Indexed OCR Text

Pages 361-380

واليمين وإن كانت في الأصل مباحة عند الفقهاء إلا أنه يكره الإفراط في
الحلف بالله تعالى لقوله سبحانه : ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وهذا ذم له
يقتضي كراهة فعله . ولذا كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: (( ما حلفت
بالله تعالى صادقاً ولا كاذباً))(١) ، وقد تقرر أن اليمين مكروهة للنهي عنها بقوله
تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عُرْضة لأيمانكم) أي لا تكثروا الحلف بالله، لأنه ربما
يعجز الحالف عن الوفاء به ، إلا أن تكون اليمين في طاعة من فعل واجب أو
مندوب وترك حرام أو مكروه ، فتكون طاعة . وذكر المالكية أن اليمين بغير الله
مكروهة، وقيل: حرام، أما اليمين بنحو ((اللات والعزى)) فإن اعتقد تعظيمها
فهو كفر، وإلا فهو حرام . وذكر الحنابلة أن الأيمان خمسة أنواع :
أحدها - واجب : وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من الهلاك .
والثاني - مندوب : وهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين ،
أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر .
والثالث - المباح : مثل الحلف على فعل مباح أو تركه ، والحلف على
الإخبار بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه فيه صادق .
والرابع - المكروه : وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب .
والخامس - المحرم: وهو الحلف الكاذب فإن الله تعالى ذمه بقوله:
ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ﴾ ولأن الكذب حرام .
أنواع اليمين : اليمين بالله تعالى ثلاثة أنواع : يمين منعقدة ، ويمين
الغموس ، ويمين اللغو، قال محمد في كتاب ( الأصل ) : الأيمان ثلاثة : يمين
(١) المغني، المرجع السابق: ص ٦٧٨، الميزان للشعراني: ٢ ص ١٢٨، ١٣٠، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٥ ،
الفتاوى الهندية : ٢ ص ٤٩ .
- ٣٦١ -

مكفّرة ، ويمين لا تكفّر ، ويمين نرجو ألا يؤاخذ الله بها صاحبها . وفسر الثالثة
بيمين اللغو(١) .
١ - اليمين الغَموس : عرفها الحنفية والمالكية بأنها : اليمين الكاذبة قصداً في
الماضي أو في الحال ، أو هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمداً الكذب فيه
نفياً أو إثباتاً، مثل قول الحالف: (( والله لقد دخلت هذه الدار)) وهو يعلم أنه
ما دخلها، أو قوله عن رجل: ((والله إنه خالد)) مع علمه أنه عامر ونحو ذلك .
وحكمها عند الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم(٢) : أنه
يأثم فيها صاحبها ، ويجب عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه بالمال .
استدلوا بقول الرسول ماتله: (( من حلف علی یمین هو فیھا فاجر ، ليقتطع بها
مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)) (٣) وفي الصحيحين: ((لقي الله
وهو عليه غضبان)). قال ابن مسعود: (( كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها:
اليمين الغموس))، وعن سعيد بن المسيب قال: ((هي من الكبائر، وهي أعظم
من أن تُكفّر))، يروى عن النبي ◌ُّلِ أنه قال: (( من الكبائر: الإشراك بالله ،
وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغموس))(6). والمعقول يؤيدهم وهو أن
(١) البدائع : ٣ / ٣ .
(٢) راجع المبسوط: ٨ ص ١٢٧، البدائع: ٣ ص ٣، ١٥، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٤٨ ، فتح القدير: ٤
ص ٣ ، تبيين الحقائق: ٣ ص ١٠٧ ، الشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي: ٢ ص ١٢٨ ، بداية المجتهد : ١
ص ٣٩٦، المغني: ٨ ص ٦٨٦ ، القوانين الفقهية: ص ١٦٠ .
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة ، ورواية الصحيحين ومثلها رواية أبي داود والترمذي هي عن
عبد الله بن مسعود ، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات عن العرس بن عميرة ، ورواه أحمد والطبراني أيضاً عن أبي
موسى بلفظ: ((من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل، وهو عليه غضبان)» (راجع جامع
الأصول: ١٢ ص ٢٩٥، مجمع الزوائد: ٤ ص ١٧٨، نصب الراية: ٣ ص ٢٩٢).
(٤) رواه البخاري من حديث ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبي ◌َّ، فقال: يا رسول الله ،
ما الكبائر ؟ فذكر في الحديث الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس ، وفيه قال السائل:
وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)) (راجع نيل الأوطار: ٨ ص ٢٣٥ ،
سبل السلام : ٤ ص ١٠٥ وما بعدها ) .
- ٣٦٢ -

الذي أتى به الحالف أعظم من أن تكون فيه الكفارة ، فلا ترفع الكفارة إثمها ،
ولا تشرع فيها ، وقد سميت بالغموس ؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في
النار .
وقال الشافعية وجماعة : تجب الكفارة في اليمين الغموس ، أي تسقط
الكفارة الإثم فيها كما تسقطه في غير الغموس ؛ لأنه وجدت من الحالف اليمين بالله
تعالى والمخالفة مع القصد ، فتلزمه الكفارة كما تلزمه في اليمين المنعقدة على أمر في
المستقبل ، والله تعالى يقول: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم
بما عقّدتم الأيمان) وهذا النص عام يعم الحلف في الماضي والمستقبل ، فتكون
الآية موجبة الكفارة في اليمين الغموس ، لكونها من الأيمان المنعقدة ، وتعلق الإثم
في هذه اليمين لا يمنع الكفارة ، كما أن الظهار منكر من القول وزور ، وتتعلق به
الكفارة(١) .
٢ - اليمين اللغو: اختلف العلماء في تحديد المراد منها، فقال الجمهور(٢):
هي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على الظن أن الخبر به كما أخبر ، وهو
بخلافه ، في النفي والإثبات . وبعبارة أخرى : هي أن يحلف على شيء يظنه كما
حلف، فلم يكن كذلك. مثل قول الحالف: ((والله ما كلمت زيداً)» وفي ظنه
أنه لم يكلمه، أو: ((والله لقد كلمت زيداً)) وفي ظنه أنه كلمه ، وهو بخلاف
الواقع. أو يقول: ((والله إن هذا الطائر لغراب)) وفي ظنه أنه كذلك ، ثم تبين
في الواقع أن الطائر حمام مثلاً .
وقال الشافعي(٢): لغو اليمين: ما لم تنعقد عليه النية. أو بعبارة أخرى:
(١) مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٥، المهذب للشيرازي: ٢ ص ١٢٨ .
(٢) المراجع السابقة: البدائع : ص ٣ ص ١٧ ، الفتاوى الهندية: ص ٤٩ ، بداية المجتهد: ص ٣٩٥ ، المغني :
ص ٦٨٨ ، القوانين الفقهية : ص ١٥٩ .
(٣) مغني المحتاج ، المرجع السابق : ص ٣٢٤ ، المهذب ، المرجع السابق .
- ٣٦٣ -

يمين اللغو : هي التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها ، أو يريد اليمين
على شيء ، فسبق لسانه إلى غيره ، بدليل قوله تعالى : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو
في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان ﴾ أي قصدتم ، بدليل الآية الأخرى:
ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ وقد روي عن ابن عمر وابن عباس
وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: ((هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله))(١)
ولأن ما سبق إليه اللسان من غير قصد لا يؤاخذ به ، كما لو سبق لسانه إلى كلمة
الكفر .
وقد اتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها ، لقوله تعالى :
﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم )، ولأنها يمين غير منعقدة ، فلم تجب فيها
كفارة ، ولأنها لا يقصد بها المخالفة ، فأشبه ذلك ما لو حنث ناسياً(٢).
والشافعية يرون أن يمين اللغو تكون على أمر في الماضي أو الحال أو
المستقبل ؛ لأن الأدلة التي ذكروها لم تفرق بين الماضي والمستقبل ، فكان الحلف
لغواً على كل حال .
والحنفية يقولون : لا لغو في المستقبل ، بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر
يميناً منعقدة ، وتجب فيها الكفارة إذا حنث الحالف ، سواء قصد اليمين أو لم
يقصد ، وإنما تختص يمين اللغو في الماضي أو الحال فقط(٣) بدليل قوله تعالى:
﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ واللغو في اللغة: اسم للشيء الذي لا حقيقة
له ، بل على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه ، والحقيقة بخلاف ذلك ،
(١) روى خبر عائشة البخاري والشافعي ومالك موقوفاً، وصحح ابن حبان رفعه، ورواه أبو داود مرفوعاً ،
وأخرجه البيهقي أيضاً . ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين (راجع
جامع الأصول: ١٢ ص ٣٠٧ ، نيل الأوطار: ٨ ص ٢٣٥ وما بعدها ، سبل السلام : ٤ ص ١٠٧ ).
(٢) المغني: ٨ ص ٦٨٧ وما بعدها، البدائع : ٣ ص ١٧، القوانين الفقهية: ص ١٥٩.
(٣) البدائع : ٣ ص ٣ - ٤ .
- ٣٦٤ _

وهكذا اليمين على أمر في الماضي أو الحال ، فهو مما لا حقيقة له إذ ليس فيه قصد
اليمين : وهو المنع عن شيء أو الحث على شيء ، فكان لغواً . أما اليمين في المستقبل
فهي يمين منعقدة ، كما سيأتي بيانه في اليمين المعقودة .
٣ - اليمين المنعقدة أو المعقودة أو المؤكدة : هي ما يحلف على أمر في
المستقبل أن يفعله أو لا يفعله ، وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث(١)
لقوله تعالى : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم
الأيمان ، فكفارته .. ) الآية . والمراد به اليمين في المستقبل ، بدليل قوله تعالى :
﴿ واحفظوا أيمانكم) ولا يتصور الحفظ عن الحنث والمخالفة إلا في المستقبل،
ولأنه تعالى قال: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) والنقض إنما يتصور في
المستقبل(٢).
ووجوب الكفارة في هذه اليمين أمر مقرر بالاتفاق بعد الحنث سواء أكانت اليمين
على فعل واجب، أم ترك واجب، أم فعل معصية، أم ترك مندوب أم ترك المباح أم
(٣)
فعله(٣).
فإن كانت اليمين على فعل واجب مثل قوله: (( والله لأصلين صلاة الظهر
اليوم)) أو: ((لأصومن رمضان)) فإنه يجب عليه الوفاء بيمينه ، ولا يجوز له
الامتناع عنه لقوله مع الله: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) (٤) فإن امتنع عن البر
(١) الحنث : الإثم والذنب من حنث بكسر النون يحنث بفتحها .
(٢) المبسوط: ٨ ص ١٢٧، فتح القدير: ٤ ص ٥ ، تبيين الحقائق: ٣ ص ١٠٩، البدائع: ٣ ص ١٧ ،
المغني: ٨ / ٦٨٣، ٦٨٩ .
(٣) البدائع ، المرجع السابق .
(٤) رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها، وتتمة الحديث: ((ومن نذر أن
يعصي الله فلا يعصه)) (راجع نصب الراية: ٣ ص ٣٠٠، نيل الأوطار: ٨ ص ٢٤٠).
- ٣٦٥ -

يأثم ويحنث(١) ويلزمه الكفارة (٢) .
وإن كانت اليمين على ترك الواجب أو على فعل المعصية كأن قال: (( والله
لا أصلي صلاة الفرض)) أو: ((لا أصوم رمضان)) أو قال: ((والله لأشربن الخمر))
أو: ((لأقتلن فلاناً)) أو: ((لا أكلم والدي)) ونحو ذلك ، فإنه يجب عليه للحال
الكفارة بالتوبة والاستغفار، ثم يجب عليه الحنث والكفارة بالمال ؛ لأن عقد هذه
اليمين معصية(٢) وقد قال ◌َ ◌ّ: ((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها،
فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)) (٤) .
وإن كانت اليمين على ترك المندوب مثل: (( والله لا أصلي نافلة ، ولا أصوم
تطوعاً، ولا أعود مريضاً ولا أشيع جنازة )) ونحو ذلك ، أو على فعل المكروه
مثل: (( والله لألتفت في الصلاة )) فالأفضل له ألا يفعل المكروه ويفعل المندوب
أي يحنث ، ويكفر عن يمينه، للحديث السابق: ((من حلف على يمين .. ))
ولقوله تعالى: ﴿ولا يأتل(٥) أولو الفضل منكم والسعة ... ) الآية، نزلت في
أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقد حلف ألا يبرّ مِسْطحاً بسبب اشتراكه في
حديث الإفك على عائشة(٦) .
(١) البر: هو الموافقة لما حلف عليه . والحنث: مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات ، والبر عند المالكية :
لا يكون إلا بأكمل الوجوه ، والحنث يتحقق بأقل الوجوه ، فمن حلف أن يأكل رغيفاً، لم يبر إلا بأكل جميعه، وإن
حلف ألا يأكله ، حنث بأكل بعضه ( القوانين الفقهية: ص ١٦١) وقال الحنفية : لا يتحقق البر والحنث إلا بفعل كل
المحلوف عليه ( البدائع: ٣ ص ١٢ ، مختصر الطحاوي: ص ٣٠٨).
(٢) البدائع : المرجع السابق ، المغني : ٨ ص ٦٨٢ .
(٣) البدائع: المرجع نفسه ، مغني المحتاج : ٤ ص ٣٢٥، المغني : ٨ ص ٦٨٢ .
(٤) رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي وصححه عن أبي هريرة ، ورواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه
عن عبد الرحمن بن سمرة ، ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم وروي عن غير هؤلاء أيضاً
(راجع جامع الأصول: ١٢ ص ٣٠٠، مجمع الزوائد: ٤ ص ١٨٣، نصب الراية: ٣ ص ٢٩٦ ، نيل الأوطار: ٨
ص ٢٣٧ ، سبل السلام : ٤ ص ١٠٣ ) .
(٥) أي لا يحلف ، وقيل : المراد لا يمتنع .
(٦) البدائع : ٣ ص ١٦، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٦ ، المغني: ٨ ص ٦٨١ وما بعدها .
- ٣٦٦ -

وإن كانت اليمين على مباح تركاً أو فعلاً ، كدخول دار ، وأكل طعام ،
ولبس ثوب ونحوه ، فالأفضل له البر أي ترك الحنث ، لما فيه من تعظيم الله
تعالى ، وقد قال سبحانه : ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ وله أن يُحنث
نفسه ، ويكفر عن يمينه(١) .
حكم الناسي والمكره : الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية
والمالكية، سواء أكان الحانث عامداً أم ساهياً أم مخطئاً أم نائماً أم مغمى عليه أم مجنوناً
أم مكرهاً(٢) لأن الآية القرآنية وهي: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الأيمان) لم تفرق بين عامد وناس وغيره، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثة
جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق واليمين ))(٣) ، فمن حلف بعتق أو طلاق
ألا يفعل شيئاً ، ففعله ناسياً حنث ؛ لأن هذا يتعلق به حق آدمي ، فتعلق الحكم
به مع النسيان كالإتلاف .
وقال الشافعية والحنابلة(٤): لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي
والمجنون والنائم، لقوله عَ لّ: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ،
وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق)»(6) ولا كفارة أيضاً على
S
(١) المراجع السابقة، القوانين الفقهية: ص ١٦٠.
(٢) البدائع: ٣ ص ١٧ ، تبيين الحقائق: ٣ ص ١٠٩ ، بداية المجتهد : ٢ ص ٤٠٢ ، القوانين الفقهية:
ص ١٦١، فتح القدير: ٤ ص ٦ ، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٤٩، الدر المختار: ٣ ص ٥٣ ، المغني: ٨ ص ٧٢٦ ، الشرح
الكبير : ٢ ص ١٤٢ .
(٣) نص الحديث ليس هكذا ، وإنما لفظه ( النكاح والطلاق والرجعة ) أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي
والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي . فاستبدال اليمين بالرجعة من صنع الفقهاء (راجع نصب الراية: ٣ ص ٢٩٣
وما بعدها ) .
(٤) المهذب الشيرازي : ٢ ص ١٢٨، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع: ٢ ص ٣٢٣، المغني: ٨ ص ٦٧٦ ،
٦٨٤ وما بعدها .
(٥) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان عن عائشة ، ورواه بعضهم عن =
- ٣٦٧ -

المغمى عليه والسكران غير المتعدي بسكره ، والساهي ، إذ إنهم في معنى
المذكورين في الحديث ، فلا تنعقد اليمين منهم ، كذلك لا تنعقد من المكرَه لقوله
عَاقٍ: (( ليس على مقهور يمين))(١) ولقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه ))(٢) .
أنواع اليمين المنعقدة : يشترط لانعقاد اليمين كما سيأتي أن يكون المحلوف
عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف ، ويشترط أيضاً لبقاء اليمين أن يكون
المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة بعد اليين . وبناء على هذا الشرط عند
الحنفية انقسمت اليمين المنعقدة إلى أنواع :
النوع الأول - أن تكون اليمين على ما هو متصور الوجود عادة .
النوع الثاني - أن تكون اليمين على ما هو غير متصور الوجود أصلاً .
: علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (راجع مجمع الزوائد: ٦ ص ٢٥١ ، سبل السلام: ٣ ص ١٨٠) وله ألفاظ
منها لفظ رواية عائشة: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى
يعقل أو يفيق )) .
(١) أخرجه الدارقطني عن واثلة بن الأسقع وأبي أمامة، ثم قال: عنبسة - أحد رجال السند - ضعيف ، قال
في التنقيح: حديث منكر، بل موضوع، وفيه جماعة ممن لا يجوز الاحتجاج بهم ( راجع نصب الراية : ٣
ص ٢٩٤ ) .
(٢) رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان ، ورواه أيضاً عن أبي الدرداء ، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم
عن ابن عباس مرفوعاً ، ورواه ابن ماجه أيضاً عن أبي ذر، ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ، وكل هذه الروايات
بلفظ: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) إلا حديث أبي الدرداء وثوبان فهو بلفظ: ((إن
الله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه)) ولكن ابن عدي في الكامل رواه عن أبي بكرة بلفظ :
(( رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه)) ورواه الطبراني في الأوسط عن عقبة بن
عامر بلفظ: (( وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن ، وفيه ضعف .
وهكذا يظهر أن لفظ: (( رفع عن أمتي .. )) ليس موجوداً ، وإن كان الفقهاء لا يذكرونه إلا بهذا اللفظ (راجع نصب
الراية: ٢ ص ٦٢ ، التلخيص الحبير: ص ١٠٩، مجمع الزوائد: ٦ ص ٢٥٠ ).
- ٣٦٨ -

النوع الثالث - أن تكون اليمين على ما هو متصور الوجود في نفسه ، لكن
لا يوجد على مجرى العادة .
النوع الأول - أن تكون اليمين على ما هو متصور الوجود عادة :
إذا كان المحلوف عليه أمراً يتصور حدوثه بحسب العادة والإمكان ، فإما أن
يكون الحلف في حالة الإثبات أي الإيجاب ، أو في حالة النفي أي السلب .
أولاً - إن كان الحلف في حالة الإثبات : فإما أن يكون الإثبات مطلقاً
عن الوقت أو مؤقتاً(١) .
آ - فإن كان الحلف في الإثبات مطلقاً عن التأقيت: مثل: ((والله لآكلن
هذا الرغيف)) أو: ((لأدخلن الدار)) أو: ((لآتين دمشق)) فما دام الحالف
والمحلوف عليه قائمين ، فاليمين باقية لا يحنث ؛ لأن الحنث يتحقق عند عدم البر
باليمين ، وتصور البر ممكن في هذه الحالة : وهو فعل المحلوف عليه مرة في مدة
العمر ، فإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه، حنث لحصول العجز عن تحقيق
مقتضى البر، غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلاكه ، وإذا هلك
الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء الحياة .
5
ب - وإن كان الحلف في الإثبات مؤقتاً: مثل: ((والله لآكلن هذا الرغيف
اليوم)) أو: ((لأدخلن هذه الدار اليوم)) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين ،
والوقت باقياً لا يحنث ؛ لأن البر في الوقت مرجو فتبقى اليمين . وإن كان
الحالف والمحلوف عليه قائمين ، ولكن مضى الوقت ، فإنه يحنث باتفاق الحنفية ؛
لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت ، فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى انتهى الوقت ،
فإنه يحنث .
(١) راجع البدائع: ٣ ص ١٢، المغني: ٨ ص ٧٨٦ ، ٧٩١ .
- ٣٦٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢٤)

أما إذا هلك أحدهما في الوقت المحدد: فإن هلك الحالف في الوقت ثم مضى
الوقت فلا يحنث باتفاق الحنفية والحنابلة؛ لأن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع
في آخر أجزاء الوقت، وهو في تلك اللحظة میت، والميت لا يوصف بالحنث.
وإن هلك المحلوف عليه وهو الرغيف مثلاً قبل مضي الوقت ، فتبطل اليمين
عند أبي حنيفة ومحمد وزفر .
وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة : لا تبطل اليمين ، ويحنث ، وتجب
الكفارة . واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث ، روي عنه أنه يحنث عند
غروب شمس اليوم المحدد فيه وقت اليمين ، وروي عنه أنه يحنث للحال ، قيل :
وهو الصحيح من مذهبه .
ثانياً - إذا كان الحلف في حالة النفي : فإما أن يكون النفي مطلقاً عن
التأقيت أو مؤقتاً .
آ - فإن كان الحلف في النفي مطلقاً عن الوقت: مثل: ((والله لا آكل هذا
الرغيف)) أو: (( لا أدخل هذه الدار)) فإن فعل مرة حنث ؛ لأنه لم يتحقق منه
البر ، وإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه قبل الفعل: لا يحنث ، لأنه تحقق منه
شرط برّه في اليمين : وهو الامتناع عن الفعل .
ب - وإن كان الحلف في النفي مؤقتاً: مثل: ((والله لا آكل هذا الرغيف
اليوم )) فإن مضى اليوم قبل الأكل ، والحالف والمحلوف عليه قائمان ، فقد بر في
يمينه ، لأنه وجد منه شرط البر، وهو ترك الأكل في اليوم كله . وإن هلك
الحالف أو المحلوف عليه في اليوم برَّ في يمينه أيضاً؛ لأن شرط البر عدم الأكل ،
وقد تحقق . وإن فعل المحلوف عليه في الوقت المحدد حنث ، لوجود شرط
الحنث ، وهو الفعل في الوقت .
- ٣٧٠ -

النوع الثاني - أن تكون اليمين على ما هو مستحيل غير متصور
الوجود أصلاً :
هذا هو المستحيل عقلاً مثل قول الشخص: ((والله لأشربن الماء الذي في هذا
الكوز)) وليس في الكوز ماء، أو قوله: (( والله لأقضين دين فلان غداً)) فقضاه
اليوم ، أو أبرأه صاحب الدين اليوم ، ثم جاء الغد. وحكمه أنه لا تنعقد اليمين
عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومالك وأبي الخطاب من الحنابلة(١)؛ لأن اليمين إنما
تعقد على متصور الوجود أو متوهم التصور، وليس ههنا واحد منها ، وإذا لم
يكن البر باليمين متصوراً فلا يتصور الحنث ، فلا فائدة في انعقاد اليمين .
وقال أبو يوسف والشافعي والقاضي من الحنابلة(٢) : تنعقد اليمين موجبة
للكفارة في الحال ؛ لأن الحالف حلف على فعل نفسه في المستقبل ، كما لو حلف
ليطلقن امرأته ، فماتت قبل طلاقها ، ولا يشترط عند هؤلاء أن تكون اليمين على
أمر متصور الوجود .
8
وإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية
الثلاثة ، وعند زفر : لا تنعقد .
ويجري هذا الخلاف السابق فيما إذا قال الحالف: (( والله لأقتلن فلاناً )) وهو
لا يعلم بموته ، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومن وافقهم . وقال أبو
(٣)
يوسف ومن معه : تنعقد اليمين
(١) البدائع: ٣ ص ١١، تبيين الحقائق: ٣ ص ١٣٤، الدر المختار: ٣ ص ١٠٩، المغني: ٨ ص ٧٣٠ ،
القوانين الفقهية : ص ١٦٣ .
(٢) المراجع السابقة ، مغني المحتاج : ٤ص٣٢٠ .
(٣) رتب الحنفية كيفية الأخذ بأقوال أئمتهم فقالوا : يأخذ القاضي والمفتي وغيرهما بقول أبي حنيفة على الإطلاق
سواء أكان معه أحد أصحابه أو انفرد بالرأي ، ولكن ذلك في غير بحوث القضاء والمواريث فإن الفتوى فيها على قول =
- ٣٧١ -

فإن كان الحالف عالما بموت الشخص فإنه تنعقد اليمين عند الجمهور ، وهو
كالنوع الثالث وهو المستحيل عادة ؛ لأنه لا يتصور أن يحييه الله ، فيقتله ،
فيكون البر باليمين متصوراً ، إلا أنه خلاف المعتاد . وقال زفر : لا تنعقد يمينه .
النوع الثالث - أن تكون اليمين على ماهو مستحيل عادة :
إذا كان الأمر المحلوف عليه متصور الوجود في نفسه ، ولکنه مستحیل بحسب
العادة كالصعود في السماء ، أو الطيران في الهواء ، أو تحويل الحجر ذهباً ، أو شرب
ماء دجلة كله ، أو قطع المسافة البعيدة في برهة وجيزة ، فإنه تنعقد اليمين عند أبي
حنيفة وصاحبيه وبقية أئمة المذاهب(١) ؛ لأن البر متصور الوجود في نفسه بأن
يقدر الله تعالى الحالف على ذلك ، كما أقدر الملائكة والجن والأنبياء على صعود
السماء ، وكذلك انقلاب الحجر ذهباً ممكن بتحويل الله تعالى ، وهكذا كل ما ذكر
إلا أن الحالف عاجز عن الأمر عادة ، فبالنظر لتصور وجود المحلوف عليه حقيقة
انعقدت اليمين ، وبالنظر للعجز عن تحقيق المحلوف عليه عادة حنث في الحال ،
ووجبت الكفارة ، كما لو حلف ليطلقن امرأته ، فماتت .
وقال زفر رحمه الله تعالى : لا ينعقد يمين هذا الحالف : لأنه مستحيل عادة
فيلحق بالمستحيل حقيقة ، وبما أن اليمين لا ينعقد في المستحيل حقيقة فلا ينعقد
كذلك في المستحيل عادة(٢) .
فإذا كانت هذه اليمين مؤقتة مثل: ((والله لأصعدن السماء اليوم)) فإنه عند
= أبي يوسف لزيادة تجربته ، ثم يؤخذ بقول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد . ويؤخذ بقول
الصاحبين إذا خالفا الإمام فيما كان الاختلاف فيه بحسب تغير الزمان وفيما أجمع عليه المتأخرون كالمزارعة والمعاملة
( الدر المختار ورد المختار: ٤ص٣١٥، ٦٥/١).
(١) راجع البدائع: ٣ص١١ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣ص١٣٥، الدر المختار: ٣ص١١١، مغني المحتاج:
٤ص٣٢٠، المهذب: ٢ص١٤٠، الشرح الكبير للدردير: ٢ص١٢٦، المغني: ٨ص٧٣٠، الميزان: ٢ص١٢٩، ١٣٢.
(٢) مراجع الحنفية السابق ذكرها .
- ٣٧٢ _

أبي حنيفة ومحمد : يحنث في آخر اليوم ؛ لأن البر يجب في المؤقتة في آخر اليوم
عندهما ، ويكون الوقت ظرفاً موسعاً .
وقال أبو يوسف : يحنث في الحال ، لتحقق عجزه عن البر في الحال . وهذا
هو الصحيح من مذهبه(١) .
يمين الفور : هناك نوع آخر من اليمين المنعقدة أي اليمين في المستقبل : وهو
ما تكون اليمين مؤقتة دلالة أو معنى ومؤبدة لفظاً ، وهي المسماة يمين الفور :
وهي كل يمين خرجت جواباً لكلام ، أو بناء على أمر ، فتتقيد بذلك بدلالة
الحال، مثل أن يقول شخص لآخر: ((تعال تغد معي)) فقال: (( والله
لا أتغدى)) فلم يتغد معه ، ثم رجع إلى منزله ، فتغدى ، وحكمها : أنه لا يحنث
في يمينه استحسانا ، والقياس أن يحنث وهو قول زفر .
وجه القياس : أن الحالف منع نفسه عن الغداء في عموم الحالات ، فتقييد
اليمين في بعض الحالات دون بعض تخصيص للعموم .
ووجه الاستحسان : أن كلام الحالف خرج جواباً للسؤال ، فينصرف إلى
ما وقع السؤال عنه ، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه ، فينصرف الجواب
إليه، كأنه أعاد السؤال وقال: (( والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه)) :
يعني أن قصد الحالف متجه إلى الامتناع عن الغداء المدعو إليه بحسب عرف
الناس ، والأيمان مبنية على العرف عند الحنفية كما سيأتي بيانه .
وهناك مثال آخر ليمين الفور وهو : إذا أرادت امرأة انسان أن تخرج من
الدار فقال لها زوجها: ((إن خرجت فأنت طالق)) فقعدت تاركة الخروج
(١) مراجع الحنفية السابقة .
- ٣٧٣ -

ساعة ، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث استحساناً ؛ لأن دلالة الحال تدل على التقييد
بذلك الخروج، كأنه قال: ((إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق)) فإن ذكر
ما يدل على خلاف هذا المقصود ، كأن بين أن المراد الخروج مطلقاً في هذا اليوم ،
فيبطل اعتبار الفور ، ويبطل أيضاً اعتبار الفور ويحنث بمطلق التغدي إن
قال : إن تغديت اليوم(١) .
قضاء الحق قبل وقته : إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت ،
فقضاه قبله ، لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة ؛ لأن مقتضى هذه اليمين
تعجيل القضاء قبل خروج الوقت ، فإذا قضاه قبله ، فقد قضى قبل خروج
الوقت ، وزاد خيراً ، ولأن مبنى الأيمان على النية ، ونية هذا بيمينه أداء الحق قبل
خروج الوقت .
وقال الشافعي - نقلاً عن ابن قدامة - : يحنث إذا قضاه قبله ؛ لأنه ترك
فعل ما حلف عليه مختاراً ، فحنث كما لو قضاه بعده(٢) .
فعل بعض المحلوف عليه : إن حلف ليفعلن شيئاً ، لم يبر عند الحنابلة
إلا بفعل جميعه ، وإن حلف ألا يفعله وأطلق ، ففعل بعضه ، ففيه روايتان عند
الحنابلة ، أرجحهما أنه يحنث بفعل البعض(٣).
++
المبحث الثاني - صيغة اليمين :
تنقسم اليمين بحسب اللفظ المقسم به إلى خمسة أنواع :
١ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال اسم من أسماء الله الحسنى .
(١) راجع المبسوط: ٨ص١٣١، ١٨٦، البدائع: ٣ص١٣، الدر المختار: ٣ص٩٢ وما بعدها، فتح القدير:
٤ ص٤٢ .
(٢) المغني: ٧٩٠/٨، الشرح الكبير: ١٥٣/٢.
(٣) المغني : ٧٨٢/٨، ٧٩٢ .
- ٣٧٤ _

٢ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال صفة من صفات الله .
٣ - يمين بالله تعالى بطريق الكناية .
٤ - يمين بالله تعالى من حيث المعنى .
٥ - يمين بغير الله تعالى صورة ومعنى .
١ - اليمين باسم من أسماء الله تعالى:
إن الحلف المباح: هو الحلف بالله تعالى ، وإن الحالف بغير الله عاص ، وقد
اتفق العلماء على إباحة الأيمان بأسماء الله سبحانه ، سواء أكان الاسم خاصاً
لا يطلق إلا على الله تعالى نحو: الله، والرحمن، أم مشتركاً في الإطلاق على الله
تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم ونحو ذلك ؛ لأن هذه الأسماء وإن
أطلقت على المخلوقات إلا أنها تنصرف إلى الخالق بدلالة القسم ، إذ القسم بغير الله
تعالى لا يجوز، فكان المراد بالاسم اسم الله تعالى .
حروف القسم : هي الباء ، والواو ، والتاء ، كأن يقول الحالف : بالله ،
أو والله، أو تالله ، وهو بحسب استعمال العرب ، وقد ورد الشرع بتأييد اللغة
مثل قوله تعالى: ﴿والله ربنا ماكنا مشركين﴾ ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾
﴿وأقسموا بالله﴾ وقال الترٍ: «والله لأغزون قريشاً - ثلاث مرات، ثم قال في
الثالثة: إن شاء الله))(١)، وقال عليه السلام فيما يرويه عمر: (( ان الله ينهاكم أن
تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت)) قال عمر: ((فما حلفت
بها بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً))(٢).
(١) رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى وابن عدي عن عكرمة عن ابن عباس بعضهم رواه مسندا ،
وبعضهم ، رواه مرسلا ، قال ابن أبي حاتم في العلل : الأشبه ارساله، وقال ابن القطان : الصحيح مرسل ( جامع
الأصول: ١٢ ص٢٩٩، نصب الراية ٣ص٣٠٢، مجمع الزوائد: ٤ص١٨٢، نيل الأوطار: ٨ص٢٢٠).
(٢) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد ومالك والبيهقي عن عمر قال: سمعت عمر يقول :
قال رسول الله مَيقول: ((إن الله ينهاكم .. الحديث)) ومعنى قول عمر: ((ما حلفت به ذاكراً)) أي عن ذكر مني وعلم =
- ٣٧٥ _

والباء والواو يستعملان في جميع ما يقسم به من أسماء الله تعالى وصفاته .
أما التاء فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى، تقول : تالله ، ولا تقول :
تالرحمن ، تعزة الله تعالى . ولو لم يذكر الحالف شيئاً من هذه الأدوات بأن قال :
((الله لا أفعل كذا)) يكون يميناً عند الجمهور. وقال الشافعية : لو قال: ( الله )
ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين إلا بنية(١) .
٢ - اليمين بصفة من صفات الله تعالى:
صفات الله تعالى ثلاثة أقسام :
أحدها - مالا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها ،
فالحلف بها يكون يميناً ، مثل: (( وعزة الله ، وعظمته ، وجلاله ، وكبريائه ))
يكون حالفاً ؛ لأن الحلف بهذه الصفات أمر متعارف بين الناس .
الثاني - أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله ولغيره على السواء ، فالحلف بها
يكون يميناً أيضا، مثل ((وقدرة الله تعالى ، وقوته وإرادته ، ومشيئته ورضاه ،
ومحبته ، وكلامه))(٢) فإنه يكون حالفاً ؛ لأن هذه الصفات ، وإن استعملت في
غير صفة الله ، لكن تعين المراد منها بقرينة القسم ، إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله
تعالى وصفاته .
= ((ولا آثرا)»: ولا راويا لها عن أحد أنه حلف بأبيه (راجع جامع الأصول: ١٢ ص٢٩٣، ٣١١ ، نصب الراية:
٣ص٢٩٥، سبل السلام: ٤ص١٠١، نيل الأوطار: ٨ص٢٢٧).
(١) راجع هذا المبحث في البدائع: ٣ص٥ ، فتح القدير: ٤ص٨، تبيين الحقائق للزيلعي ٣ص١٠٩، ١١١ ،
الدر المختار: ٣ص٥٤، بداية المجتهد: ١ص٣٩٤، مغني المحتاج: ٤ص٣٢٠ - ٣٢٣، المهذب: ٢ص١٢٩ ، المغني :
٨ ص٦٧٧ ، ٦٨٩ - ٦٩٣ .
(٢) الحلف بكلام الله أي بصفته يمين ، كما في البدائع : ٣ص٦ وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه . وقال صاحب
الدر: وأما الحلف بكلام الله فيدور مع العرف أي لأن الكلام صفة مشتركة ، والتعارف إنما يعتبر في الصفة المشتركة
لا في غيرها ( الدر المختار : ٣ص٥٦ ) .
- ٣٧٦ -

ومما يلحق بهذا القسم: أن يقول الحالف: ( وأمانة الله ) في ظاهر الرواية
عند الحنفية ، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضاً . وذكر الطحاوي : أنه
لا يكون يميناً وإن نوى ، دليله : أن أمانة الله فرائضه التي تعبد بها عباده من
الصلاة والصوم وغيرهما . قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات
والأرض والجبال .. ﴾ الآية ، فكان حلفاً بغير اسم الله عز وجل ، فلا يكون
يميناً .
ودليل ظاهر الرواية : أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها
صفته، بدليل أن ((الأمين )) من أسماء الله تعالى ، وهو مشتق من الأمانة ، فكان
المراد بها - لاسيما في حالة القسم - صفة الله .
وقال المالكية : اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة : الحلف بالله وبأسمائه
كالعزيز والرحيم ، وبصفاته كعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ووحدانيته ،
وقدمه وبقائه وعزته وجلاله وعهده وميثاقه وذمته وكفالته وأمانته ، وكذلك
باسمه وحقه . ويلحق بذلك القرآن والمصحف على المشهور .
وقال الشافعية في الراجح عندهم : لا ينعقد اليمين بأمانة الله إلا أن ينوي
الحلف بصفة الله تعالى ؛ لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق ، كما في
الآية السابقة .
ومن هذا القسم: ((وعهد الله))(١) فهو يمين ، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية
والحنابلة ، وفي وجه عند الشافعية ؛ لأن العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها
كالحلف بالله وصفاته ، وفي الوجه الثاني عند الشافعية وهو الراجح : لا تعتبر
يميناً مالم ينو الحالف بها اليمين ؛ لأنها تحتمل أن المراد بالعهد : هو استحقاق الله
(١) المراد بعهد الله : أي الزامه وتكاليفه.
- ٣٧٧ -

ما تعبدنا به ، فهو يمين ، وتحتمل أن المراد بها ما أخذ علينا من العهد في
العبادات ، فليس بيين ، لأنه يمين بشيء محدث(١) .
ومن هذا القسم أيضاً: ((ووجه الله )) فهو يمين ؛ لأن الوجه المضاف إلى الله
تعالى يراد به الذات ، قال تعالى : ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه﴾ أي ذاته .
ولو قال الحالف: ((وأيم الله)) كان يميناً وكذلك إذا قال: ((لعمر الله))(٢).
وقال الشافعية لو قال: ((وأيم الله)) أو (( لعمر الله )) ونوى به اليمين ، كان
يميناً(٣).
وقال المالكية والحنابلة كالحنفية: إذا قال الحالف: ((وأيم الله)) أو ((أيمن
الله )) أي بركته ، فهو يمين تجب كفارته ؛ لأن الحلف بذلك متعارف ، وكذا إذا
حلف بقوله (( لعمر الله)) (٤).
الثالث - أن يحلف بصفة تستعمل لله تعالى ، ولغيره ، لكن استعمالها في غير
الصفة هو الغالب، فالخلف بها لا يكون يميناً، مثل قول الحالف: ((وعلم الله))
((ورحمة الله))، ((وكلام الله)) أو غضبه أو سخطه أو رضاه(٥) ، لا يكون هذا
يميناً ؛ لأنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة ، لا نفسها ، فالعلم يراد به المعلوم
غالباً ، والرحمة يراد بها الجنة ، قال تعالى : ﴿ففي رحمة الله هم فيها خالدون ﴾
(١) راجع هذا المبحث في البدائع: ٣ص٦، فتح القدير: ٤ص١٤، الفتاوى الهندية: ٢ص٤٩ ، الشرح الكبير
الدردير: ٣ص١٢٧، المغني: ٨ص٦٩٧، ٧٠٣ ، المهذب : ٢ص١٣٠، القوانين الفقهية: ص١٥٨.
(٢) البدائع ، المرجع السابق ، الدر المختار: ٣ص٥٨، تبيين الحقائق: ٣ص١١٠.
(٣) راجع المهذب: ٢ص١٣٠، مغني المحتاج: ٤ص٣٢٤ وأصل كلمة: وأيم أي أيمن فحذفت منه النون لكثرة
الاستعمال كما حذفوها في ((يكن)) فقالوا ((يك)).
(٤) الشرح الكبير، المرجع السابق، المغني: ٨ص٦٩١، ٦٩٣، والمراد من قوله: ((لعمر الله)) أي البقاء
والحياة .
(٥) أي إذا أريد بهذه الصفات آثارها ، فلا يكون الحلف بها يمينا إلا بالنية .
- ٣٧٨ -

٠
والغضب والسخط يراد به أثر الغضب والسخط عادة : وهو العذاب والعقوبة ، لا
نفس الصفة ، فلا يصير بذلك حالفاً إلا إذا نوى به الصفة ، وكذا العرب لم
تتعارف القسم بعلم الله تعالى ، فلا يكون يميناً بدون النية(١). والخلاصة: أن
المعول عليه هو العرف ، فما تعارفه الناس أنه يمين فهو يمين وإلا فلا .
وقال الشافعية والحنابلة : الحلف بكلام الله وعلمه وقدرته يمين إلا أن ينوي
بالعلم المعلوم ، وبالقدرة المقدور ، كما يقال : اللهم اغفر لنا علمك فينا أي
معلومك منا ومن زلاتنا . ويقال : انظر قدرة الله أي مقدوره(٣) .
الحلف على المصحف : الحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء
من مالكية وشافعية وحنابلة، وكذا عند الحنفية على مارجحه الكمال بن الهمام
والعيني ؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه : وهو القرآن ، فإنه
ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين. وذلك إلا أن يريد الحالف بقوله
((القرآن)) الخطبة أو الصلاة، أو يريد بقوله ((المصحف)) الورق أو الجلد أو
النقوش . وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يميناً ، لأنه
حلف بغير الله تعالى . ولكن بما أن القرآن كلام الله فهو من صفاته تعالى ، لذا
قال ابن الهمام : ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف ، فيكون يميناً ، وقال
العيني : وعندي أن المصحف يمين ، لاسيما في زماننا(٣) .
ومن حلف بحق القرآن ، لزمته عند الجمهور كفارة واحدة ؛ لأن تكرر اليمين
بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة ، فالحلف بصفة من صفاته أولى أن
(١) البدائع: ٣ص٦، تبيين الحقائق: ٣ص١٠٩، فتح القدير: ٤ص٩، الدر المختار: ٣ص٥٨ .
(٢) مغني المحتاج: ٤ص٣٢١ وما بعدها ، المغني: ٨ص٦٩٠ وما بعدها ، المهذب : ٢ص١٢٩ .
:
(٣) انظر فتح القدير: ٤ص٩ - ١٠، البدائع: ٣ص٨، الفتاوى الهندية: ٢ص٥٠، الدر المختار: ٣ص٥٦ ،
.
الشرح الكبير للدردير: ٢ص١٢٧، مغني المحتاج: ٤ص٣٢٢، المغني: ٨ص٦٩٥، ٧٠٧ .
- ٣٧٩ -

تجزئه كفارة واحدة . ونص الإمام أحمد على أنه تلزمه بكل آية كفارة يمين ، لما
رواه الأثرم عن مجاهد من قوله مَ اتٍ: (( من حلف بسورة من القرآن ، فعليه
بكل آية كفارة يمين صبر، فمن شاء بر، ومن شاء فجر )).
الحلف بحق الله : اتفق المالكية والحنابلة ، والشافعية في الأصح على أن
الحلف بحق الله يعتبر يميناً مكفّرة ؛ لأن الحق اسم من أسماء الله تعالى ، أو أن
المراد به صفة لله تعالى ؛ لأن لله حقوقاً يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة
والجلال والعزة، فكان الحلف بذلك كقوله: ((وقدرة الله))(١) .
وأما مذهب الحنفية في الحلف بحق الله ففيه اختلاف : فقال أبو حنيفة ومحمد
وفي رواية عن أبي يوسف : لا يكون يميناً؛ لأن حق الله يراد به طاعة الله
ومفروضاته ، وليست هذه صفة لله، إذ الطاعات حقوقه كما يتبادر إلى الفهم
شرعاً وعرفاً ، فيكون حلفاً بغير الله .
وقالوا: فلو قال ((والحق)) يكون يميناً بالاتفاق. ولو قال: ((حقاً))
لا يكون يميناً ؛ لأن الحق من أسماء الله تعالى ، قال سبحانه : ﴿ويعلمون أن الله
هو الحق المبين ) فذكره معرفاً بأل ينصرف إليه، والحلف به متعارف . أما إذا
ذكر منكَّراً بدون أل فهو مصدر منصوب بفعل مقدر ، فكأنه قال : أفعل هذا
الفعل لا محالة، فيراد به تحقيق الوعد، فقوله ((حقاً)) بمنزلة قوله: ((صدقاً))
وليس في ذلك شيء من معنى الحلف .
والرواية الأخرى عن أبي يوسف : أن الحلف بحق الله يكون يميناً ؛ لأن
الحق من صفات الله تعالى ، وهو حقّيته أي كونه تعالى ثابت الذات موجودها ،
(١) الشرح الكبير للدردير، مغني المحتاج ، المرجعان السابقان ، المغني ، المرجع السابق: ص٦٩١.
- ٣٨٠ -