Indexed OCR Text
Pages 461-480
لأنا مأمورون بغسل الميت . لكن قال الحنفية : النية ليست لصحة الطهارة ، بل شرط لإسقاط الفرض عن المكلفين . ٣ - ما يستحب في الغاسل : يستحب أن يكون الغاسل ثقة أميناً عارفاً بأحكام الغسل، لقول ابن عمر: ((لا يغسل موتاكم إلا المأمونون))(١). وينبغي للغاسل ولمن حضر غض أبصارهم إلا من حاجة ، وأن يستر ما يطلع عليه من عيب يحب الميت أن يستره ولا يحدث به، لقوله جلّ: (( من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))(٢) وقوله: (( من غسَّل ميتاً ، فأدى فيه الأمانة ، ولم يُفْش عليه ما يكون منه عند ذلك ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وقال : ليله أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم ، فمن ترون عنده حظاً من ورع وأمانة))(٣) وقوله: (( من غسل ميتاً وكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة)) (٤)، وإن رأى الغاسل حسناً ، مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه والتبسم ونحو ذلك ، استحب إظهاره ، ليكثر الترحم عليه ، ويحصل الحث على مثل طريقته ، والتشبه بجميل سيرته . ويستحب أن يستر الميت عن العيون ؛ لأنه قد يكون في بدنه عيب كان يكته، كما أشرنا، لحديث ((اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم))(٥). ويستحب ألا يغسل تحت السماء ، ولا يحضره إلا من يعين في أمره مادام يغسل ، فيغسل في بيت . (١) ورواه ابن ماجه عن النبي عَّم أنه قال: ((ليغسل موتاكم المأمونون)). (٢) متفق عليه عن ابن عمر ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٥). (٣) رواه أحمد عن عائشة ، وفي إسناده جابر الجعفي وفيه كلام كثير ( المصدر السابق ). (٤) رواه الحاكم عن أبي رافع وهو صحيح . (٥) رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عمر، وهو صحيح . - ٤٦١ - ويستحب ألا يستعين بغيره إن كان فيه كفاية ، وإن احتاج إلى معين ، استعان بمن لابد له منه ، ويكره حضور غير المعين للغسل . ويستحب أن يكون بقربه مجمرة بخور ، حتى إن كانت له رائحة لم تظهر ولا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورة الميت ابن سبع فأكثر، لقوله مَ لّ لعلي: (( لا تنظر إلى فخذ حي أوميت))(١) ولا يجوز أن يمس عورته ؛ لأنه إذا لم يجز النظر ، فالمس أولى . ويستحب ألا ينظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد منه ، ويستحب ألا يمس سائر بدنه ؛ لأن علياً رضي الله عنه غسل النبي عَ ◌ّ وبيده خرقة يتبع بها ماتحت القميص . فالواجب استعمال خرقة أو نحوها حال غسل العورة ، والمندوب استعمالها لغسل سائر الجسد . والأفضل أن يغسل الميت مجاناً ، ويكره عند الحنابلة أخذ الأجرة على شيء من الغسل والتكفين والحمل والدفن . وأجاز الحنفية أخذ الأجر على تلك الأمور ، فالجمال والحفار كالغاسل ، إن وجد غيره ، وإلا بأن لم يوجد غيره فلا يجوز أخذ الأجرة لتعينه عليه ، أي لأنه صار واجباً عليه عيناً ، ولا يجوز أخذ الأجرة على الطاعة . وهذا رأي المتقدمين ، وأجاز المتأخرون أخذ الأجرة على الطاعات للضرورة . ويستحب عند الجمهور لمن غسل ميتاً أن يغتسل بعد فراغه من غسله ، لما روى أبو هريرة أن النبي ◌َ افّ قال: ((من غسل ميتاً فليغتسل))(٢). (١) رواه أبو داود بلفظ ((لاتبرز فخذك، ولاتنظر إلى فخذ حي أو ميت)). (٢) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان، وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة ( المجموع: ٥ / ١٤١ ) . - ٤٦٢ - ثالثاً - حالة المغسول(١): الأكمل وضع الميت بموضع خال عن الناس مستور على لوح ، والأفضل أن يكون تحت سقف ؛ لأنه أستر له . وإن كان الميت مقطوع الرأس ، أو كانت أعضاؤه مقطوعة ، لفق أو ربط بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر ، حتى لا يتبين تشويهه ، فإن سقط من الميت شيء كأسنانه غسل وجعل معه في الكفن . والمستحب أن يجلسه الغاسل إجلاساً رفيقاً مائلاً إلى ورائه ، واضعاً يمينه على كتفه ، وإبهامه في نقرة قفاه ، مسنداً ظهره إلى ركبته اليمنى ، ويمسح بطنه مسحاً بليغاً ليخرج مافيه ، وكلما أمرَّ اليد على البطن ، صب عليه ماء كثيراً ، حتى لا تظهر رائحة ماقد يخرج منه ، ثم يضجعه مستلقياً إلى قفاه . ويجب ستر عورة المغسول ، إلا من له دون سبع سنين ، فلابأس بغسله مجرداً ، كما ذكر الحنابلة ، ثم يجرد عند الجمهور من ثيابه ندباً ، لأنه أمكن في تغسيله ، وأبلغ في تطهيره ، وأشبه بغسل الحي ، وأصون له من التنجيس ، إذ يحتمل خروج النجاسة منه . ولو غسله في قميص خفيف واسع الكمين ، جاز. وقال الشافعية : لا يجرد وإنما يغسل ندباً في قميص ؛ لأنه أسترله، وقد غسل سائر في قميص(٢). رابعاً - شروط إيجاب الغسل : أما شروط إيجاب غسل الميت فهي ما يلي (٣): (١) الدر المختار: ١ / ٨٠٠ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٤٦ - ٥٤٨، المهذب: ١ / ١٢٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٣٢ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ١٠٣، ١١١، المغني: ٢ / ٤٥٧، ٥٣٩، بداية المجتهد: ١ / ٢٢٢ . (٢) رواه أبو داود وغيره پاسناد صحيح . (٣) الدر المختار: ١ / ٨٠٤، ٨٢٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٤٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٣ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٨ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٣٤، المغني: ٢ / ٥٢٢، ٥٣٩، كشاف القناع: ٢ / ١٢٦، ١٣٣. - ٤٦٣ - أ - أن يكون مسلماً : فلا يجب غسل الميت الكافر ، بل يحرم عند الجمهور ، وأجاز الشافعية غسله؛ لأن غسل الميت للنظافة، ولأن النبي معرفة ((أمر علياً، فغسل والده وكفنه))(١)، والأصح عند الشافعية وجوب تكفين الميت ودفنه . ٣ - أحكام السقط: أن يكون معلوم الحياة: فلا يصلى عند المالكية على مولود ولاسقط ( الولد الميت أو غير التام الأشهر ) إلا إن علمت حياته بارتضاع أو حركة أو استهلال (صراخ) ولو لحظة، لحديث: (( الطفل لا يصلى عليه ولا یرث ولا یورث حتی یستهل )»(٢). وقال الحنفية : يغسل المولود ويصلى عليه ويرث ويورث إن استهل : أي وجد منه ما يدل على حياته بعد خروج أكثره . وإن لم يستهل يغسل ويسمى عند أبي يوسف وهو الأصح ، فيفتى به على خلاف ظاهر الرواية ، إكراماً لبني آدم ، أي أنه إذا نزل حياً فهو كالكبير ، وإن لم يظهر منه صراخ ، فإن نزل ميتاً فيغسل إن كان تام الخَلْق ، ولا يغسل إن لم يكن تام الخلق ، بل ظهر بعض خلقه ، وإنما يصب عليه الماء ويلف في خرقة ويدفن ويسمى، لأنه يحشر يوم القيامة . وقال الشافعية : إن ظهرت أمارات الحياة كاختلاج غسل ، وصلي عليه في الأظهر لاحتمال الحياة وللاحتياط ، وإن لم تظهر عليه أمارات الحياة لم يصل عليه وإن بلغ أربعة أشهر في الأظهر ، لعدم ظهور حياته ، ولكن يجب غسله وتكفينه ودفنه ، في الحالة الأخيرة ، ولا يغسل على المذهب قبل أربعة أشهر . وقال الحنابلة : إذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر، غسل وصلي عليه . لحديث: ((والسقط يصلى عليه))(٣). (١) رواه أبو داود والنسائي. (٢) رواه الترمذي . (٣) رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ للترمذي: ((والطفل يصلى عليه)) وقال: هذا حديث حسن صحيح . - ٤٦٤ - والخلاصة : أن الفقهاء اتفقوا على وجوب غسل السقط إن خرج حياً واستهل ، ويصلى عليه . فإن لم تظهر عليه أمارات الحياة غسل وكفن ودفن مطلقاً عند الحنفية ، وعند الشافعية إن بلغ أربعة أشهر ، ولم يصل عليه . ويغسل ويصلى عليه عند الحنابلة إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر ، فالشافعية والحنابلة متفقون على عدم غسله قبل أربعة أشهر . ٣ - أن يوجد جسد الميت، أو أكثره عند الحنفية والمالكية، بأن وجد عند الحنفية أكثر البدن أو نصفه مع الرأس ، وإن وجد عند المالكية ثلثا بدنه ولو مع الرأس ، وإلا كان غسله مكروهاً. وقال الشافعية والحنابلة: إن لم يوجد إلا بعض الميت ولو كان قليلاً غسل وصلي عليه ، لفعل الصحابة . ٤ - ألا يكون شهيداً قتل في معركة لإعلاء كلمة الله: فالشهيد - كما سنفصل - لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ، ويدفن بثيابه وينزع عنه سلاحه عند الجمهور، وقال أبو حنيفة : لا يغسل ولكن يصلى عليه . والدليل على عدم الغسل قوله ◌ُ التّ في قتلى أحد: ((لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة ، ولم يصل عليهم ))(١). خامساً - هل يوضأ الميت ؟ اتفق أئمة المذاهب على أن الغاسل يوضئ الميت غير الصغير كالحي بعد إزالة مابه من نجس أو وسخ ، بالسدر أو الصابون ، وغسل سوأتيه بخرقة ، لكن بدون مضمضة واستنشاق عند الحنفية والحنابلة ، للحرج ، لأنه إذا دخل الماء في الفم والأنف ، فوصل إلى جوفه حرك النجاسة . وبها قليلاً عند المالكية والشافعية بأن يضع الغاسل الماء في فمه عند إمالة رأسه . فإن كان الميت جنباً أو حائضاً أو نفساء ، فُعلا اتفاقاً ، تتميماً للطهارة . (١) رواه أحمد . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣٠) - ٤٦٥ - وعلى هذا فيبدأ بالوضوء في غسل الميت ، لقول رسول الله تع للنساء اللاتي غسلن ابنته: ((ابدأن بيامنها ومواضع الوضوء منها))(١) وفي حديث أم عطية : («فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلاً نقياً بماء وسدر ، فوضئيها وضوء الصلاة ، ثم اغسليها ))(٢). سادساً - كيفية الغسل ومقداره ومندوباته : غسل الميت كغسل الجنابة الواجب فيه كونه مرة واحدة ، يعمم فيها الجسد ، بعد إزالة النجس ، بشرط كون الماء طهوراً ، فيوضع الميت على سرير ، وتستر عورته مابين سرته وركبته ، بعد تجريده عن ثيابه عند الجمهور ، وبقميص عند الشافعية ، وتغسل عورته بخرقة ملفوفة على يد الغاسل ، ثم یوضأ ، كما بينا . ثم يغسل الرأس ثم اللحية بسدر ( ورق النبق ) أو خِطْمي ، بأن يسحق ويضرب بماء قليل في إناء حتى تبدوله رغوة ، ثم يعرك به الموضع ، لإزالة الوسخ ، ثم يصب عليه الماء الطهور ، الذي هو شرط لصحة الغسل ، فإن لم يوجد سدر فيستعمل الصابون أو نحوه من أشنان ، أو غاسول يعرك به الموضع ، ثم يفاض عليه الماء للتنظيف . ويدخل أصبعه في فيه ، ويسوك بها أسنانه ، ولا يفتح فاه ، وينظف ماتحت أظفاره . ثم يغسل الشق الأيمن إلى القدم بعد إضجاعه على شقه الأيسر ، ثم الأيسر ، بالصابون ونحوه ، ثم يصب عليه الماء الخالص . فهذه هي الغسلة الأولى الواجبة . (١) متفق عليه . (٢) رواه الجماعة عن أم عطية ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٠). - ٤٦٦ - ويندب تكرار الغسل ثلاثاً ، فتزاد غسلة ثانية وثالثة ، ثم ينشف في ثوب ، ويجعل الحنوط ( وهو العطر المركب من الأشياء الطيبة غير زعفران وورس ) على رأسه ولحيته ، ويوضع الكافور على مواضع سجوده(١). سواء فيه المحرم بالحج أو العمرة وغيره عند الحنفية والمالكية ، فيطيب المحرم ويغطى رأسه عندهم ، لعموم الأمر بالغسل مطلقاً . وقال الشافعية والحنابلة : لا يغطى رأس المحرم إذا مات ، ولا يمس طيباً ، لحديث ابن عباس، قال: ((أُتي النبي ◌ُّالتّ برجل وقصته (رمته فكسرت عنقه ) راحلته ، فمات ، وهو محرم ، فقال : كفنوه في ثوبين ، واغسلوه بماء وسدر ، ولا تخمّروا رأسه ولا تقربوه طيباً ، فإنه يبعث يوم القيامة يلبي))(٢) فالمحرم الميت كالمحرم الحي لبقاء إحرامه عندهم . ويغسل بالماء البارد الخالص ، مع قليل كافور لغير المحرم عند الشافعية والحنابلة لأمره مع القيم(٣)، ولأنه يقوي البدن ويدفع الهوام، لكن قال الحنفية: يسخن الماء إن تيسر ؛ لأن أبلغ في التنظيف ، وقال الحنابلة : ولابأس بغسله في حمام، بماء حار، إن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به ، فإن لم تكن حاجة كره . ويكون الغسل وتراً، لحديث ((إن الله وتر يحب الوتر)) (٤) من غير إعادة وضوء ، فإن لم ينق الميت بالثلاث الغسلات ، غسل إلى سبع ، فإن لم ينق بسبع (١) وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان. (٢) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٠). (٣) وهو ((واجعلن في الأخيرة كافوراً)) متفق عليه من حديث أم عطية ، أي في الغسلة الأخيرة . (٤) رواه ابن نصر عن أبي هريرة وعن ابن عمر، ورواه الترمذي عن علي وابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ ((إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فأوتروا ياأهل القرآن)). - ٤٦٧ - غسلات، فالأولى غسله حتى ينقى، لقوله مخالفة: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ))(١). هل يسرح شعر الميت ويؤخذ ظفره وشعره (٢)؟ قال الحنفية والمالكية : لا يسرح ولا يحلق شعره ولا يقص ظفره إلا المكسور ، ولاشعره من رأسه ولحيته ، ولا يختن ، إذ لاحاجة إليه ، لأنه للزينة وقد استغني عنها ، فهذا مكروه ، والكراهة عند الحنفية تحريمية . فلو قطع ظفره أو شعره ، أدرج معه في الكفن . وهذا هو الرأي الأولى ؛ لأن الميت يحتاج للستر بكل ماله وماعليه . وقال الشافعية في الجديد : يسرح شعر رأسه ولحيته بمشط واسع الأسنان برفق ، ويرد المنتف إليه . والأظهر كراهة أخذ شعر رأسه ، وظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه ؛ لأن أجزاء الميت محترمة ، ولم يثبت فيه شيء فهو محدث ، وصح النهي عن محدثات الأمور، ولا يختن الميت إذا كان أقلف . وقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد : ويقص شارب غير مَحْرم ، ويقلم أظفاره إن طالا ، ويؤخذ شعر إبطيه ؛ لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو ، فأشبه إزالة الأوساخ والأدران ، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة ، ويجعل ماأخذ من الشارب والأظفار وشعر الإبطين مع الميت ، كعضو ساقط ، لما روى أحمد من حديث أم عطية قالت: (( تغسل رأس الميتة ، فماسقط من شعرها في أيديهم ، غسلوه ، ثم ردوه في رأسها)). ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي ، ففي حق الميت أولى . ويعاد غسل ماأخذ من الميت من شعر وظفر ، (١) رواه الجماعة من حديث أم عطية (نيل الأوطار: ٤ / ٣٠). (٢) الدر المختار: ١ / ٨٠٣، مراقي الفلاح: ص ٩٦، القوانين الفقهية: ص ٩٣ ، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٨ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٣٣، ٣٣٦، المغني: ٢ / ٥٤١ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ١١٠. - ٤٦٨ - لقول أم عطية: ((غسلوه ثم ردوه )) ، ولأنه جزء من الميت كعضو من أعضائه . أما المرأة فالمعتمد عن المالكية والحنفية وباقي المذاهب : أنه يندب ضَفْر شعرها . استعمال القطن : قال الحنفية : ليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة ، لكن قال الزيلعي وصاحب الدر المختار : لابأس بأن يجعل القطن على وجه الميت وأن يحشى به مخارقه كالدبر والقبل والأذنين والأنف والفم . وكذلك قال فقهاء المذاهب الأخرى : لابأس أن يحشى بقطن مخرجه وغيره ، حتى لا يخرج منه شيء من نجاسة أودم ، ويجعل على رأسه قطن عند الحنابلة . خلاصة مندوبات الغسل : يندب في غسل الميت ما يأتي : أ - أن يوضأ كوضوء الحي في أول الغسلات ، بعد إزالة ما عليه من نجاسة أو وسخ بالسدر أو الصابون . ٣ - ستر العورة لأحد الزوجين بغسل صاحبه ، أي إذا غسل أحدهما الآخر . ٣° - تجريد الميت من ثيابه بعد ستر عورته ، عند الجمهور، وعند الشافعي يغسل بقميص، ونحوه . ويسن ستر الميت حالة الغسل عن العيون ، منعاً من الاطلاع على عورته أو عيب فيه ، ويكره النظر إلى الميت ولو من غاسل ، لغير حاجة ، لأن جميعه صار عورة إكراماً له . ٤ - استعمال السدر أو الصابون في الغسلات ، والكافور في الغسلة الأخيرة ، وعند الشافعية : أن يجعل في كل غسلة قليل كافور ، وذلك إن تيسر وإلا فماء. خالص بارد ، أو ساخن عند الحاجة . - ٤٦٩ - ه - إيتار الغسل: أي جعله وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولا يتكرر الوضوء بتكرر الغسل ، ويستحب كون الغسل ثلاثاً ، والواجب فيه مرة واحدة . وإن خرج من الميت شيء من أحد السبيلين أو غيرهما بعد الغسلات الثلاث أعيد وضوءه وغسله عند الحنابلة ، ويكتفى بإزالة النجس عند غيرهم . ٦ - عصر بطنه حال الغسل برفق، لإخراج مافي بطنه من النجاسة . ٧ - كثرة صب الماء في حال غسل مخرجيه لإزالة النجاسة ، وتقليل العفونة ؛ لأن الشأن في الأموات كثرة ذلك ، ثم ينشف لئلا تبتل الأكفان . ٨ - لف خرقة كثيفة على يد الغاسل حال غسل العورة من تحت السرة ، ويستحب للغاسل ألا يمس سائر بدن الميت إلا بخرقة . ٩ - تعهد أسنانه وأنفه بخرقة نظيفة عند المضمضة والاستنشاق في رأي المالكية والشافعية ، وكذلك عند الحنابلة : تنظف أسنانه ومنخراه بخرقة مبلولة ، دون أن يدخل الماء في الفم والأنف . وينظف ماتحت أظفاره أيضاً . .١ - إمالة رأسه برفق للتمكن من غسل الفم والأنف في حال المضمضة والاستنشاق ، لئلا يدخل الماء في جوفه . وندب تنشيق الميت بخرقة طاهرة قبل التكفين . ١١ - عدم حضور غير مساعد أو معين للغاسل . ١٢ - التيامن في الغسل: بأن يغسل الشق الأيمن ثم الأيسر، ثم يحرّفه الغاسل إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن من القفا والظهر إلى القدم ، ثم يفعل كذلك بشقه الأيمن . ويصب عليه الماء عند كل إضجاع ثلاث مرات ، أو أكثر حسب الحاجة ، كما بينا . - ٤٧٠ - ١٣° - يستحب عند الحنابلة خضب لحية رجل ورأس امرأة ، ولو غير شائبين بجناء، لقول أنس: ((اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم)). ١٤ - يجعل الحنوط ( العطر المركب من الأشياء الطيبة ) على رأسه ولحيته ، والكافور على مساجده ( مواضع سجوده وهو الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان ) كرامة لها ، سواء فيه عند المالكية والحنفية المحرم وغيره ، فيطيب ويغطى رأسه . ويبخر ( يجمر) سريره وتراً ، إخفاء لكريه الرائحة ، وتعظيماً للميت . الفرض الثاني - تكفين الميت : حكمه والملزم بالكفن ، ومقدار الكفن وصفته وكيفيته ، وما يندب فيه(١). أولاً - حكم التكفين والملزم بالكفن : تكفين الميت فرض كفاية على جماعة المسلمين، لقوله مع الله في المحرم (( كفنوه في ثوبیه » (٢) . ونفقات التكفين ومؤنة التجهيز من حمل للمقبرة ودفن ونحوه : من تركة الميت أي ماله الخاص الذي لم يتعلق به حق الغير كالمرهون ، ويقدم على الدين والوصية ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته في حال الحياة ، وعلى الزوج تكفين زوجته عند الحنفية ، والشافعية في الأصح ؛ لأنها في نفقته في الحياة ، أما عند المالكية والحنابلة فلا يلزم الزوج كفن امرأته ولامؤنة تجهيزها ؛ لأن النفقة (١) اللباب: ١ / ١٣٠ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص ٩٧، فتح القدير: ١ / ٤٥٢ - ٤٥٥، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٠٦ - ٨١٠، القوانين الفقهية: ص ٩٣، الشرح الصغير: ١ / ٥٥١ ومابعدها، بداية المجتهد : ٢٢٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٣٦ - ٣٤٠، المهذب: ١ / ١٢٩ - ١٣١، المغني: ٢ / ٤٦٤ - ٤٧٢، ٥٣٧، كشاف القناع: ٢ / ١١٨ - ١٢٦ . (٢) رواه الجماعة عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٠). - ٤٧١ - والكسوة وجبا في حالة الزواج للتمكين من الاستمتاع ، بدليل سقوطها بالنشوز والبينونة ، وقد انقطع ذلك بالموت ، فأشبهت غير الزوجة ( الأجنبية ) . ولاشك أن المقبول هو الرأي الأول إذ لا يعقل التفريق في هذا بين الموت والحياة ، وأما سقوط النفقة بالنشوز ونحوه فلحملها على العودة لبيت الزوجية . فإن لم يوجد أحد تلزمه نفقة الميت ، فنفقة تكفينه وتجهيزه من بيت المال إن وجد ، وإلا فعلى جماعة المسلمين المستطيعين . ثانياً - صفة الكفن ومقداره وكيفيته : يكفن الميت بعد غسله بما يحل له لبسه في حال الحياة(١) فيكفن في الجائز من اللباس ، ولا يكفن الرجل بالحرير ، وتكفن المرأة به عند الجمهور، ولاتكفن به عند الحنابلة . ويشترط في الكفن ألا يصف البشرة ؛ لأن ما يصفها غير ساتر ، فوجوده كعدمه . ويجب أن يكون الكفن طاهراً ، فلا يجوز تكفينه بالمتنجس مع القدرة على الطاهر . 8 ويجب أن يكفن الميت عند الحنابلة ، وندباً عند المالكية والحنفية في ملبوس مثله في الجمع والأعياد مالم يوص بدونه فتتبع وصيته ، لأمر الشارع بتحسينه . قال رسول الله مَالقلم: ((إذا كفن أحدكم أخاه، فليُحْسن كفنه))(٢) وتحسين الكفن واجب عند الحنابلة ، مستحب عند غيرهم . وأقل الكفن : ثوب واحد يستر جميع البدن ، إلا رأس المحرم عند الشافعية والحنابلة ، ولاتُنفَّذ وصيته بإسقاطه . وأكثره سبع . والأفضل للرجل ثلاثة ، (١) مغني المحتاج: ١ / ٣٣٦. (٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر، ورواه ابن ماجه والترمذي عن أبي قتادة بلفظ: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه » . - ٤٧٢ - وللمرأة خمسة. أما الرجل فلقول عائشة رضي الله عنها: ((كُفِّن رسول الله عَل في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية(١) جُدَد يمانية، ليس فيها قميص ولاعمامة، أُدرج فيها إدراجاً ))(٢) . وأما المرأة : فلزيادة الستر في حقها ، ولحديث ليلى الثقفية الآتي . وللفقهاء تفصيلات في ذلك : قال الحنفية : الكفن ثلاثة أنواع : كفن الضرورة ، وكفن الكفاية ، وكفن السنة ، وكل منها إما للرجل أو للمرأة ، فأقل ما يكفن فيه الرجل عادة ثوبان ، والسنة فيه ثلاثة أثواب ، وأقل ماتكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب ، والسنة خمسة أثواب . ١ - كفن الضرورة للرجل والمرأة: هو مقدار ما يوجد حال الضرورة أو العجز ، أما الذي يسقط به الفرض عن المكلفين فهو أقل الكفن ، وأقله مايعم البدن ؛ لأن مصعب بن عمير رضي الله عنه حين استشهد ، كفن في ثوب واحد(٣). ٢ - كفن الكفاية : وهو أدنى ما يلبس حال الحياة ، وكفنه : كسوته بعد الوفاة . وهو ثوبان للرجل : إزار ولفافة ، في الأصح ، وللمرأة : ثوبان وخمار ، ويكره أقل من ذلك . أما الرجل : فلقول أبي بكر حين حضره الموت : « کفنوني في ثوبيّ هذين (١) نسبة إلى سحول : قرية بالين . (٢) رواه الجماعة عن عائشة ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٦) . (٣) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن خبّاب بن الأرت ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٣). - ٤٧٣ - اللذين كنت أصلي فيها ، واغسلوهما، فإنها للمُهْل والتراب)) (١) ، ولأنه أدنى لباس الأحياء . والإزار : خلاف إزار الحي من الفَرْق ( أعلى الرأس ) إلى القدم ، واللّفافة مثله : من القَرْن ( الخُصلة من الشعر ) إلى القدم أي من الرأس إلى القدم . وقال ابن الهمام : أنا لاأعلم وجه مخالفة إزار الميت إزار الحي من السنة . وأما المرأة : فلسترها بالخمار : وهو غطاء الوجه والرأس . ٣ - وكفن السنة: هو أكمل الأكفان ، وهو للرجل : ثلاثة أثواب: إزار، وقميص ، ولِفافة . والقميص : من أصل العُنُق إلى القدمين بلا دِخْرِيص ( مايضاف لتوسعة القميص من الجانبين ) ولاكمين . وللمرأة خمسة أثواب : إزار، وقميص (درع)، وخمار، وخِرْقة يُربط بها ثَدْياها ، وعرضها من الثدي إلى السرة ، ولفافة . أما الرجل : فلحديث ابن عباس ؛ أن رسول الله مواقعٍ كُفِّن في ثلاثة أثواب : قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية ، الحلة: ثوبان))(٢) وهذا دليل للحنفية والمالكية الذين قالوا باستحباب القميص . وذهب الجمهور إلى أنه غير مستحب، لحديث عائشة السابق: (( ليس فيها قميص ولاعمامة )). وتكره العِمَامة للميت عند الحنفية في الأصح ، وهي ما يلف على الرأس ، لحديث عائشة المذكور . واستحسنها المتأخرون للعلماء والأشراف . ولا بأس بالزيادة على الثلاثة ، إلى خمسة . (١) رواه ابن سعد في الطبقات ، وذكره محمد بن الحسن في الآثار بلاغاً. والمهل: القيح والصديد ( نصب الراية : ٢ / ٢٦٣) ورواه البخاري بمعناه . (٢) رواه أحمد وأبو داود، وفي سنده يزيد بن أبي زياد، وهو مجمع على ضعفه ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٦). - ٤٧٤ _ وأما المرأة : فلحديث ليلى بنت قانِف الثقفية ، المتضمن تكفين أم كُلْثوم بنت الرسول ◌َ ◌ّ عند وفاتها بخمسة أثواب(١). ويكره التكفين للرجال بالحرير والمعصفر والمزعفر ونحوها إلا إذا لم يوجد غيرها ، ويجوز ذلك للنساء . وكيفية التكفين : أن يبسط للرجل اللفافة أولاً ، ثم يبسط عليها الإزار ، ثم يقمص ، ثم يطوى الإزار عليه ، ويبتدأ بالجانب الأيسر ، فيلقى عليه ، ثم بالأيمن ليكون على الأيسر ، كما في حالة الحياة ، ثم اللفافة . وأما المرأة : فتبسط لها اللفافة والإزار ، ثم توضع على الإزار وتلبس القميص ، ويجعل شعرها ضغيرتين على صدرها فوق القميص ، ثم يجعل الخمار فوق الشعر ، تحت اللفافة ، ثم يطوى الإزار واللفافة ، ثم تربط الخرقة فوق الأكفان ، وفوق القدمين . وقال المالكية : أقله ثوب واحد، وأكثره سبع ؟ ويستحب الوتر في الكفن ، فالثلاثة أفضل من الاثنين ، ومن الأربعة، والواجب من الكفن للذكر ما يستر العورة ، والباقي سنة ، ومازاد عن ذلك مندوب . وأما المرأة فيجب ستر جميع بدنها . والأفضل في مشهور المذهب أن يكفن الرجل بخمسة أثواب : إزار ( من سرته لركبته ) وقميص له أكمام ، وعمامة ، ولفافتان ؛ لأن المقصود بحديث عائشة : هو الإباحة لا التقدير . والأفضل أن تكفن المرأة بسبعة أثواب : بزيادة لفافتين ، فتكون اللفائف (١) رواه أحمد وأبو داود، وفي بعض رجاله كلام عند البعض (نصب الراية: ٢ / ٢٦٣، نيل الأوطار: ٤ / ٣٩ ) . - ٤٧٥ - أربعة ؛ لأن المقصود من حديث ليلى الثقفية بيان الإباحة لا التقدير ، كما في الرجل . وندب خمار(١) يلف على رأس المرأة ووجهها ، بدل العمامة للرجل . وندب عَذَبة قدر ذراع تجعل على وجه الرجل . ويكره التكفين بالحرير والخز والنجس إن وجد غيره ، وإلا فلايكره . وقال الشافعية : أقل الكفن ثوب ساتر للعورة ، وهي في الرجل : مابين السرة والركبة ، وفي المرأة : غير الوجه والكفين . أما بالنسبة لحق الميت ، فيجب ثوب يعم به جميع البدن ، إلا رأس المحرم ، ووجه المحرمة ، تكريماً له ، وستراً لما يعرض له من التغير . ويحرم تكفين الرجل بالحرير والمزعفر إذا وجد غيرهما ، ويجوز مع الكراهة تكفين المرأة بها . والأفضل للرجل ثلاث لفائف عملاً بحديث عائشة المتقدم ، وكما قال الحنفية ، والأفضل ألا يكون فيه قميص ولاعمامة ، لحديث عائشة المذكور ، ويجوز بلاكراهة رابع وخامس بزيادة قميص وعمامة تحتهن ؛ لأن ابن عمر كفن ابناً له في خمسة أثواب : قميص وعمامة ، وثلاث لفائف (٢). والأفضل للمرأة والخنثى خمس لفائف: إزار ، ثم قميص ، ثم خمار ، ثم الفافتان ، لزيادة الستر في حقها ، وتكره الزيادة على ذلك . وكيفية التكفين : أن يبسط أحسن اللفائف وأوسعها ، وتوضع الثانية فوقها ، وكذا الثالثة ، (١) سمي خماراً لتخمير الرأس والعنق ، أي تغطيتها به . (٢) رواه البيهقي . - ٤٧٦ - ويوضع على كل واحدة حنوظ وكافور(١) ، ويوضع الميت فوقها مستلقياً ، وعليه حنوط وكافور ، ويُشد ألياه ، ويجعل على منافذ بطنه قطن ، ويلف عليه اللفائف وتشد ، فإذا وضع في قبره نزعت الأربطة ولا يلبس المحرم الذكر مخيطاً ، ولا يستر رأسه ولاوجه المحرمة . وقال الحنابلة : الكفن الواجب : ثوب يستر جميع بدن الميت ، رجلاً أو امرأة . والأفضل - كما قال الشافعية - أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض ، يدرج فيها إدراجاً ، ويجعل الحنوط ( الطيب ) فيما بينها ، وليس فيها قميص ولاعمامة ، لا يزاد عليها ، ولا ينقص ، لحديث عائشة السابق . ويجوز التكفين في ثوبين، لقول النبي ◌ُ ◌ّ في المحرم الذي وقصته دابته: ((اغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبين)) (٢). وتكره الزيادة على الثلاث ، لما فيه من إضاعة المال المنهي عنه . والمحرم بناء على هذا الحديث يغسل بماء وسدر ، ولا يقرب طيباً ، ويكفن في ثوبيه ، ولا يغطى رأسه ولا رجلاه . ويكفن الصبي في خرقة ، وإن كفن في ثلاثة فلابأس . فإن لم يجد الرجل ثوباً يستر جميعه ، ستر رأسه ، وجعل على رجليه حشيشاً أو ورقاً . والأفضل أن تكفن المرأة في خمسة أثواب : قميص ، ومئزر ، ولفافة ، وقناع ( أي خمار للرأس والوجه ) ، وخامسة تشد بها فخذاها ، لحديث ليلى الثقفية ، ولما روت أم عطية أن النبي ◌َّ ناولها إزاراً، ودرعاً (قميصاً) وخماراً، وثوبین . وكيفية التكفين : كما تقدم عند الشافعية ، علماً بأن الخمار يجعل على الرأس (١) هو أيضاً نوع من الطيب ، فهو من عطف الجزء على الكل ، ولأنه يستحب الإكثار منه. (٢) رواه البخاري . - ٤٧٧ - والإزار في الوسط، «التص يلبس، وتبخر الأكفان، ولا يوضع شيء من الحنوط على ظهر اللفافة العليا ، لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة ذلك ، ولا يوضع الحنوط أيضاً على الثوب الذي يجعل على النعش ؛ لأنه ليس من الكفن ، ويوضع الطيب على مواضع سجوده كجبهته وأنفه وركبتيه وأطراف قدميه ، تشريفاً لها ، لكونها مختصة بالسجود ، وعلى مغابنه كطي ركبتيه ، وتحت إبطيه ، وكذا سرته ؛ لأن ابن عمر كان يُتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك. ويطيب رأسه ولحيته ، ويكره أن يطيب داخل عينيه ؛ لأنه يفسدهما . ويرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن ، ثم يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر ؛ لأنه عادة لبس الحي في قباء ورداء ونحوهما . ثم ترد اللفافة الثانية والثالثة كذلك ، ويجعل ماعند رأس الميت من فاضل الكفن أكثر مما عند رجليه لشرفه ، ولأنه أحق بالستر. ويجعل الفاضل عن وجهه ورجليه عليها ، ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر، ثم تعقد اللفائف إن خف انتشارها ، ثم تحل العُقَد في القبر؛ لقول ابن مسعود: (( إذا أدخلتم الميت اللحد ، فحلوا العقد ))(١) . وإن كفن الميت في قميص كقميص الحي بكمين ودخاريص ، وفي إزار ولفافة، جاز من غير كراهة؛ لأنه مَ افلام (( ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات ))(٢) ، ولا يزرُّ القميص على الميت، لعدم الحاجة. ويحرم التكفين للرجل والمرأة بحرير ومنسوج بذهب أو فضة إلا عند الضرورة ، بأن لم يوجد غيره ، والتحريم للمرأة لأنه إنما أبيح لها في حال الحياة ، لأنه محل الزينة والشهوة ، وقد زال ذلك بموتها . (١) رواه الأثرم . (٢) رواه البخاري . - ٤٧٨ - A ثالثاً - مايندب في الأكفان : يندب ما يأتي ، مع ماذكر من صفة الكفن ومقداره في البحث السابق : اً - بياض الكفن من كتان، أو قطن وهو أولى، لقوله ◌َ لّ: (( البَسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم ))(١) . اً - تجمير الكفن ( أي تبخيره بالعود ونحوه ) وتراً: أي ثلاثاً، لقوله الفم: ((إذا أجمرتم الميت - أي بخرتموه - فأجمروه ثلاثاً))(٢). إلا المحرم فلا يُطيّب عند الشافعية والحنابلة، لقوله ◌َ التّ في الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة: ((اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبيه ، ولاتحنِّطوه ، ولا تجمروا رأسه ، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبياً))(٣). وخالف المالكية والحنفية في ذلك ، وقالوا : إن قصة هذا الرجل واقعة عين لاعموم لها ، فتختص به . واعتذر الداودي عن مالك فقال: إنه لم يبلغه الحديث . وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة كونه في النسك ، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن كل ماثبت لواحد في زمن النبي عَ ◌ّ ثبت لغيره ، حتى يثبت التخصيص . ويندب أيضاً وضع الحنوط ( الطيب ) من كافور أو غيره داخل كل لفافة من الكفن ، ويجعل على قطن يلصق بمنافذه ( عينيه وأنفه وفمه وأذنيه ومخرجه ) ويجعل أيضاً على مساجده ( جبهته وكفيه وركبتيه وأصابع رجليه ) ومغابنه ( إبطيه وباطن ركبتيه ومنخره وخلف أذنيه ) . (١) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة) إلا النسائي وصححه الترمذي عن ابن عباس ، ورواه أيضاً الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن القطان ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٨). (٢) رواه أحمد والبيهقي والبزار، قيل: ورجاله رجال الصحيح ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٠). (٣) رواه الجماعة عن ابن عباس ( المصدر السابق ) . - ٤٧٩ - اً - الزيادة على الكفن الواحد: فالاثنان أفضل من الواحد ، وإن كان وتراً ، تكريماً وستراً للميت . ٤ - كون الكفن وتراً : فالثلاثة أفضل من الاثنين ومن الأربعة . ٥ - تحسين الكفن من غير مغالاة، لقوله عَ لّ: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (١) وتحسين الكفن عند المالكية والحنفية بأن يكون ندباً ، بثياب كالثياب الشرعية التي يلبسها في الجمعة ، لحصول البركة بثياب مشاهد الخير . وعند الحنابلة : يجب أن يكفن في ملبوس مثله في الجمع والأعياد ، الأمر الشارع بتحسينه . وعند الشافعية : المستحب أن يبسط أحسن الأكفان وأوسعها ، لأن المراد بإحسان الكفن: بياضه ونظافته وسبوغه وكثافته ، لا ارتفاعه ، إذ تكره المبالغة فيه للنهي عنه ، فيكون المغسول أفضل من الجديد ؛ لأن مآله للبلا ، والقطن أفضل من غيره ؛ لأن کفنه متّ كان كذلك . واتفق الكل على عدم المغالاة في الكفن، لقوله معدلاتالٍ: ((لا تغالوا في الكفن ، فإنه يسلب سلباً سريعاً))(٢) . الفرض الثالث - الصلاة على الميت : حكمها ، من الأولى بها ، حالة اجتماع الجنائز ، أركانها ، مكان وقوف الإمام من الجنازة ، حالة المسبوق ، شروطها ، كيفيتها وسننها ، وقتها ، الصلاة على الميت بعد الدفن ، الصلاة على الغائب ، الصلاة على الميت في المسجد والمقبرة ، الصلاة على المولود . (١) رواه ابن ماجه والترمذي، وسبق ذكر رواية أخرى عن جابر عند أحمد ومسلم والترمذي ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٤ وما بعدها ) . (٢) رواه أبو داود عن علي ، وهو حديث حسن . - ٤٨٠ -