Indexed OCR Text
Pages 561-580
والمرتث : وهو من نقل من المعركة حياً ، أو من أكل أو شرب أو نام أو تداوى بعد طعنه ، وبقي حياً وقت صلاة . والخلاصة : أن كل من مات . بسبب مرض أو حادث أو دفاع عن النفس ، أو نقل من قلب المعركة حياً ، أو مات في أثناء الغربة ، أو طلب العلم ، أو ليلة الجمعة ، فهو شهيد آخرة . وحكم هؤلاء الشهداء في الدنيا : أن الواحد منهم يغسل ويكفن ويصلى عليه اتفاقاً كغيره من الموتى . أما في الآخرة فله ثواب الآخرة فقط ، وله أجر الشهداء يوم القيامة . المعصية والشهادة : المعصية لا تمنع الاتصاف بالشهادة ، فيكون الميت شهيداً عاصياً ؛ لأن الطاعة لا تلغي المعصية إلا في الصغائر قال تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ أي إن الحسنات بامتثال الأوامر، خصوصاً في العبادات التي أهمها الصلاة يذهبن السيئات، قال له: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) (١) . قال بعض الفقهاء : من غرق في قطع الطريق فهو شهيد ، وعليه إثم معصيته ، وكل من مات بسبب معصيته فليس بشهيد ، وإن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة ، فله أجر شهادته ، وعليه إثم معصيته . ولو قاتل على فرس مغصوب أو كان قوم في معصية فوقع عليهم البيت ، فلهم الشهادة ، وعليهم إثم المعصية . وهذا يعني أنه إذا مات في حالة من حالات الشهادة أثناء معصية فهو شهيد (١) حديث حسن رواه الترمذي عن أبي ذر جُندُب بن جُنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما . الفقه الإسلامي جـ٢ (٣٦) - ٥٦١ - عاص ، وإذا مات بسبب المعصية فليس بشهيد . فالمرأة التي تموت بالولادة من الزنا الظاهر أنها شهيدة ، أما لو تسببت امرأة في إلقاء حملها فليست بشهيدة للعصيان بالسبب . ومن ركب البحر لمعصية أو سافر آبقاً ( هارباً) أو ناشزة ، فمات فليس بشهيد (١) . لله تعالى ٠ (١) رد المحتار لابن عابدين: ٨٥٤/١. - ٥٦٢ - الباب الثالث القيام والاعتكاف .. .... . ----- -- وفيه فصلان : الأول عن الصيام ، والثاني عن الاعتكاف .....---- ـة لله تعالى ..... ... .... - ٥٦٣ - ٠ ............ ........... .... ...... . .. ..... ......... .....--- ---- . . . .. فـ . الله تعالى الفصل الأول الصيام وفيه ثمانية مباحث : المبحث الأول - تعريف الصوم ، وركنه وزمنه وفوائده ، وفضل رمضان ، وليلة القدر ، وأهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان . المبحث الثاني - فرضية الصيام وأنواعه ( الصوم المفروض وصوم التطوع ) . المبحث الثالث - متى يجب الصوم - إثبات الشهر واختلاف المطالع . المبحث الرابع - شروط الصوم - شروط الوجوب وشروط الصحة . المبحث الخامس - سنن الصوم وآدابه ومكروهاته . المبحث السادس - الأعذار المبيحة للفطر . المبحث السابع - ما يفسد الصوم وما لا يفسده . المبحث الثامن - قضاء الصوم وكفارته وفديته . ملحق - ما يلزم الوفاء به من المنذور . ونبدأ بالأول فيما يأتي : - ٥٦٥ - ٠ المبحث الأول - تعريف الصوم وزمنه وفوائده ، وفضل رمضان وليلة القدر ، وأهم الأحداث التاريخية في رمضان : وفيه ثلاثة مطالب : المطلب الأول - تعريف الصوم ، وركنه وزمنه وفوائده : تعريف الصوم : الصوم لغة : الإمساك والكف عن الشيء ، يقال : صام عن الكلام أي أمسك عنه ، قال تعالى إخباراً عن مريم : ﴿ إني نذرت للرحمن صوماً﴾ أي صمتاً وإمساكاً عن الكلام ، وقال العرب : صام النهار: إذا وقف سير الشمس وسط النهار عند الظهيرة(١) . وشرعاً : هو الإمساك نهاراً عن المفطّرات بنية من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس(٢) . أي أن الصوم امتناع فعلي عن شهوتي البطن والفرج ، وعن كل شيء حسي يدخل الجوف من دواء ونحوه ، في زمن معين : وهو من طلوع الفجر الثاني أي الصادق إلى غروب الشمس ، من شخص معين أهل له : وهو المسلم العاقل غير الحائض والنفساء ، بنية وهي عزم القلب على إيجاد الفعل جزماً بدون تردد ، لتمييز العبادة عن العادة . وركن الصوم : الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، أو الإمساك عن المفطرات ، وزاد المالكية والشافعية ركناً آخر وهو النية ليلاً . ٠ وزمن الصوم : من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ويؤخذ في البلاد (١) وقال الشاعر : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وأراد بالصائمة الممسكة عن الصهيل . (٢) اللباب: ١ / ١٦٢، الشرح الصغير: ١ / ٦٨١، ٦٩٨، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٠، المغني: ٣ / ٨٤ ، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٨ وما بعدها . - ٥٦٦ - التي يتساوى الليل والنهار فيها ، أو في حالة طول النهار أحياناً كبلغاريا بتقدير وقت الصوم بحسب أقرب البلاد منها . ودليله قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ وعبر بالخيط مجازاً ، يعني بياض النهار من سواد الليل ، وهذا يحصل بطلوع الفجر . قال ابن عبد البر: في قول النبي مؤاتّ: ((إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)» دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح ، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر ، بالإجماع . وفوائد الصيام كثيرة من الناحيتين الروحية والمادية : فالصوم طاعة لله تعالى ، يثاب عليها المؤمن ثواباً مفتوحاً لاحدود له ؛ لأنه لله سبحانه ، وكرم الله واسع ، وينال بها رضوان الله ، واستحقاق دخول الجنان من باب خاص أعد للصائمين يقال له (( الريَّان))(١)، ويبعد نفسه عن عذاب الله تعالى بسبب ماقد يرتكبه من معاصي ، فهو كفارة للذنوب من عام لآخر ، وبالطاعة يستقيم أمر المؤمن على الحق الذي شرعه الله عز وجل ؛ وذلك لأن الصوم يحقق التقوى التي هي امتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي : ﴿ ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقون ﴾ . والصوم مدرسة خلقية كبرى يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة ، فهو جهاد للنفس ، ومقاومة للأهواء ونزغات الشيطان التي قد تلوح له ، ويتعود به الإنسان خلق الصبر على ماقد يُحرَم منه، وعلى الأهوال والشدائد التي قد يتعرض لها ، إذ يجد الطعام الشهي يطبخ أمامه ، والروائح تهيج عصارات معدته ، والماء (١) روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن سهل بن سعد عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إن في الجنة باباً يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد » ( الترغيب والترهيب: ٢ / ٨٢ - ٨٣ ) . - ٥٦٧ - العذب البارد يترقرق في ناظريه ، فيمتنع منه ، منتظراً وقت الإذن الرباني بتناوله . والصوم يعلم الأمانة ومراقبة الله تعالى في السر والعلن ؛ إذ لارقيب على الصائم في امتناعه عن الطيبات إلا الله وحده . والصوم يقوي الإرادة ، ويشحذ العزيمة ، ويعلم الصبر، ويساعد على صفاء الذهن ، واتقاد الفكر، وإلهام الآراء الثاقبة إذا تخطى الصائم مرحلة الاسترخاء ، وتناسى ماقد يطرأ له من عوارض الارتخاء والفتور أحياناً ، قال لقمان لابنه : ((يابني ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة )» . والصوم يعلم النظام والانضباط ؛ لأنه يجبر الصائم على تناول الطعام والشراب في وقت محدد وموعد معين. والصوم يشعر بوحدة المسلمين الحسية في المشارق والمغارب ، فهم جميعاً يصومون ويفطرون في وقت واحد ؛ لأن ربهم واحد ، وعبادتهم موحدة . وينمي الصوم في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة ، والشعور برابطة التضامن والتعاون التي تربط المسلمين فيما بينهم ، فيدفعه إحساسه بالجوع والحاجة مثلاً إلى صلة الآخرين ، والمساهمة في القضاء على غائلة الفقر والجوع والمرض ، فتتقوى أواصر الروابط الاجتماعية بين الناس ، ويتعاون الكل في معالجة الحالات المرضية في المجتمع . والصوم فعلاً يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا وطرح ماشاخ منها ، وإراحة المعدة وجهاز الهضم ، وحمية الجسد ، والتخلص من الفضلات المترسبة والأطعمة غير المهضومة ، والعفونات أو الرطوبات التي تتركها الأطعمة - ٥٦٨ - والأشربة ، قال النبي ◌َ التّ: ((صوموا تصحوا)) (١)، وقال طبيب العرب: الحرث ابن كلدة: (( المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء)). والصيام جهاد للنفس ، وتخليصها مماعلق بها من شوائب الدنيا وآثامها ، وكسر حدة الشهوة والأهواء ، وتهذيبها وضبطها في طعامها وشرابها ، بدليل قول النبي عَ اقّ: ((يامعشر الشباب : من استطاع منكم الباءة ، فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ))(٢) وقال الكمال بن الهمام(٢): الصوم ثالث أركان الإسلام بعد ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله )) والصلاة ، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً أشياء : منها : سكون النفس الأمارة ، وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج ، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها ، ولذا قيل : إذا جاعتَ النفس شبعت جميع الأعضاء ، وإذا شبعت جاعت كلها . ومنها : كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين ، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ، ذكر من هذا حاله في عموم الأوقات ، فتسارع إليه الرقة عليه ، فينال بذلك ما عند الله تعالى من حسن الجزاء. ومنها : موافقة الفقراء بتحمل مايتحملون أحياناً ، وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى . وقال في الإيضاح : اعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين وأوثق قوانين الشرع المتين ، به قهر النفس الأمارة بالسوء ، وإنه مركب من أعمال القلب ، (١) رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة ، وهو حديث حسن . (٢) رواه الجماعة عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ٦ / ٩٩) والباءة: مؤن وتكاليف الزواج ، والوجاء : أي يضعف شهوة النكاح ، تشبيها بقطع السيف . (٣) فتح القدير : ٢ / ٤٣ وما بعدها . - ٥٦٩ - ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه ، وهو أجمل الخصال ، غير أنه أشق التكاليف على النفوس(١)، وقد مدحه الله بآية ﴿إن المسلمين والمسلمات ... والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات ﴾(٢) . المطلب الثاني - فضل رمضان وليلة القدر : رمضان سيد الشهور ، فيه بدأ نزول القرآن ، وهو شهر الطاعة والقربة والبر والإحسان ، وشهر المغفرة والرحمة والرضوان ، فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وبه عون المؤمن على أمر دينه وطلب إصلاح دنياه ، وهو موسم تكثر فيه مناسبات إجابة الدعاء . وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على فضل رمضان وفضل الصوم فيه . من ذلك ما يأتي : اً - ((سيد الشهور شهر رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة))(٣) ((لو يعلم العباد مافي شهر رمضان لتمنى العباد أن يكون شهر رمضان سنة)) (٤) . وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله مائةٍ قال يوماً وقد حضر رمضان : (( أتاكم رمضان شهر بركة ، يغشاكم الله فيه ، فيُنزل الرحمة، ويُحُطُّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء ، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ، ويباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل)). (١) حاشية ابن عابدين: ٢ / ١٠٩. (٢) الأحزاب : ٣٥ . (٣) رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، وفيه انقطاع ( مجمع الزوائد: ٣ / ١٤٠). (٤) رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريقه عن أبي مسعود الغفاري ، وفي راو من سنده كلام ( الترغيب والترهيب: ٢ / ١٠٢، مجمع الزوائد: ٣ / ١٤١). - ٥٧٠ - ٠٠٠٠٠٠ ٣ - ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وعلّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين)»(١) . ٣ - ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفّرات مابينهن إذا اجتنبت الكبائر))(٢). ٤ - ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْف ، قال الله تعالى : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي ، للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، وتُخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))(٣). وفي رواية للترمذي، قال رسول الله عا هل: إن ربكم يقول: ((كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْف ، والصوم لي وأنا أجزي به ، والصوم جُنّة (٤) من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وإن جَهل على أحدكم جاهل وهو صائم، فليقل: ((إني صائم، إني صائم)). ٥ - ((من قام رمضام إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ))(9) أي من أحيا لياليه بصلاة التراويح أو غيرها بالذكر والاستغفار وتلاوة القرآن تصديقاً بما وعده الله على ذلك من أجر ، محتسباً ومدخراً أجره عند الله تعالى لاغيره ، بخلوص عمله لله ، لم يشرك به غيره ، غفرت له ذنوبه غير حقوق العباد ، فتتوقف على إبراء الذمة ، أو المسامحة . (١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ( الترغيب والترهيب: ٢ / ٩٧ ). (٢) رواه مسلم عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: ٢ / ٩٢). (٣) رواه مسلم عن أبي هريرة. والخلوف: تغير رائحة الفم ( الترغيب والترهيب: ٢ / ٨١). (٤) الجنة: ما يستر ويقي مما يخاف منه ، ومعنى الحديث : إن الصوم يستر صاحبه ، ويحفظه من الوقوع في المعاصي . (٥) متفق عليه عند البخاري وغيره ( أصحاب الكتب الستة ) عن أبي هريرة . - ٥٧١ - ٦ - عن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله مع اتّ في آخر يوم من شعبان، قال: (( ياأيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوّعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير ، كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه ، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه . وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه ، من فطّر فيه صائماً ، كان مغفرة الذنوبه وعتقَ رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء . قالوا : يارسول الله، ليس كلَّنا يجدُ ما يفطر الصائم ؟ فقال رسول الله عٍَّ: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة ، أو على شَرْبة ماء ، أو مَذْقة(١) لبن . وهو شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له ، وأعتقه من النار. واستكْثِروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بها ربكم ، وخصلتين لاغِنَاء بكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان تُرضون بها ربكم: فشهادة أن لاإله إلا الله ، وتستغفرونه . وأما الخصلتان اللتان لاغناء بكم عنهما : فتسألون الله الجنة ، وتعوذون به من النار . ومن سقى صائماً ، سقاه الله من حوضي شَرْبة لا يظمأ حتى يدخل الجنة))(٢). (١) مزيج خليط . (٢)) رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: صح الخبر، ورواه من طريق البيهقي ، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب باختصار عنهما ( الترغيب والترهيب : ٢ / ٩٤ وما بعدها ) . - ٥٧٢ - ليلة القدر : يستحب طلب ليلة القدر ؛ لأنها ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة ، ترجى إجابة الدعاء فيها ، وهي أفضل الليالي حتى ليلة الجمعة(١)، قال تعالى: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وقال عَ ◌ّ: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه))(٢) وعن عائشة أن النبي مطلقة كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل ، وأيقظ أهله وشد المئزر))(٣) أي اعتزل النساء، ولأحمد ومسلم : كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها . وهي مختصة بالعشر الأواخر في ليالي الوتر من رمضان ، لقوله تع الى : ((التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان ، في كل وتر))(٤). وأرجح الأقوال عند العلماء أنها في ليلة السابع والعشرين من رمضان ، قال أبي بن كعب: (( والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان ، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا)»(9)، وعن معاوية ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قال في ليلة القدر: ليلة سبع وعشرين))() ويرجحه قول ابن عباس: ((سورة القدر: ثلاثون كلمة ، السابعة والعشرون فيها: هي))(٧) وروى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر حديثاً نصه: (( من كان متحرّيها فليتحرها ليلة سبع وعشرين ، أو قال : تحروها ليلة سبع وعشرين)). (١) المهذب: ١ / ١٨٩، المجموع: ٦ / ٤٩٢ - ٥٠٣، المغني: ٣ / ١٧٨ - ١٨٣، كشاف القناع : ٢/ ٤٠١ - ٤٠٤ . (٢) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة . (٣) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٧٠ ) . (٤) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ، وأبي ذر . (٥) رواه الترمذي وصححه . (٦) رواه أبو داود مرفوعاً، والراجح وقفه على معاوية، وله حكم الرفع ( سبل السلام: ٢ / ١٧٦).) (٧) قال ابن حجر في فتح الباري : وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً، وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأواخر ، وأنها تنتقل . وقال الصنعاني: وأظهر الأقوال أنها في السبع الأواخر ( المصدر السابق ). - ٥٧٣ - والحكمة في إخفائها : أن يجتهد الناس في طلبها ، ويجدّوا في العبادة طمعاً في إدراكها ، كما أخفي ساعة الإجابة يوم الجمعة ، واسمه الأعظم في أسمائه ، ورضاه في الحسنات ، إلى غير ذلك . والمستحب أن يدعو المؤمن فيها بأن يقول: (( اللهم إنك عفو ، تحب العفو ، فاعف عني )) لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : يارسول الله ، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ماذا أقول فيها ؟ قال: (( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو ، فاعف عني ))(١). وأما علاماتها: فالمشهور فيها ماذكره أبي بن كعب عن النبي مَ ◌ّ: ((إن الشمس تطلع في صبيحة يومها بيضاء لاشعاع لها))(٢) وفي بعض الأحاديث: ((بيضاء مثل الطست)) وروي أيضاً عنه عَ قٍ: ((إن أمارة ليلة القدر: أنها ليلة صافية بلجة ، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية ، لابرد فيها ولاحر ، ولايحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح ، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ، ليس فيها شعاع ، مثل القمر ليلة البدر ، لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ)) وروى ابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((ليلة القدر طلقة لاحارة ولاباردة ، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة )) ولأحمد من حديث عبادة: (( لاحر فيها ولابرد ، وإنها ساكنة صاحية ، وقمرها ساطع )) ، وورد في علامتها أحاديث منها عن جابر بن سمرة عند ابن أبي شيبة ، وعن جابر بن عبد الله عند ابن خزيمة ، وعن أبي هريرة عنده ، وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة وعن غيرهم(٣). (١) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن ) غير أبي داود، وصححه الترمذي والحاكم (المصدر السابق ) . (٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٧٢). (٣) نيل الأوطار : ٤ / ٢٧٥ . - ٥٧٤ _ المطلب الثالث - أهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان : وقعت أحداث تاريخية فاصلة كبرى في شهر رمضان ، تدل على أن الإسلام يقدر الأمور حق قدرها ، وأن شعار الصوم هو القوة والجهاد والعمل ، لا الضعف والهروب والفتور والكسل ، فالمسلم يتفاعل مع واقع الحياة ، ويتكيف مع الظروف ، فلا يثنيه واجب ديني عن واجب معيشي أو حياتي ، ولا تحد من عزيمته وهمته أهواء الدنيا ، ومغريات الطعام والشراب ، ولا يصح لمسلم أن يقول : إن الصوم يعطل الأعمال ، ويؤخر المجتمعات ، فسبيل الإسلام معروف وهو الجهاد ، ودين الله وشرعه يسر لاعسر ، فقد أباح الفطر وأوجبه في السفر والحرب ، وحكم بأن الصائمين حينئذ متنطعون متشددون ، وبأن المفطرين في الجهاد ذهبوا بالأجر كله ، كما بين النبي ◌َ الزّ في فتح مكة ، وكان أول المفطرين . ودليل مانقول : هذه الأحداث الكبرى التي وقعت في رمضان ونكتفي بذكر أشهرها . ١ - معركة بدر الكبرى : وهي يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل ، فانتصر فيه الإسلام - رمز القيم العليا في التوحيد والتفكير والحياة السوية والأخلاق الصحيحة - واندحر الشرك والوثنية - رمز الانحدار والتخلف والتعقيد وإهدار الكرامة الإنسانية . وقد حدثت في يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، قال تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) ، وقال ابن عباس : كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان ، وفيها قتل فرعون الأمة أبو جهل أكبر أعداء الإسلام . ٢ - فتح مكة: وهو الفتح الأكبر: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ حدث في العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة ، وقد تم به القضاء على فلول الوثنية ، وتم به تحطيم الأصنام حول الكعبة . ٣ - وقعت بعض أحداث غزوة تبوك في رمضان سنة ٩ هـ . - ٥٧٥ - ٤ - انتشر الإسلام في اليمن في السنة العاشرة في رمضان . ٥ - هدم خالد بن الوليد لخمس بقين من رمضان في السنة الثامنة البيت الذي كانت تعبد فيه العزى في نخلة، وقال للرسول مع اليه: ((تلك العزى ولا تعبد أبداً)) (١) . ٦ - قدم في السنة التاسعة في رمضان وفد ثقيف من الطائف إلى رسول الله عَ لّه يريدون الإسلام ، وهدم فيها صنم اللات الذي كانت تعبده ثقيف(٣). ٧ - في صبيحة يوم الجمعة في ٢٥ من رمضان ٤٧٩ هـ حدثت موقعة الزلاقة ( سهل يقع على مقربة من البرتغال الحالية ) أو يوم العروبة والإسلام ، وانتصر فيها جيش المرابطين المسلمين في الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفرنجة البالغ ثمانين ألف مقاتل بقيادة الفونس . ٨ - موقعة عين جالوت: ( قرية بين بيسان ونابلس ) حدثت في صبيحة يوم الجمعة في الخامس عشر من رمضان سنة ٦٥٨ هـ الموافق ٣ أيلول ( سبتمبر) ١٢٦٠ م، بقيادة السلطان قُطُز سلطان الماليك في مصر، بعد أن صاح بأعلى صوته ((وإسلاماه ))، وانتصر فيها على المغول الذين ولوا الأدبار لا يلوون على شيءٍ (٢)، وتم فيها توحيد مصر وبلاد الشام(٤) . ٩ - فتح الأندلس: حدث في ٢٨ رمضان سنة ٩٢ هـ / ١٩ يوليو ( تموز) (١) البداية والنهاية لابن كثير: ٤ / ٣١٦. .(٢) المرجع السابق : ٥ / ٢٩ . (٣) الحركة الصليبية للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: ٢ / ١١٣٦، ط ثانية، مكتبة الأنجلو المصرية . (٤) أما موقعة حطين شمال طبرية سنة ٥٨٣ هـ / ١١٨٧ م فقد وقعت في يوم السبت ١٤ ربيع الآخر الموافق ٤ تموز، ولكن دخل صلاح الدين الأيوبي القدس في ليلة السابع والعشرين من رجب في ذكرى الإسراء والمعراج في ١٢ أكتوبر ( تشرين الأول) سنة ١١٨٧ م ( الحركة الصليبية: ٢ / ٨٠٨ - ٨١١، ٨٢٢). - ٥٧٦ _ ٧١١ م بقيادة طارق بن زياد بعد أن هزم روذريق قائد القوط في موقعة حاسمة تعرف بـ (( موقعة البحيرة )) بعد أن استولى على مضيق جبل طارق وأحرق سفنه، وقال كلمته المشهورة: ((البحر من ورائكم والعدو من أمامكم ))، ثم تم بعدها فتح قرطبة وغرناطة وطليطلة العاصمة السياسية للأندلس(١). المبحث الثاني - فرضية الصيام وأنواعه : فرضية الصيام وتاريخها : صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه(٢) ، بدليل القرآن والسنة والإجماع : أما القرآن : فقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ، كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقون) إلى قوله تعالى : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصه ﴾ . وأما السنة: فقول النبي صَ لّل: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ))(٣)، وعن طلحة بن عبيد الله أن رجلاً جاء إلى النبي مؤ قّ ثائر الرأس فقال : يارسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصيام ؟ قال : شهر رمضان ، قال : هل علي غيره ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع شيئاً . قال: فأخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله ما لحم بشرائع الإسلام ، قال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال النبي مَ افلام: ((أفلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق))(٤) . (١) التاريخ السياسي للدولة العربية، للدكتور عبد المنعم ماجد: ٢ / ٢٠٤). (٢) الفرق بين الركن والفرض: أن الركن يجب اعتقاده ولا يتم العمل إلا به ، سواء أكان فرضاً أم نفلاً، والفرض : ما يعاقب على تركه ، وأركان الإسلام : أي جوانبه التي بني عليها ، فمتى فقد ركن منها لم يتم الإسلام . (٣) رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة عن ابن عمر . (٤) متفق عليه بين البخاري ومسلم . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣٧) - ٥٧٧ - وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان . وفرض صوم رمضان بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان في السنة الثانية من الهجرة بسنة ونصف إجماعاً ، وصام النبي واتر تسعة رمضانات في تسع سنين، وتوفي النبي مع الله في شهر رمضان ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (١) . أنواع الصيام : الصوم أنواع : واجب ، وتطوع ، وحرام ، ومكروه (٢) . وقال الحنفية : الصوم ثمانية أنواع : فرض معين كصوم رمضان أداء ، وغير معین کقضاء رمضان وصوم الكفارات ، وواجب معین کنذر معین ، وغیر معین كالنذر المطلق ، ونفل مسنون كصوم عاشوراء وتاسوعاء ، ونقل مندوب أو مستحب كأيام البيض من كل شهر، ومكروه تحريماً كصوم العيدين ، ومكروه تنزيهاً كعاشوراء وحده ، وسبت وحده ، ونیروز ومهرجان . النوع الأول - الواجب : وهو ثلاثة أقسام : منه ما يجب للزمان نفسه وهو صوم شهر رمضان ، ومنه ما يجب لعلة وهو صيام الكفارات ، ومنه ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه ، وهو صيام النذر . (١) المجموع: ٦ / ٢٧٣ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ١٠٩، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٩، بداية المجتهد : ١ / ٢٧٤ ، المغني : ٣ / ٨٤ . (٢) اللباب: ١ / ١٦٢، ١٧٣، فتح القدير: ٢ / ٤٣ وما بعدها، ٥٤، الدر المختار وحاشيته: ٢ / ١١٢ - ١١٦، مراقي الفلاح: ص ١٠٥ ومابعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢٧٤، ٣٠٠، الشرح الصغير: ١ / ٦٨٧، ٧٢٢، القوانين الفقهية: ص ١١٤، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٠، ٤٣٣، ٤٤٥ - ٤٤٩، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٩، ٣٩٣ ومابعدها، ٣٩٨ ، المغني : ٣ / ٨٩، ١٤٢، ١٦٣. ١ - ٥٧٨ - والصوم اللازم عند الحنفية نوعان : فرض وواجب . والفرض نوعان : معين كصوم رمضان أداء ، وغير معين كصوم رمضان قضاء ، وصوم الكفارات ، ولكنه أي الأخير فرض عملاً ، لا اعتقاداً ، ولذا لا يكفر جاحده . والواجب نوعان : معين كالنذر المعين ، وغير المعين كالنذر المطلق ، وكقضاء ما أفسده من صوم النفل . النوع الثاني - الصوم الحرام عند الجمهور أو المكروه تحريماً عند الحنفية : وهو مايأتي : ١ - صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها أو علمها برضاه إلا إذا لم يكن محتاجاً لها كأن كان غائباً أو محرماً بحج أو عمرة أو معتكفاً ، لخبر الصحيحين : (( لا يحل لامرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه)) ولأن حق الزوج فرض ، فلا يجوز تركه لنفل ، فلو صامت بغير إذنه صح ، وإن كان حراماً كالصلاة في دار مغصوبة ، وللزوج أن يفطرها ، لقيام حقه واحتياجه . وهذا الصوم مكروه تنزيهاً عند الحنفية . ٢ - صوم يوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تردد الناس في كونه من رمضان ، وللفقهاء عبارات متقاربة في تحديده ، واختلفوا في حكمه ، مع اتفاقهم على عدم الكراهة وإباحة صومه إن صادف عادة للمسلم بصوم تطوع كيوم الاثنين أو الخميس . فقال الحنفية(١) : هو آخر يوم من شعبان يوم الثلاثين إذا شك بسبب الغيم أمن رمضان هو أو من شعبان . فلو كانت السماء صحواً ولم ير الهلال أحد فليس بيوم شك . (١) فتح القدير: ١ / ٥٣ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ١١٩ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص ١٠٧. - ٥٧٩ _ وحكمه : أنه مكروه تحريماً إذا نوى أنه من رمضان أو من واجب آخر . ويكره أيضاً صوم ماقبل رمضان بيوم أو يومين، لحديث: (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً ، فيصومه ))(١) فيكره صومه إلا أن يوافق صوماً كان يصومه المسلم ، خوفاً من أن يظن أنه زيادة على صوم رمضان ، ولا يكره صوم نفل جزم به بلاترديد بينه وبين صوم آخر ، فلايصام يوم الشك إلا تطوعاً . ٠٫٠٠ وقال المالكية على المشهور(٢) : إنه يوم الثلاثين من شعبان إذا كان بالسماء في ليلته ( أي ليلة الثلاثين ) غيم ، ولم ير هلال رمضان . فإن كانت السماء صحواً لم يكن يوم شك ؛ لأنه إذا لم تثبت رؤية هلال رمضان ، كان اليوم من شعبان جزماً . وهذا كمذهب الحنفية والراجح عند الدردير والدسوقي وغيرهما أن يوم الشك : صبيحة الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحواً أو غياً، وتحدث بالرؤية من لاتقبل شهادته كعبد أو امرأة أو فاسق . أما يوم الغيم فهو من شعبان جزماً ؛ لخبر الصحيحين : ((فإن غم عليكم ، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين )). وحكمه : أنه يكره صومه للاحتياط على أنه من رمضان ، ولا يجزئه صومه عن رمضان ، فمن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان ، لم يجزه ، وجاز صومه لمن اعتاد الصوم تطوعاً سرداً أو يوماً معيناً كيوم الخميس مثلاً ، فصادف يوم الشك ، كما جاز صومه تطوعاً، وقضاء عن رمضان سابق ، وكفارة عن يمين أو غيره ، ولنذر يوم معين أو يوم قدوم شخص مثلاً ، (١) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: ٢ / ٤٤٠). (٢) الشرح الكبير: ١ / ٥١٣ ، الشرح الصغير: ١ / ٦٨٦ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ١١٥، شرح الرسالة : ١ / ٢٩٣ _ ٢٩٥ . - ٥٨٠ -