Indexed OCR Text

Pages 781-800

أصله الإباحة . فإن سبق ملكه لأحد من أهل الجاهلية ، فهو لواجده بعد
تخميسه ؛ لأنه من الركاز. وإن علم أنه لمسلم أو ذمي فهو لقطة ، يعرَّف عاماً .
٣ - مذهب الشافعية(١):
المعدن غير الركاز ، فالمعدن : ما يستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه ،
وهو خاص بالذهب والفضة ، كما قال المالكية .
ويجب فيه ربع العشر إن كان ذهباً أو فضة ، لاغيرهما كياقوت وزبرجد
ونحاس وحديد ، سواء وجد في أرض مباحة أو مملوكة لحر مسلم ، لعموم أدلة
الزكاة السابقة، كخبر: ((وفي الرقة ربع العشر)) ، بشرط كونه نصاباً ، كما قال
باقي الأئمة ، ولا يشترط حولان الحول على المذهب ؛ لأن الحول إنما يعتبر لأجل
تكامل النماء ، والمستخرج من المعدن نماء في نفسه ، فأشبه الثمار والزروع .
ويضم بعض المستخرج إلى بعض إن اتحد المعدن المخرج ، وتتابع العمل ،
كما يضم المتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملك المستخرج ، ويشترط
اتحاد المكان المستخرج منه ، فلو تعدد لم يضم ؛ لأن الغالب في اختلاف المكان
استئناف العمل . وإذا قطع العمل بعذر كإصلاح الآلة وهرب الأجراء والمرض
والسفر، ثم عاد إليه ، ضُمّ ، وإن طال الزمن عرفاً لعدم إعراضه . وإذا قطع
العمل بلاعذر فلايضم ، لإعراضه عن العمل .
ويضم الخارج الثاني إلى الأول ، كما يضم إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال
النصاب وتخرج زكاته عقب تخليصه وتنقيته ، فلو أخرج قبل تصفيته لاتجزئ .
وأما الركاز فهو دفين الجاهلية(٢)، ويجب فيه الخمس ، كما قرر الحنفية،
(١) مغني المحتاج: ١ / ٣٩٤ - ٣٩٦، المهذب: ١ / ١٦٢.
(٢) المراد بالجاهلية: ماقبل الإسلام أي قبل مبعث النبي عالمي .
- ٧٨١ -

حالاً بشروط الزكاة من حرية وإسلام وبلوغ نصاب ، وكونه من النقدين
( الذهب والفضة المضروب منهما والسبيكة ) ؛ لأنه مال مستفاد من الأرض ،
فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً كالمعدن ، ولا يشترط حولان الحول ،
ويصرف مصرف الزكاة على المشهور . ودليل قدر الواجب فيه حديث أبي هريرة
المتقدم: ((وفي الركاز الخمس)).
فإن لم يكن دفين الجاهلية : بأن كان إسلامياً بوجود علامة عليه تدل على
إسلاميته ، أو لم يعلم أهو جاهلي أو إسلامي : فهو لمالكه أو وارثه إن علم ؛ لأن
مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه . وإن لم يعلم مالكه ، فلقطة ، يعرفه الواجد ،
كما يعرف اللقطة الموجودة على وجه الأرض .
وإذا وجد الركاز في أرض مملوكة لشخص أو لموقوف عليه ، فللشخص إن
ادعاه ، يأخذه بلايمين ، كأمتعة الدار، وإن لم يدعه بأن نفاه أو سكت ، فلمن
سبقه من المالكين ، حتى ينتهي الأمر إلى محبي الأرض .
وإذا وجد الركاز في مسجد أو شارع ، فلقطة على المذهب ، يفعل فيه
ما يفعل باللقطة مما سبق ؛ لأن يد المسلمين عليه ، وقد جهل مالكه ، فيكون
لقطة .
ولو تنازع في ملك الركاز بائع ومشتر ، أو مُكْر ومكتر ، أو معير ومستعير ،
صُدِّق ذو اليد ( أي المشتري والمكتري والمستعير ) بيمينه ، كما لو تنازعا في أمتعة
الدار .
٤ - مذهب الحنابلة(١) :
المعدن غير الركاز، والمعدن : هو ما استنبط من الأرض مما خلقه الله تعالى
(١) المغني : ٣ / ١٧ - ٢٩.
- ٧٨٢ -

وكان من غير جنسها، فليس هو شيء دفن ، سواء أكان جامداً أم مائعاً .
ملكيته : المعادن الجامدة كالذهب والفضة والنحاس تملك بملك الأرض التي
هي فيها ؛ لأنها جزء من أجزاء الأرض ، فهي كالتراب والأحجار الثابتة ، بخلاف
الركاز ، فإنه ليس من أجزاء الأرض . فعلى هذا ما يجده الواجد في ملك أو في
موات ، فهو أحق به ، وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به مادام
يعمل ، فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه ، وما يجده في مملوك يعرف مالكه ، فهو
لمالك المكان .
أما المعادن السائلة كالنفط والزرنيخ ونحو ذلك ، فهي مباحة على كل
حال ، إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه .
صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة : هو كل ماخرج من الأرض مما يخلق
فيها ، فإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالاً ، أو من الفضة مائتي
درهم ( نصاب الزكاة ) ، أو قية ذلك من الحديد والرصاص والنحاس والزئبق
والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والزرنيخ ، وكذلك المعادن السائلة
كالقار ( الزفت ) والنفط والكبريت ونحو ذلك ، مما يستخرج من الأرض ، ففيه
الزكاة فوراً أي من وقت الإخراج .
ودليلهم عموم قوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات
ماكسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ) ولأنه معدن ، فتعلقت الزكاة بالخارج
منه كالأثمان ( الذهب والفضة ) . وأما الطين فليس بمعدن ؛ لأنه تراب ،
والمعدن : ما كان في الأرض من غير جنسها .
قدر الواجب وصفته : قدر الواجب في المعدن هو ربع العشر ، وصفته
أنه زكاة، كما قال الشافعية، لما روى أبو عبيد: ((أن رسول الله مُ لم أقطع
- ٧٨٣ -

بلال بن الحارث المزني معادن القَبَلية(١) في ناحية الفُرْع ، قال : فتلك المعادن
لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم » ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى ، فكان
زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له .
نصاب المعادن : هو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً ، ومن الفضة مائتي
درهم، أوقيمة ذلك من غيرهما، لقوله تع الى: (( ليس فيما دون خمس أواق
صدقة)) وقوله: ((ليس في تسعين ومائة شيء)) وقوله: (( ليس عليكم في الذهب
شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً )) .
ولا يشترط له الحول لحصوله دفعة واحدة ، فأشبه الزروع والثمار .
ويعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة ، أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك
إهمال. وترك العمل ليلاً أو للاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة
ونحوه لا يقطع حكم العمل .
ويضم ماخرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب . ولا يضم أحد
الأجناس إلى جنس آخر ، ويعتبر لكل معدن نصاب مستقل بانفراده ؛ لأن
المعادن أجناس ، فلا يكل نصاب أحدهما بالآخر كغير المعدن ، إلا في الذهب
والفضة ، فيضم كل منهما إلى الآخر في تكميل النصاب ، كما يضم إلى كل منهما معدن
آخر ، وكما تضم عروض التجارة إلى الأثمان ( الذهب والفضة ) .
وقت الوجوب : تجب الزكاة في المعدن حين الإخراج وبلوغ النصاب ،
ولا يعتبر له حول باتفاق المذاهب الأربعة ؛ لأنه مال مستفاد من الأرض ،
فلا یعتبر في وجوب حقه حول ، کالزرع والثمار والركاز .
(١) قال أبو عبيد : القبلية بلاد معروفة بالحجاز.
- ٧٨٤ _ .

شروط إخراج الزكاة في المعادن : يشترط شرطان :
الأول - أن يبلغ بعد سبكه وتصفيته نصاباً إن كان ذهباً أو فضة أو تبلغ
قيمته نصاباً إن كان غيرهما ، كما أوضحنا .
الثاني - أن يكون مخرجه ممن تجب عليه الزكاة ، فلايجب على الذمي أو
الكافر أو المدين أو نحو ذلك .
معادن البحر : ولازكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر
والسمك ونحوه ، كما قرر باقي المذاهب، لقول ابن عباس: ((ليس في العنبر
شيء ، إنما هو شيء ألقاه البحر)) وعن جابر نحوه(١) ، ولأنه قد كان يخرج على
عهد رسول الله ؤالٍ وخلفائه، فلم يأت فيه سنة، ولاعن أحد من خلفائه، ولأن
الأصل عدم الوجوب فيه ، ولا يصح قياسه على معدن البر؛ لأن العنبر إنما يلقيه
البحر ، فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب ، فأشبه المباحات المأخوذة
من البر ، وأما السمك فهو صيد ، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر .
وأما الركاز : فهو دفين الجاهلية ، أي مال الكفار المأخوذ في عهد الإسلام
قل أو كثر، ويلحق به ماوجد على وجه الأرض وكان عليه علامة الكفار. وفيه
الخمس ، كما قرر الحنفية والشافعية والمالكية ، للحديث السابق المتفق عليه :
((العجماء جُبَار، وفي الركاز الخمس)).
فإن وجد عليه أو على بعضه علامة الإسلام كآية قرآن أو اسم النبي عظاتٍ أو
أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم ، فهو لقطة ، تجري عليه أحكامها ؛ لأنه ملك
مسلم لم يعلم زواله عنه .
١.
(١) رواهما أبو عبيد.
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥٠)
- ٧٨٥ -

وخمس الركاز يوضع في بيت المال ويصرف في المصالح العامة ، وباقيه
لواجده إن وجده في أرض مباحة ، ولمالك الأرض إن وجد في أرض مملوكة ، وهو
للواجد إن وجده في ملك غيره إن لم يدّعه المالك ، فإن ادعاه مالك الأرض فهو
له مع يمينه .
وإن وجد الركاز في دار الحرب : فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين ،
فهو غنيمة لهم ، وإن قدر عليه بنفسه ، فهو لواجده ، كما لو وجده في موات في
أرض المسلمين .
صفة الركاز الذي فيه الخمس : هو كل ماكان مالاً على اختلاف أنواعه
من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والآنية وغير ذلك ، لعموم
الحديث: ((وفي الركاز الخمس)» ؟
قدر الواجب في الركاز ومصرفه : أما قدره فهو الخمس ، للحديث
المتقدم والإجماع ، وأما مصرفه على الأصح من الروايتين عن أحمد فهو مصرف
الفيء للمصالح العامة ، عملاً بفعل عمر في هذا الشأن، ولأنه مال مخمس زالت عنه
يد الكافر ، فأشبه خمس الغنية .
من يجب عليه الخمس : هو كل من وجده من مسلم وذمي وحر وغيره
و کبیر وصغير وعاقل ومجنون ، وهو رأي الجمهور لعموم حدیث « وفي الركاز
الخمس )) ، وقال الشافعية: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة ؛ لأنه
زكاة .
ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه ، وهو رأي الفقهاء الآخرين ؛
لأن علياً أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين .
- ٧٨٦ -

المطلب الثالث - زكاة عروض التجارة :
نبحث فيه المقصود بعروض التجارة ، وشروط الزكاة فيها ، وتقويم العروض
ومقدار الواجب ، وحكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال ،
وكيفية زكاة التجارة عند المالكية ، وزكاة شركة المضاربة .
أولاً - معنى عروض التجارة :
العروض جمع عَرَض ( بفتحتين ) : حطام الدنيا ، وبسكون الراء : هي
ماعدا النقدين ( الدراهم الفضية والدنانير الذهبية ) من الأمتعة والعقارات وأنواع
الحيوان والزروع والثياب ونحو ذلك مما أعد للتجارة . ويدخل فيها عند المالكية
الحلي الذي اتخذ للتجارة . والعقار الذي يتجر فيه صاحبه بالبيع والشراء حكمه
حكم السلع التجارية ، ويزكى زكاة عروض التجارة . أما العقار الذي يسكنه
صاحبه أو يكون مقراً لعمله كمحل للتجارة ومكان للصناعة ، فلازكاة فيه .
ثانياً - شروط زكاة العروض التجارية :
اشترط الفقهاء لوجوب زكاة عروض التجارة شروطاً ، أربعة عند الحنفية ،
وخمسة عند المالكية ، وستة عند الشافعية ، وشرطين فقط عند الحنابلة(١)، منها
ثلاثة شروط متفق عليها وهي بلوغ النصاب ، وحولان الحول ، ونية التجارة ،
ومنها شروط زوائد في بعض المذاهب ، وهي ما يأتي :
آ - بلوغ النصاب : أن تبلغ قيمة أموال التجارة نصاباً من الذهب أو الفضة
(١) البدائع: ٢ / ٢١، الدر المختار: ٢ / ٤٥، تبيين الحقائق: ١ / ٢٨٠، فتح القدير: ١ / ٥٢٦ - ٥٢٨ ،
اللباب: ١ / ١٥٠ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٠ - ٢٦٤، القوانين الفقهية: ص ١٠٣، الشرح الصغير: ١ /
٦٣٦ - ٦٣٨، ٦٤١، مغني المحتاج: ١ / ٣٩٧ - ٤٠٠، المهذب: ١ / ١٥٩ - ١٦١، كشاف القناع: ٢ / ٢٨٠ ومابعدها ،
المغني: ٣ / ٢٩ - ٣٦.
- ٧٨٧ -

المضروبين ، وتعتبر قيمتها في البلد الذي فيه المال ، فإن كان في مفازة اعتبرت
قيمتها في أقرب الأمصار إلى تلك المفازة .
ودليلهم على هذا الشرط أحاديث مرفوعة وموقوفة تتضمن تقويم مال
التجارة ، فيؤدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم(١).
وقال المالكية في هذا الشرط : إن كان التاجر محتكراً وجب أن يبيع من
عروض التجارة بنصاب من الذهب أو الفضة . وإن كان مديراً لزم أن يبيع من
ذلك بأي شيء منها ولو درهماً .
والمدير : هو الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتاً ولا ينضبط له حول كأهل
الأسواق ، فيجعل لنفسه شهراً في السنة ينظر فيه مامعه من النقود ، ويقوم
مامعه من العروض ويضمه إلى النقود ، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد
إسقاط الدين إن كان عليه .
وأما المحتكر أو غير المدير : فهو الذي يشتري السلع ، وينتظر بها الغلاء .
فلازكاة عليه فيها حتى يبيعها ، فإن باعها بعد حول أو أحوال ، زكي الثمن لسنة
واحدة .
والخلاصة : أن الجمهور غير المالكية قالوا : المدير وغير المدير لهما حكم واحد ،
وأن من اشترى عرضاً للتجارة فحال عليه الحول ، قومه وزكاه ، فلا يجب على
المدير شيء عند الجمهور ؛ لأن الحول إنما يشترط في عين المال ، لافي نوعه . وأما
مالك فأوجب على المدير الزكاة ، وإن لم يحل الحول على عين المال ، ويكفي
حولانه على نوع المال ، لئلا تسقط الزكاة رأساً عن المدير ، وهذا أخذ بمبدأ المصالح
(١) من المرفوعة حديث حسن عند أبي داود عن سمرة بن جندب ، ومن الموقوفة حديث عن عمر رواه أحمد
وعبد الرزاق والدارقطني ( نصب الراية: ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٨).
- ٧٨٨ -

المرسلة التي لا يشترط فيها عند مالك استنادها إلى أصول منصوص عليها .
٢ - حولان الحول : أن يحول على الأموال (أي القيمة ) الحول من وقت
ملك العروض ، لاعلى نفس السلعة . والمعتبر في ذلك عند الحنفية ، والمالكية
( في غير المدير ) : طرفا الحول لا وسطه ، أما في الابتداء فلتحقق الغنى ، وأما في
الانتهاء فللوجوب ، فمن ملك في أول الحول نصاباً ، ثم نقص في أثنائه ، ثم كمل في
آخره ، وجبت فيه الزكاة ، أما لو نقص في أوله أو في آخره فلا تجب فيه الزكاة .
والمعتبر عند الشافعية : بلوغ النصاب آخر الحول ؛ لأنه وقت الوجوب ،
لابطرفيه معاً أي أوله وآخره ، وبناء عليه إذا كان مع تاجر في أول الحول ما يكمل
به النصاب كمائة درهم اشترى بخمسين منها عرضاً للتجارة ، فبلغت قيمته في آخر
الحول مائة وخمسين ، فإنه تلزمه زكاة الجميع آخر الحول .
والمعتبر عند الحنابلة : بلوغ النصاب في جميع الحول ، ولا يضر النقص اليسير
في أثنائه كنصف يوم مثلاً ، أي أنه لازكاة قبل اكتمال النصاب في البدء والأثناء
والانتهاء .
٣ - نية التجارة حال الشراء : أن ينوي المالك بالعروض التجارة حالة
شرائها ، أما إذا كانت النية بعد الملك ، فلابد من اقتران عمل التجارة بنية ،
ويشترط أيضاً عند الحنفية أن يكون الشيء المتجر فيه صالحاً لنية التجارة ، فلو
اشترى أرضاً خراجية للتجارة ، ففيها الخراج لاالزكاة ، ولو اشترى أرضاً عشرية
وزرعها ، وجب في الزرع الناتج العشر، دون الزكاة .
واشترط الشافعية أن ينوي بالعروض التجارة حال المعاوضة في صلب العقد
أو في مجلسه ، فإن لم ينو على هذا الوجه فلازكاة فيها . ويشترط تجديد نية
التجارة عند كل معاوضة حتى يفرغ رأس المال .
- ٧٨٩ -

٤ - ملك العروض بمعاوضة: اشترط الجمهور غير الحنفية أن تملك
العروض بمعاوضة كشراء وإجارة ، فإن ملكت بغير معاوضة كارث أو خلع أو هبة
أو صدقة مثلاً ، كأن ترك شخص لورثته عروض تجارة ، فلازكاة فيها حتى
يتصرفوا فيها بنية التجارة . وزاد المالكية أن يكون ثمن العروض ممتلكاً بمعاوضة
مالية أيضاً ، لابنحو هبة أو إرث ، ومن كان يبيع العرض بالعرض ولاينض
( يتحول نقداً ) له من ثمن ذلك نقد ، فلازكاة عليه عند المالكية إلا أن يفعل
ذلك فراراً من الزكاة فلا تسقط ، وعليه الزكاة عند المذاهب الأخرى .
٥ - ألا يقصد بالمال القِنْية ( أي إمساكه للانتفاع به وعدم الاتجار
به ) : هذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة والمالكية ، فإن قصد ذلك انقطع
الحول ، وإذا أراد التجارة بعدئذ ، احتاج لتجديد نية التجارة .
٦ - ألا يصير جميع مال التجارة في أثناء الحول نقداً وهو أقل من
النصاب : هذا شرط آخر عند الشافعية ، فإن صار جميع المال نقداً مع كونه أقل
من نصاب ، انقطع الحول . ولم يشترط غير الشافعية هذا الشرط .
٧ - ألا تتعلق الزكاة بعين العرض : هذا شرط عند المالكية ، فإن
تعلقت الزكاة بعينه كحلي الذهب أو الفضة ، وكالماشية ( الإبل والبقر والغنم )
والحرث (الزرع والثمر) وجبت زكاته إن بلغ نصاباً مثل زكاة النقدين والأنعام
والحرث، فإن لم تتعلق الزكاة بعين المال كالثياب والكتب وجبت زكاة التجارة.
والخلاصة : أن الحنابلة اشترطوا لوجوب الزكاة في عروض التجارة
شرطين(١):
(١) الواقع أن هذين الشرطين اللذين ذكرا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: ١ / ٤٩٠ منقولان عن
المغني: ٣ / ٣١، وكشاف القناع: ٢ / ٢٨٠، وهما شرطان لتصير العروض للتجارة ، وهما مقرران أيضاً لدى الشافعية
( المهذب: ١ / ١٥٩) أما بقية الشروط مثل بلوغ النصاب وحولان الحول فيقررهما الحنابلة مثل الشافعية تماماً (انظر
المغني: ٣ / ٣٠ - ٣٢، ٣٦).
- ٧٩٠ -
....

الأول - أن يملكها بفعله كالشراء ، وهو الشرط الرابع لدينا .
الثاني - أن ينوي التجارة حال التملك ، وهو الشرط الثالث السابق .
والحنفية اشترطوا أربعة شروط :
الأول - بلوغ النصاب .
والثاني - حولان الحول .
والثالث - نية التجارة مصحوبة بعمل التجارة فعلاً ؛ لأن مجرد النية
لا يكفي .
والرابع - أن تكون الأموال صالحة لنية التجارة .
والمالكية اشترطوا خمسة شروط :
الأول - ألا تتعلق الزكاة في عينه كالثياب والكتب .
الثاني - أن يملك العرض بمعاوضة أو مبادلة كشراء ، لا بإرث وهبة
ونحوهما .
الثالث - أن ينوي بالعرض التجارة حال شرائه .
الرابع - أن يكون ثمن الشراء الذي اشترى به العرض مملوكاً بمعاوضة مالية أي
بشراء ، لابنحو إرث أو هبة مثلاً .
الخامس - أن يبيع المحتكر من ذلك العرض نصاباً فأكثر، أو بأي شيء ولو
درهما إذا كان مديراً .
والشافعية اشترطوا ستة شروط :
الأول - أن تملك العروض بمعاوضة كشراء ، لا يارث مثلاً .
- ٧٩١ -

الثاني - أن ينوي بالعروض التجارة في صلب عقد المعاوضة أو في مجلسه ،
وإلا احتاج لتجديد نية التجارة .
الثالث - ألا يقصد بالمال القنية .
الرابع - مضي الحول من وقت ملك العروض أي من الشراء .
الخامس - ألا يصير جميع مال التجارة نقوداً وكان أقل من نصاب ، وعبر عنه
الشافعية بقولهم : ألا ينض المال في الأظهر أي يصير الكل نقداً من نقود البلد
ببيع أو إتلاف من شخص معتد .
السادس - أن تبلغ قيمة العروض آخر الحول نصاباً .
ثالثاً - تقويم العروض ومقدار الواجب في هذه الزكاة وطريقة
التقويم :
يقوم التاجر العروض أو البضائع التجارية في آخر كل عام بحسب سعرها في
وقت إخراج الزكاة ، لابحسب سعر شرائها ، ويخرج الزكاة المطلوبة ، وتضم السلع
التجارية بعضها إلى بعض عند التقويم ولو اختلفت أجناسها ، كثياب وجلود
ومواد تموينية ، وتجب الزكاة بلاخلاف في قيمة العروض ، لافي عينها ؛ لأن
النصاب معتبر بالقيمة ، فكانت الزكاة منها ، وواجب التجارة هو ربع عشر القيمة
كالنقد باتفاق العلماء ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن في العروض التي
يراد بها التجارة : الزكاة إذا حال عليها الحول(١).
وأدلة وجوب زكاة التجارة ما يأتي (٢):
اً - قوله تعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم﴾ قال
مجاهد : نزلت في التجارة .
(١) المغني: ٣ / ٢٩.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٩٧، المغني: ٣ / ٣٠، البدائع: ٢ / ٢٠ - ٢١.
__ ٧٩٢ _.

٢ - وقوله عّ لّ: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم
صدقتها ، وفي البَزّ(١) صدقته))(٢) وقال سمرة بن جندب: ((كان رسول الله على اتّ
یأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبیع )»(٣) وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال
(( أمرني عمر ، فقال: أدّ زكاة مالك ، فقلت : مالي مال إلا جعاب وأدم ، فقال
قوّمها ، ثم أد زكاتها )) (٤) قال ابن قدامة صاحب المغني : وهذه قصة يشتهر مثلها
ولم تنكر ، فيكون إجماعاً .
وأما ماحكي عن مالك وداود أنه لازكاة في التجارة لحديث: ((عفوت لكم
عن صدقة الخيل والرقيق )) فالمراد به زكاة العين فلازكاة في عين الخيل ، لازكاة
القيمة ، بدليل الأخبار التي أوردناها ، ثم إن هذا الخبر عام ، والأخبار المذكورة
خاصة ، فيجب تقديمها . والمقرر عند المالكية هو وجوب زكاة التجارة .
وطريقة تقويم العروض(٥): هي عند الجمهور غير الشافعية أن تقوم السلع إذا
حال الحول بالأحظ للمساكين من ذهب أوفضة احتياطاً لحق الفقراء ، ولا تقوم
بما اشتريت به .. فإذا حال الحول على العروض ، وقيمتها بالفضة تصاب ، ولا تبلغ
نصاباً بالذهب ، قومناها بالفضة ليحصل للفقراء منها حظ ، ولو كانت قيمتها
بالفضة دون النصاب ، وبالذهب تبلغ نصاباً قومناها بالذهب لتجب الزكاة فيها ،
ولافرق بين أن يكون اشتراؤها بذهب أو فضة أو عروض .
(١) البز بفتح الباء: الثياب المعدة للبيع عند البزازين، والسلاح، وبما أن زكاة العين ( أي اقتطاع جزء من
ذات الشيء ) لاتجب في السلاح والثياب، فتعين حمل الحديث على زكاة التجارة.
(٢) رواه الحاكم بإسنادين صحيحين على شرط الشيخين، والدارقطني ، عن أبي ذر.
(٣) رواه أبو داود بإسناد حسنى عن حمزة.
(٤) رواه الإمام أحمد وأبو عبيد .
(٥) فتح القدير: ١ / ٥٢٧، البدائع: ٢ / ٢١، المغني: ٠٣٣٣/١٣، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٠ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ١ /٣٩٩٠ ، المهذب : ١ / ١٦١.
- ٧٩٣ -

وقال الشافعية : تقوم العروض بما اشتراها التاجر به من ذهب أو فضة ؛
لأن نصاب العروض مبني على ما اشتراه به ، فيجب أن تجب الزكاة فيه ، وتعتبر
به ، كما لو لم يشتر به شيئاً . وعلى هذا إن ملك العرض بنقد قوم به إن ملك
بنصاب أو دونه في الأصح ، سواء أكان ذلك النقد هو الغالب أم لا ، وسواء أبطله
السلطان أم لا ، لأنه أصل مابيده ، فكان أولى من غيره . وإن ملك العرض
بعرض آخر للقنية أو بخلع أو نكاح أو صلح عن دم عمد ، فيقوم بغالب نقد
البلد ، من الدراهم والدنانير ؛ لأنه لما تعذر التقويم بالأصل ، رجع إلى نقد البلد ،
على قاعدة التقويمات في الإتلاف ونحوه .
فإن حال الحول بمحل لانقد فيه ، كبلد يتعامل فيه بالفلوس أو نحوها ،
اعتبر أقرب البلاد إليه .
ولو ملك بدين في ذمة البائع أو بنحو سبائك ، قوم بجنسه من النقد .
فإن غلب نقدان على التساوي في التعامل بالبلد ، وبلغ مال التجارة
بأحدهما دون الآخر نصاباً ، قوم به ، لبلوغه نصاباً بنقد غالب . فإن بلغ نصاباً
بكل من النقدين الغالبين ، قوم بالأنفع منها للفقراء . وإن ملك العرض بنقد
وعرض آخر ، كأن اشترى بمائتي درهم وعرض قنية ، قوم ماقابل النقد به ، والباقي
بغالب نقد البلد ، كما لو انفرد الشراء بواحد منهما .
ورأي الجمهور أولى لسهولته ومراعاته مصالح الفقراء .
هل يجوز إخراج الزكاة من عروض التجارة ؟
اختلف الفقهاء على رأيين(١):
فقال الحنفية : يخير التاجر بين العين أو القيمة ، فللمالك الخيار عند حولان
(١) البدائع: ٢ / ٢١، مغني المحتاج: ١ / ٣٩٩، المغني: ٣ / ٣١، القوانين الفقهية: ص ١٠٣.
- ٧٩٤ -

الحول بين الإخراج من قيمة التجارة ، فيخرج ربع عشر القيمة ، وبين الإخراج من
عينها ، فيخرج ربع عشر العين التجارية ؛ لأن التجارة مال تجب فيه الزكاة ،
فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال .
وقال الجمهور : يجب إخراج القيمة ، ولا يجوز الإخراج من عين العروض
التجارية ؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة ، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر
الأموال ، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال ، وإنما وجبت في قيمته .
رابعاً - حكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال :
اتفق فقهاء المذاهب على أنه تضم أرباح التجارة إلى أصل رأس المال في
الحول ، كما يضم أيضاً عند الحنفية خلافاً لغيرهم المال المستفاد من غير التجارة
كعطية وإرث إلى أصل المال ، ويتضح ذلك فيما يأتي :
قال الحنفية (١) : يضم الربح الناتج عن التجارة ، والولد أو النماء في الماشية ،
والمال المستفاد من غير التجارة كالإرث والهبة إلى أصل رأس المال ، إذا كان مالكاً
للنصاب ، في أول الحول الذي هو وقت انعقاد سبب إيجاب الزكاة ، وبقي في
أثناء الحول شيء من النصاب الذي انعقد عليه الحول ، ليضم المستفاد إليه ، وكان
آخر الحول بمقدار النصاب ، ويزكى الجميع في تمام الحول ؛ لأن المستفاد من جنس
الأصل وتبع له ؛ لأنه زيادة عليه ؛ إذ الأصل يزداد به ويتكثر ، والزيادة تبع
للمزيد عليه ، والتبع لا يفرد بالحكم حتى لا ينقلب أصلاً . أما المستفاد بعد الحول،
فلا يضم إلى الأصل في حق الحول الماضي بلاخلاف . والسوائم المختلفة الجنس كالإبل
والغنم لاتضم إلى بعضها . والنقدان كما بينا سابقاً يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل
النصاب .
(١) البدائع: ٢ / ١٣ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٥٢٩، الدر المختار: ٢/ ٣١، تبيين الحقائق: ١ / ٢٨٠.
- ٧٩٥ _

وقال المالكية(١): يضم الربح الناتج عن التجارة ، وغلة المكترى للتجارة
لأصل المال الذي نتج عنه في أثناء الحول ، ولو كان الأصل أقل من نصاب .
وأما المال المستفاد بدون تجارة كالإرث والهبة ، فلا يضم إلى أصل رأس المال
في الحول ، ولو کان نصاباً ، بل يبدأ به حولاً جديداً من يوم ملكه .
وأما الماشية المستفادة يارث أو هبة ونحوهما فتضم إلى الماشية التي عنده إن
كانت نصاباً ، ولاتضم لها إن كانت أقل من نصاب .
ورأى الشافعية(٢) في الأصح: أن الربح وولد العرض وثمره كثمر الشجرة
وأغصانها وورقها وصوف الحيوان ووبره وشعره ، هو مال تجارة يضم لأصل رأس
المال ، وأن حوله حول الأصل ؛ ولو كان الأصل دون نصاب ؛ لأن الربح ونحوه
جزء من الأصل ، فحوله حول الأصل تبعاً كنتاج الماشية السائمة .
وأما المال المستفاد من غير التجارة : فلا يضم إلى مال التجارة في الحول ،
وإتما له حول مستقل من يوم ملكه .
ومذهب الحنابلة(٣) كالشافعية تقريباً إلا في اشتراط كون الأصل نصاباً،
فقالوا: إذا كان في ملك إنسان تصاب للزكاة ، فاتجر فيه ، فنى ، أدى زكاة.
الأصل مع النماء إذا حال الحول ، فحول النماء مبني على حول الأصل ؛ لأنه تابع له
(١) الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٤٦١ - ٤٦٣، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٣، وقالوا: نماء العين ربح وغلة
وفائدة ، أما الربح فهو ما يزيد عن ثمن المبيع المتجر به على ثمنه الأول ذهباً أو فضة ، وحكمه أنه يضم لحول أصله ولو
أقل من نصاب . والغلة: ماتجدد من سلع التجارة قبل بيع رقابها (ذواتها ) كثمر النخل المشترى للتجارة ، وحكمها أنه
يبدأ بها حولاً من يوم قبضها . والفائدة: ما تجدد لا عن مال أو عن مال غير مزكى كعطية وميراث وثمن عرض
القنية ، وحكمها البدء ( الاستقبال ) بها حولاً من يوم حصولها .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٩٩ .
(٣) المغني : ٣ / ٣٧ .
- ٧٩٦ -

في الملك ، فتبعه في الحول كنتاج الماشية . وأما المال المستفاد من غير التجارة
فلا يضم إلى حول الأصل ، بل له حول مستقل من يوم ملكه .
خامساً - كيفية زكاة التجارة عند المالكية :
التاجر عند المالكية إما محتكر أو مدير، أو محتكر ومدير معاً (١).
أ - أما المحتكر : وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الغلاء ، وحكمه أنه
لازكاة عليه فيها حتى يبيعها ، فإن باعها بعد عام أو أعوام بالنقود ، زكى الثمن
لسنة واحدة ، وإن بقي عنده منها شيء ، ضم الثمن إلى ما عنده منها .
وهذا مخالف لرأي الجمهور غير المالكية ، فإنهم يقولون : يزكي المحتكر كل عام
وإن لم يبع ، ويخير عند الحنفية بين إخراج الزكاة من عين العروض أو قيمتها .
ولا يجوز عند الشافعية في الجديد ، والحنابلة الإخراج من عين العروض ، كما بينا
سابقاً .
ويعتبر مبدأ حول المحتكر عند المالكية : يوم ملك الأصل أو يوم زكاته إن
كان قد زكاه .
وأما ديون المحتكر التي له من التجارة : فلا يزكيها إلا إذا قبضها ، ويزكيها
لعام واحد فقط .
ب - وأما المدير : فهو الذي يبيع ويشتري ولاينتظر وقتاً، ولا ينضبط
له حول ، كأهل الأسواق ، فيجعل لنفسه شهراً في السنة ، ينظر فيه مامعه من
النقود ، ويقوم مامعه من العروض ، ويضمه إلى النقود ، ويؤدي زكاة ذلك إن
بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٦٣٩ - ٦٤٢، القوانين الفقهية: ص ١٠٣.
- ٧٩٧ -

فحكم زكاته : أن يقوم في كل عام ماعنده من عروض ، ولو كسد سوقها
وبقيت عنده أعواماً ، ثم يضم قيمتها إلى ماعنده من النقود ، ويزكي الجميع .
ويعتبر مبدأ حول المدير من وقت تملك الثمن الذي اشترى به عروض
التجارة ، أي أن حوله حول أصل المال الذي اشترى به السلع ، فيبتدئ الحول من
يوم ملك الأصل أو من يوم زكاته ، ولو تأخرت الإدارة عنه ، كما لو ملك نصاباً
أو زكاة في شهر المحرم ، ثم أداره في رجب ، أي شرع في التجارة على وجه الإدارة
في رجب ، فحوله من المحرم .
وأما الديون التي للمدير من التجارة : فإن كانت حالة الأداء بأن كانت
واجبة الدفع في الحال ، أو حل أجل دفعها ، وكانت مرجوة الخلاص ( أي الدفع )
ممن هي عليه ، فيضم مقدار الدين إلى أصل المال ، ويزكي الكل . وإن كان الدين
عرضاً تجارياً أو مؤجلاً مرجو الخلاص ، فإنه يقومه ويضم القيمة إلى أصل المال ،
ويزكي الجميع .
أما إذا كان الدين على فقير معدم لا يرجى خلاصه منه ، فلاتجب عليه زكاته
إلا إذا قبضه من المدين ، فإذا قبضه زكاه لعام واحد فقط .
ولا يقوم على المدير الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا آلات العمل .
جـ - وأما إذا كان التاجر محتكراً لبعض السلع، ومديراً للبعض الآخر :
فإن تساويا أو كان الأقل للإدارة والأكثر للاحتكار، زكى المحتكر على حكم
الاحتكار، يعني يزكي ثمنه بعد قبضه لعام واحد ، وزكى المدير على حكم الإدارة ،
يعني يقومه كل عام .
وإن كان الأكثر للإدارة والأقل للاحتكار ، فالجميع إدارة ، وبطل حكم
الاحتكار، أي يقوّم الجميع كل عام ، تغليباً لجانب الإدارة على حكم الاحتكار .
- ٧٩٨ _

سادساً - زكاة شركة المضاربة :
يزكي رب المال ( المالك ) رأس المال وحصته من الربح ، ويزكي العامل
حصته من الربح ، على النحو الآتي عند الفقهاء(١) :
قال أبو حنيفة : يزكي كل واحد من المالك والعامل بحسب حظه أو نصيبه ،
كل سنة ، ولا يؤخر إلى المفاصلة ، أي التصفية .
وقال الحنابلة : يزكي رب المال رأس المال والربح الحاصل ؛ لأن ربح
التجارة حوله حول أصله ، فمن دفع إلى رجل ألفاً مضاربة على أن الربح بينها
نصفان ، فحال الحول ، وقد صار ثلاثة آلاف ، فعلى رب المال زكاة ألفين .
وأما العامل : فليس عليه زكاة في حصته حتى يتم اقتسام الربح ، ويستأنف
حولاً من حينئذ ؛ لأن ملك المضارب غير تام ، فإذا تحاسب المضارب مع المالك ،
زكى المضارب إذا حال عليه الحول من حين الحساب ؛ لأنه علم مقدار ماله في مال
الشركة ، ولأنه إذا حدثت خسارة بعد ذلك كانت الخسارة ( الوضيعة ) على رب
المال .
وقال الشافعية : يلزم المالك زكاة رأس المال وحصته من الربح ؛ لأنه مالك
لهما ، والمذهب أنه يلزم العامل زكاة حصته من الربح ؛ لأنه متمكن من التوصل
إليه متى شاء بالقسمة ، فأشبه الدين الحالّ على مليء ، ويبتدئ حول حصته من
حين ظهور الربح ، ولا يلزمه إخراج الزكاة قبل القسمة على المذهب .
وقال المالكية : إذا كان مال القراض حاضراً ببلد رب المال ، ولو حكماً بأن
(١) راجع القوانين الفقهية: ص ١٠٣ - ١٠٤، الشرح الكبير: ١ / ٤٧٧، الشرح الصغير: ١ / ٦٤٢ ، مغني
المحتاج: ١ / ٤٠١، المغني: ٣ / ٣٨ وما بعدها .
- ٧٩٩ -

علم حاله في غيبته ، تجب عليه زكاته زكاة إدارة ، أي يقوم مالديه كل عام من
رأس مال وربح ، ويزكي رأس ماله وحصته من الربح ، قبل المفاصلة أي الحساب
والتصفية في ظاهر المذهب ، لكن المعتمد أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة ، ويزكي
حينئذ عن السنوات الماضية كلها . وكذلك إن غاب المال ولم يعلم حاله من بقاء أو
تلف ومن ربح أو خسران ، يزكيه عن السنوات الماضية .
وأما العامل : فإنما يزكي حصته من الربح بعد المفاصلة لسنة واحدة .
المطلب الرابع - زكاة الزروع والثمار ( أو زكاة النبات أو الخارج
من الأرض ) :
الكلام في هذا المطلب يتناول فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية ،
وشروطها ، وماتجب فيه هذه الزكاة ، والتصاب الذي تبدأ به الزكاة ، ومقدار
الواجب وصفته ، ووقت الوجوب وإخراج الزكاة ، وما يضم بعضه إلى بعض ،
وزكاة الثمار الموقوفة ، وزكاة الأرض المستأجرة ، وزكاة الأرض الخراجية -
( الأراضي العشرية والخراجية ونوعا الخراج) العاشر وضريبة العشور، إخراج
زكاة الزرع والثمر وإسقاطها .
أولاً - فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية(١):
هذه الزكاة واجبة بدليل من القرآن والسنة والإجماع والمعقول :
أما القرآن : فقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال ابن عباس :
حقه : الزكاة المفروضة ، وقال مرة : العشر ، ونصف العشر ، وقوله : ﴿ ياأيها
(١) البدائع: ٢ / ٥٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٨١، بداية المجتهد: ١ / ٢٤٥، المغني: ٢ / ٦٨٩
وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٣٦، فتح القدير: ٢ / ٤.
- ٨٠٠ -