Indexed OCR Text
Pages 521-540
١ - أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع عن نبش تلك الحفرة لأكل الميت ؛ لأن الحكمة في وجوب الدفن عدم انتهاك حرمته بانتشار رائحته ، واستقذار جيفته وأكل السباع له . ٢ - ويندب عند الجمهور غير المالكية أن يوسع طولاً وعرضاً ويعمّق بأن يزاد في نزوله، لقوله ◌َّ ل في قتلى أحد: ((احفروا وأوسعوا وأعمقوا))(١)، ولأن تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي تستضر بها الأحياء ، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت، وروى البيهقي أن النبي مَ ائل قال لحفار: ((أوسع من قبل الرأس ، ومن قبل الرجلين )). والتعميق عند الشافعية وأكثر الحنابلة : قدر قامة وبسطة من رجل معتدل ، بأن يقوم باسطاً يديه مرفوعتين ؛ لأن عمر رضي الله عنه وصى بذلك ، ولم ينكر عليه أحد ، وهما أربعة أذرع ونصف . وقال أحمد رحمه الله : يعمق القبر إلى الصدر ، الرجل والمرأة في ذلك سواء. وعند الحنفية : مقدار نصف قامة ، أو إلى حد الصدر ، وإن زاد إلى مقدار قامة فهو أحسن . فالأدنى نصف القامة ، والأعلى القامة . وطوله : على قدر طول الميت ، وعرضه : على قدر نصف طوله . وقال المالكية : وندب عدم تعميق القبر جداً ، بل قدر الذراع فقط إذا كان لحداً . ٣ - واللَّحْد باتفاق الفقهاء أفضل من الشَّق: والمراد باللحد: أن يحفر في جانب القبر القبلي مكان يوضع فيه الميت بقدر ما يسعه ويستره . أما الشق : فهو (١) رواه الترمذي ، وقال : حسن صحيح . - ٥٢١ - أن يحفر قعر القبر كالنهر ، أو يبنى جانباه بلبن أو غيره غير مامسته النار ، ويجعل بينهما شق يوضع فيه الميت ، ويسقف عليه ببلاط أو حجارة أو لبن أو خشب ونحوها ، ويرفع السقف قليلاً بحيث لا يمس الميت . ويكره الشق عند الحنابلة ، لقوله التّ: ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) (١). وفصل الحنفية والمالكية والشافعية فقالوا : إن اللحد أفضل إن كانت الأرض صلبة، لقول سعد بن أبي وقاص في مرض موته: (( الحدوا لي لحداً ، وانصبوا عليَّ اللبن نصباً، كما فعل برسول الله عٍَّ))(٢). فإن كانت الأرض رخوة فالشق أفضل خشية الانهيار . ويجب عند الشافعية والحنابلة ويندب عند المالكية والحنفية أن يوضع الميت في القبر مستقبل القبلة ، ويسند وجهه إلى جدار القبر ويسند ظهره بلبنة ونحوها ليمنعه من الاستلقاء على قفاه، لقوله معد له: ((قبلتكم أحياء وأمواتاً)) ولأن ذلك طريقة المسلمين ، بنقل الخلف عن السلف، ولأن النبي عظامّ هكذا دفن . -؛ ويوضع اللبن ( الطوب النيء ) على اللحد ، بأن يسد من جهة القبر ، ويقام اللبن فيه ، اتقاءً لوجهه، عن التراب ، لقول سعد: «وانصبوا علي اللبن نصباً)). ويكره الآجرّ (الطوب المُحرَق ) والخشب ؛ لأنهما لإحكام البناء ، وهو لا يليق بالميت ؛ لأن القبر موضع البلى . ولا بأس بالقصب مع اللبن . ثم يهال التراب على القبر ، سَتْراً له وصيانة . ٤ - يسن لكل من حضر عند القبر أن يحثو التراب في القبر من قبل رأسه أو غيره ثلاث حثَيات باليد، قبل إهالة التراب عليه، لحديث أبي هريرة: (( أن (١) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، لكنه ضعيف . (٢) رواه مسلم . - ٥٢٢ - النبي ◌ُّ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت ، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً))(١)، وعن عامر بن ربيعة أن النبي صَ فّز ((صلى على عثمان بن مظعون ، فكبر عليه أربعاً ، وأتى القبر ، فحتى عليه ثلاث حثيات ، وهو قائم عند رأسه))(٢) ، ولأن مواراته فرض كفاية ، وبالحثي يصير ممن شارك فيها ، وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار ، فاستحب لذلك . ٥ - يرفع القبر قدر شبر فقط ، ليعرف أنه قبر ، فيتوقى ، ويترحم على صاحبه، ولأن قبره مَ اللّ رفع نحو شبر(٣)، وروى الشافعي عن جابر ((أن النبي وَالتّ رفع قبره عن الأرض قدر شبر)) وعن القاسم بن محمد قال: ((قلت لعائشة: ياأماه، اكشفي لي عن قبر النبي ◌َ ◌ّ وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور ، لامشرفة ولالاطئة ، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء))(٤). ٦ - تسنيم القبر عند الجمهور أفضل من تسطيحه أي تربيعه ، لقول سفيان التَّمار: ((رأيت قبر النبي عَ لّ مسنماً)) (٥) وكذلك قبور الصحابة من بعده، ولأن التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا ، واستثنى الحنابلة دار الحرب إذا تعذر نقل الميت ، فالأولى تسوية القبر بالأرض وإخفاؤه ، خوفاً من أن ينبش ، فيثل به . وقال الشافعية : الصحيح أن تسطيح القبر أولى من تسنيمه ، كما فعل بقبره مُ ◌ّ وقبري صاحبيه رضي الله تعالى عنهما(١). (١) رواه ابن ماجه . (٢) رواه الدارقطني . (٣) رواه ابن حبان في صحيحه . (٤) رواه أبو داود ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٢). (٥) رواه البخاري في صحيحه ( المصدر السابق ) وروى الجماعة إلا البخاري وابن ماجه أن علياً بعث أبا الهياج الأسدي وقال: ((أبعثك على ما بعثني رسول الله مَ ◌ّل: لاتدع تمثالاً إلا طمسته، ولاقبراً مشرفاً إلا سويته)) ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٣). (٦) رواه أبو داود بإسناد صحيح . - ٥٢٣ - لاً - يكره تخصيص القبر والبناء ، والكتابة عليه والمبيت عنده ، واتخاذ مسجد عليه ، وتقبيله والطواف به وتبخيره ، والاستشفاء بالتربة من الأسقام . وكذا يكره التطيين عند الحنفية والمالكية . أما التجصيص : أي التبييض أي الطلاء بالجص وهو الجبس ، ومثله تزويقه ونقشه ، والبناء عليه كقبة أو بيت ، فمكروه للنهي عنها في صحيح مسلم الآتي . وإن كان البناء على القبر للمباهاة أو في أرض مسبلة ( مخصصة للدفن بحسب العادة ) أو موقوفة ، فيحرم ويهدم ، لأنه في حالة المباهاة من الإعجاب والكبر المنهي عنهما ، وفي الموقوفة والمسبلة ، فلما في ذلك من التضييق والتحجير على الناس . وذكر ابن عبد الحكم تلميذ مالك أنه لا تنفذ وصية من أوصى بالبناء على قبره ، أي بناء بيوت ، وعليه يجب هدم مابني على القبور من القباب والسقائف والروضات . لكن لابأس عند اللخمي من المالكية ببناء حاجز بين القبور ليعرف به . وقيل عند الحنفية : لابأس بتطيين القبر، واليوم اعتاد الناس التسنيم باللبن صيانة للقبر عن النبش، ورأوا ذلك حسناً، وفي الأثر: ((مارآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)». ولابأس عند الحنابلة أيضاً من تطيين القبر. وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر، عملاً بوصية أبي هريرة كما روى أحمد في مسنده ، وبأمر ابن عمر بنزع فسطاط على قبر عبد الرحمن . وأما الكتابة على القبر فمكروهة عند الجمهور ، سواء اسم صاحبه أو غيره ، عند رأسه أم في غيره ، أو كتابة الرقاع إليه ودسها في الأنقاب ، وتحرم عند المالكية كتابة القرآن على القبر، ودليلهم: ماروى جابر: ((نهى رسول الله حُ لّ عن تخصيص القبور، وأن يكتب عليها ، وأن يبنى عليها(١))). : (١) رواه مسلم وغيره . - ٥٢٤ - وقال الحنفية : لابأس بالكتابة على القبر إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن ؛ لأن النهي عنها وإن صح ، فقد وجد الإجماع العملي بها(١) ، فقد أخرج الحاكم النهي عنها من طرق ، ثم قال : هذه الأسانيد صحيحة ، وليس العمل عليها ، فإن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوب على قبورهم ، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف ، ويتقوى بما أخرجه أبو داود بإسناد جيد أن رسول الله مَ اتٍ ((حمل حجراً، فوضعها عند رأس عثمان بن مظعون ، وقال : أتعلم بها قبر أخي ، وأدفن إليه من مات من أهلي)) ، فإن الكتابة طريق إلى تعرف القبر بها . ويباح عندهم أيضاً أن يكتب على الكفن (( بسم الله الرحمن الرحيم)) أو ((يرجى أن يغفر الله للميت)). والخلاصة : أن النهي عن الكتابة محمول على عدم الحاجة ، وأن الكتابة بغير عذر ، أو كتابة شيء من القرآن أو الشعر أو إطراء مدح له ونحو ذلك فهو مكروه . وأما اتخاذ المساجد على القبور فهو مكروه ، حرام عند بعض المحدثين والحنابلة لقوله طائفة: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(٢) ظاهره أنهم كانوا يجعلونها مساجد يصلون فيها ، لكن ذكر ابن القاسم تلميذ مالك أنه لابأس بالمسجد على القبور العافية ( المندرسة ) ويكره على غير العافية . وتكره أيضاً الصلاة إلى القبر، لحديث ((لاتجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))(٣). (١) رد المحتار لابن عابدين: ١ / ٨٣٩. (٢) متفق عليه عن أبي هريرة، وروى الخمسة إلا ابن ماجه عن ابن عباس، قال: ((لعن رسول الله عَ} زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) ( نيل الأوطار: ٤ / ٩٠) وفيه دليل على تحريم زيارة القبور للنساء كما سيأتي (٣) رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي . - ٥٢٥ - وأما التقبيل والاستشفاء بالتربة ونحوه فلأن ذلك كله من البدع ، لكن لابأس كما ذكر الشافعية على الصحيح من تطييب القبر . ٨ - يوضع على القبر حصى ، وعند رأسه حجر أو خشبة : أما وضع الحصى فلما رواه الشافعي مرسلاً « أنه ټڅتم وضعه على قبر ابنه ابراهيم » وروي أنه رأى على قبره فرجة فأمر بها فسدت ، وقال : إنها لاتضر ولا تنفع ، وإن العبد إذا عمل شيئاً ، أحب الله منه أن يتقنه )). وأما وضع الحجر ونحوه لتعليم القبر، فللحديث المتقدم: ((أنه معَّ وضع عند رأس عثمان بن مظعون صخرة ، وقال : أتعلم بها قبر أخي لأدفن إليه من مات من أهلي )). ٩ - لا يجوز اتخاذ السرج على القبور، لقول النبي مُ الفعل: ((لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها السرح))(١) . احترام القبور : أما احترام القبور فهو أمر مقرر في السنة ولدى جميع الفقهاء(٢) ، ومظاهر الاحترام ما يأتي : ١ - يكره الجلوس على القبر، والمشي عليه ، والنوم وقضاء الحاجة من بول أو غائط، لقوله مثل: ((لاتجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))(٣)، وقوله: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة ، فتخلص إلى جلده ، خير له من أن يجلس على قبر))(٤)، والكراهة عند الحنفية تحريمية إذا كان الجلوس لقضاء الحاجة ، تنزيهية لغير ذلك ، إلا أنهم قالوا على المختار: لا يكره الجلوس على القبر للقراءة ، لتأدية (١) رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن ابن عباس ، كما بينا . (٢) مراقي الفلاح: ص ١٠٣، رد المحتار: ١ / ٨٤٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٩، ٥٧٣ ، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٧، المجموع: ٥ / ٢٦٤، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٤، المهذب: ١ / ١٣٩، كشاف القناع: ٢ / ١٦٢، ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦، المغني: ٢ / ٥٠٧، ٥٥١، ٥٦٥ . (٣) رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي . (٤) رواه الجماعة ، وفسر فيه الجلوس بالحدث ، وهو حرام بالإجماع . - ٥٢٦ - القراءة بالسكينة والتدبر والاتعاظ ، ولم يجز الشافعية والحنابلة الجلوس إلا لضرورة ، وجعلوا الاتكاء أو الاستناد إلى القبر مكروهاً كالجلوس . وأما المالكية فقالوا : يكره المشي على القبر بشرطين : إن كان مسنماً أو مسطباً ، والحال أن الطريق بجانبه ، فإن زال تسنيمه أو لم تكن هناك طريق ، جاز المشي عليه . أما الجلوس على القبر لغير بول أو غائط فيجوز، وحملوا · حديث النهي عن الجلوس على المقابر على التخلي ( قضاء الحاجة ) . وعن علي كرم الله وجهه أنه كان يجلس على المقابر ويتوسدها . ٢ - يحرم نبش القبر مادام يظن فيه شيء من عظام الميت فيه : فلاتنبش عظام الموتى عند حفر القبور، ولاتزال عن موضعها ، ويتقى كسر عظامها ، لقوله ◌ِ لّ: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم)) أو ((كسر عظم الميت ككسره حياً))(١) ويستثنى من ذلك حالات تقتضيها الضرورة أو الحاجة والغرض الصحيح وأهمها ما يأتي(٢): أ - إذا دفن من غير كفن أو غير غسل أو إلى غير القبلة ، ولم يتغير حاله أو لم يخش عليه الفساد في نبش وكفن وغسل ووجه إلى القبلة ؛ لأنه واجب مقدور على فعله ، فوجب فعله ، وروى سعيد في سننه أن رجالاً قبروا صاحباً لهم ، لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً ، ثم لقوا معاذ بن جبل ، فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ، ثم غسِّل وكفّن ، وحُنّط ، ثم صلي عليه(٣) . (١) الأول رواه ابن ماجه عن أم سلمة ، وهو حديث حسن ، والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ، وهو حسن أيضاً . (٢) الدر المختار: ١ / ٨٣٩، ٨٤٠، مراقي الفلاح: ص ١٠٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٧ ، القوانين الفقهية: ص ٩٣، ٩٧، المهذب: ١ / ١٣٨، المجموع: ٥ / ٢٦٦ - ٢٦٨، المغني: ٢ / ٥١١، ٥٥١ - ٥٥٤ ، كشاف القناع: ٢ / ٩٧ ، ٠٩٨ (٣) نيل الأوطار: ٤ / ١١٢ وما بعدها، وفيه أيضاً أن النبي ◌َّ أخرج عبد الله بن أبي من قبره فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه ، رواه البخاري . - ٥٢٧ - ولم يجز الشافعية في الأصح نبش القبر لتكفين الميت ؛ لأن المقصود حصل وهو ستره بالتراب . فإن خشي عليه الفساد أو التغير ، لم ينبش ؛ لأنه تعذر فعله ، فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر . أما الصلاة على الميت إذا دفن قبلها ، فتصلى على القبر؛ لأنها تصل إليه في القبر . وينبش عند المالكية ، وعند الحنابلة ، ويصلى عليه في رواية عن أحمد ، ولا ينبش عند الحنفية لوضعه لغير القبلة أو على يساره ، وينبش لغير ذلك مما سيأتي . ب - إذا كان الكفن مغصوباً وأبى صاحبه أن يأخذ القيمة ، أو كانت الأرض مغصوبة ، ولم يرض مالكها ببقائه . جـ - لضيق المسجد الجامع ، أو دفن معه آخر عند الضيق . وإذا نبش للدفن أو اتخاذ مسجد محل القبر جاز، ولا يجوز عند المالكية للزرع والبناء ، وأجاز الحنفية الزرع والبناء في محل قبر إذا بلي وصار تراباً . د - إذا دفن معه مال من حلي أو غيره ، أو وقع في القبر مال لآدمي قليل أو كثير، وطالب به صاحبه ، لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله ◌ُ ◌ّ، فقال: خاتمي، ففتح موضعاً فيه، فأخذه(١). ولم يجز المالكية نبش القبر لمال قليل للميت ، أو إذا تغير الميت ، ويعطى صاحبه مثله أو قيمته من التركة ( المثل في المثلي ، والقيمة في القيمي ) . هـ - إذا بلغ الشخص جوهرة لغيره ، ومات وطالب صاحبها ، شق جوفه ، (١) حديث المغيرة ضعيف غريب، قال الحاكم أبو أحمد شيخ الحاكم أبي عبد الله : لا يصح هذا الحديث ( المجموع : ٥ / ٢٦٦ ) . - ٥٢٨ - وردت الجوهرة . فإن كانت الجوهرة للميت شق أيضاً عند الحنفية وسحنون المالكي وفي الأصح عند الشافعية ، ولم يشق عند أحمد وابن حبيب المالكي وفي وجه آخر عند الشافعية . شق بطن الحامل : و - إذا ماتت الحبلى ، وفي بطنها جنين حي يضطرب ، شق جوفها عند أكثر الفقهاء ؛ لأنه استبقاء حي ، بإتلاف جزء من الميت ، فأشبه إذا اضطر إلى أكل الميت . والمذهب عند الحنابلة : أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها ، مسلمة كانت أو ذمية ، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركة . ٣ - نقل الميت بعد الدفن : للفقهاء رأيان : رأي المالكية والحنابلة بالجواز لمصلحة ، ورأي الشافعية والحنفية بعدم الجواز إلا لضرورة ، على التفصيل . (١) الآتي(١) : قال المالكية : يجوز نقل الميت من مكان إلى آخر، أو من بلد إلى آخر ، أو من حضر لبدو ، بشرط ألا ينفجر حال نقله ، وألا تنتهك حرمته ، وأن يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع ، أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه ، أو ليدفن بين أهله ، أو لأجل قرب زيارة أهله . وقال الحنابلة : يجوز نقل الميت لغرض صحيح كدفنه في بقعة خير من بقعته التي دفن فيها ، ولمجاورة صالح لتعود عليه بركته ، إلا الشهيد إذا دفن بمصرعه ، فلا ينقل عنه لغيره ، حتى لو نقل منه رد إليه ندباً ؛ لأن دفنه في (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٤٠، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٢١، المجموع : ٥ / ٢٧٠ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٦، كشاف القناع: ٢ / ٩٧ . الفقه الإسلامي جـ٢ (٣٤) - ٥٢٩ - مصرعه ( مكان قتله) سنة، فقد أمر النبي ◌َّ اللّ بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم ، وكانوا نقلوا إلى المدينة(١) . وقال الشافعية : نبش الميت بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة بأن دفن بلاغسل ولاتيم ، أو في أرض أو ثوب مغصوبين ، أو وقع فيه مال ، أو دفن لغير القبلة ، لاللتكفين في الأصح ؛ لأن غرض التكفين الستر ، وقد حصل بالتراب ، مع مافي النبش من هتك حرمته ، كما بينا . وقال الحنفية : لا يجوز النقل بعد الدفن مطلقاً ، وأما نقل يعقوب ويوسف عليهما السلام من مصر إلى الشام ليكونا مع آبائها الكرام ، فهو شرع من قبلنا ، ولم يتوافر فيه شروط كونه شرعاً لنا ، وعليه : لا يجوز كسر عظامه ولاتحويلها ولو كان الميت ذمياً ، ولا ينبش وإن طال الزمان . وفي الجملة : تلتقي هذه الأقوال في ضرورة احترام الميت ، وتحرص على إبقائه في مكانه ، فهو الأصل ، ويجوز النقل عند الجمهور لضرورة أو مصلحة أو غرض صحيح ، ولا يجوز عند الحنفية مطلقاً ٤ - قال الشافعية(٢) : لا بأس بتطييب القبر، وقالوا أيضاً مع الحنابلة والحنفية : ويندب أن يرش القبر بماء ، ويسن وضع الجريد الأخضر والريحان ونحوه من الشيء الرطب على القبر حفظاً لترابه من الاندراس ، ولا يجوز للغير أخذه من على القبر قبل يبسه ؛ لأن صاحبه لم يعرض عنه إلا عند يبسه ، لزوال نفعه الذي كان فيه وقت رطوبته ، وهو الاستغفار . (١) رواه الخمسة وصححه الترمذي عن جابر (نيل الأوطار: ٤ / ١١٢). (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٦٤، المغني: ٢ / ٥٠٤، الدر المختار: ١ / ٨٣٨، كشاف القناع: ٢ / ١٩١. - ٥٣٠ - ودليلهم على رش الماء: (( أن رسول الله مطلع رش على قبر ابنه ابراهيم ووضع عليه حصباء(١))). وكذلك قال الحنفية(٢) : يكره قطع النبات الرطب والحشيش من المقبرة ، دون اليابس ؛ لأنه مادام رطباً يسبح الله تعالى ، فيؤنس الميت ، وتنزل بذكره الرحمة . ويندب وضع الجريد والآس ونحوهما على القبور. والدليل : ماورد في الحديث الصحيح من وضعه عليه الصلاة والسلام الجريدة الخضراء ، بعد شقها نصفين على القبرين اللذين يعذبان ، وتعليله بالتخفيف عنهما مالم ييبسا أي يخفف عنهما ببركة تسبيحهما ؛ إذ هو أكمل من تسبيح اليابس ، لما في الأخضر من نوع حياة . فكراهة قطع ذلك وإن نبت بنفسه ، لما فيه من تفويت حق الميت . ٥ - جمع أكثر من ميت في قبر واحد : اتفقت كلمة الفقهاء على أنه لا يجوز أن يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة(٣) قال جابر : دفن مع أبي رجل ، فلم تطب نفسي حتى أخرجتُه ، فجعلته في قبر على حدة (٤) ولأن النبي مح لا لم يدفن في كل قبر إلا واحداً . والضرورة : كأن كثر الأموات وعسر إفراد كل ميت بقبر ، أو لضيق المكان أو تعذر الحافر ، ولو كانوا ذكوراً وإناثاً أجانب . ويقدم حينئذ الأفضل كترتيبهم في الإمامة ، فيقدم الأحق بالإمامة إلى (١) رواه الشافعي ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٤). (٢) رد المحتار: ١ / ٨٤٦، مراقي الفلاح: ص ١٠٣ . (٣) مراقي الفلاح: ص ١٠٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٧، الشرح الكبير: ١ / ٤١٩، ٤٢٢ ، القوانين الفقهية: ص ٩٧ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٤، المغني: ٢ / ٥٦٢ - ٥٦٣، المجموع: ٥ / ٢٤٤ وما بعدها . (٤) رواه البخاري والنسائي ( نيل الأوطار: ٤ / ١١٢). - ٥٣١ - جدار القبر القبلي ، فيكون الرجل مما يلي القبلة ، والمرأة خلفه ، والصبي خلفهما ؛ لأنه مُقٍ كان يسأل في قتلى أحد عن أكثرهم قرآناً، فيقدمه إلى اللحد ، لكن لا يقدم فرع على أصله من جنسه ، وإن علا ، حتى يقدم الجد ولو من قبل الأم ، وكذا الجد ، فيقدم الأب على الابن وإن كان أفضل منه لحرمة الأبوة ، وتقدم الأم على البنت وإن كانت أفضل . ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب ، كما أمر النبي ◌ُ ◌ّ في بعض الغزوات . ولو بلي الميت وصار تراباً ، جاز دفن غيره في قبره ، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض . ولا ينبش قبر ميت باق . سابعاً - أحكام الدفن : ١ - كيفيته : للفقهاء آراء ثلاثة في كيفية إنزال الميت القبر(١) . فقال الحنفية: يُدخل الميت مما يلي القبلة إن أمكن كما أدخل النبي عَ ◌ٍّ، وهو أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر ، ويحمل الميت ، فيوضع في اللحد ، فيكون الآخذ له مستقبل القبلة لشرف القبلة ، وهذا إذا لم يُخْشَ على القبر أن ينهار ، وإلا فيسل من قبل رأسه أو رِجْليه . وقال المالكية : لا بأس أن يدخل الميت في قبره من أي ناحية كان ، والقبلة أولى . (١) اللباب: ١ / ١٣٤، مراقي الفلاح: ص ١٠١، الدر المختار: ١ / ٨٣٦، ٨٣٨، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٢، القوانين الفقهية: ص ٩٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٩، المهذب: ١ / ١٣٧، المغني: ٢ / ٤٩٦، ٤٩٩، ٥٠١ _ ٥٠٥، المجموع : ٥ / ٢٥٤ - ٢٦٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٣. - ٥٣٢ - وقال الشافعية والحنابلة : يستحب أن يدخل القبر من عند رجليه ، إن كان أسهل عليهم ، ثم يسل سلاً إلى القبر ، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي بِّ سُلَّ من قبل رأسه سلاً(١)، ولأن ذلك أسهل . وتحل عُقَد الأكفان من عند رأسه ورجليه ؛ لأن عقدها كان لخوف الانتشار، وقد أمن من ذلك بدفنه ، وقد روي أن النبي ◌ُّ لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر ، نزع الأخلّة(٢) بفيه ، وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب نحو ذلك . ويوجه الميت إلى القبلة على جنبه الأيمن . ويضع الرجل في قبره الرجال ، بدون تقدیر عدد معین ، وأولى الناس بدفنه أولاهم بالصلاة عليه من أقاربه ، والمرأة يُدخلها زوجها أو محرمها : وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها ، ولها السفر معه ، فإن لم يكن فالنساء فإن لم يكن فصالحو المؤمنين من الشيوخ القادرين على الدفن . وتمد يده اليمنى مع جسده ، قال المالكية : ويعدل رأسه ورجلاه بالتراب حتى يستوي ، وقال الشافعية : يستحب أن يوسد رأسه لبنة أو حجر أو نحوهما ، واتفقوا على أنه لا يفرش تحته شيء ، ويكره أن يجعل تحته فرش أو مضربة أو مخدة، أو ثوب، أو حصير، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (( إذا أنزلتوني في اللحد، فأفضوا بخدي إلى الأرض)) وعن أبي موسى: (( لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً)) وينصب اللبن على اللحد نصباً ، لما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: ((اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله عَ لّله، انصبوا عليَّ اللبن، وأهيلوا (١) رواه الشافعي في الأم والبيهقي بإسناد صحيح. (٢) الأخلة جمع خلال : وهو ما يخل أو يشبك به الثوب . - ٥٣٣ - علي التراب))(١)، ويكره الآجر (الطوب المحرق ) والخشب ، فلا يدخل القبر آجراً. ولاخشباً ولاشيئاً مسته النار (٢)، ولا بأس عند الحنفية والحنابلة بالقصب ثم يهال التراب عليه . ويستحب لكل من دنا على شفير القبر - كما بينا - أن يحثو ثلاث حثيات من التراب ؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب(٣). ويستحب كما بينا أن يقف جماعة على القبر بعد الدفن بساعة يدعون للميت بعد دفنه ، ويقرؤون بقدر ماینحر الجزور ويفرق لحمه ، لما روى عثمان رضي الله عنه قال: ((كان النبي صَ لّ إذا فرغ من دفن الميت، يقف عليه، وقال : ((استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل))(٤). ٢ - مكان الدفن والدفن في البحر : الدفن في المقبرة أفضل منه في غيرها ، لما يلحقه من دعاء الزوار والمارين(٥)، ولأنه ماتٍ كان يدفن أهله وأصحابه بالبقيع، ولا بأس بشرائه موضع قبره ، ويوصي بدفنه فيه ، كما فعل عثمان وعائشة . ولا يدفن كافر في مقبرة المسلمين ، ولامسلم في مقبرة الكفار(١). ولو ماتت ذمية ( يهودية أو نصرانية ) وهي حامل من مسلم ، ومات (١) رواه مسلم بلفظه إلا قوله: ((وأهيلوا علي التراب)). (٢) عللوا ذلك بأنه من بناء المترفين ، وأما مامسته النار فللتشاؤم بأنه من أهل النار . (٣) رواه البيهقي من حديث عامر بن ربيعة ، وإسناده ضعيف ، إلا أن له شاهداً رواه ابن ماجه عن أبي هريرة . (٤) رواه أبو داود والبيهقي بإسناد جيد (نيل الأوطار: ٤ / ٨٩). (٥) مغني المحتاج: ١ / ٣٦٢، كشاف القناع: ٢ / ١٦٧، المغني: ٢ / ٥٠٨. (٦) المجموع : ٥ / ٢٤٦ . - ٥٣٤ - جنينها في جوفها ، فالصحيح عند الشافعية ، والحنابلة(١) : أنها تدفن بين مقابر المسلمين والكفار، ويكون ظهرها إلى القبلة ؛ لأن وجه الجنين إلى ظهر أمه ، فتدفن منفردة ، لأن ولدها مسلم ، فيتأذى بعذابهم ، ولاتدفن في مقابر المسلمين ؛ لأنها كافرة . أما لومات إنسان في سفينة في البحر : فاتفق الفقهاء(٢) على أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ، وينتظر به الوصول إلى البر إن رجوا الوصول في يوم أو يومين ليدفنوه فيه ، مالم يخافوا عليه الفساد . فإن كان البر بعيداً أو خيف عليه التغير ، شدت عليه أكفانه ، ویوضع بتابوت عند الحنفية ، ويثقل بشيء كحجر ليرسب عند الحنابلة ، ولا يثقل عند المالكية ، ويلقى في الماء مستقبل القبلة على الشق الأيمن . وقال الشافعية : يجعل بين لوحين ويلقى في البحر، لأنه ربما وقع في ساحل فيدفن ، فإن كان أهل الساحل كفاراً ، ألقي في البحر . ورأي الجمهور أولى ؛ لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه ، والقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك ، وربما بقي على الساحل مهتوكاً عرياناً . ٣ - زمان الدفن : 5 الأفضل الدفن نهاراً، وفي غير الأوقات التي تكره صلاة النوافل فيها ، ويجوز ولا يكره الدفن ليلاً، وهو المختار عند الحنفية، والشافعية والحنابلة، وأجاز الشافعية الدفن في وقت كراهة الصلاة مالم يتحرَّه، فإن تحراه وتعمده كره(٣). (١) المجموع: ٥ / ٢٤٦، المغني: ٢ / ٥٦٣. (٢) الدر المختار ورد المحتار: ١ / ٨٣٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٩ ، القوانين الفقهية : ص ٩٦ ، المجموع: ٥ / ٢٤٧، المغني ٢ / ٥٠٠ . (٣) الدر المختار: ١ / ٨٤٧، المجموع: ٥ / ٢٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٣، المغني: ٢ / ٥٥٥ ومابعدها . - ٥٣٥ _ : ودليل جواز الدفن ليلاً: أن رسول الله عاقل دفن ليلاً، كما ذكر أحمد عن عائشة ، ودفن أبو بكر بالليل ، كما ذكر البخاري تعليقاً في باب الدفن بالليل(١) ، ودفن الصحابة إنساناً بالليل في حال حياة الرسول عليه السلام(٢). ٤ - ما يقال عند الدفن : يندب لواضع الميت في القبر أن يقول حين يضعه في قبره(٣): (( بسم الله ، وعلى ملة رسول الله عقله))، اتباعاً للسنة (٤)، وفي رواية ((سنة)) بدل ((ملة)). ويسن أن يزيد في الدعاء مايناسب الحال . روى ابن ماجه عن ابن عمر أنه كان يقول أثناء تسوية اللبن على اللحد: ((اللهم أجرها - أي الجنازة - من الشيطان ، ومن عذاب القبره اللهم جافِ الأرض عن جنبيها ، وصعد روحها ، ولقها منك رضواناً)) وروى ابن المنذر أن عمر كان إذا سوى على الميت قال : ((اللهم، أُسْلَمه إليك الأهل والمال والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له)). لله تعارف ٥ - التلقين بعد الدفن : يستحب عند الشافعية والحنابلة(6) تلقين الميت المكلف بعد الدفن ، ويقعد الملقن عند رأس القبر، فيقال له: ((ياعبد الله ابن أمة الله، اذكر ماخرجت عليه من دار الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة (١) راجع نيل الأوطار: ٤ / ٨٨ ، وقد وصل البخاري حديث دفن أبي بكر في آخر كتاب الجنائز في باب موت يوم الاثنين من حديث عائشة . (٢) رواه البخاري وابن ماجه عن ابن عباس ، قال البخاري : ودفن أبو بكر ليلاً وروى أبو داود عن جابر أن النبي دفن رجلاً ليلاً ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٨) . (٣) مراقي الفلاح: ص ١٠١، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٢، المغني: ٢ / ٥٠٠، الدر المختار: ١ / ٨٣٧. (٤) رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، وصححه ابن حبان والحاكم . (٥) مغني المحتاج: ١ / ٢٦٧، كشاف القناع: ٢ / ١٥٧ ، المغني : ٢ / ٥٠٦ . - ٥٣٦ - حق ، وأن النار حق ، وأن البعث حق ، وأن الساعة آتية لاريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد هن نبياً ، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخواناً)) لحديث ورد فيه(١). قال النووي في الروضة : والحديث وإن كان ضعيفاً ، لكنه اعتضد بشواهد من الأحاديث الصحيحة ، ولم تزل الناس على العمل به من العصر الأول في زمن من يقتدى به ، وقد قال تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة . والحق - في تقديري - مع القائلين بعدم سنية التلقين ، والظاهر أن المستحب لذلك هم الصحابة ، بدليل ماروي عن راشد بن سعد ، وضَهْرة بن حبيب ، وحكيم ابن عمير قالوا: ((إذا سوِّي على الميت قبره ، وانصرف الناس عنه، كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره : يافلان ، قل : لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، ثلاث مرات ، يافلان قل : ربيَ الله ، ودينيَ الإسلام ، ونبيّي محمد مَكُلِّ ، ثم ينصرف(٣) . وقد عرفنا أنه يندب عند الحنفية والمالكية تلقين المحتضر الشهادتين ولا يلقن بعد الدفن . 5 ٦ - ستر القبر : لاخلاف بين أهل العلم في استحباب ستر قبر المرأة بغطاء ؛ لأن المرأة عورة ، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء ، فيراه الحاضرون ، فإن كان الميت رجلاً كره ستره (١) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيتمي في (مجمع الزوائد: ٣ / ٤٣) وفي إسناده جماعة لم أعرفهم . وقال عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: وإسناده صالح ، وقد قواه الضياء في أحكامه ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٩ وما بعدها ) . (٢) رواه سعيد بن منصور في سننه ( نيل الأوطار: ٤ / ٨٩). - ٥٣٧ _ عند الحنابلة ، ولا يستر عند المالكية والحنفية إلا لعذر ، ودليل الستر للمرأة فعل عمر وعلي وغيرهما(١) . واستحب الشافعية ستر القبر مطلقاً عند إدخال الميت فيه ، وإن كان الميت رجلاً؛ لأنه محركاتإ ستر قبر سعد بن معاذ، ولأنه أستر لما عساه أن ينكشف مما كان يجب ستره ، وهو للأنثى آكد منه لغيرها(٢). ٧ - الدفن في تابوت أو صندوق : الدفن في التابوت ( أي السخلية : وهو أن يجعل في وعاء كالصندوق ) هو من سنة النصارى لدفن أمواتهم ، ويستعمل عندنا لحالة العذر فقط ، كما يبين من كلام فقهائنا (٣) . قال الحنفية : لابأس باتخاذ التابوت ولو من حجر أو حديد للميت عند الحاجة كرخاوة الأرض ، وكونها ندية ، أو لميت البحر ، أو للمرأة مطلقاً، ويسن أن يفرش فيه التراب . وقال المالكية : الأولى عدم الدفن في التابوت ، وإنما يندب سد اللحد بلبن ( طوب نيء ) ، فلوح خشب ، فقَرْمود ( طوب على صورة وجوه الخيل ) ، فآجر ( طوب محروق ) ، فتراب يلت بالماء ليتماسك . وقال الشافعية : يكره دفن الميت في تابوت إلا في أرض ندية أو رخوة ، أو كان في الميت تهرية بحريق ، أو لذع ، بحيث لا يضبطه إلا التابوت ، أو كانت امرأة لا محرم لها ، لئلا يمسها الأجانب عند الدفن أو غيره . (١) المغني: ٢ / ٥٠٠، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٣، الدر المختار: ١ / ٨٣٨. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٦٢ . (٣) الدر المختار: ١ / ٨٣٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٣، المهذب: ١ / ١٣٧، المغني : ٢ / ٥٠٣ . - ٥٣٨ - وقال الحنابلة : لا يستحب الدفن في تابوت؛ لأنه لم ينقل عن النبي يقتلٍ ولا أصحابه ، وفيه تشبه بأهل الدنيا ، والأرض أنشف لفضلاته . ثامناً - زيارة القبور : مذهب أهل السنة : أن الروح : هي النفس الناطقة المستعدة للبيان ، وفهم الخطاب ، ولاتفنى بفناء الجسد ، وأنه جوهر لاعرَض . وتجتمع أرواح الموتى ، فينزل الأعلى إلى الأدنى ، لاالعكس . ومذهب سلف الأمة وأئمتها : أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وتتصل أيضاً بالبدن أحياناً ، فيحصل له معها النعيم أو العذاب . وهناك لأهل السنة قول آخر : أن النعيم والعذاب يكون للبدن دون الروح . واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا ، وأن ذلك يعرض عليه ، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضاً، وبأنه يدري بما فعل عنده ، ويسر بما كان حسناً ، ويتألم بما كان قبيحاً . ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس . وهذا الوقت آكد ، وينتفع بالخير ، ويتأذى بالمنكر عنده(١). أما حكم زيارة القبور فللفقهاء فيه رأيان(٢) بالنسبة للنساء . أما الرجال فلاخلاف بين أهل العلم في إباحة زيارتهم القبور : (١) كشاف القناع : ٢ / ١٩٠ ومابعدها . (٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٤٣ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٠٣، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٣، شرح الرسالة: ١ / ٢٨٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٤ - ٣٦٥، المغني: ٢ / ٥٦٤، ٥٦٥، ٥٧٠، كشاف القناع: ٢ / ١٦٤، ١٧٣ وما بعدها . - ٥٣٩ - أ - رأي الحنفية: تندب زيارة القبور، للرجال والنساء على الأصح، لما روى ابن أبي شيبة أن رسول الله مَ الله ((كان يأتي قبور الشهداء بأحد ، على رأس كل حول ، فيقول: السلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار)) وقد كان رسول الله ◌ُ ◌ّه يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى، ويقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسأل الله لي ولكم العافية)) وقال عليه الصلاة والسلام: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ، فإنها تذكركم الموت)) (١) وفي لفظ ((فإنها تذكر الآخرة)). والأفضل أن تكون الزيارة يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس . والسنة زيارتها قائماً، والدعاء عندها قائماً، كما كان يفعل رسول الله مع المه في الخروج إلى البقيع . ويستحب للزائر أن يقرأ سورة (( يس)) لما ورد عن أنس أنه قال: قال رسول الله عَ التّ: (( من دخل المقابر فقرأ يس - أي وأهدى ثوابها للأموات - خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد مافيها حسنات)) (٢) وقال عليه السلام : ( اقرؤوا على موتاکم یس ))(٣) . ويقرأ أيضاً من القرآن ماتيسر له من الفاتحة، وأول البقرة إلى ((المفلحون)) وآية الكرسي ، وآمن الرسول ، وتبارك الملك ، وسورة التكاثر ، والإخلاص اثنتي عشرة مرة أو إحدى عشرة مرة، أو سبعاً أو ثلاثاً، ثم يقول: ((اللهم أوصل (١) رواه مسلم عن أبي بريدة، ورواه أيضاً أصحاب السنن إلا الترمذي بأسانيد صحيحة، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((زار رسول الله مخلّ قبر أمه ، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال : إني استأذنت ربي عز وجل أن أستغفر لها ، فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها ، فأذن لي ، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت )» . (٢) ذكره في البحر الرائق، ورواية الزيلعي: ((وكان له - أي للقارئ - بعدد من فيها من الأموات)) والظاهر أنه ضعيف . (٣) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن معقل بن يسار، وهو حديث حسن . - ٥٤٠ -