ويترتب على هذا أن الحالف على السكنى واللبس والركوب ونحوها إذا انتقل للحال أو نزع الثوب حالا ، أو نزل عن الدابة حالاً : لا يحنث . وقال زفر : يحنث لوجود اللبس والركوب والسكنى بعد اليمين ، وإن قل الانتظار ، وهو كاف للحنث(٢) . المطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل : إذا حلف إنسان بطلاق زوجته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولا نية له ، فإن ضربها ضرباً شديداً بر في يمينه ، لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الإماتة . وقال الشافعية : البر بما يسمى ضرباً ، فلا يكفي وضع اليد عليها ورفعها ، (١) مغني المحتاج: ٣٣١/٤، المهذب: ١٣٢/٢. (٢) المبسوط ، المرجع السابق ، فتح القدير، المرجع السابق: ص٣٥ ، تبيين الحقائق ، المرجع السابق ، الدر المختار : ٣ص٨٣ . - ٤٥٥ _ ولا يشترط فيه إيلام لصدق الاسم بدونه إلا أن يقول : ضرباً شديداً. ولو حلف (( ليضربن غلامه عشرة أسواط )) فجمع عشرة أسواط ، وضربه مرة واحدة ، وأصاب كل سوط جلده : بر في يمينه ولا يحنث عند الحنفية والشافعية، لأنه ضربه عشرة أسواط . فأما إذا لم يصب كل سوط جلده : فإنه يحنث ، لأنه لا يسمى ضارباً عشرة أسواط . وقال المالكية والحنابلة(١) : من حلف أن يضرب غيره مائة سوط فجمعها ضغثاً فيه عشرة أعواد ، ثم ضربه بها ضربة واحدة لم يبر بيمينه ؛ لأن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات ، ولم يضربه إلا ضربة واحدة ، فلم يبر ، كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط . ولو قال: ((والله لا أقتل فلاناً بدمشق)) أو قال: ((والله لا أتزوج فلانة بدمشق )) فضرب فلاناً بحلب فمات بدمشق ، أو زوجه الولي امرأة بحلب ، فبلغها الخبر بدمشق ، فأجازت العقد حنث في اليمينين جميعاً . وكذلك لو حلف على الزمان، فقال: (( لا أفعل ذلك يوم الجمعة)) فمات المحلوف عليه يوم الجمعة ، أو أجازت المرأة النكاح يوم الجمعة : حنث الحالف . وإذاً يعتبر في القتل مكان زهوق الروح وزمانه ، كما يعتبر في النكاح مكان الإجازة وزمانها . ويجري هذا في البيع والشراء : يعتبر مكان الإجازة ويوم الإجازة . وقال محمد : يعتبر في العقد مكان الفاعل وزمانه ، وفي القتل كما قال أبو يوسف : يعتبر مكان زهوق الروح بالنسبة للمقتول وزمانه(٢). (١) القوانين الفقهية: ص١٦٤، المغني: ٨١٩/٨، الشرح الكبير: ١٤٣/٢. (٢) البدائع: ٧٦/٣ وما بعدها ، الفتاوى الهندية : ١١٨/٢ . - ٤٥٦ - ومن حلف (( لا يضرب امرأته )) ففعل بها أي فعل يوجعها كالعض وعصر الحلق وشد الشعر ولو ممازحاً : يحنث ؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم ، وقد تحقق الإيلام . وقيل : لا يحنث في حال الملاعبة ، لأنه يسمى في العرف ممازحة لا ضرباً . وإذا قال شخص: ((إن لم أقتل فلانا فامرأتي طالق)) وفلان ميت : فإن كان الحالف عالماً بموته حين حلف حنث للحال ؛ لأن يمينه تنعقد لتصور البر فيه ، لأن الله تعالى قادر على إعادة الحياة فيه إذ الروح لا تموت ، فيمكن قتله ، ثم انه يحنث في الحال للعجز عن البر في يمينه عادة مثل الحلف على صعود السماء . وإن لم يعلم بموته لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد ، لأنه عقد يمينه على حياة كانت فيه ، ولا يتصور ازالتها ، وقال أبو يوسف : يحنث لأن تصور البر ليس بشرط عنده لانعقاد اليمين . وهذا الخلاف جرى كما ذكر سابقاً في مسألة الكوز إذا كان يعلم ألا ماء فيه، فحلف وقال: (( ان لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأتي طالق ))(١) . أما إن حلف أن يضرب فلاناً في غد ، فمات الحالف في يومه ، فلا حنث عليه عند الحنابلة والشافعية ، وإن مات المحلوف عليه في الغد ، حنث ؛ لأنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان ، وهو من أهل الحنث(٢). وينطبق هذا الحكم على من قال : والله لأشربن ماء هذا الكوز غداً ، فاندفق اليوم ، أو لاكلن هذا الخبز غداً ، فتلف اليوم ، يحنث . (١) فتح القدير: ١٠١/٤، تبيين الحقائق: ١٥٩/٣، الدر المختار: ١٤٣/٣ وما بعدها. مغني المحتاج: ٣٤٧/٤ . (٢) المغني : ٧٨٦/٨ وما بعدها . - ٤٥٧ - ٠ المطلب العاشر - الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف : الحلف على ما في ملك فلان : إذا حلف إنسان على ما في ملك فلان : يحنث إذا كان الشيء مملوكاً له وقت فعل المحلوف عليه ، سواء أكان ما في ملك فلان مملوكاً له وقت الحلف، أم لم يكن مملوكاً له حينذاك، كأن حلف ((لا يأكل طعام فلان أو لا يشرب شراب فلان أو لا يدخل دار فلان ، أو لا يركب دابة فلان ، أو لا يلبس ثوب فلان )) ولم يكن شيء منها في ملكه ، ثم استحدث الملك فيها ، فإن زال الملك عن فلان ، فحدث الفعل المحلوف عليه : لا يحنث بالاتفاق . وأما في حال وجود الملك فيحنث وهو الحكم المقرر في ظاهر الرواية عند الحنفية ؛ لأن هذه اليمين عقدت على المنع من الفعل في ملك فلان ، فيعتبر الملك القائم يوم الفعل . وهناك رواية أخرى في النوادر عن محمد ، ورواية أخرى أيضاً عن أبي يوسف . لكن إذا حلف (( لا يكلم زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق فلان ، أو ابن فلان ، أو أخ فلان)) فإنه يقع على ما كان متحققاً وقت الحلف ، ولا يشمل ما يحدث من زوجية وصداقة وولد في المستقبل ، فإن زال عقد النكاح ورابطة الصداقة ، فكلم المحلوف عليه حنث بالاتفاق . وإذا حلف على ما في ملك فلان مع التعيين بالإشارة ، كأن قال : (( لا أدخل دار فلان هذا ، أو لا أركب دابة فلان هذا ، أو لا ألبس ثوب فلان هذا )) فباع فلان داره أو دابته ، أو ثوبه ثم دخل أو ركب أو لبس بعد زوال الملك عن فلان : لم يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن يعني ذات الشيء خاصة . وقال محمد : يحنث وإن زال ملك فلان إلا أن يعني ما دامت ملكاً لفلان ، فأبو حنيفة وأبو يوسف اعتبرا الإشارة واضافة الملك لفلان معاً وقت حدوث الفعل للحكم بالحنث فما لم يوجدا لا يحنث . ومحمد يعتبر الإشارة فقط . : - ٤٥٨ - وقد اتفقوا على أنه لو حلف ((لا أكلم هذا الشخص)) أو (( لا أدخل هذه الدار)) أو (( لا أركب هذه الدابة)) حنث، لأنه تعتبر العين المشار إليها(١). بحثان ملحقان بهذا المطلب : البحث الأول - الحلف على فعل صادر من غير الحالف : إذا حلف إنسان (( لا يلبس مما يشتريه فلان)) فاشتراه فلان مع غيره : لم يحنث ، لأنه لبس ثوباً اشترى فلان بعضه لا كله . ولو حلف (( لا يأكل مما يشتريه فلان)) فاشتراه فلان مع غيره فأكل منه حنث ؛ لأنه قد أكل ما اشتراه فلان ، لأن بعض الطعام طعام حقيقة ، ويسمى أيضاً طعاماً عرفاً. وهذا بخلاف ما إذا حلف (( لا يدخل دار فلان)) فدخل داراً بينه وبين آخر ، فإنه لا يحنث ، لأن بعض الدار لا يسمى داراً. وكذلك لو حلف (( لا يلبس ثوباً لفلان أو يشتريه فلان، أو نسجه فلان)) فلبس ثوباً اشتراه فلان مع آخر ، أو نسجه مع غيره ، لأن بعض الثوب لا يسمى ثوباً . أما لو حلف ((لا يلبس من نسج فلان)) فنسجه فلان مع غيره ، فإنه يحنث ؛ لأنه يقال عنه من نسج فلان . ولو حلف (( لا يأكل من طبيخ فلان ، أو من خبز فلان )) فأكل مما طبخ فلان مع غيره أو من خبز مشترك بينه وبين غيره ، حنث ؛ لأن كل جزء من الطبيخ طبيخ ، وكل جزء من الخبز يسمى خبزاً . أما لو حلف (( لا يأكل من قِدْر طبخها فلان)) فأكل مما طبخ فلان مع غيره فلا يحنث ؛ لأن كل جزء من القِدْر ليس بقدر . (١) البدائع : ٧٩/٣ . - ٤٥٩ - وكذا لو حلف ((لا يأكل لفلان رغيفاً)) فأكل رغيفاً مشتركاً : لا يحنث ، لأن بعضه لا يسمى رغيفاً . والمقصود من الخباز : هو الذي يضرب الخبز في التنور أو الفرن ، دون من عجنه وبسطه . وأما الطابخ : فهو الذي يوقد النار ، دون الذي ينصب القدر ، ويصب الماء واللحم فيه ؛ لأن ذلك من مقدمات الطبخ ؛ لأن الطبخ ما ينضج به اللحم ، وهو يحصل بإيقاد النار . ولو حلف (( لا يأكل من كسب فلان)) فالكسب : ما صار ملكاً للإنسان بفعله أو بقوله ، مثل الاستيلاء على المباحات ، والاصطياد ، والبيع ، والإجارة وقبول الهبة والصدقة والوصية ونحوها مما يحتاج إلى قبول لترتب الأثر الشرعي عليه . أما الميراث : فليس بكسب للوارث ؛ لأنه يثبت له الملك فيه من غير ارادة منه . ولو مات المحلوف عليه ، وقد كسب شيئاً فورثه رجل ، فأكل الحالف منه : حنث ؛ لأنه أكل من أكساب المحلوف عليه ، وهو ليس كسباً للوارث ، فيظل منسوباً للمورث . أما لو باع المحلوف عليه كسبه إلى رجل ، فأكل منه الحالف فلا يحنث ؛ لأن ملكيته انتقلت إلى المشتري ، فلم يبق منسوباً إلى المالك الأصلي (١) . ٠ البحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف : لو حلف إنسان على فعل، فقال: (( والله لا أفعل كذا)» ثم أمر غيره بأن يفعله ، ففعل ، ينظر في طبيعة المحلوف عليه : (١) البدائع : ٥٧/٣، ٦٤ . - ٤٦٠ -