Indexed OCR Text
Pages 861-880
في حديث معاذ المتقدم: ((فإياك وكرائم أموالهم)) وقوله أيضاً: ((إن الله تعالى لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره )) (١) ، ولأن مبنى الزكاة على المواساة ، وأخذ الصحيحة عن المراض مثلاً إخلال بالمواساة ، ولأن فيه مراعاة لجانبي المالك والمستحق . وقد فرع الفقهاء بناء على هذا المبدأ تفريعات : فقال الحنفية(٢): ليس للساعي أن يأخذ الجيد ولا الرديء إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال . ولا يؤخذ الرُّبَّى ( التي وضعت وهي تربي ولدها ، يعني قريبة العهد بالولادة ) ، ولاالماخض ( التي قد حان ولادها أي في بطنها ولد ) ، ولا الأكولة ( التي تسمن للأكل ) . ويأخذ الساعي الوسط، سواء أكان النصاب من نوع واحد، أم من نوعين كالضأن والمعز ، والبقر والجواميس ، والعراب والبخت ، والوسط : هو أن يكون أدنى من الأرفع ، وأرفع من الأدون . ولا يأخذ الذكر في زكاة الإبل ، فتتعين الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة ، ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع ، إلا بطريق التقويم ؛ لأن الواجب المنصوص عليه هو الإناث ، ودفع القيمة في الزكاة جائز عندهم . أما في البقر فيجوز فيها الذكر والأنثى ، لورود النص بذلك ، كما تقدم . وليس في الصغار والذكور وحدها زكاة ، فإذا وجدت الصغار والكبار عدّت مع بعضها ، ويجب فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة . (١) رواه أبو داود . (٢) البدائع ، المكان السابق . - ٨٦١ - وإذا فقد الساعي في مال المالك ما يجب أخذه ، بأن وجب عليه سن فلم توجد عنده ، أخذ أعلى منها وردّ الفضل ( قيمة الزيادة عن المدفوع ) ، أو أخذ أدنى منها وأخذ الفضل ، ولا يقدر عندهم بشيء ؛ لأنه يختلف بحسب الأوقات غلاء ورخصاً (١) . وقال المالكية : يتعين على الساعي أخذ الوسط من الواجب ، فلا يؤخذ من خيار الأموال ولامن شرارها ، حتى ولو كان عند المزكي خيار فقط أو شرار فقط ، إلا أن يرى الساعي أن أخذ المعيبة أحظ للفقراء لكثرة لحمها مثلاً . ولا يؤخذ من الأولاد . وإذا تساوى عدد الضأن والمعز أو غيرهما ، خيّر الساعي ، فإن لم يتساويا أخذ من الأكثر، كثلاثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك ، وكعشرين من البقر وعشرة من الجواميس ، فيأخذ من الأكثر ؛ لأن الحكم للغالب . وقال الشافعية : لا تؤخذ مريضة ، ولامعيبة ، إلا من مثلها بأن كانت ماشيته كلها منها ، ولا يؤخذ ذكر ؛ لأن النص ورد في الإناث إلا إذا وجب كابن اللبون والتبيع في البقر ، أو كانت ماشيته كلها ذكوراً في الأصح ، كما تؤخذ المريضة والمعيبة من مثلها . ويؤخذ من الصغار صغيرة في المذهب الجديد . ولا تؤخذ الرُّبَّى (الحديثة العهد بالنتاج) ولا الأكولة ( المسمنة للأكل ) ولاماخض ( حامل ) ، ولافحل الغنم، ولاخيار، لحديث معاذ السابق ((إياك وكرائم أموالهم)) ولقول عمر رضي الله عنه: ((ولا تؤخذ الأكولة ، ولاالربى ، ولا الماخض ، ولافحل الغنم » إلا برضا المالك في جميع ماذكر ؛ لأنه محسن بالزيادة ، وقد قال تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ . (١) خلافاً للشافعية والحنابلة الذين قدروا الفضل الذي يرد بشاتين أو عشرين درهماً. - ٨٦٢ - وقد عرفنا أنه بالنسبة للجبران : إذا لم يجد الساعي الفرض المطلوب في الإبل كان للمالك الصعود والنزول درجة أو درجتين ، فدفع الأعلى أو الأدنى مع أخذ الدافع شاتين أو عشرين درهماً ، وذلك تخفيفاً على المالك ، حتى لا يكلف الشراء ، والخيار في الشاتين أو العشرين درهما للدافع سواء أكان مالكاً أم ساعياً ، لحديث أنس في كتاب أبي بكر عند البخاري . وقال الحنابلة : لا يوخذ في الصدقة تيس ( ذكر ) ولاهَرمة ، ولاذات عوار ( معيبة ) إلا ماشاء المصدّق أي العامل ، بأن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنس المذكورات ، فيكون له أن يأخذ من جنس المال ، فيأخذ هرمة ( كبيرة ) من الهرمات ، وذات عوار من أمثالها ، وتيساً من التيوس ، كما قرر الشافعية ، ودليلهم حديث أبي بكر عن أنس المتقدم . ولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح ، وإن كثرت قيمتها ، للنهي عن أخذها ، ولما فيه من الإضرار بالفقراء . ولا تؤخذ الرُّبَّى ولا الماخض ولا الأكولة، كمابينا في مذهب الشافعية ، ولا تؤخذ السخلة الصغيرة إلا إذا كانت الماشية كلها صغاراً، فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب ، كما قرر الشافعية . . ورأيهم في الجبران كالشافعية أيضاً ، فمن وجبت عليه سن في الزكاة فعدمها ، خيِّر المالك دون الساعي ، أو الفقير ونحوه في الصعود إلى مايليها في ملكه ، ثم إلى ما يليه إن عدمه ، وفي النزول إلى ما يليها في ملكه ثم إلى ما يليه ، إلى درجة ثالثة من فوق أو من أسفل ، مع شاتين أو عشرين درهما ويتضاعف الجبران مع زيادة الدرجة ، ولامدخل للجبران في غير الإبل ؛ لأن النص إنما ورد فيها ، فيقتصر عليه ، وليس غيرها في معناها ، لكثرة قيمتها ، ولأن الغنم لاتختلف فريضتها - ٨٦٣ - باختلاف سنها ، ومابين الفريضتين في البقر يخالف مابين الفريضتين في الإبل ، فامتنع القياس . فمن عدم فريضة البقر أو فريضة الغنم ، ووجد دونها ، حرم إخراجها ، ولزمه تحصيل الفريضة وإخراجها ، وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران ، قبلت منه ، وإن لم يفعل أي يدفع الأعلى عن الواجب كُلّف شراء الفريضة من غير ماله ، لكونه طريقاً إلى أداء الواجب . المبحث الخامس - هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع ، وكسب العمل والمهن الحرة ؟ أوضحت في بحث زكاة النقود حكم زكاة الأسهم والسندات ، ويخصص هذا المبحث لزكاة الدخل أو المورد الذي يحصل عليه الإنسان من طريق المباني المؤجرة والمعامل الصناعية ، والأعمال والمهن الحرة . وفيه مطلبان : المطلب الأول - زكاة العمارات والمصانع ونحوها : اتجه رأس المال في الوقت الحاضر لتشغيله في نواحٍ من الاستثمارات غير الأرض والتجارة ، وذلك عن طريق إقامة المباني أو العمارات بقصد الكراء ، والمصانع المعدة للإنتاج ، ووسائل النقل من طائرات وبواخر ( سفن ) وسيارات ، ومزارع الأبقار والدواجن وتشترك كلها في صفة واحدة هي أنها لاتجب الزكاة في عينها وإنما في ريعها وغلتها أو أرباحها . وبالرغم من أن جمهور فقهائنا لم ينصوا على وجوب الزكاة في هذا النوع من المستغلات ، وقالوا : لازكاة في دور السكنى وأثاث المنزل وأدوات الحرفة ودواب الركوب ، كما ذكرنا سابقاً ، فإني أرى ضرورة الزكاة فيها ، لوجود علة وجوب الزكاة فيها وهي النماء ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، ولتوفر حكمة - ٨٦٤ _ تشريع الزكاة فيها أيضاً وهي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم ، ومواساة المحتاجين ، والمساهمة في القضاء على الفقر الذي يشغل أنظمة العالم الحاضرة . وقد قرر مؤتمر علماء المسلمين الثاني ومؤتمر البحوث الإسلامية الثاني عام ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥ م: أن الأموال النامية التي لم يرد نص ولارأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالآتي : لاتجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية والمصانع والسفن والطائرات وما أشبهها ، بل تجب في صافي غلتها عند توافر شرط النصاب ، وحولان الحول . ومقدار الزكاة : هو ربع العشر في نهاية الحول ، أي ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول ( أي ٢٫٥٪) كزكاة التجارة والنقود. وفي الشركات لا ينظر إلى مجموع أرباح الشركات ، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة . وهذا القرار يتفق مع المروي عن الإمام أحمد الذي يرى أنه تزكى هذه المستغلات من غلتها وإيرادها ، ومع رأي بعض المالكية الذين يرون تزكية فوائد المستغلات عند قبضها(١) . ويرى ابن عقيل الحنبلي والهادوية من الزيدية وجوب الزكاة في المستغل من كل شيء لأجل الاستغلال ، فيشمل العقار المعد للكراء ، وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة أي يقوم رأس المال في كل عام ويزكى زكاة التجارة(٢). المطلب الثاني - زكاة كسب العمل والمهن الحرة : العمل : إما حر غير مرتبط بالدولة كعمل الطبيب والمهندس والمحامي والخياط والنجار وغيرهم من أصحاب المهن الحرة . (١) المغني: ٣ / ٢٩، ٤٧، شرح الرسالة: ١ / ٣٢٩. (٢) بدائع الفوائد لابن القيم : ٣ / ١٤٣، البحر الزخار : ٢ / ١٤٧. الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥٥) - ٨٦٥ _ وإما مقيد مرتبط بوظيفة تابعة للدولة أو نحوها من المؤسسات والشركات العامة أو الخاصة ، فيعطى الموظف راتباً شهرياً كما هو معروف . والدخل الذي يكسبه كل من صاحب العمل الحر أو الموظف ينطبق عليه فقهاً وصف ((المال المستفاد))(١) . والمقرر في المذاهب الأربعة أنه لازكاة في المال المستفاد حتى يبلغ نصاباً ويتم حولاً ، ويزكى في رأي غير الشافعية المال المدخر كله ولو من آخر لحظة قبل انتهاء الحول بعد توفر أصل النصاب . ويمكن القول بوجوب الزكاة في المال المستفاد بمجرد قبضه ، ولو لم يمض عليه حول ، أخذاً برأي بعض الصحابة ( ابن عباس وابن مسعود ومعاوية ) وبعض التابعين ( الزهري والحسن البصري ومکحول ) ورأي عمر بن عبد العزيز، والباقر والصادق والناصر، وداود الظاهري . ومقدار الواجب : هو ربع العشر، عملاً بعموم النصوص التي أوجبت الزكاة في النقود وهي ربع العشر، سواء حال عليها الحول ، أم كانت مستفادة . وإذا زكى المسلم كسب العمل أو المهنة عند استفادته أو قبضه لا يزكيه مرة أخرى عند انتهاء الحول . وبذلك يتساوى أصحاب الدخل المتعاقب مع الفلاح الذي تجب عليه زكاة الزروع والثمار بمجرد الحصاد والدياس . المبحث السادس - مصارف الزكاة فيه مطلبان : الأول - مستحقو الزكاة ، والثاني - أحكام متفرقة في توزيع الزكاة . (١) انظر فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي: ١ / ٤٨٧ - ٥٢٠ . - ٨٦٦ - . ٠ المطلب الأول - من هم مستحقو الزكاة ؟ أولاً - دليل تحديدهم : نصت الآية القرآنية ٦٠ من سورة التوبة على أصناف ثمانية تستحق الزكاة وهي قوله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ، فريضة من الله ، والله عليم حكيم ﴾ فدلت على أنه تصرف الزكاة إلى الأصناف الثانية . وروى الجماعة عن ابن عباس أن النبي وعَاتّ قال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن (( .. فإن هم أطاعوك لذلك - أي الإقرار بوجوب الزكاة عليهم - فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد على فقرائهم .. )) دل على أن الزكاة تؤخذ من قبل الإمام من أغنياء المسلمين ، وتصرف في فقرائهم ، وكونها في فقرائهم استدل به لمذهب مالك وغيره بأنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد . ثانياً - هل يجب تعميم الأصناف الثمانية ؟ قال الشافعية(١): يجب صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال إلى ثمانية أصناف ، عملاً بالآية الكريمة ﴿ إنما الصدقات ... ﴾ أضافت الآية جميع الصدقات إلى هذه الأصناف بلام التمليك ، وشركت بينهم بواو التشريك ، فدلت على أن الصدقات كلها مملوكة لهم ، مشتركة بينهم . فإن كان الذي يفرق الزكاة هو الإمام ، قسمها على ثمانية أسهم ، منها سهم العامل ، وهو أول ما يبدأ به ؛ لأنه يأخذه على وجه العوض ، وأما غيره فيأخذه على وجه المواساة . وإن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ، (١) المهذب: ١ / ١٧٠ - ١٧٣، حاشية الباجوري: ١ / ٢٩١ - ٢٩٤، مغني المحتاج: ٣ / ١٠٦ - ١١٢. - ٨٦٧ - وصرفت إلى الأصناف السبعة الباقية إن وجدوا ، وإلا فللموجودين منهم ، والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن ، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف ؛ لأن أقل الجمع ثلاثة ، فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث إلا العامل ، فإنه يجوز أن يكون واحداً إن حصلت به الكفاية . والغالب وجوده الآن في البلاد أربعة : الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل . وأجاز جمع من الشافعية دفع زكاة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين ، واختار الروياني من الشافعية صرف الزكاة إلى ثلاثة من أهل السهان ، قال : وهو الاختيار من حيث الفتوى لتعذر العمل بمذهبنا . ومذهب الجمهور ( الحنفية والمالكية والحنابلة) (١): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد ، وأجاز الحنفية والمالكية صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف . وندب عند المالكية صرفها إلى المضطر أي أشدهم حاجة على غيره . ويستحب صرفها في الأصناف الثانية خروجاً من الخلاف وتحصيلاً للإجزاء يقيناً ، ولا يجب الاستيعاب . ودليلهم أن الآية تعني عدم جواز صرفها لغير هذه الأصناف ، وأما فيهم فهي تدل على التخيير ، أي إنها لبيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم ، لالتعيين الدفع فیھم . وأما دليل جواز الاقتصار على شخص واحد من أحد الأصناف فهو أن الجمع المعرف بأل ((الفقراء .. )) ينبغي حملها على المجاز، وهو جنس الفقير ، الذي يتحقق بواحد ، لتعذر حملها على الحقيقة : وهو الاستغراق ، أي الشمول لجميع (١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٦، فتح القدير: ٢ / ١٤، البدائع: ٢ / ٤٦، الدر المختار: ٢ / ٨٤، القوانين الفقهية: ص ١١٠ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٧، المغني: ٢ / ٦٦٨، الشرح الصغير: ١ / ٦٦٤ ، كشاف القناع : ٢ / ٣٣٥ ومابعدها . - ٨٦٨ - الفقراء ، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير ، وهو غير معقول . ثالثاً - بيان الأصناف الثمانية : مستحقو الزكاة هم ثمانية أصناف : وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، وفي الرقاب ، والغارمون ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل(١). ١ - أما الفقراء : أصحاب السهم الأول: فهم جمع فقير ، والفقير في رأي الشافعية والحنابلة : هو من ليس له مال ولاكسب يقع موقعاً من كفايته ، أو حاجته . فليس له زوج ولاأصل ولافرع يكفيه نفقته ، ولا يحقق كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد إلا ثلاثة ، حتى وإن كان صحيحاً يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به . ٢ - وأما المساكين أصحاب السهم الثاني فهم جمع مسكين : والمسكين: هو الذي يقدر على كسب ما يسد مسداً من حاجته ، ولكن لا يكفيه ، كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لاتكفيه الكفاية اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن . فالفقير عند الشافعية والحنابلة : أسوأ حالاً من المسكين ، فالفقير : هو من لامال له ولاكسب أصلاً ، أو كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته (مونه ) من غير إسراف ولا تقتير . والمسكين : هو من يملك أو يكتسب نصف ما يحتاجه فأكثر، وإن لم يصل إلى قدر كفايته . والمراد بالكفاية في حق المكتسب : كفاية يوم بيوم ، وفي حق غيره : مابقي من عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة . (١) البدائع: ٢ / ٤٣ - ٤٦، الدر المختار: ٧٩/٢ - ٨٤، فتح القدير: ٢ / ١٤ - ٢٠، الشرح الكبير: ١ / ٤٩٢ - ٤٩٧، الشرح الصغير: ١ / ٦٥٧ - ٦٦٤، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٦ - ٢٦٩، القوانين الفقهية: ص ١٠٩ - ١١١، المهذب: ١ / ١٧٠ - ١٧٣، كشاف القناع: ٢ / ٣١٦ - ٣٣٢، المغني: ٢ / ٦٦٥ ومابعدها . - ٨٦٩ - ودليلهم على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين : بداءة الله تعالى بذكر الفقراء ، وإنما يبدأ عادة بالأهم فالأهم . وقال تعالى: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها ، وقد سأل النبي المسكنة واستعاذ من الفقر، فقال: ((اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين ))(١)، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها . ولأن الفقير هو المفقور لغة : وهو الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فانقطع صلبه . وقال الحنفية والمالكية : المسكين أسوأ حالاً من الفقير، كما نقل عن بعض أئمة اللغة ، ولقوله تعالى: ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده ، مما يدل على غاية الضرر والشدة(٢)، ولأن المسكين : هو الذي يسكن حيث يحل ، لأنه لامسكن له ، مما يدل على شدة الضرر والبؤس . ٣ - والصنف الثالث - العاملون عليها : وهم السعاة لجباية الصدقة ، ويشترط فيهم العدالة والمعرفة بفقه الزكاة ويدخل العاشر والكاتب وقاسم الزكاة بين مستحقيها وحافظ المال ، والحاشر : الذي يجمع أرباب الأموال ، والعريف : الذي يعرف أرباب الاستحقاق ، وعدّاد المواشي والكيال والوزان والراعي ، وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمّى ((العامل)) غير قاض ووال لاستغنائهما بمالهما في بيت المال . أما أجرة الكيل والوزن في حال تسليم الزكاة ومؤنة دفعها ، فعلى المالك ؛ لأن تسليمها عليه ، فكذلك مؤنته . أما مؤنة ذلك حال الدفع إلى أهل الزكاة ، فمن سهم العمال . (١) رواه الترمذي . (٢) ناقشهم الفريق الأول بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقاً، وأن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة . وناقش الفريق الثاني استدلال الأولين بآية السفينة بأنه قيل لهم مساكين ترحماً . - ٨٧٠ - والذي يعطى للعامل : هو بمثابة الأجرة على العمل ، فيعطاها ولو كان غنياً ، أما لو اعتبرت زكاة أو صدقة لما حلت للغني . ٤ - والصنف الرابع - المؤلفة قلوبهم : منهم ضعفاء النية في الإسلام ، فيعطون ليتقوى إسلامهم . وهم نوعان : مسلمون وكفار . أما الكفار فصنفان : صنف يرجى خيره ، وصنف يخاف شره . وقد ثبت أن النبي ◌ُ ◌ّ أعطى قوماً من الكفار، يتألف قلوبهم ليسلموا ، ففي صحيح مسلم: أنه مَ ◌ّ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، وعباس بن مرداس ، كل إنسان منهم مائة من الإبل . وأعطى أيضاً علقمة بن علاثة من غنائم حنين(١) . واختلف العلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً ، فقال الحنابلة والمالكية: يعطون ترغيباً في الإسلام؛ لأن النبي عائلة ((أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين )). وقال الحنفية والشافعية : لا يعطى الكافر من الزكاة لالتأليف ولالغيره ، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم ، وقد أعز الله الإسلام وأهله ، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله مَ ظافر، قال عمر رضي الله عنه: (( إنا لانعطي على الإسلام شيئاً ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر)) . وأما المسلمون من المؤلفة : فهم أصناف يعطون بسبب احتياجنا إليهم : (١) نيل الأوطار: ٤ / ١٦٦. - ٨٧١ - ١ - ضعفاء النية في الإسلام: يعطون ليتقوى إسلامهم. ٢ - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه ، فقد أعطى النبي وافٍ أبا سفيان بن حرب وجماعة ممن ذكر، وأعطى الرسول عليه الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم ، لشرفها في قومها . ٣ - المقيم في ثغر في ثغور المسلمين المجاورة للكفار، ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال . ٤ - من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم ، وإن لم يمنعوها . وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة . وقد اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي ماتمٍ : فقال الحنفية ومالك : قد سقط سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وغلبته ؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام ، وأغنى عنهم وعن استمالتهم إلى الدخول فيه. فيكون عدد الأصناف سبعة لاثمانية ، وذلك بإجماع الصحابة . قال مالك : لاحاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الإسلام . وقال الجمهور منهم خليل من المالكية : حكم المؤلفة باق لم ينسخ ، فيعطون عند الحاجة ، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم : على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم ، لالسقوط سهمهم ، فإن الآية من آخر مانزل ، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن قدر ، كما ذكرنا ، ولأن المقصود من دفعها إليهم ترغيبهم في الإسلام لأجل إنقاذ مهجهم من النار ، لا لإعانتهم لنا حتى يسقط بفشو الإسلام . - ٨٧٢ - ٥ - والصنف الخامس - في الرقاب: وهم عند الجمهور: المكاتبون (١) المسلمون الذين لايجدون وفاء ما يؤدون ، ولو مع القوة والكسب ؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتباً ، ولو اشتري بالسهم عبيد ، لم يكن الدفع إليهم ، وإنما هو دفع إلى سادتهم ، ولم يتحقق التمليك المطلوب في أداء الزكاة ، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ وفسر ابن عباس ((في الرقاب)) بأنهم المكاتبون . وقال المالكية : يشترى بسهمهم رقيق ، فيعتق ؛ لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة ، يراد بها عتقها ، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن ( العبد الخالص العبودية ) كما في الكفارات . وشرط إعطاء المكاتب هو كونه مسلماً ، محتاجاً . وبما أنه لا يوجد الآن في العالم رقيق ، لإلغائه وتحريمه دولياً ، فإن هذا السهم لاوجود له حقيقة ، وماقد يوجد ليس له طريق شرعي جائز . ٦ - والصنف السادس - الغارمون: وهم المدينون ، سواء استدان المدين عند الشافعية والحنابلة لنفسه أم لغيره ، وسواء أكان دينه في طاعة أم معصية . فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيراً، وإن استدان لإصلاح ذات البين ولو بين أهل ذمة ، بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهب ، فيعطى من سهم الغارمين ، ولو كان غنياً، لقوله عَ ◌ّ: ((لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين ، فتصدق على المسكين ، فأهدى المسكين إليه ))(٣) . (١) المكاتب : من كاتبه سيده على أقساط معينة ، فإذا وفاها صار حراً. والكتابة مندوبة لقوله تعالى: ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ﴾ من أجل تحرير الرقاب . (٢) رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . - ٨٧٣ - ٠٠ وقال الحنفية : الغارم : من لزمه دين ، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه . وقال المالكية : الغارم : هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولافساد ، أي من ليس عنده مایوفي به دينه ، إذا كان الدين في غير معصية کشرب خمر وقمار ، ولم يستدن لأخذ الزكاة ، كأن يكون عنده مايكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة ، فلا يعطى منها ؛ لأنه قصد مذموم ، بخلاف فقير استدان للضرورة ، ناوياً الأخذ من الزكاة ، فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده . لكن إن تاب من استدان لمعصية ، أو بقصد ذميم ، فإنه يعطى على الأحسن . ٧ - والصنف السابع - في سبيل الله: وهم الغزاة المجاهدون الذين لاحق لهم في ديوان الجند ؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو ، ولقوله تعالى : ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) وقوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله ﴾ وغير ذلك ، فيدفع إليهم لإنجاز مهمتهم وعودهم ولو كانوا عند الجمهور أغنياء ؛ لأنه مصلحة عامة . وأما من له شيء مقدر في الديوان فلا يعطى ؛ لأن من له رزق راتب يكفيه ، فهو مستغن به . لكن لا يحج أحد بزكاة ماله ، ولا يغزو ( يجاهد ) بزكاة ماله ، ولا يُحج بها. عنه ، ولا يَغْزى بها عنه لعدم الإيتاء المأمور به ... وقال أبو حنيفة : لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيراً . والحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل ، فيعطى مريد الحج من الزكاة، لما روى أبو داود عن ابن عباس: (( أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله ، فأرادت امرأته الحج ، فقال لها النبي معَ ◌ّ: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله))، فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيراً ، ما يؤدي به فرض حج أو فرض. - ٨٧٤ - عمرة ، أو يستعين به في أداء أي الفرضين ؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض . وأما التطوع فله عنه مندوحة . ٨ - والصنف الثامن - ابن السبيل: هو المسافر أو من يريد السفر في طاعة غير معصية ، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة ، والطاعة : مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة . يعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده ، إذا كان محتاجاً في سفره ، ولو كان غنياً في وطنه . رابعاً - هل تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف ؟ اتفق جماهير فقهاء المذاهب(١) على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى من بناء المساجد والجسور والقناطر والسقايات وكري الأنهار وإصلاح الطرقات ، وتكفين الموتى ، وقضاء الدين ، والتوسعة على الأضياف ، وبناء الأسوار وإعداد وسائل الجهاد ، كصناعة السفن الحربية وشراء السلاح ، ونحو ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى مما لاتمليك فيه ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء) وكلمة ((إنما)) للحصر والإثبات ، تثبت المذكور وتنفي ماعداه ، فلا يجوز صرف الزكاة إلى هذه الوجوه ؛ لأنه لم يوجد التمليك أصلاً . لكن فسر الكاساني في البدائع سبيل الله . بجميع القرب ، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً؛ لأن ((في سبيل الله)) عام في الملك ، أي يشمل عمارة المساجد ونحوها مما ذكر، وفسر بعض الحنفية ((سبيل (١) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ٨١، ٨٣، ٨٥، البدائع: ٢ / ٤٥، الشرح الكبير: ١ / ٤٩٧، المهذب : ١ / ١٧٠، ١٧٣، المغني: ٢ / ٦٦٧، القوانين الفقهية: ص ١١١، أحكام القرآن لابن العربي: ٢ / ٩٥٧ . - ٨٧٥ _ الله)) بطلب العلم ولو كان الطالب غنياً. قال أنس والحسن: ((ماأعطيت في الجسور والطرق ، فهي صدقة ماضية)). وقال مالك : سبل الله كثيرة ، ولكني لاأعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو . خامساً - مقدار ما يعطى لمستحقي الزكاة : اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين(١): فقال الشافعية والحنابلة : يجوز أن يدفع إلى كل منهما ماتزول به حاجته أو كفايته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة ، أو بضاعة يتجر فيها ، حتى ولو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ، ويحسن التجارة فيها ؛ لأن الله أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم ، فالمقصود من الزكاة سد الخلة ودفع الحاجة ، فيعطى الفقير والمسكين ما يحقق حاجته وهو كفاية سنة. وقال وال التّ في حديث قبيصة عند مسلم: ((فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ، أو سداداً من عيش )» والسداد : الكفاية . وكره أبو حنيفة إعطاء إنسان نصاب الزكاة وهو قدر مائتي درهم ، ويجزئ إعطاء أي قدر . وأجاز مالك إعطاء نصاب ، ويرد الأمر إلى الاجتهاد ، فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنياً . لكن لا يعطى عند المالكية أكثر من كفاية سنة . ودليل أبي حنيفة ومالك أن الآية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد من الأصناف . (١) الدر المختار: ٢ / ٨٨، ٩٣، فتح القدير: ٢ / ٢٨، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٤٩٤، أحكام القرآن لابن العربي: ٢ / ٩٦١، المجموع: ٦ / ٢٠٢، المهذب: ١ / ١٧١، مغني المحتاج: ٣ / ١١٤، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٨ ومابعدها ، كشاف القناع : ٢ / ٣١٧ وما بعدها . - ٨٧٦ - واما مقدار ما يعطى للعامل: فاتفق الفقهاء(١) على أنه يدفع إليه الإمام بقدر عمله ، أي ما يسعه أو يكفيه وأعوانه بالوسط ، مدة ذهابهم وإيابهم ، لكن قيد الحنفية ذلك بألا يزاد على نصف ما يقبضه . وأما ما يعطى للغارم : فبقدر ماعليه من الدين إذا كان في طاعة وفي غير سرف ، بل في أمر ضروري . وكذلك ابن السبيل : يعطى ما يوصله إلى بلده(٢). سادساً - من سأل الزكاة وكان غير مستحق : هذه مسألة تشترك فيها الأصناف الثانية كلها(٣) ، وهي من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقاً ، لم يجز له صرف الزكاة إليه . وإن علم استحقاقه ، جاز الصرف إليه بلاخلاف . وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان : خفية وجلية : فالخفي : الفقر والمسكنة ، فلا يطالب مدعيهما ببينة لعسرها ، فلو عرف له مال ، وادعى هلاكه ، لم يقبل إلا ببينة ، ولو ادعى عيالاً فلابد من البينة في الأصح . والجلي : نوعان : أحدهما - يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل ، وذلك في الغازي وابن السبيل ، فيعطيان بقولهما بلابينة ولا يمين . ثم إن لم يحققا ماادعيا ، ولم يخرجا ، استرد منهما ماأخذا ، ويترصد للخروج بحسب المعتاد على وجه التقريب . (١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٥، الشرح الكبير: ١ / ٤٩٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٩، المهذب: ١ / ١٧١، كشاف القناع: ٢ / ٣٢٢، الدر المختار: ٢ / ٨١. (٢) بداية المجتهد : ١ / ٢٦٨ وما بعدها . (٣) المجموع: ٦ / ٢١٤ ومابعدها، وانظر الشرح الصغير: ١ / ٦٦٨، كشاف القناع: ٢ / ٣٣٤. - ٨٧٧ - والثاني - يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال ، وهذا النوع يشترك فيه بقية الأصناف ، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة ، وكذلك المكاتب والغارم . وأما المؤلف قلبه : فإن قال : نيتي ضعيفة في الإسلام ، قبل قوله ؛ لأن كلامه يصدقه ، وإن قال : أنا شريف مطاع في قومي ، طولب بالبينة . قال الرافعي من الشافعية : واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف ، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة . سابعاً - شروط المستحقين أو أوصافهم : اشترط الفقهاء في مستحق الزكاة شروطاً خمسة هي ما يأتي(١): أ - أن يكون فقيراً إلا العامل فإنه يعطى ولو كان غنيا لأنه يستحقه أجرة ولأنه فرغ نفسه لهذا العمل، فيحتاج إلى الكفاية . وإلا ابن السبيل إذا كان له في وطنه مال، فهو بمنزلة الفقير؛ لأن الحاجة هي المعتبرة ، وهو الآن فقير يداً ، وإن كان غنياً ظاهراً ، وإلا المؤلف والغازي في رأي الشافعية والحنابلة . والفقر شرط عام لصرف جميع الصدقات المفروضة والواجبة كالعشور والكفارات والنذور وصدقة الفطر، لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ﴾ . وعليه لا يجوز صرف الزكاة وغيرها من الواجبات الغني، لقوله مج لّ: (١) البدائع: ٢ / ٤٣ - ٤٨، فتح القدير: ٢ / ٢١ - ٢٩، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٦، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٢ / ٨١ - ٩٠، ٩٤، الشرح الكبير: ١ / ٤٩٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٧ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٥٩ - ٦٦٨، مغني المحتاج: ٣ / ١١٢، بجيرمي الخطيب: ٢ / ٣١٩، المهذب: ١ / ١٧٤ - ١٧٥ ، المجموع: ٦ / ٢٤٤ - ٢٤٨، حاشية الباجوري: ١ / ٢٩٥، كشاف القناع: ٢ / ٣١٧ - ٣٤٤، المغني: ٢ / ٦٤٦ - ٦٥٠، ٦٦١، أحكام ابن العربي: ٢ / ٩٤٥ - ٩٦٣. - ٨٧٨ - (( ولا تحل الصدقة لغني، ولاذي مِرّة سوي)) (١) وجاز دفع الزكاة لأربعة أو خمسة من الأغنياء : وهم العامل ، والمؤلف ، والغازي ، والغارم لإصلاح ذات البين عند الشافعية والحنابلة، لقوله عَ لّ: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل ، أو رجل اشتراها بماله ، أو غاز في سبيل الله ، أو لغارم ، أو مسكين تُصدّق عليه منها فأهدى منها لغني ))(٢) . والغني عند الحنفية(٢) : هو من ملك قدر نصاب فارغ عن حاجته الأصلية من أي مال . فيعطى من الزكاة من كان يملك أقل من نصاب شرعي ، ولو كان صحيحاً قوياً قادراً على الكسب ؛ لأنه فقير والفقراء هم المصارف ، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها ، فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب ، فلابأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرس وسلاح وثياب البدن ، وكتب العلم إن كان من أهله ؛ لأن هذه الأشياء من الحوائج الأصلية اللازمة التي لابد منها للإنسان، فإن كان له فضل عن ذلك تبلغ قيمته مائتي درهم ، حرم عليه أخذ الصدقة . ويجوز أداء الزكاة للمكاتب وإن حصل نصاباً زائداً عن بدل الكتابة ، ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مال كان ؛ لأن الغنى الشرعي مقدر به . والغني عند المالكية(٤) : هو من ملك كفايته لمدة سنة ، والفقير : هو من ملك من المال أقل من كفاية السنة ، فيعطى من الزكاة ولو ملك نصاباً فأكثر (١) رواه أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن العاص. والمرّة: القوة والشدة، والسوي: المستوي الخلق، التام الأعضاء . (٢) رواه أبو داود وابن ماجه . (٣) الدر المختار: ٢ / ٨٨، ٩٦، البدائع: ٢ / ٤٨، فتح القدير: ٢ / ٢٧ ومابعدها، قالوا : لو دفع الزكاة إلى أخته ، ولها على زوجها مهر يبلغ نصاباً ، وهو ملي مقر، ولو طلبت لا يمتنع عن الأداء ، لاتجوز، وإلا جاز. (٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ١ / ٤٩٤ . - ٨٧٩ - لكنه لا يكفيه لعامه ، ولو كان قوياً قادراً على الكسب أي كسب ما يكفيه بصنعة تارك لها وغير مشتغل بها ، ولو كان تركه التكسب بها اختياراً على المشهور . ومن لم يجد كفاية سنة ويقوم بالإنفاق عليه نحو والد أو بيت مال بمرتب لا يكفيه من أكل وكسوة ، أو من صنعة لاتكفيه ، فيعطى من الزكاة . والغني عند الشافعية(١): من كانت عنده الكفاية في عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة ، إلا إذا كان له مال يتجر فيه ، فيعتبر ربحه في كل يوم ، فإن كان أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم ، فهو فقير . وكذا إذا جاوز العمر الغالب فالعبرة بكل يوم على حدة ، فإن كان له مال أو كسب لا يكفيه في نصف اليوم فهو فقير . والفقير : هو من لامال له أصلاً ولاكسب حلال ، أو له مال أو كسب حلال لا يكفيه بأن كان أقل من نصف الكفاية ، ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه كالزوج بالنسبة للزوجة . والمعتبر : كسب يليق بحاله ومروءته ، وأما مالا يليق به فهو كالمعدوم . وتحل الزكاة لطالب العلوم الشرعية ؛ لأن تحصيل العلم فرض كفاية ، ويخاف من الإقبال على الكسب الانقطاع عن التحصيل . والمسكين : هو من قدر على مال أو كسب حلال يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب . ولا يعطى الفقير أو المسكين من الزكاة إذا كان قادراً على الكسب للحديث السابق عند أبي داود بإسناد صحيح: ((لاحظ فيها لغني، ولالقوي مكتسب)). لكن تعطى الزكاة للعبد المكاتب ولو مع القدرة والكسب . والخلاصة : لا يمنع الفقير مسكنه وثيابه وماله الغائب في مسافة مرحلتين (١) المجموع: ٦ / ١٩٧ - ٢٠٢، مغني المحتاج: ٣ / ١٠٧ - ١٠٨، ٢٤٦. - ٨٨٠ -