Indexed OCR Text
Pages 401-420
◌ّالتّ ركعتين في سجدة ، ثم قام فركع ركعتين في سجدة ، ثم جُلِي عن الشمس ، قالت عائشة : ماركعت ركوعاً قط ، ولاسجدت سجوداً قط ، كان أطول منه ))(١) . وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (( خَسَفَت الشمس على عهد رسول الله عَافّ ، فبعث منادياً: الصلاة جامعةً ، فقام فصلى أربع رَكَعات في ركعتين ، وأربع سَجّدات))(٢) . وهذان الحديثان ونحوهما ثابتة في الصحيحين ، فهي أشهر وأصح ، فقدمت على بقية الروايات . قال ابن عبد البر : هذان الحديثان من أصح ماروي في هذا الباب . ودليلهم على إطالة القراءة والركوع والقيام : حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((خَسَفت الشمس، فصلى رسول الله عَ لّ، فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة ، ثم ركع ركوعاً طويلاً ، ثم رفع فقام قياماً طويلاً ، وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعاً طويلاً ، وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ، ثم قام قياماً طويلاً ، وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعاً طويلاً ، وهو دون الركوع ٦ الأول ، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً ، وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ، ثم انصرف ، وقد تجلّت الشمس ... الخ))(٣) . ودليلهم على تطويل السجود: حديث ثبت في الصحيحين في صلاته مَ ◌ّه لکسوف الشمس من حديث أبي موسى . (١) المراد بالسجدة هنا : الركعة بتمامها ، وبالركعتين : الركوعان ، كما في رواية عائشة وابن عباس ، والحديث متفق عليه ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٢٥). (٢) حديث متفق عليه ( المصدر السابق ) . (٣) متفق عليه ( المصدر نفسه ) . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٦) - ٤٠١ - ب - الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف : للفقهاء آراء ثلاث في الجهر بالقراءة أو الإخفات والإسرار في صلاتي الكسوف والخسوف : فقال أبو حنيفة (١) : يخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف ، لحديث ابن عباس وسمرة رضي الله عنهما، أما حديث الأول فقال: ((صليت مع النبي مد لول الكسوف فلم أسمع منه حرفاً من القراءة ))(٢)، وأما حديث سمرة فقال: ((صلى بنا رسول الله عَ اقل في كسوف، لا يسمع له صوتاً))(٣)، والأصل في صلاة النهار الإخفاء . وأما صلاة الخسوف فتصلى فرادى سراً . وقال الصاحبان: يجهر الإمام في صلاة الكسوف ، لحديث عائشة: أنه عُّ التّ .(٤) جهر فيها (٤) . وقال المالكية والشافعية(٥) : يسر الإمام في صلاة الكسوف ، لحديثي ابن عباس وسمرة المتقدمين ، ولأنها صلاة نهارية ، كما قال الحنفية ، ويجهر في صلاة خسوف القمر؛ لأنها صلاة ليل أو ملحقة بها، وقد جهر النبي عَ ل في صلاة الخسوف بقراءته ، في حديث عائشة المذكور . (١) فتح القدير: ١ / ٤٣٣ - ٤٣٦، البدائع: ١ / ٢٨١ - ٢٨٢، الدر المختار: ١ / ٧٨٩، اللباب: ١ / ١٢١ ، مراقي الفلاح : ص ٩٢ . (٢) رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديها ، والبيهقي والطبراني وأبو نعيم في الحلية ، وفيه ابن لهيعة ( نصب الراية: ٢ / ٢٣٣ ) . (٣) أخرجه أصحاب السنن الأربعة ، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح ( نصب الراية : ٢ / ٢٣٤). (٤) رواه البخاري ومسلم ، وللبخاري مثله من حديث أسماء بنت أبي بكر، ورواه أبو داود والترمذي وابن حبان ( نصب الراية: ٢ / ٢٣٢، نيل الأوطار: ٣ / ٣٣١). (٥) بداية المجتهد: ١ / ٢٠٤، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٤، ٥٣٦، القوانين الفقهية: ص ٨٨ ، مغني المحتاج : ١ / ٣١٨، المهذب ١/ ١٢٢. - ٤٠٢ - ٠ وقال الحنابلة (١): يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف، لقول عائشة: ((إن النبي ◌ُ ◌ّ جهر في صلاة الخسوف بقراءته ، فصلى أربع ركعات في ركعتين ، أربع سجدات))(٢) وفي لفظ: ((صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها))(٣). والخلاصة : أن الإسرار في صلاة الكسوف مذهب الجمهور، ولكني أرجح مذهب الحنابلة والصاحبين في الجهر بصلاة الكسوف والخسوف ، قال الشوكاني : لجهر أولى من الإسرار ، لأنه زيادة . جـ ـ وقت صلاة الكسوف والخسوف : تصلى هذه الصلاة وقت حدوث الكسوف والخسوف . وهل تصلى في لأوقات المنهي عن الصلاة فيها ؟ الجمهور : لاتصلى فيها ؛ لأن تلك الأوقات تختص بجميع أجناس الصلاة ، والشافعية : تصلى فيها ؛ لأن تلك الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات خمسة تختص بالنوافل ، وصلاة الكسوف سنة ، فتجوز في أي وقت . وتفصيل آراء المذاهب كما يأتي ، قال الحنفية(٤) ؛ وقت صلاة الكسوف هو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة ؛ لأن أداء لنوافل أو الواجبات في هذه الأوقات مكروهة ، كسجدة التلاوة وغيرها . وقال المالكية(٥) : لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة ، فوقتها كالعيد والاستسقاء من حلّ النافلة إلى الزوال ، وهذه رواية (١) المغني: ٢ / ٤٢٣، كشاف القناع: ٢ / ٦٩ . (٢) رواه البخاري ومسلم ( نصب الراية ، ونيل الأوطار : المكان السابق ) . (٣) صححه الترمذي . (٤) البدائع : ١ / ٢٨٢ . (٥) بداية المجتهد: ١ / ٢٠٥، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٣، ٥٣٦. - ٤٠٣ - المدونة عن مالك ، فإذا كسفت بعد الزوال لم تُصلّ . وعلى رواية غير المدونة : يصلى لها حالاً ، ويصلى لها بعد العصر . وأما صلاة الخسوف : فيندب تكرارها حتى ينجلي القمر ، أو يغيب في الأفق ، أو يطلع الفجر ، فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة . وقال الشافعية(١) : تصلى صلاة الكسوفين في جميع الأوقات ؛ لأنها ذات سبب ، وتفوت صلاة كسوف الشمس : بالانجلاء لجميع المنكسف ، وبغروب الشمس كاسفة ، دليل الأول خبر: ((إذا رأيتم ذلك - أي الكسوف - فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف مابكم)) (٢) فدل على عدم الصلاة بعد ذلك . ودليل الثاني : أن الانتفاع بالصلاة يبطل بغروبها نيرة أو مكسوفة لزوال سلطانها . وتفوت صلاة خسوف القمر : بالانجلاء لحصول المقصود ، وبطلوع الشمس وهو - أي القمر - منخسف لعدم الانتفاع حينئذ بضوئه . ولاتفوت في الجديد بطلوع الفجر لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به ، كما لاتفوت بغروب القمر خاسفاً ، لبقاء محل سلطنته وهو الليل ، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفاً . وقال الحنابلة(٢): وقتها : من حين الكسوف إلى حين التجلي ، لحديث المغيرة السابق وغيره ، وإن تجلى الكسوف وهو فيها أتمها خفيفة على صفتها ، لقوله ﴿٣ في حديث أبي مسعود: ((فصلوا وادعوا حتى ينكشف مابكم ))(٤) ، (١) مغني المحتاج: ١ / ٣١٩، المجموع: ٥ / ٥٧. (٢) حديث متفق عليه عن المغيرة بن شعبة ، بلفظ (( ... فإذا رأيتموهما - أي الشمس والقمر - فادعوا الله تعالى، وصلوا حتى ينجلي)) ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٣٤). (٣) كشاف القناع: ٢ / ٦٨ - ٧١، المغني: ٢ / ٤٢٨. (٤) متفق عليه . - ٤٠٤ - ولأن المقصود التجلي وقد حصل . ولا يقطع الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ولاتبطلوا أعمالكم ) ولكن شرع تخفيفها حينئذ لزوال السبب . وإن شك في التجلي لنحو غيم أتمها من غير تخفيف ؛ لأن الأصل عدمه ، فيعمل بالأصل في حال بقاء الكسوف، ويعمل بالأصل في وجود الكسوف إذا شك فيه ، فلا يصلي ؛ لأن الأصل عدمه . وتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة ، أو بغيبوبة الشمس كاسفة ، أو بطلوع الشمس والقمر خاسف ، أو بطلوع الفجر والقمر خاسف ؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بها (١) .. وإن وقع الكسوف في وقت نهي عن الصلاة ، دعا الله وذكره بلاصلاة ، لعموم أحاديث النهي. ويؤيده ماروى قتادة قال: (( انكسفت الشمس بعد العصر ، ونحن بمكة ، فقاموا يدعون قياماً ، فسألت عن ذلك فقال : هكذا كانوا يصنعون))(٢) . وإن فاتت صلاة الكسوف بفوات وقتها لم تقض، لقوله مع التعٍ: ((فصلوا حتى ينجلي )). د - هل لصلاة الكسوف خطبة ؟ ثبت أن النبي ◌ُ ◌ّ لما انصرف من صلاة الكسوف وقد تجلت الشمس ، حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ... )) الحديث(٢). (١) لاعبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به ، ولا يجوز العمل به ؛ لأنه من الرجم بالغيب. (٢) رواه الأثرم . (٣) حديث متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٢٥). - ٤٠٥ _. فقال جماعة : إنه خطب ؛ لأن من سنة هذه الصلاة الخطبة ، كالحال في صلاة العيدين والاستسقاء . وقال آخرون: إن خطبة النبي صَ لّ إنما كانت يومئذ ؛ لأن الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت إبراهيم ابنه عليه السلام . وتفصيل آراء المذاهب هو ما يأتي(١) : قال الحنفية والحنابلة: لاخطبة لصلاة الكسوف؛ لأن النبي معر فتة ((أمر بالصلاة دون الخطبة )» وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها ، وهذا مختص به ، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة . وكذلك قال المالكية : لا يشترط لهذه الصلاة خطبة ، وإنما يندب وعظ بعدها مشتمل على الثناء على الله ، والصلاة والسلام على نبيه ، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك . وقال الشافعية : السنة أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة ، كخطبة العيد والجمعة بأركانها ، اتباعاً للسنة ، قالت عائشة : إن النبي مَ ◌ّ لما فرغ من صلاته، قام، فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال: إن الشمس والقمر ... )) (٢) ويحث فيهما السامعين على التوبة من الذنوب ، وعلى فعل الخير كصدقة ودعاء واستغفار، للأمر بذلك في البخاري وغيره ، ويحذرهم الاغترار والغفلة ، ويذكر في كل وقت من الحث والزجر ما يناسبه . لكن لا يخطب الإمام ببلد فيها وال إلا بأمر الوالي ، وإلا فيكره . (١) اللباب: ١ / ١٢١، البدائع: ١ / ٢٨٢، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٥، المهذب: ١ / ١٢٢، كشاف القناع: ٢ / ٦٨ وما بعدها، المغني: ٢ / ٤٢٥. (٢) هو الحديث المتفق عليه عن عائشة السابق . - ٤٠٦ - ذكر الله تعالى والدعاء : واتفق الفقهاء على أنه يستحب ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والصدقة والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع من القرب ، لقوله ◌ِّ له: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا)» وفي لفظ: ((إذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره))(١) ولأنه تخويف من الله تعالى ، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده . والدعاء يكون بعد الصلاة ، يدعو الإمام جالساً مستقبل القبلة إن شاء ، أو قائماً مستقبل الناس . هـ - الجماعة في صلاة الكسوف وموضعها : اتفق الفقهاء(٢) على أن صلاة الكسوف تسن جماعةً في المسجد ، وينادى لها ((الصلاة جامعة))، اتباعاً للسنة كما في الصحيحين، قالت عائشة: ((خرج النبي مرٍّ إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه ))(٣) . ويصلي بالناس الإمام الذي يصلّي بهم الجمعة . وأجاز الحنابلة والشافعية : صلاتها فرادى ؛ لأنها نافلة ، ليس من شرطها الاستيطان ، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل . وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً ، في منازلهم . وأما صلاة خسوف القمر ، ففيها رأيان : قال الحنفية والمالكية : إنها تصلى فرادى ( أفذاذاً ) كسائر النوافل ؛ لأن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم (١) متفق عليهما، الأول عن عائشة، والثاني عن أبي موسى رضي الله عنهما (نيل الأوطار: ٣ / ٣٣٤). (٢) البدائع: ١ / ٢٨٢، رد المحتار: ٧٨٨، فتح القدير: ١ / ٤٣٦، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٣، ٢٠٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٣، ٥٣٥، مغني المحتاج: ١ / ٣١٨، المغني: ٢ / ٤٢٠، كشاف القناع: ٢ / ٦٨ ، القوانين الفقهية: ص ٨٨ . (٣) متفق عليه . - ٤٠٧ - تنقل عن النبي ◌ُ ◌ّ ، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس، ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة، قال النبي صَ لّ: «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة )) إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين وقيام رمضان وكسوف الشمس ، ولأن الاجتماع بالليل متعذر ، أو سبب الوقوع في الفتنة . وتصلى عند الشافعية والحنابلة صلاة الخسوف جماعة كالكسوف ، لما روي عن ابن عباس أنه صلى بالناس في خسوف القمر ، وقال : صليت كما رأيت رسول الله عَاتٍ(١)، ولحديث محمود بن لبيد: ((فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد ))(٢). وهذا الرأي أولى ؛ إذ لافرق بين الخسوف والكسوف ، وتسقط عمن له عذر في التخلف عن أداء الجماعة . أما سبب الاختلاف بين الرأيين؛ فهو اختلافهم في مفهوم قوله مع الله: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ، ولالحياته ، فإذا رأيتموهما ، فادعوا الله، وصلوا، حتى يكشف مابكم، وتصدقوا)) (٣) فالفريق الثاني الذي فهم من الأمر بالصلاة فيها معنى واحداً : وهي الصفة التي فعلها في كسوف الشمس ، رأى أن الصلاة فيها جماعة . والفريق الأول الذي فهم من ذلك معنى مختلفاً ؛ لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى في خسوف القمر مع كثرة دورانه ، قال : المفهوم من ذلك أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة في الشرع ، وهي النافلة فذاً . (١) رواه الشافعي في مسنده عن الحسن البصري (نيل الأوطار: ٣ / ٣٣٣). (٢) رواه أحمد والحاكم وابن حبان ( المصدر السابق ) . (٣) أخرجه البخاري ومسلم: - ٤٠٨ _ . و - هل صلاة خسوف القمر مثل صلاة الكسوف ؟ قال الحنفية (١) : تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى ، كالنافلة ، في المنازل . وقال المالكية(٢) : يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل بقيام وركوع فقط على العادة . وقال الشافعية والحنابلة(٢) : صلاة الخسوف كالكسوف ، بجماعة ، بركوعين وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة ، لكنها تؤدى جهراً لاسراً عند الشافعية، كما هو المقرر فيهما عند الحنابلة، لقول عائشة: ((إن النبي مَ ◌ّ جهر في صلاة الخسوف بقراءته ، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات ))(٤) . رابعاً - متى يدركها المسبوق ؟ عرفنا أن لهذه الصلاة هيئة مخصوصة تتميز عند غير الحنفية بركوعين في كل ركعة ، فهل يدركها المسبوق بالركوع الأول أم بالثاني ؟ قال المالكية(6) : تدرك الركعة من ركعتي الكسوف مع الإمام بالركوع الثاني ، فيكون هو الفرض ، وأما الأول فهو سنة ، والراجح أن الفاتحة فرض مطلقاً . وقال الشافعية(٦) : من أدرك الإمام في ركوع أول ، أدرك الركعة ، كما في (١) البدائع: ١ / ٢٨٢، مراقي'الفلاح: ص ٩٢، الكتاب: ١ / ١٢١. (٢) القوانين الفقهية: ص ٨٨، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٦, (٣) مغني المحتاج: ١ / ٣١٨، المغني: ٢ / ٤٢٤، كشاف القناع: ٢ / ٦٩ . (٤) متفق عليه . (٥) الشرح الصغير : ١ / ٥٣٥ . (٦) مغني المحتاج: ١ / ٣١٩. - ٤٠٩ - سائر الصلوات ، أما من أدركه في ركوع ثان أو قيام ثان ، فلا يدرك الركعة في الأظهر ؛ لأن الأصل هو الركوع الأول وقيامه ، والركوع الثاني وقيامه في حكم التابع . وهذا هو الراجح لدي ، لأنه المتبادر للذهن ، والثاني استثناء . وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة(١): إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني ، احتمل أن تفوته الركعة ؛ لأنه قد فاته من الركعة ركوع ، كما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة . ويحتمل أن صلاته تصح ؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد ، فاجتزئ به في حق المسبوق . خامساً - هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها ؟ إذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو فرض آخر أو العيد ، أو الجنازة أو الوتر فأيهما يقدم ؟ قال الشافعية والحنابلة(٢): يقدم الفرض إن خيف فوته ، لضيق وقته ، وإلا بأن لم يخف فوت الفرض ، يقدم الكسوف ، ثم يخطب الجمعة متعرضاً للكسوف ، ثم تصلى الجمعة ، وتكفي عند الشافعية خطبة الجمعة عن خطبة الكسوف . ولو اجتمع عيد أو كسوف مع صلاة جنازة ، قدمت الجنازة على الكسوف والعيد إكراماً للميت ، ولأنه ربما يتغير بالانتظار، كما تقدم الجنازة على صلاة الجمعة إن لم يخف فوتها . (١) المغني: ٢ / ٤٢٨. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣١٩ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٢٣، كشاف القناع: ٢ / ٧٢ وما بعدها ، المغني : ٢ / ٤٢١ ومابعدها . - ٤١٠ - وتقدم صلاة الكسوف على صلاة العيد والمكتوبة إن أمن الفوت . ويقدم الخسوف على الوتر باتفاق الشافعية والحنابلة ، كما يقدم عند الشافعية على التراويح ، وإن خيف فوت الوتر أو التراويح ؛ لأنه آكد ، ولأن الوتر يمكن تداركه بالقضاء . وتقدم التراويح على الكسوف عند الحنابلة إذا تعذر فعلهما ؛ لأنها تختص برمضان وتفوت بفواته . وقفـ الله تعالى . ... - ٤١١ - ...- المبحث السادس صلاة الاستسقاء تعريف الاستسقاء وسببه ، مشروعية صلاة الاستسقاء ، صفة الصلاة ، ووقتها والمكلف بها ، والجهر بالقراءة فيها ، خطبتها والدعاء فيها وبعدها ، ما يستحب في الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها ( وظائف الاستسقاء ) ، الدعاء عند المطر وغيره من الأحداث ، التنفل في المصلى . أولاً - تعريف الاستسقاء وسببه : الاستسقاء : لغة : طلب السقيا ، وشرعاً : طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد إليه على صفة مخصوصة(١) أي بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء . وسببه : قلة الأمطار ، وشح المياه ، والشعور بالحاجة لسقي الزرع وشرب الحيوان ، ويحدث الجفاف عادة ابتلاء من الله تعالى ، بسبب غفلة الناس عن ربه ، وتفشي المعاصي بينهم(٢) ، فيحتاج الأمر للتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله تعالى ، فإذا فعل العباد ذلك ، تفضل عليهم خالقهم وأنعم عليهم بإنزال (١) الشرح الصغير: ١ / ٥٣٧، مغني المحتاج: ١ / ٣٢١، كشاف القناع: ١ / ٧٤، مراقي الفلاح: ص ٩٣ . (٢) روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنها في حديث له: أن النبي عطفٍ قال: لم ينقُص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين ، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم ، ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم ، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا» ( نيل الأوطار: ٤ / ٢). - ٤١٢ - المطر، كما قص علينا القرآن الكريم من دعاء الأنبياء نوح وموسى وهود عليهم السلام لإغاثة أقوامهم ، قال تعالى عن نوح: ﴿ فقلت : استغفروا ربكم ، إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ، ويجعل لكن أنهاراً ﴾ وقال عن موسى: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر ... ﴾ وقال عن هود: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾. ثانياً - مشروعية صلاة الاستسقاء : قال أبو حنيفة رحمه الله (١): ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة ، فإذا صلى الناس فرادى أو وُحداناً ، جاز من غير كراهة ؛ لأنها نفل مطلق ، وإنما الاستسقاء : دعاء واستغفار؛ لأنه السبب لإرسال الأمطار ، بلاجماعة مسنونة ، وبلاخطبة ، وبلا قلب رداء ، وبلاحضور ذمي ، لقوله تعالى: ﴿فقلت : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ ورسول الله عَ الم استسقى ، ولم يرو عنه الصلاة . ورد الحافظ الزيلعي فقال(٢): أما استسقاؤه عليه السلام، فصحيح ثابت ، وأما إنه لم يرو عنه الصلاة ، فهذا غير صحيح ، بل صح أنه صلى فيه ، كما سيأتي ، وليس في الحديث أنه استسقى ، ولم يصل ، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء ، دون ذكر الصلاة ، ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه . وقال جمهور الفقهاء منهم الصاحبان(٢): صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً (١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٢١ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص ٩٣ ، فتح القدير: ١ / ٤٣٧ ، البدائع: ١ / ٢٨٢، الدر المختار: ١ / ٧٩٠ ومابعدها . (٢) نصب الراية: ٢ / ٢٣٨. (٣) بداية المجتهد: ١ / ٢٠٧ ، القوانين الفقهية: ص ٨٧ ، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٨ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٢١، المهذب: ١ / ١٢٣، المغني: ٢ / ٤٣٩ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٧٤ . - ٤١٣ - : ... : وسفراً ، عند الحاجة، ثابتة بسنة رسول الله مؤتمر وخلفائه ، رضي الله عنهم . وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً وأكثر، إن تأخر السقي ، حتى يسقيهم الله تعالى ، فإن الله يحب الملحين في الدعاء(١). ودليل سنيتها أحاديث متعددة منها حديث ابن عباس: أن النبي مَّ اتٍ صلى في الاستسقاء ركعتين ، كصلاة العيد(٣). وحديث عائشة أن النبي ظافر خطب في الاستسقاء ((ثم نزل فصلى ركعتين ... ))(٣) وحديث أبي هريرة وعبد الله بن زيد وعباد بن تميم عن عمه(٤). وإن تأهب الناس لصلاة الاستسقاء ، فسقوا وأمطروا قبلها ، صلوها عند المالكية لطلب سعة ، واجتمعوا عند الشافعية(٥) للشكر والدعاء ، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً أيضاً ، على الصحيح ، كما يجتمعون للدعاء ونحوه ، والأصح أنه يخطب بهم الإمام أيضاً ، ولو سقوا في أثنائها أتموها ، جزماً . وعند الحنابلة(٦): لا يخرج الناس حينئذ للصلاة ، وشكروا الله على نعمته ، وسألوه المزيد من فضله . أما إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا ، صلوا شكراً لله تعالى ، وحمدوه ودعوه . (١) رواه ابن عدي والعقيلي عن عائشة، وضعفاه، وفي الصحيحين: ((يستجاب لأحدكم مالم يعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي )) . (٢) أخرجه أصحاب السنن الأربعة ( نصب الراية: ٢ / ٢٣٩ ، نيل الأوطار: ٤ / ٦). (٣) رواه أبو داود (نيل الأوطار: ٤ /٣). (٤) الأول رواه أحمد وابن ماجه ، والثاني رواه أحمد ، والثالث رواه أبو داود والترمذي والبخاري ومسلم ، وهو صحيح ( نيل الأوطار: ٤ ، المجموع: ٥ / ٦٥). (٥) مغني المحتاج: ١ / ٣٢١، الشرح الصغير: ١ / ٥٤٠ ومابعدها . (٦) المغني : ٢ / ٤٤٠ . - ٤١٤ - ٠ ثالثاً - صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها : اتفق الجمهور غير أبي حنيفة(١) على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى بالصحراء خارج البلد ، بلاأذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها ((الصلاة جامعة))؛ لأنه مظفرٍ لم يقمها إلا في الصحراء ، وهي أوسع من غيرها في المصلى ، ويجهر فيهما بالقراءة ، كصلاة العيد ، بتكبيراته عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ ، سبعاً في الركعة الأولى ، وخمساً في الثانية برفع يديه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة ، قال ابن عباس: (( سنة الاستسقاء سنة العيدين )) فتسن في الصحراء ، مع تكبير العيد ، بلاأذان ولا إقامة ؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة . ويجعل عند المالكية ، والصاحبين من الحنفية في المشهور الاستغفار بدل التكبير ، فليس في الاستسقاء تكبير ، بل فيه الاستغفار بدل التكبير . ويقرأ في الصلاة ماشاء جهراً ، كما في صلاة العيدين ، والأفضل أن يقرأ فيها عند المالكية بسبح ، والشمس وضحاها ، وعند الحنابلة والصاحبين مثلما يقرأ في صلاة العيد بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية ، كما في حديث ابن عباس المتقدم وحديث أنس عند ابن قتيبة في غريب الحديث ، وإن شاء قرأ في الركعة الأولى بـ ﴿إنا أرسلنا نوحاً﴾ لمناسبتها الحال، وفي الركعة الثانية سورة أخرى من غير تعيين . وعند الشافعية: يقرأ في الأولى جهراً بسورة ((ق)) وفي الثانية: و((اقتربت)) في الأصح، أو بسبح والغاشية، قياساً لانصاً. ودليل الجهر بالقراءة حديث (١) القوانين الفقهية: ص ٨٧، الشرح الكبير: ١ / ٤٠٥، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٧، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٢٣ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٧٤ - ٧٥، المغني: ٢ / ٤٣٠ - ٤٣٢. - ٤١٥ - عبد الله بن زيد وغيره: ((ثم صلى ركعتين جهر فيها بالقراءة)) (١)، وكما تفعل جماعة - وهو الأفضل - تفعل فرادى . والمستحب الخروج إلى الصحراء، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ففي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ، فيخرج الناس ثلاثة أيام مشاة في ثياب خَلِقة غَسِيلة ، متذللين متواضعين ، خاشعين لله تعالى ، ناكسين رؤوسهم ، مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم ، ويجددون التوبة ، ويستسقون بالضَّعَفة والشيوخ والعجائز والأطفال . ولا يشترط إذن الإمام لصلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة ؛ لأن المقصود هو الدعاء فلا يشترط له إذن الإمام ، ويشترط ذلك عند الشافعية ، وعن الإمام أحمد روايتان(٢). وأما وقتها : فليس لها وقت معين ، ولا تختص بوقت العيد ، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي عن الصلاة ، بغير خلاف ؛ لأن وقتها متسع ، فلاحاجة إلى فعلها في وقت النهي . ويسن فعلها أول النهار ، وقت صلاة العيد ، لحديث عائشة: ((أنه مَّ خرج حين بدا حاجب الشمس)) (٢)، ولأنها تشبه صلاة العيد في الموضع والصفة ، فكذلك في الوقت ؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس ؛ لأنها ليس لها يوم معين ، فلا يكون لها وقت معين . ولا تتقيد بزوال الشمس ظهراً ، فيجوز فعلها بعده ، كسائر النوافل(٤). وإن (١) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: ٤ / ٤). (٢) البدائع: ١ / ٢٨٤، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٥، المغني: ٢ / ٤٣٨ وما بعدها . (٣) رواه أبو داود . (٤) بداية المجتهد: ١ / ٢٠٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٤، المغنى: ٢ / ٤٣٢، ٤٤٠ وما بعدها ، كشاف القناع: ٢ / ٧٥ . ۔۔ - ٤١٦ - استسقى الناس عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة ، أصابوا السنة ، فيجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي ، فصعد المنبر فقال: (( استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ، ويجعل لكم أنهاراً ، استغفروا ربكم ، إنه كان غفاراً ، ثم نزل ، فقيل : ياأمير المؤمنين ، لو استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر))(١) . والمكلف بها(٢) : الرجال القادرون على المشي، ولا يؤمر بها النساء والصبيان غير المميزين على المشهور عند المالكية ، وقال الشافعية والحنفية : يندب خروج الأطفال والشيوخ والعجائز، ومن لاهيئة لها من النساء ، والخنثى القبيح المنظر ؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، إذ الكبير أرق قلباً ، والصغير لاذنب عليه ، ولقوله مَ ◌ّ: ((وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم))(٢) . ويكره خروج الشابات والنساء ذوات الهيئة ، خوف الفتنة . إخراج الدواب : ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين؛ لأن النبي معدّ اتّ لم يفعله . ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية ، والشافعية في الأصح ، ويباح ذلك عند الحنابلة ؛ لأن الرزق مشترك بين الكل(٤) ، وليحصل التحنّن، ويظهر (١) رواه البيهقي عن الشعبي ، والمجاديح : جمع مجدح ، وهو كل نجم كانت العرب تقول : يمطر به ، فأخبر عمر رضي الله عنه : أن الاستغفار: هو الجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لاالأنواء ، وإنما قصد التشبيه . وقيل : مجاديحها : مفاتيحها ، وقد جاء في رواية: بمفاتيح السماء ( المجموع : ٥ / ٧٦، ٧٨ وما بعدها ) . (٢) البدائع: ١ / ٢٨٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٢٣، فتح القدير: ١ / ٤٤١، مراقي الفلاح: ص ٩٣ ، الدر المختار: ١ / ٧٩١، المجموع: ٥ / ٧٢، ٨٣، القوانين الفقهية: ص ٨٧ ، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٢ - ٣٢٣، المهذب: ١ / ١٢٣ - ١٢٥، المغني: ٢ / ٤٣٠، ٤٣٩، ٤٤١، كشاف القناع: ٢ / ٧٦ - ٧٧، ٨٢. (٣) رواه البخاري . (٤) المراجع السابقة . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٧) - ٤١٧ - الضجيج بالحاجات ، روى البزار مرفوعاً بسند ضعيف: (( لولا أطفال رُضِّع ، وعباد رُكَّع، وبها ثم رُتَّع ، لصب عليكم العذاب صباً)). وروي أن سليمان عليه السلام (( خرج يستسقي ، فرأى نملة مستلقية ، وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك ، ليس بنا غنى عن رزقك ، فقال سليمان : ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم))(١) . التوسل بذوي الصلاح : ويستحب إخراج أهل الدين والصلاح ، لأنه أسرع لإجابتهم ، وقد استسقى عمر بالعباس ، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي ، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى ، فلابأس بالتوسل بالصالحين ، قال ابن عمر : استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عمّ نبيك ◌َ ◌ّ نتوجه إليك به ، فاسقنا ، فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل . وقال معاوية : اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود ، يايزيد ، ارفع يديك ، فرفع يديه ، ودعا الله تعالى ، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس ، وهب لها ريح ، فسقوا ، حتى كادوا لا يبلغون منازلهم (٢) . وهيئة الخارج للاستسقاء كما بينا : أن يكون متضرعاً لله تعالى ، متبذلاً أي في ثياب البذلة ، لا في ثياب الزينة ، ولا يتطيب ؛ لأنه من كمال الزينة ، ويكون متخشعاً في مشيه ، وجلوسه في خضوع ، متضرعاً إلى الله تعالى ، متذللاً (١) حديث استسقاء النملة رواه الحاكم بمعناه بإسناده عن أبي هريرة، وهو صحيح الإسناد ( المجموع: ٥ / ٦٨) . (٢) حديث عمر رواه البخاري من رواية أنس أن عمر كان يفعله ، وحديث استسقاء معاوية بيزيد مشهور ( المجموع: ٥ / ٦٨، نيل الأوطار: ٤ / ٦). - ٤١٨ - له ، راغباً إليه . قال ابن عباس : خرج رسول الله صل متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً(١). وهل يخرج أهل الذمة ؟ قال الحنفية : لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء ؛ لأن الخروج للدعاء ، وقد قال تعالى: ﴿ومادعاء الكافرين إلا في ضلال﴾، ولأنه لاستنزال الرحمة ، وإنما تنزل عليهم اللعنة ، وإن كان الراجح أن دعاء الكافر قد يستجاب استدراجاً. وأما الآية السابقة ﴿ ومادعاء﴾ ففي الآخرة . وقال الجمهور: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين ، وأمروا أن يكونوا منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا ، ولاعند الخروج ، ويكره اختلاطهم بنا ، كما يكره خروجهم عند الشافعي ، ولا يؤمن على دعائهم ؛ لأن دعاء الكافر غير مقبول . وكونهم لا يمنعون الحضور؛ لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم ، وفضل الله واسع ، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً ، وطعمة في الدنيا ، قال تعالى : ﴿ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾ والله ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين . وانفرادهم عن المسلمين ؛ لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب ، فيعم من حضرهم : فإن قوم عاد استسقوا ، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم . رابعاً - خطبة الاستسقاء : قال أبو حنيفة(٢): لاخطبة للاستسقاء ؛ لأنها تبع للجماعة ، ولاجماعة لها (١) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: ٤ / ٦). (٢) فتح القدير مع العناية: ١ / ٤٣٩ وما بعدها، البدائع: ١ / ٢٨٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٢٢ وما بعدها . - ٤١٩ - عنده ، وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة . قال ابن عباس حينما سئل عن صلاة الاستسقاء: خرج رسول الله ماتم متواضعاً متبذلاً(١) ، متخشعاً، متضرعاً ، فصلى ركعتين ، كما يُصلَّى في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه(٢) . وقال الصاحبان : يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيها بالقراءة ، ثم يخطب ، ويستقبل القبلة بالدعاء . ويخطب خطبتين بينهما جلسة كالعيد عند محمد ، وخطبة واحدة عند أبي يوسف ، ويكون معظم الخطبة الاستغفار . وقال الجمهور(٢) : يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة على الصحيح خطبتين كصلاة العيد عند المالكية والشافعية ، لقول ابن عباس : صنع رسول الله وَ التّ في الاستسقاء كما صنع في العيدين ، وخطبة واحدة عند الحنابلة؛ لأنه لم ينقل أنه مُ ط ◌ّ خطب بأكثر منها . ودليلهم على طلب الخطبة وكونها بعد الصلاة: حديث أبي هريرة: ((خرج نبي الله ◌َ ◌ّ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلاأذان ولا إقامة ، ثم خطبنا ، ودعا الله عز وجل ، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ، ثم قلب رداءه ، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن )) (٤) وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة ، لحديث عبد الله بن زيد : ((رأيت النبي ◌َّ يوم خرج يستسقي، فحوّل إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، ثم حول رداءه ، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ))(٥) . (١) أي لابساً لثياب البذلة ( المهنة والعمل) تاركاً لثياب الزينة، تواضعاً لله تعالى . (٢) رواه أحمد والنّسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: ٤ / ٦). (٣) الشرح الصغير: ١ / ٥٣٩، القوانين الفقهية: ص ٨٧ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٨، المجموع: ٥ / ٧٥ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٤ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ١ / ٤٠٦، كشاف القناع: ٢ / ٨٠ ، المغني: ٢ / ٤٣٣ - ٤٣٦ ٠ (٤) رواه أحمد وابن ماجه ( نيل الأوطار: ٤ / ٤) وروى أحمد مثله عن عبد الله بن زيد. (٥) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، لكن لم يذكر مسلم الجهر بالقراءة (المصدر السابق). - ٤٢٠ -