Indexed OCR Text
Pages 41-60
قال الحنفية : من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه ، وله مال ، يلزمه أن يحج رجلاً عنه ، ويجزئه عن حجة الإسلام ، أي أنه تجوز النيابة في الحج عند العجز فقط لاعند القدرة ، بشرط دوام العجز إلى الموت . وأما المقصر الذي مات فتصح منه بل تجب الوصية بالإحجاج عنه ويكون من بلده ، إن لم يعين مكاناً آخر ، فهما حالتان : العجز وبعد الموت بالوصية . والمعتمد عند المالكية : أن النيابة عن الحي لاتجوز، ولاتصح مطلقاً إلا عن ميت أوصى بالحج ، فتصح مع الكراهة وتنفذ من ثلث ماله . ولاحج على المعضوب إلا أن يستطيع بنفسه ، للآية ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ وهذا غير مستطيع . وأجاز الشافعية الحج عن الغير في حالتين : أ - حالة المعضوب : وهو العاجز عن الحج بنفسه لكبر أو زمانة أو غير ذلك ، الذي لا يثبت على الراحلة . بل يلزمه الحج إن وجد من يحج عنه بأجرة المثل بشرط كونها فاضلة عن حاجاته المذكورة فيمن حج بنفسه ، لكن لا يشترط نفقة العيال ذهاباً وإياباً ؛ لأنه مستطيع بغيره ؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال ، فيجب على من عجز عن الحج بنفسه لهرم أو مرض لا يرجى برؤه الاستنابة إن قدر عليها بماله أو بمن يطيعه بأن كان متبرعاً موثوقاً به . ب - وحالة من يأتيه الموت ولم يحج ، فيجب على ورثته الإحجاج عنه من تركته ، كما يقضى منها دينه ، ويلزمهم أن يخرجوا من ماله بما يحج به عنه ، بالنفقة الكافية ذهاباً وإياباً . والخلاصة : إن الاستطاعة للحج نوعان عند الشافعية : استطاعة مباشرة - ٤١ - بنفسه ، واستطاعة تحصيله بغيره ، أما الأولى فيشترط لها الأمور السابقة : الراحلة لمن كان بينه وبين مكة مسافة القصر (مرحلتان ) فصاعداً ، والزاد ، وأمن الطريق ، وصحة البدن ، وإمكان المسير : وهو أن يبقى من الزمان بعد وجود الزاد والراحلة ما يمكن فيه السير المعهود إلى الحج . عد ، وأما الثانية : فهي أن يعجز عن الحج بنفسه بموت أو كبر ، أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله أو هرم بحيث لا يستطيع الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة . وهذا العاجز الحي يسمى معضوباً . وتجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته ، ولم يحج ، إذا كان له تركة ، وإلا فلايجب على الوارث . ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم لا . وأما المعضوب فلا يصح عنه الحج بغير إذنه ، وتلزمه الاستنابة إن وجد مالاً يستأجر به من يحج عنه فاضلاً عن حاجته يوم الاستئجار خاصة ، سواء وجد أجرة راكب أو ماش ، بشرط أن يرضى بأجر المثل . وإن لم يجد مالاً ووجد من يتبرع عنه بالحج من أولاده الذكور أو الإناث ، لزمه استنابته . وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح . ولو استناب المعضوب من يحج عنه ، ثم زال العضب وشفي ، لم يجزه على الأصح ، بل عليه أن يحج(١) . وعلى هذا : من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات ينظر : إن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه ، ولم يجب القضاء . (١) كتاب الإيضاح للنووي: ص ١٦ وما بعدها، طبعة الجمالية بمصر، المهذب: ١ / ١٩٩ . - ٤٢ - وإن مات بعد التمكن من الأداء ، لم يسقط الفرض ، ويجب قضاؤه من تركته ، ويجب قضاؤه عنه من الميقات ؛ لأن الحج يجب من الميقات ، ويجب من رأس المال ؛ لأنه دين واجب ، فكان من رأس المال كدين الآدمي . وإن اجتمع الحج ودين الآدمي ، والتركة لا تتسع لهما ، الأصح أنه يقدم الحج(١) . وأجاز الحنابلة كالشافعية الحج عن الغير في حالتين أيضاً : ١ - المعضوب: وهو من عجز عن السعي إلى الحج والعمرة لكبر أو زمانة ، أو مرض لا يرجى برؤه ، أو ثقل لا يقدر معه الركوب على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة ، أو أيست المرأة من محرم . يلزم كل من هؤلاء الحج إن وجد من ينوب عنه حراً ، ومالاً يستنيبه به ، فيحج عنه ويعتمر على الفور من بلده ، أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده . ويجوز أن يكون النائب رجلاً عن امرأة وبالعكس : امرأة عن رجل ، بلاخلاف بين العلماء ، لكن يكره عند الحنفية إحجاج المرأة لاشتمال حجها عادة على نوع من النقصان ، فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة ، ولاتحلق . وإن لم يجد مالاً يستنيب به ، فلاحج عليه بغير خلاف ؛ لأن الصحيح ( غير المريض ) لو لم يجد ما يحج به ، لم يجب ، فالمريض أولى . وإن وجد مالاً ولم يجد من ينوب عنه ، فعلى الروايتين السابقتين في إمكان المسير : هل هو من شرائط الوجوب وهو المذهب ، فلا يجب عليه شيء بعد الموت ، أم من شرائط لزوم السعي للحج ، فيجب الحج عنه بعد موته . (١) المهذب: ١ / ١٩٩، المجموع: ٧ / ٨٩ ومابعدها . - ٤٣ - ومن يرجى زوال مرضه وفك حبسه ، ليس له أن يستنيب ، فإن فعل لم يجزئه ؛ لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه ، فلم يكن له الاستنابة ، ولاتجزئه إن فعل كالفقير . وإن عوفي المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه حج النائب عنه اتفاقاً للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل ، كالمتيم يجد الماء . ومتى أحج المعضوب عن نفسه ، ثم عوفي ، لم يجب عليه حج آخر ؛ لأنه أتى بما أمر به ، فخرج عن العهدة ، كما لو لم يبرأ . وقال الشافعية والحنفية : يلزمه حج آخر ؛ لأن هذا بدل إياس ، فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوساً منه ، فلزمه الأصل ، كالآيسة إذا اعتدت بالشهور ، ثم حاضت ، لاتجزئها تلك العدة . ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضاً كان أو تطوعاً ؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة ، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة . : ٢ - الميت الذي: وجب عليه الحج: من وجب عليه الحج ، لاستكمال الشرائط السابقة المطلوبة ، ثم توفي قبله ، فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر ، أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه ، أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة ، ولو لم یوص به . ویکون الإحجاج عنه من حیث وجب عليه ، لا من حيث مكان موته ؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء ، بل يجب ألا يكون النائب من خارج بلده التي تبعد فوق مسافة القصر ، ويجوز من نائب من بلد آخر دون مسافة القصر ؛ لأن مادونها في حكم الحاضر . وإن مات من وجب عليه الحج في الطريق أو مات نائبه في الطريق ، حج عنه من حيث مات هو أو نائبه ، فيما بقي مسافة وقولاً وفعلاً . ويسقط الحج عن الميت بحج أجنبي عنه، ولو بلا إذن وليه ؛ لأنه لم - ٤٤ - + شبهه بالدين ، أي إن الحج عن الميت يجوز عنه بغير إذنه واجباً كان أو تطوعاً ، بخلاف الحي ؛ لأنه من التّ أمر بالحج عن الميت ، مع العلم أنه لا إذن له ، وماجاز فرضه جاز نفله كالصدقة . وإن وصى المسلم بحج نفل ولم يعين محل الاستنابة ، جاز أن يحج عنه من الميقات أي ميقات بلد الموصي ، مالم تمنع منه قرينة بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي للنفقة من بلده ، فيتعين منها ، فإن ضاق ماله عن الحج من بلده بأن لم يخلف مالاً يفي به ، أو كان عليه دين ، أُخذ للحج بحصته ، وحج به من حيث يبلغ ، لشبهه بالدين . والخلاصة : إن المالكية والحنفية يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى وتنفذ الوصية من ثلث المال ، وأجاز الجمهور غير المالكية الحج عن الحي العاجز لمرض ونحوه . وحج النائب يكون عند الحنفية والحنابلة من بلد المنوب عنه ، وعند الشافعية من الميقات . وتنفذ الوصية عند الشافعية والحنابلة من رأس المال ، لامن الثلث فقط . وحج النائب عن الميت يكون على الفور عند الجمهور ، لقوله تعالى : ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ﴿ ولله على الناس حج البيت﴾ والأمر على الفور ، وعند الشافعي: على التراخي، وللنائب تأخيره ؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ أمّر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة ، لامحارباً ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج ، فدل على أن وجوبه على التراخي . أدلة المشروعية : استدل الفقهاء على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره: (( أن امرأة من خَثْعَم ، قالت : يارسول الله ، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً ، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره ؟ قال : - ٤٥ - ١ فحُجِّي عنه)) (١) فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر على الحج ، علماً بأن ذلك كان في حجة الوداع . وعن ابن عباس أيضاً: ((أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي عَ لّ، فقالت : إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج ، حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال : نعم ، حُجِّ عنها ، أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت قاضيتَه ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء ))(٢). ورواه الدارقطني بلفظ: ((أتى النبي ◌ُّ رجل ، فقال : إن أبي مات ، وعليه حجة الإسلام ، أفأحج عنه ؟ قال : أرأيت لو أن أباك ترك ديناً عليه ، أقضيتَه عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجُجْ عن أبيك )). دل على إجزاء الحج عن الميت من الولد ، وشبهه بالدين ، ودلت رواية أخرى على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره ، إذ فيها ((إن أختي نذرت أن تحج )) ولم يستفصله أوارث هو أم لا ؟ عام ودلت السنة أيضاً على اشتراط كون النائب قد حج عن نفسه ، عن ابن عباس: ((أن النبي ◌ُّامٍ سمع رجلاً يقول: لبّيك عن شُبْرمة، قال: من شُبْرمة ؟ قال: أخ لي ، أو قريب لي ، قال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال: حجَّ عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)) (٢). (١) رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) عن ابن عباس ، وروى أحمد والترمذي وصححه مثله عن علي ، ورواه أحمد ، والنسائي بمعناه عن عبد الله بن الزبير بلفظ ((جاء رجل من خثعم)) يصف حال أبيه الكبير ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٨٥ ومابعدها، سبل السلام : ٢ / ١٨١ ). (٢) رواه البخاري، والنسائي بمعناه عن ابن عباس ( المرجعان السابقان: ٤ / ٢٨٦، و٢ / ١٨٢). (٣) رواه أبو داود وابن ماجه، وقال: ((فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة)) والدارقطني وفيه قال: ((هذه عنك وحج عن شبرمة)) ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٩٢) . - ٤٦ - رابعاً - الاستئجار على الحج : لم يجز متقدمو الحنفية(١) الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه من القربات الدينية لاختصاص فاعلها بها ، فلو قال رجل لآخر : ((استأجرتك على أن تحج عني بكذا)) لم يجز حجه ، والمذهب وقوع الحج عن المحجوج عنه . وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني ، بلاذكر إجارة ، وتكون له نفقة مثله بطريق الكفاية ؛ لأنه فرغ نفسه لعمل ينتفع به المستأجر . وإنما جاز الحج عنه ؛ لأنه لما بطلت الإجارة ، بقي الأمر بالحج . والزائد عن نفقة المثل في الطريق وغيره يرد على الأمر إلا إذا تبرع به الورثة ، أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج . ودليلهم على عدم جواز الإجارة على الحج وبقية الطاعات : أن أبي بن كعب كان يعلم رجلاً القرآن ، فأهدى له قوساً ، فسأل النبي ◌ّةٍ عن ذلك ، فقال له : ((إن سرك أن تتقلد قوساً من نار، فتقلدها)) (٢)، وقال النبي ◌ُّ لعثمان بن أبي العاص: ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً))(٣) ولأنها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة ، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم . وأجاز جمهور الفقهاء(٤) ومتأخرو الحنفية : الإجارة على الحج وبقية الطاعات ، لقول النبي ◌ُ ◌ّ: ((إن أحق ماأخذتم عليه أجراً كتابُ الله))(٥)، وأخذ أصحاب النبي ◌ُ ◌ّ الجُعْل على الرقية بكتاب الله ، وأخبروا بذلك النبي ، فصوبهم (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٢ / ٣٢٩. (٢) رواه ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٥ / ٢٨٦). (٣) رواه أبو داود وابن ماجه ( المرجع السابق ) . ٢٣١ وما بعدها . (٤) القوانين الفقهية: ص ١٢٨، الشرح الصغير: ٢ / ١٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٦٩ وما بعدها، المغني : ٣ / (٥) رواه البخاري عن ابن عباس ( المرجع السابق: ص ٢٨٩ ). - ٤٧ - فيه(١)، ولأنه يجوز أخذ النفقة على الحج ، كما أقر متقدمو الحنفية أنفسهم ، فجاز الاستئجار عليه ، كبناء المساجد والقناطر . وفائدة الخلاف بين الرأيين : أنه متى لم يجز أخذ الأجرة على الحج ، فلا يكون إلا نائباً محضاً ، وما يدفع إليه من المال ، يكون نفقة لطريقه ، فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق ، لم يلزمه الضمان لما أنفق ؛ لأنه إنفاق بإذن صاحب المال . وما يلزم من الدماء للنائب بفعل محظور، فعليه في ماله ؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية ، فكان موجبها عليه ، كما لو لم يكن نائباً . وإن أفسد الحجة فالقضاء عليه ، ويرد ماأخذ ؛ لأن الحجة لم تجزئ عن المستنيب لتفريطه وجنايته ، وكذلك إن فاته الحج بتفريطه . أما إن فاته بغير تفريط احتسب له بالنفقة ؛ لأنه لم يفت بفعله ، فلم يكن مخالفاً ، كما لومات . وإن مات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى ، ومافضل معه من المال ، رده ، إلا أن يؤذن له في أخذه ، وينفق على نفسه بقدر الحاجة من غير إسراف ولاتقتير . وإذا سلك النائب طريقاً يمكنه سلوك أقرب منه ، ففاضل النفقة في ماله ، وإن أقام بمكة مدة القصر ، بعد إمكان السفر راجعاً ، أنفق من مال نفسه . وإن جاز الاستئجار على الحج عن حي أو ميت . اعتبر فيه شروط الإجارة من معرفة الأجرة ، وعقد الإجارة ، وما يأخذه أجرة له يملكه ، ويباح له التصرف فيه ، والتوسع به في النفقة وغيرها ، ومافضل فهو له . وإن أحصر أو ضل الطريق ، أو ضاعت النفقة منه ، فهو في ضمانه والحج عليه . وإن مات انفسخت الإجارة ؛ لأن المعقود عليه تلف ، فانفسخ العقد ، كما لو ماتت البهية المستأجرة ، ويكون الحج أيضاً من موضع بلغ إليه النائب ، وما لزمه من الدماء فعليه ؛ لأن الحج عليه . (١) رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري ( المرجع السابق). - ٤٨ - الإجارة على الحج عند المالكية : هؤلاء وإن أجازوا الإجارة على الحج عن الميت الذي أوصى به لكنهم قالوا بكراهة إجارة الإنسان نفسه في عمل لله تعالى ، حجاً أو غيره ، كقراءة وإمامة وتعليم علم ، إلا تعليم كتاب الله تعالى ، وتصح إن أجر نفسه . والإجارة على الحج عندهم نوعان : الأول - إجارة بأجرة معلومة تكون ملكاً للأجير ، كسائر الإجارات ، فماعجز عن کفایته ، وفاه من ماله ، ومافضل كان له . الثاني - البلاغ: وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه ، فإن احتاج إلى زيادة ، أخذها من المستأجر ، وإن فضل شيء رده إليه . وإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله، وكان صَرُورة (لم يحج ) ، نفذت الوصية من ثلث ماله ، وإن لم يوص سقط عنه . وينوي الأجير الحج لمن حج عنه ، ويجوز أن يكون الأجير على الحج لم يحج حجة الفريضة عندهم وعند الحنفية ، خلافاً للشافعية والحنابلة ، كما سنبين في الشروط . خامساً - شروط الحج عن الغير : اشترط الحنفية(١) عشرين شرطاً للحج عن الغير نذكرها مع آراء الفقهاء الآخرين في أهمها : ١ - نية النائب عن الأصيل عند الإحرام ؛ لأن النائب يحج عن الأصيل لا (١) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ٣٢٧ - ٣٣٣، فتح القدير: ٢ / ٣١٧ - ٣٢١، البدائع: ٢ / ٢١٢ وما بعدها ، الشرح الصغير: ٢ / ١٥، الشرح الكبير: ٢ / ١٨، القوانين الفقهية: ص ١٢٨، شرح المحلي: ٢ / ٩٠، كتاب الإيضاح: ص ١٧، ١٨، المهذب: ١ / ١٩٩، المجموع: ٧ / ٩٨، مغني المحتاج: ١ / ٤٧٠ وما بعدها، المغني : ٣ / ٢٣٠، ٢٤٣ - ٢٤٥، كشاف القناع: ٢ / ٤٦٢ وما بعدها . - ٤٩ - الفقه الإسلامي جـ٣ (٤) عن نفسه ، فلابد من نيته ، والأفضل أن يقول بلسانه : أحرمت عن فلان ، ولبيت عن فلان ، فيقول مثلاً : نويت الحج عن فلان وأحرمت به لله تعالى ، ولبيك عن فلان ، كما إذا حج عن نفسه ، ولو نسي اسمه فنوى عن الأصيل صح ، وتكفي نية القلب . وهذا الشرط متفق عليه . ٢ - أن يكون الأصيل عاجزاً عن أداء الحج بنفسه ، وله مال. فإن كان قادراً على الأداء ، بأن كان صحيح البدن ، وله مال ، لا يجوز حج غيره عنه . وهذا باتفاق الجمهور غير المالكية ، أما المالكية فلم يجيزوا الحج عن الحي مطلقاً ، وعليه : لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً . وأجاز الكل الحج عن الميت ، لكن إذا أوصى عند الحنفية والمالكية ، أو إن لم يوص ، ويجب الحج عنه إن كان قادراً ومات مفرطاً عند الشافعية والحنابلة . ٣ - أن يستمر العجز كالحبس والمرض إلى الموت: وهذا باتفاق الحنفية والشافعية ؛ فلو زال العجز قبل الموت ، لم يجزئه حج النائب ؛ لأن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس لضرورة العجز الذي لا يرجى برؤه ، فيتقيد الجواز به . وقال الحنابلة : يجزئه ؛ لأنه أتى بما أمر به ، فخرج عن العهدة ، كما لو لم يزل عذره . ٤ - وجوب الحج: فلو أحج الفقير أو غيره ممن لم يجب عليه الحج عن الفرض ، لم يجز حج غيره ، وإن وجب بعد ذلك . ٥ - وجود العذر قبل الإحجاج : فلو أحج صحيح غيره ، ثم عجز ، لا يجزيه . وهذان الشرطان مفهومان بداهة . ٦ - أن تكون النفقة من مال الأصيل، كلها أو أكثرها عند الحنفية ، إلا - ٥٠ - الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه ، تبرأ ذمة الميت ، إذا لم يكن قد أوصى بالإحجاج عنه ، فإن تطوع النائب بالحج من مال نفسه ، لم يقع عن الميت ، وكذا إذا أوصى الميت المورث أن يحج عنه بماله ، ومات ، فتطوع عنه وارثه بمال نفسه ، لا يجزئ الميت ؛ لأن الفرض تعلق بماله ، فإذا لم يحج بماله ، لم يسقط عنه الفرض . وأجاز الشافعية والحنابلة التطوع بالحج من الوارث أو الأجنبي عن الغير مطلقاً ، سواء أوصى الميت أم لم يوص أو لم يأذن الوارث للأجنبي ، كمن يتبرع بقضاء دين غيره . ٧ - أن يحرم من الميقات على النحو الذي طالب به الأصيل : فلو اعتبر ، وقد أمره بالحج ، ثم حج من مكة ، لا يجوز ، ويضمن ، أي لو أمره بالإفراد بالحج ، فتمتع بالعمرة ، لم يقع حجه عنه، ويضمن باتفاق الحنفية ، ولو أمره بالإفراد فقرن بالحج والعمرة فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة ، ويجوز ذلك عند الصاحبين عن الأصيل استحساناً . ٠٠" وإن أوصى الميت بالحج ، وحدد المال أو المكان ، فالأمر على ماحدده وعينه ، وإن لم يحدد شيئاً فيحج عنه من بلده قياساً لا استحساناً ، والعمل على القياس . وقال الشافعية : يجب على النائب الحج من ميقات الأصيل ؛ لأن الحج يجب من الميقات . وقال الحنابلة : يجب على النائب الحج من بلد الأصيل ؛ لأن الحج واجب على العاجز أو الميت من بلده ، فوجب أن ينوب عنه منه ؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء ، كقضاء الصلاة والصيام . وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء . - ٥١ - ٠٫٠ فإن كان للأصيل وطنان ، استنيب من أقربها . وإن خرج الشخص للحج ، فمات في الطريق ، حج عنه من حيث مات ؛ لأنه أسقط بعض ماوجب عليه ، فلم يجب ثانياً . وكذلك إن مات تائبه ، استنيب من حيث مات كذلك . ولو أحرم شخص بالحج ، ثم مات ، صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك ؛ سواء أكان إحرامه لنفسه أم لغيره ؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة ، فإذا مات بعد فعل بعضها ، قضى عنه باقيها كالزكاة . فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج من بلده ، حج عنه من حيث تبلغ . وإن أوصى ميت بحج تطوع ، فلم يف ثلثه بالحج من بلده ، حج به من حيث بلغ ، أو يعان به في الحج ، ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد ، إلا أن يرضى الورثة بزيادة ، أو يكون قد أوصى بشيء ، فيجوز ما أوصى به مالم يزد على الثلث . ٨- الأمر بالحج: شرط الحنفية أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير بغير إذنه ، إلا الوارث ، فإنه يجوز أن يحج عن المورث بغير إذنه ، وتبرأ ذمة الميت إذا لم يكن أوصى بالحج عنه ، ودليلهم حديث الخثعمية السابق . وفي نطاق المشيئة الإلهية : لو حج عنه أجنبي تسقط عنه حجة الإسلام إن شاء الله تعالى ؛ لأنه إيصال للثواب ، وهو لا يختص بأحد من قريب أو بعيد ، قال أبو حنيفة : يجزيه إن شاء الله ، وبعد الوصية يجزيه من غير المشيئة . ٩ - وشرط الحنفية أيضاً عدم اشتراط الأجرة، فلا يجوز كما بينا عندهم الاستئجار على الحج ، فلو استأجر رجلاً ، بأن قال : استأجرتك على أن تحج عني بكذا ، لم يجز حجه عنه والمعتمد أنه يقع عنه ، وإنما يقول : أمرتك أن تحج عني ، بلا ذكر إجارة . وأجاز الجمهور كما بينا الاستئجار على الحج . _ ٥٢ _ وأبان الحنابلة أنه يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ لأن النبي ◌ُ الم أمر أبا رزين فقال: ((حج عن أبيك واعتمر)) و «سألت امرأة رسول الله مُ ◌ّ عن أبيها مات ولم يحج، فقال : حجي عن أبيك)) وعن جابر: (( من حج عن أبيه أو أمه ، فقد قضى عنه حجته ، وكان له فضل عشر حجج)) وعن ابن عباس: (( من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً ، بعث يوم القيامة مع الأبرار)) (١) . ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعاً أو واجباً عليهما ؛ لأن الأم مقدمة في البر، قال أبو هريرة: ((جاء رجل إلى رسول الله مَ الٍ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمُّك ، قال : ثم من ؟ قال: أمُّك، قال : ثم من ؟ قال: أمُّك، قال : ثم من ؟ قال: أبوك)) (٢). وإن كان الحج واجباً على الأب دون الأم ، بدأ به ؛ لأنه واجب ، فكان أولى من التطوع . وقال الحنفية : من أهل بحجة عن أبويه ، يجزيه أن يجعله عن أحدهما ؛ لأن من حج عن غيره بغير إذنه ، يجعل ثواب حجه له بعد أداء الحج ، فلغت نيته قبل أدائه ، وصح جعل ثوابه لأحدهما بعد الأداء ، بخلاف المأمور بالحج ، كما ت تقدم . ١٠ - أهلية النائب لصحة الحج: بأن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً ) بالاتفاق وأجاز الحنفية كون النائب مميزاً ( مراهقاً ) فلا يصح عندهم إحجاج صبي غير مميز . حج الصرورة : الصرورة : من لم يحج عن نفسه ، أجاز الحنفية مع الكراهة التحريمية حج الصرورة ولم يشترطوا أن يكون النائب قد حج عن (١) روى الدارقطني كل تلك الأحاديث . (٢) رواه مسلم والبخاري . - ٥٣ _ نفسه ، عملاً بإطلاق حديث الخثعمية: (( حجي عن أبيك)) من غير استفسار عن سبقها الحج عن نفسها ، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم المقال أو الخطاب . أما سبب الكراهة فهو أنه تارك فرض الحج . وكذلك قال المالكية : يكره الحج عن غيره أي في حالة الوصية بالحج قبل أن يحج عن نفسه ، بناء على أن الحج واجب على التراخي ، وإلا منع على القول بأنه على الفور وهو المعتمد عندهم . وقال الشافعية والحنابلة : لا يصح الحج عن الغير مالم يكن النائب قد حج عن نفسه حجة الإسلام، للحديث السابق الذي أمر به النبي ما اتّ رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال له: (( حج عن نفسك ، ثم عن شبرمة )» ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه عليه السلام بأنها حجت عن نفسها أولاً ، وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك ، جمعاً بين الأدلة كلها ، كما قال الكمال بن الهمام . ويؤيده حديث آخر: (( لاصرورة في الإسلام))(١). كذلك لا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة ، وعليه فرضهما ، ولايحج ولا يعتمر عن النذر ، وعليه فرض حجة الإسلام ؛ لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام ، فلا يجوز تقديمهما عليها ، كحج غيره على حجه . فإن أحرم عن غيره ، وعليه فرضه ، انعقد إحرامه لنفسه عما عليه ، للرواية السابقة عن ابن عباس : (( أن النبي ◌ُ ◌ّ قال لمن يحج عن شبرمة حججت عن نفسك ؟ قال: لا ، قال: فاجعل هذه عن نفسك ، ثم احجج عن شبرمة )). (١) رواه أبو داود بإسناد صحيح ، بعضه على شرط مسلم، وباقيه على شرطه البخاري ، قال الشافعي : أكره أن يسمى من لم يحج صرورة . وسمي صرورة ؛ لأنه صر بنفسه عن إخراجها في الحج . وكذلك قال الحنابلة: تكره تسمية من لم يحج صرورة، للحديث المذكور: ((لاصرورة في الإسلام». : - ٥٤ - وعليه لو اجتمع على إنسان حجة الإسلام وقضاء ونذر ، قدمت حجة الإسلام ، ثم القضاء ثم النذر، ولو أحرم بغيرها وقع عنها ، لاعما نوى . ١١ - أن يحج النائب راكباً؛ لأن المفروض عليه هو الحج راكباً، فينصرف مطلق الأمر بالحج إليه ، فإذا حج ماشياً فقد خالف ، فيضمن النفقة ، فمن أمر غيره بالحج عنه ، فحج ماشياً ، ضمن النفقة . والمعتبر عند الحنفية : ركوب أكثر الطريق ، إلا إن ضاقت النفقة ، فحج ماشياً ، جاز. وكون وجوب الحج راكباً هو رأي الجمهور غير المالكية . أما المالكية فيوجبون الحج ماشياً بلامشقة شديدة ، كما عرفنا . ١٢ - أن يحج النائب عن الأصيل من وطنه إن اتسع ثلث التركة ، في حالة الوصية بالحج ، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ . هذا رأي الحنفية . ورأى الشافعية والحنابلة أنه يحج عنه من جميع مال الميت ؛ لأنه دين واجب ، فكان من رأس المال ، كدين الآدمي . ١٣ - أن يحج النائب بنفسه إن عينه الأصيل، بأن قال: يحج عني فلان ، لاغيره ، فلا يجوز حج غيره ، ولا يقع الحج عن الميت ، ويضمن الحاج الأول والثاني نفقة الحج . أما إن فوض الأصيل النائب ، فقال له : اصنع ماشئت ، فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره ، ويقع الحج عن الآمر . ١٤ - ألا يفسد النائب حجه: فلو أفسده ، لم يقع عن الآمر ، وإن قضاه عند الحنفية ، كما سنبين ؛ لأنه أمره بحجة صحيحة : وهي الخالية عن الجماع ، ولم يفعل ذلك ، فصار مخالفاً ، فيضمن ما أنفق ، ويقع الحج له لاعن الأصيل ؛ لأن من أفسد حجه يلزمه قضاؤه . ١٥ - عدم المخالفة : فلو أمره بالإفراد ، فقرن أو تمتع ، ولو عن الميت ، لم ؛ - ٥٥ _ : يقع عنه ، ويضمن النفقة . ولو أمره بالعمرة فاعتمر ، ثم حج عن نفسه ، أو بالحج ، فحج ، ثم اعتمر عن نفسه ، جاز ، إلا أن نفقة إقامته للحج أو العمرة عن نفسه في ماله ، فإذا فرغ عادت في مال الميت ، وإن عكس لم يجز . ١٦ - أن يحرم بحجة واحدة: فلو أهل بحجة عن الآمر ، ثم بأخرى عن نفسه ، لم يجز ، إلا إن رفض الثانية . ١٧ - أن يفرد الحج عن واحد لو أمره رجلان بالحج ، فلو أهل عنهما ، ضمن . ١٨، ١٩ - إسلام النائب والأصيل وتوفر العقل لديها، فلا يصح الحج من المسلم للكافر ، ولا من المجنون لغيره ، ولاعكسه ، لكن لو وجب الحج عن المجنون قبل طروء جنونه ، صح الإحجاج عنه . ٢٠ - عدم الفوات أي عدم تفويت الوقوف بعرفة ، كما سيأتي . الحج النفل عن الغير : هذه الشرائط كلها عند الحنفية في الحج الفرض ، أما الحج النفل عن الغير ، فلا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام والعقل والتمييز ، وكذا الاستئجار عليه ، لاتساع باب النفل ، فإنه يتسامح في النفل ولا يتسامح في الفرض(١) . سادساً - مخالفة النائب : الأصل في النائب بالحج عن الغير أن يلتزم ماوكله به الأصيل أو أمره به ، فإذا خالف الأمر ، ما الحكم ؟ قال الحنفية(٢): يصير المأمور بالحج مخالفاً في الحالات التالية : (١) حاشية ابن عابدين: ٢ / ٣٢٩. (٢) البدائع : ٢ / ٢١٣ - ٢١٦ . - ٥٦ - أ - إذا أمره بحجة مفردة أو بعمرة مفردة ، فقرن بينهما : فهو مخالف ضامن عند أبي حنيفة ؛ لأنه لم يأت بالمأمور به ؛ لأنه أمر بسفر على نحو معين ، لاغير ، ولم يأت به ، فخالف أمر الآمر ، فضن . وقال الصاحبان : يجزئ ذلك عن الآمر استحساناً ، ولا يضمن فيه دم القران على الحاج ؛ لأنه فعل المأمور به ، وزاد خيراً ، فكان مأذوناً في الزيادة دلالة ، فلم يكن مخالفاً ، فهي مخالفة إلى خير . ب - لو أمره بالحج عنه، فاعتمر: ضمن ؛ لأنه خالف . ولو اعتمر ، ثم حج من مكة ، يضمن النفقة باتفاق الحنفية ، لأمره له بالحج بسفر ، وقد أتى بالحج من غير سفر . جـ - لو أمره أن يعتبر، فأحرم بالعمرة واعتمر، ثم أحرم بالحج عن نفسه ، لم يكن مخالفاً ؛ لأنه فعل ما أمر به : وهو أداء العمرة بالسفر، وحجه عن نفسه بعدئذ كاشتغاله بعمل آخر من التجارة وغيرها ، لكن النفقة في حجه تكون من ماله ، لأنه عمل لنفسه . د - إذا أمره أن يحج عنه ، فحج عنه ماشياً، يضمن ؛ لأنه خالف ؛ لأن الأمر بالحج ينصرف إلى الحج المتعارف في الشرع وهو الحج راكباً ؛ لأن الله تعالى أمر بذلك ، فعند الإطلاق ينصرف إليه . فإذا حج ماشياً ، فقد خالف . هـ - لو أمره اثنان بالحج عنهما، فأحرم عنهما معاً ، فهو مخالف ، ويقع الحج عنه ، ويضمن النفقة لهما إن أنفق من مالهما ؛ لأن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل ، فصار مخالفاً لأمرهما ، فلم يقع حجه عنهما ، فيضمن لهما . ووقع الحج عن الحاج ؛ لأن الأصل أن يقع كل فعل عن فاعله ، وإنما يقع لغيره بجعله ، فإذا خالف لم يصر لغيره ، فبقي فعله له . وإن أحرم بحجة عن أحدهما بعينه ، وقع عنه ، ويضمن للآخر النفقة ، وإن - ٥٧ - أحرم بحجة عن أحدهما بغير تعيين ، فله أن يجعله عن أحدهما أيها شاء ، مالم يتصل بها الأداء . وكذلك لو أحرم الابن بالحج عن أحد أبويه ، صح وإن لم يكن معيناً ، ثم يعين أحدهما ؛ لأن الإحرام ليس من الأداء ، بل هو شرط جواز أداء أفعال الحج . وإن أمره أحدهما بحجة ، وأمره الآخر بعمرة: فإن أذنا له بالجمع وهو القرآن ، فجمع ، جاز. وإن لم يأذنا له بالجمع ، فجمع ، جاز عند الكرخي ، ولم يجز عند القدوري وهو الأرجح ؛ لأنه خالف ؛ لأنه أمره بسفر ينصرف كله إلى الحج ، وقد صرفه إلى الحج والعمرة ، فصار مخالفاً . جزاء المخالفة : إذا فعل المأمور بالحج ما يوجب الدم ( ذبح شاة مثلاً ) أو* غيره ، فهو عليه . ولو قرن عن الأمر بأمره ، قدم القران عليه . والحاصل : أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال الحاج ، إلا دم الإحصار خاصة ، فإنه في مال المحجوج عنه ؛ لأنه هو الذي أدخل الحاج في هذه العهدة ، فكان من جنس النفقة والمؤنة ، وذلك من مال المحجوج عنه . فإن جامع الحاج القائم بالحج عن غيره قبل الوقوف بعرفة ، فسد حجه ، ويمضي فيه ، والنفقة في ماله ، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك ، وعليه القضاء من مال نفسه . و - من حج عن غيره ، فمرض في الطريق ، لم يجز له أن يدفع النفقة إلى من يحج عن الميت إلا أن يكون أذن له في ذلك ؛ لأنه مأمور بالحج ، لا بالإحجاج . ز - لو أحج رجلاً يؤدي الحج ، ويقيم بمكة ، جاز؛ لأن فرض الحج ، صار مؤدىّ بالفراغ عن أفعاله . والأفضل أن يحج ، ثم يعود إليه ، لأنه كلما كانت النفقة أكثر كان الثواب للآمر أكثر وأوفر . - ٥٨ - وإذا فرغ المأمور بالحج من الحج ، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً ، أنفق من مال نفسه ؛ لأن نية الإقامة قد صحت ، فصار تاركاً للسفر ، فلم يعد مأذوناً بالإنفاق من مال الآمر ، ولو أنفق ضمن ؛ لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه . فإن أقام أياماً بمكة من غير نية الإقامة : فإن أقام إقامة معتادة كثلاثة أيام ، فالنفقة في مال المحجوج عنه ، وإن زاد على المعتاد ، فالنفقة من ماله . والإقامة للتجارة والإجارة لا يمنعان جواز الحج ، ويجوز حج التاجر والأجير والمكاري ، لقوله عز وجل : ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ . وقال الحنابلة(١) : أ - إذا أمره بحج ، فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ، ثم حج: فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج ، جاز ولاشيء عليه ، وهو مذهب الشافعي أيضاً ؛ لأنه إذا أحرم من الميقات ، فقد أتى بالحج صحيحاً من ميقاته . وإن أحرم بالحج من مكة ، فعليه دم لترك ميقاته ، ويرد من النفقة بقدر ماترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة ؛ لأن إخلاله كان بما يجبره الدم ، فلم تسقط نفقته ، كما لو تجاوز الميقات غير محرم ، فأحرم دونه . ب - وإن أمره بالإفراد ، فقرن ، لم يضمن شيئاً عند الحنابلة والشافعية ، وهو رأي الصاحبين ، خلافاً لرأي أبي حنيفة المتقدم ؛ لأنه مخالف . ودليلهم أنه أتى بما أمر به وزيادة ، فصح ولم يضمن ، كما لو أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما ديناراً . ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج ، ففعلها ، فلاشيء عليه ، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها . (١) المغني: ٣ / ٢٣٤ - ٢٣٦. - ٥٩ - جـ - وإن أمره بالتمتع ، فقرن ، وقع عن الآمر عند الحنابلة والشافعية ؛ لأنه أمر بها ، وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة ، فأحرم به من الميقات ، ولا يرد شيئاً من النفقة . وإن أفرد ، وقع عن الأصيل أيضاً ، ويرد نصف النفقة ؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات ، وقد أمره به ، وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئاً . د - إن أمره بالقران ، فأفرد أو تمتع ، صح ، ووقع النسكان عن الآمر، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات . هـ - إن استنابه رجلان: أحدهما للحج والآخر للعمرة ، وأذنا له في القرآن ، ففعل ، جاز ؛ لأنه نسك مشروع . وإن قرن من غير إذنهما ، صح ووقع عنهما ، خلافاً للحنفية ، ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها ؛ لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنها ، وقد أتى بما أمر به ، وإنما خالف في صفته ، لا في أصله ، فأشبه من أمر بالتمتع فقرن . وإن أذن أحدهما دون الآخر ، رد على غير الآمر نصف نفقته وحده . ودم القرآن على النائب إذا لم يؤذن له فيه ، لعدم الإذن في سببه . ويكون الدم على من وكلاه ، إن أذنا ، لوجود الإذن في سببه . فإن أذن أحدهما دون الآخر ، فعلى الآذن نصف الدم ، ونصفه على النائب . و- إن أمر بالحج ، فحج ، ثم اعتمر لنفسه ، أو أمره بعمرة ، فاعتمر ، ثم حج عن نفسه ، صح ، ولم يرد شيئاً من النفقة ؛ لأنه أتى بما أمر به على وجهه . وإن أمره بالإحرام من ميقات ، فأحرم من غيره ، جاز؛ لأنهما سواء في الإجزاء . - ٦٠ - ٠٠٠