Indexed OCR Text
Pages 301-320
التصدق وقت الخطبة :
قال الحنفية(١) : يكره تحريماً التخطي للسؤال بكل حال . واختار بعض
الحنفية: جواز السؤال والإعطاء إن كان لا يمر السائل بين يدي المصلي ،
ولا يتخطى الرقاب ، ولا يسأل إلحافاً .
وكذلك قال الحنابلة(٢) وغيرهم : ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة؛ لأن
السائل فعل مالا يجوز له فعله ، فلا يعينه المرء على مالا يجوز، قال أحمد : وإن
حصب السائل كان أعجب إلي ؛ لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل ، والإمام
يخطب يوم الجمعة ، ولا ينال السائل الصدقة حال الخطبة ؛ لأنه إعانة على محرم .
فإن سأل أحد الصدقة قبل الخطبة ، ثم جلس للخطبة ، جاز التصدق عليه
ومناولته الصدقة .
وأجاز الحنابلة الصدقة حال الخطبة على من لم يسأل ، وعلى من سألها الإمام
له .
والصدقة على باب المسجد عند الدخول والخروج أولى من الصدقة حال
الخطبة .
المطلب السابع - سنن الجمعة ومكروهاتها :
يسن لصلاة الجمعة ما يأتي (٣):
اً - الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند
(١) الدر المختار: ١ / ٧٧٢ .
(٢) كشاف القناع: ٢ / ٥٣ ومابعدها، المغني: ٢ / ٣٢٦.
(٣) البدائع: ١ / ٢٦٩ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٧٧٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٠٣ - ٥٠٩ ، بداية المجتهد :
١ / ١٥٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٨١، مغني المحتاج: ١ / ٢٩٠ - ٢٩٥، حاشية الباجوري: ١ / ٢٢٨ -
٢٣٠، المهذب: ١ / ١١٣ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٤٦ - ٥٣، المغني: ٢ / ٣٥٠ _ ٣٥٥، ٣٦٥ وما بعدها .
- ٣٠١ -
الجمهور، مستحب عند المالكية ، لحديث أبي هريرة السابق في التبكير إلى
الجمعة: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بَدَنة .. ))
ولخبر البيهقي بسند صحيح: (( من أتى الجمعة من الرجال والنساء ، فليغتسل ،
ومن لم يأتها فليس عليه غسل )) . وقد سبق ذكر حديثين في الأغسال المسنونة
وهما: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم )) والوجوب محمول على السنية،
للحديث الثاني: (( من توضأ يوم الجمعة ، فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل
أفضل )).
ووقت الغسل من فجر الجمعة إلى الزوال ، وتقريبه من ذهابه للصلاة
أفضل ؛ لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة ، ويشترط عند المالكية :
اتصاله بالرواح إلى المسجد ، ولا يضر الفصل اليسير، فإن فصل كثيراً أو تغذى
خارج المسجد ، أو نام خارجه اختياراً أو اضطراراً ، أعاده لبطلانه فلا يجزئ
الغسل عندهم قبل الفجر ، ولاغير متصل بالرواح . ويفتقر الغسل إلى النية ؛ لأنه
عبادة محضة ، فاحتاج إلى النية كتجديد الوضوء ، فإن اغتسل للجمعة والجنابة
غسلاً واحداً ، ونواهما ، أجزأه بلا خلاف . والغسل سنة مؤكدة .
وأما التطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل فلحديث: ((من اغتسل يوم
الجمعة ، ومسَّ من طيب إن كان عنده ، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه
السكينة ، حتى يأتي المسجد ، فيركع إن بَدًا له ولم يؤذ أحداً ، ثم أنصت إذا خرج
إمامه ، حتى يصلي ، كانت له كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى))(١) والمندوب
لبس الأبيض يوم الجمعة ، فالثياب البيض أفضل الثياب لحديث (( البسوا الثياب
البيض ، فإنها أطهر وأطيب ، وكفنوا فيها موتاكم))(٢).
١
(١) رواه أحمد عن أبي أيوب رضي الله عنه (نيل الأوطار: ٣ / ٢٣٦).
(٢) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم عن سمرة ، وهو صحيح حسن .
- ٣٠٢ -
٢ - التبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام، والاشتغال
في طريقه بقراءة أو ذكر : لما ثبت في السنة ، كحديث أبي هريرة السابق ،
وخبر: (( من غَسَل يوم الجمعة واغتسل ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا
من الإمام ، فاستمع ، ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة ، أجر صيامها
وقيامها))(١) . وقال المالكية : الذهاب للجمعة وقت المهاجرة وتبتدئ بقدر ساعة
قبل الزوال . وفي حديث آخر مفاده أن الاقتراب من الإمام مطلوب: ((احضروا
الذِّكْر، وادنوا من الإمام ، فإن الرجل لا يزال يتباعد ، حتى يؤخر في الجنة ،
وإن دخلها(٢))) والمشي بالسكينة لحديث الصحيحين: ((إذا أتيتم الصلاة فعليكم
بالسكينة )) ويجوز الركوب لعذر في الذهاب والإياب .
والاشتغال بالقراءة أو الذّكر: لقوله عَ لّ: ((إن الملائكة تصلي على أحدكم
مادام في مجلسه ، تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه مالم يحدث ، وإن أحدكم في
صلاة مادامت الصلاة تحبسه))(٣) فدل أن شأن المصلي الاشتغال بالقراءة والذكر .
والتبكير للجمعة سنة لغير الإمام ، أما هو فلايسن له التبكير . :
اً - تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة : بتقليم الأظفار وقص
الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك كازالة الرائحة الكريهة بالسواك
للفم وغيره من مواطن الرائحة في الجسم . ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة
والعمة والارتداء ، اتباعاً للسنة ، ولأنه منظور إليه .
(١) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وأبو داود وابن ماجه. وقوله غسل: يجوز بالتشديد والتخفيف
أرجح ، والمراد : غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل ، أو غسل زوجته بأن جامعها فألجأها إلى الغسل ثم اغتسل ، كما هو السنة
عند الحنابلة في يوم الجمعة ، أو غسل أعضاء الوضوء بأن توضأ ثم اغتسل .
(٢) رواه أبو داود ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي .
(٣) رواه الشيخان .
- ٣٠٣ -
وكما يسن أخذ الظفر إن طال يوم الجمعة ، يسن أيضاً يوم الخميس ، ويوم
الاثنين ، دون بقية الأيام .
ودليل كون التحسين يوم الجمعة ماروى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص أن النبي مائة ((كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة))
وقال الحنفية(١) : الأفضل حلق الشعر وقلم الظفر بعدها أي بعد الجمعة ،
ويكره ذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة ، لما فيه من معنى الحج ، والحلق ونحوه
قبل الحج غير مشروع .
٤ - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها: لقوله ◌َ ◌ّه. ((من قرأ الكهف
في يوم الجمعة أضاء له من النور مابين الجمعتين)) (٢) وفي رواية: ((من قرأ سورة
الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها ، وفي فتنة الدجال)) وقراءتها نهاراً آكد، والحكمة .
من قراءتها : أن الساعة تقوم يوم الجمعة ، كما ثبت في صحيح مسلم ، والجمعة مشبهة
بها لما فيها من اجتماع الخلق ، وفي الكهف ذكر أهوال القيامة .
٥ - الإكثار من الدعاء يومها وليلتها: أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة
الإجابة؛ ((لأنه ◌َ ◌ّ ذكر يوم الجمعة ، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ،
وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا وأعطاه إياه، وأشار بيده يقللها))(٣)
وفي رواية لمسلم: ((وهي ساعة خفيفة)) والصواب في ساعة الإجابة - كما بينا -
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٧٧٢، ٧٨٨ .
(٢) رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وروى الدارمي والبيهقي: ((من قرأها ليلة الجمعة ، أضاء له من
النور مابينه وبين البيت العتيق)) وفي بعض الطرق: ((غفر له إلى الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام ، وصلى عليه
ألف ملك ، حتى يصبح وعوفي من الداء ، وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال )» .
(٣) رواه الشيخان ، وذكر في رواية: وهو قائم يصلي ، والمراد بالصلاة : انتظارها ، وبالقيام : الملازمة .
- ٣٠٤ -
ماثبت في صحيح مسلم: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: هي مابين أن يجلس الإمام، إلى
ہے.
أن يقضي الصلاة )).
٦ - الإكثار من الصلاة على رسول الله مؤهل يومها وليلتها: لخبر: ((إن من
أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة
علي))(١) وخبر: ((أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، فمن صلى علي
صلاة ، صلى الله عليه بها عشراً))(٢).
وصيغة الصلاة أن يقول: ((اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك
النبي الأمي)) أو ((اللهم صل على محمد، كلما ذكرك الذاكرون، وصل على محمد
وعلى آل محمد، كلما غفل عن ذكره الغافلون )).
٧ - يقرأ الإمام جهراً بعد الفاتحة في الركعة الأولى ((الجمعة)) وفي الثانية
((المنافقون)) اتباعاً للسنة - رواه مسلم. وروي أيضاً أنه مع الفيلم كان يقرأ في
الجمعة : سبح اسم ربك الأعلى ، و: هل أتاك حديث الغاشية .
٨ - قراءة: الّم . السجدة، و: هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح
يوم الجمعة: لما روى ابن عباس وأبو هريرة: ((أن النبي ◌ُ ◌ٍّ كان يقرأ في صلاة
الفجر يوم الجمعة: ألم . تنزيل و: هل أتى على الإنسان حين من الدهر))(١)
ولا تستحب المداومة عليها ؛ لأن لفظ الخبر يدل عليها ، وخشية ظن افتراضها .
٩ - صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند
الجمهور: لأن النبي عَ له ((كان يركع من قبل الجمعة أربعاً))(٤) وكان الصحابة
(١) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة .
(٢) رواه البيهقي بإسناد جيد .
(٣) رواه مسلم .
(٤) رواه ابن ماجه .
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٠)
- ٣٠٥ -
يصلون قبل الجمعة أربع ركعات ، وكان ابن مسعود يصلي قبل الجمعة أربع
ركعات ، وبعدها أربع ركعات(١) .
وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن النبي مع اقتّ قال: ((إذا صلى
أحدكم الجمعة ، فليصل بعدها أربع ركعات ))
وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان؛ لأنه عَ ◌ّ((كان يصلي بعد الجمعة
ركعتين))(٢). وأكثر السنة بعدها ست ركعات لقول ابن عمر: ((كان ◌َ له
يفعله))(٣)، أو أربع ركعات لما رواه مسلم عن أبي هريرة . والتنفل قبل الجمعة
مالم يخرج الإمام إلى المنبر إلا تحية المسجد ، لما رواه أحمد عن نبيشة الهذلي عن
النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ، ثم أقبل إلى المسجد ، لا يؤذي
أحداً ، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى مابدا له ، وإن وجد الإمام قد خرج ،
جلس ، فاستمع وأنصت ، حتى يقضي الإمام جمعته ، إن لم يُغفر له في جمعته تلك
ذنوبُه كلها : أن تكون كفارة للجمعة التي تليها » .
وقال المالكية (٤) : يكره التنفل عند الأذان الأول ، لاقبله ، لجالس في
المسجد ، لا داخل يقتدى به من عالم أو سلطان أو إمام ، لا لغيرهم ، خوف اعتقاد
العامة وجوبه . ويكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس .
ويسن لمن صلى السنة : أن يصليها عند الحنابلة في مكانه في المسجد ، وأن
يفصل عند الشافعية والحنابلة بينها وبين الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه ، أو
(١) رواه سعيد بن منصور.
(٢) رواه أبو داود من حديث ابن عمر. وروى الجماعة عن ابن عمر أن النبي مع تل كان يصلي بعد الجمعة ركعتين
في بيته ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٨٠).
(٣) رواه أبو داود .
(٤) الشرح الصغير: ١ / ٥١١ .
- ٣٠٦ -
خروج إلى منزله، لما روى السائب بن يزيد، قال: (( صليت مع معاوية الجمعة
في المقصورة ، فلما سلم الإمام قمت في مقامي ، فصليت ، فلما دخل أرسل إلي ،
فقال : لاتعُد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة ، فلا تصليها بصلاة حتى تتكلم أو
تخرج، فإن رسول الله { الر أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج))
قال الشافعية(١) : يسن ألا يصل صلاة الجمعة بصلاة ، للاتباع ، رواه مسلم ،
ويكفي الفصل بينهما بكلام أو تحول أو نحوه .
١٠ - قراءة الفاتحة والاخلاص والمعوذتين بعد الجمعة: روى ابن السني من
حديث أنس مرفوعاً: ((من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه
فاتحة الكتاب ، وقل هو الله أحد ، والمعوذتين سبعاً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ،
وما تأخر ، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله)).
راً - يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه ، لما روى ابن عمر
قال: سمعت رسول الله التخ يقول: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه ،
فليتحول إلى غيره ))(٣) .
ويكره يوم الجمعة ما يأتي بالإضافة لمكروهات الخطبة السابقة :
اً - قال الحنفية(٣): يكره تحريماً صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة ، في مكان
إقامة الجمعة وهو المصر ، في سجن أو غير سجن ، كماروي عن علي رضي الله عنه .
اً - وقال الحنفية أيضاً: يكره تحريماً البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد
الإمام المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه، لقوله تعالى: (( ياأيها الذين آمنوا إذا
(١) مغني المحتاج: ١ / ٢٩٥.
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده ، وأبو مسعود أحمد بن الفرات في سننه .
(٣) البدائع : ١ / ٢٧٠ .
- ٣٠٧ -
نودي للصلاة من يوم الجمعة ، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع)) والأمر بترك
البيع يكون نهياً عن مباشرته ، وأدنى درجات النهي الكراهة .
٣ - يكره التخطي باتفاق العلماء ، على التفصيل المذكور في مكروهات
الخطبة .
٤ - يحرم أن يقيم إنساناً من مكانه ، ويجلس فيه(١) ، لما روى ابن عمر قال :
((نهى رسول الله عَ لّ أن يقيم الرجل - يعني أخاه - من مقعده، ويجلس
فيه))(٢)، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء، قال الله تعالى: (( سواء
العاكف فيه ، والباد ))، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، لقول النبي ما لم :
((من سبق إلى مالم يسبق إليه ، فهو أحق به ))(٣) .
وإن وجد مصلىّ مفروشاً في موضع ، فليس لغيره عند الحنابلة على الراجح
رفعه ؛ لأنه كالنائب عنه ، ولما فيه من الافتيات على صاحبه ، والتصرف في غير
ملكه بغير إذنه ، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة ، ولأنه سبق إليه ، فكان كمتحجر
الموات ، وذلك مالم تحضر الصلاة ، فله حينئذ رفعه والصلاة مكانه ؛ لأنه لا حرمة
له بنفسه ، وإنما الحرمة لصاحبه ، ولم يحضر . ويكره الجلوس والصلاة عليه .
٥ - قال المالكية(٤) : يكره ترك العمل يوم الجمعة لأجله ، لما فيه من التشبه
باليهود والنصارى في السبت والأحد . ويحرم السلام من داخل أو جالس على
أحد ، ويحرم رد السلام ولو بالإشارة ، وتشميت عاطس والرد عليه ، ونهي لاغ
أو إشارة له بأن ينكف عن اللغو.
(١) كشاف القناع: ٢ / ٤٩ ومابعدها، المغني: ٢ / ٣٥١ وما بعدها .
(٢) متفق عليه، ولفظ مسلم: ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ، ثم ليخالف إلى مقعده ، فيقعد فيه ، ولكن
يقول : افسحوا )».
(٣) رواه أبو داود .
(٤) الشرح الصغير : ١ / ٥١١ - ٥١٣
- ٣٠٨ -
السجود على الظهر ونحوه في الزحمة :
قال الحنفية والشافعية والحنابلة(١): متى قدر المزحوم على السجود على ظهر
إنسان أو قدمه، لزمه ذلك وأجزأه ، لما روي عن عمر: ((إذا اشتد الزحام ،
فليسجد على ظهر أخيه )) (٢)، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز، فصح ، كالمريض
يسجد على المِرْفقة .
ولا يحتاج هنا إلى إذنه ؛ لأن الأمر فيه يسير .
وقال المالكية: لايفعل، وتبطل الصلاة، إن فعل، لقول النبي محمد الجمل
((ومكِّن جبهتك من الأرض )).
المطلب الثامن - مفسدات الجمعة :
تفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى ، ويضاف إليها مفسدات
أخرى خاصة بها هي ما يلي(٣):
١ - خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية :
لا تفسد ؛ لأن الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت ، وهو وقت الظهر ، وخروج
الوقت لا يفسد الصلاة .
وكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد ، ولا تفسد
عند الصاحبين .
٢ - فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة ، بأن نفر الناس
عنه عند أبي حنيفة . وعند الصاحبين : لا تفسد . أما فوت الجماعة أي انقضاضها
(١) مغني المحتاج: ١ / ٢٩٨ وما بعدها، المهذب: ١ / ١١٥، المغني: ٢ / ٣١٣ ومابعدها، كشاف
القناع : ٢ / ٣٢ .
(٢) رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وسعيد بن منصور في سننه .
(٣) البدائع: ١ / ٢٦٩ .
- ٣٠٩ -
بعد تقييد الركعة بالسجدة ، فلاتفسد باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه .
فإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة ، تصلى ظهراً .
وإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير
ذلك ، تصلى جمعة عند وجود شرائطها .
المطلب التاسع - صلاة الظهر يوم الجمعة :
بالرغم من أن صلاة الجمعة هي الفريضة الأصلية ، فإنه قد تصلى الظهر بدلاً
عنها في حالات :
صلاتها بعد الجمعة ، وصلاتها في المنزل قبل الجمعة بغير عذر ، وصلاتها بجماعة
من أصحاب الأعذار ، وتعجيلها ممن لاتجب عليه الجمعة ، وصلاة الظهر بسبب
خروج الوقت ، أو بسبب اختلال شرط من شرائط صحة الجمعة .
أولاً - صلاة الظهر بعد الجمعة :
إن كانت الجمعة في البلد موحدة ، فهي صحيحة باتفاق الفقهاء ، ولاتطلب
الظهر من أحد ، بل تحرم .
أما إن تعددت الجمع في أجزاء متعددة من كل بلد ، كما هو المشاهد في
عصرنا ، فجمعة الجامع العتيق الذي صليت فيها أول جمعة هي الصحيحة عند
المالكية ، وعلى المصلين في الجوامع الأخرى أداء الظهر .
وجمعة الحاكم التي اشترك فيها هي الصحيحة عند الحنابلة ، وعلى الجوامع
الأخرى صلاة الظهر .
والجمعة السابقة براء تكبيرة الإحرام : هي المنعقدة عند الشافعية ، وعلى
أرباب الجمعات الأخرى صلاة الظهر ، والظهر واجبة على من تأخر ، أو في حال
- ٣١٠ -
المقارنة ، أو حصل الشك في السبق والمعية ، إن كان التعدد لغير حاجة ، كما هو
الغالب في المدن الإسلامية . وتستحب الظهر احتياطاً إن تعددت الجمع لحاجة .
وهذا الافتراض يصعب ضبطه الآن بغير إحصاء شامل .
وتصح الجمعات كلها في البلد الواحد في المذهب الحنفي دفعاً للحرج، ويكره
تحريماً صلاة الظهر بعد الجمعة بجماعة.
وقد سبق بيان ذلك كله في شرط عدم تعدد الجمعة لغير حاجة . والحق أن
الجمعة هي فرض الوقت الأصلي ، وليس لمن اشترط عدم تعدد الجمع إلا الواقع
العملي في صدر الإسلام، وهو لا يصلح دليلاً ، وإن كان الأفضل وحدة الجمعة ،
ولمن شاء أن يصلي الظهر منفرداً فلامانع ، وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة
بعد الجمعة حفاظاً على وحدة المسلمين ، ولا يصح قياس حالة البلدان الكبرى
وكثرة سكانها على حالة ((المدينة)» في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة ،
والخليفة خطيب المسلمين ، ومنبره وسيلة إعلام جميع المسلمين في الجهاد وعلاج
أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى .
ثانياً - صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر :
قال الحنفية(١): من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة ، قبل صلاة الإمام ،
ولاعذر له ، حرم ذلك ، وجازت صلاته جوازاً موقوفاً : فإن بدا له ، ولو
بمعذرة على المذهب أن يحضر الجمعة ، فتوجه إليها ، والإمام فيها ، ولم تُقَم بعد ،
بطلت صلاة الظهر ، وصارت نفلاً عند أبي حنيفة بالسعي ، وإن لم يدركها ؛
لأن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة ، فينزل منزلتها في حق ارتفاض الظهر
(١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١١٣ ومابعدها، البدائع: ١ / ٢٥٧، الدر المختار: ١ / ٧٦٤ وما بعدها، فتح
القدير: ١ / ٤١٧ وما بعدها ، مراقي الفلاح : ص ٨٩ .
- ٣١١ -
احتياطاً ، بخلاف مابعد الفراغ منها ؛ لأنه ليس يسعى إليها .
وقال الصاحبان : لاتبطل حتى يدخل مع الإمام ؛ لأن السعي دون
الظهر ، فلا ينقضه بعد تمامه ، والجمعة فوق الظهر ، فينقضها ، وصار كما لو توجه
إلى الجمعة بعد فراغ الإمام .
واتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن السعي إذا كان بعدما فرغ الإمام من
الجمعة ، لم يبطل ظهره اتفاقاً .
وقال الجمهور ( المالكية والشافعية في الجديد والحنابلة) (٢): لاتصح للمرء
صلاته الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة ، ويلزمه السعي إلى الجمعة إن ظن أنه
يدركها ؛ لأنها المفروضة عليه ، فإن أدركها معه صلاها ، وإن فاتته فعليه صلاة
الظهر ، وإن ظن أنه لا يدركها، انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى، ثم يصلي
الظهر ، والخلاصة : أنه إن صلى الظهر قبل الجمعة لاتصح وتجب عليه الجمعة ،
فإن كان بعد صلاة الجمعة أجزأه مع عصيانه . .
ودليلهم : أنه صلى مالم يخاطب به ، وترك ماخوطب به ، فلم تصح ، كما لو
صلى العصر مكان الظهر ، ولانزاع في أنه مخاطب بالجمعة ، فسقطت عنه الظهر ،
كما لو كان بعيداً ، ولاخلاف في أنه يأتم بتركه ، وترك السعي إليها .
ثالثاً - صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار :
قال الحنفية(٢) : يكره تحريماً أن يصلي المعذورون من مسافر ومسجون
ومريض وغيرهم الظهر بجماعة يوم الجمعة في موطن إقامة الجمعة ( في المصر ) قبل
الجمعة وبعدها ؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة ، إذ هي جامعة للجماعات ، وربما
(١) المغني: ٢ / ٣٤٢ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٨٠ ، الشرح
الصغير: ١ / ٥٠٨ .
(٢) فتح القدير: ١ / ٤١٩، الدر المختار: ١ / ٧٦٦ وما بعدها .
- ٣١٢ -
يتطرق غير المعذور إلى الاقتداء بهم ، ولما فيه من صورة معارضة الجمعة بإقامة
غيرها . أما أهل القرى ممن لاجمعة عليهم فلهم صلاة الظهر بجماعة ، ويكره أيضاً
لمن فاتتهم الجمعة من أهل المصر صلاة الظهر جماعة ، وإنما يصلونها فرادى بغير
جماعة ولاأذان ولا إقامة ، ويستحب للمريض تأخير الظهر إلى فراغ الإمام ،
وكره إن لم يؤخر على الصحيح .
وقال الجمهور غير الحنفية (١): يجوز لمن فاتتهم الجمعة لعذر أو لمن لاتجب عليه
الجمعة أن يصلوها ظهراً في جماعة، تحصيلاً لثواب الجماعة: (( صلاة الجماعة تفضل
صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)) وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة ، فصلى
بعلقمة والأسود .
لكن قال المالكية : تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار
الكثيرة الوقوع ، والأولى الجماعة لأرباب الأعذار الكثيرة الوقوع .
ورأى الحنابلة أنه: لا يستحب إعادتها جماعة في مسجد النبي مَّمُ ، ولا في
مسجد تكره إعادة الجماعة فيه ، وتكره أيضاً في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة ؛
لأنه يؤدي إلى التهمة كالرغبة عن الجمعة ، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام ، أو
يعيد الصلاة معه فيه ، وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره ، وإنما
يصليها في منزله أو في موضع لاتحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه .
واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه يستحب لمن يرجو زوال عذره أن يؤخر
الظهر إلى اليأس عن إدراك الجمعة ؛ لأنه قد یزول عذره ، فإن زال عذره بعد
الفراغ من الظهر كأن قدم من السفر ، أو شفي من المرض ، أو انفك من وثاقه ،
(١) القوانين الفقهية: ص ٨٠، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: ١ / ٥٠٨، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٩ ،
المهذب: ١ / ١٠٩، المغني: ٢ / ٣٤٤ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٦.
- ٣١٣ -
أعاد الجمعة إن أدركها . كذلك الصبي يعيد الجمعة إذا بلغ بعد أن صلى الظهر .
رابعاً - تعجيل صلاة الظهر ممن لاتجب عليه الجمعة :
قال أكثر أهل العلم(١): من لاتجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة والمريض
المزمن وسائر المعذورين ، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام في الجمعة ؛ لأنه لم
يخاطب بالجمعة ، فصحت منه الظهر ، كما لو كان بعيداً من موضع الجمعة .
فإن صلاها ، ثم سعى إلى الجمعة ، لم تبطل ظهره عند الجمهور ، وكانت الجمعة
نفلاً في حقه ، سواء زال عذره ، أو لم يزل . وقال أبو حنيفة كما قال في الحالة
الأولى : تبطل ظهره بالسعي إليها .
خامساً - صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر :
إذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة
والركعتين ، سقطت الجمعة ، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء(٢) ، وإنما تصلى ظهراً،
لأن القضاء على حسب الأداء ، والأداء فات بشرائط مخصوصة ، يتعذر تحصيلها
على فرد ، فتسقط ، بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها .
سادساً - صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة :
إذا لم يتوافر شرط من شرائط صحة الجمعة الأخرى غير دخول الوقت ، كأن
نقص عدد المصلين عن المطلوب ، أو لم يدرك المسبوق ركعة مع الإمام عند
الجمهور ، أو أي جزء من الصلاة ولو سجود السهو عند الحنفية ، أو لم يتوافر
البنيان وغير ذلك ، صلى الناس الظهر بدلاً عن الجمعة(٣).
(١) المراجع السابقة .
(٢) البدائع: ١ / ٢٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٩، المغني: ٢ / ٣١٨، حاشية الباجوري: ١ / ٢٢٣.
(٣) البدائع: ١ / ٢٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٩، المغني: ٢ / ٣١٢، ٣١٦، ٣٣٢، كشاف القناع: ٢ / ٣١.
- ٣١٤ -
المبحث الثالث
صلاة المسافر ( القصر والجمع )
وفيه مطلبان : الأول - قصر الصلاة الرباعية ، مشروعيته ، وسببه
وشروطه ، حالة اقتداء المسافر بالمقيم وبالعكس ، ما يمنع القصر ، قضاء الصلاة
الفائتة في السفر، وصلاة السنن في السفر .
الثاني - الجمع بين الصلاتين ، أسبابه ، وشروطه .
المطلب الأول - قصر الصلاة الرباعية :
أولاً - مشروعية القصر ، وهل القصر عزيمة أم رخصة ؟
القصر جائز بالقرآن والسنة والإجماع (١).
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض ، فليس عليكم جناح
أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ والقصر جائز سواء في
حالة الخوف أم الأمن ، لكن تعليق القصر على الخوف في الآية ، كان لتقرير
الحالة الواقعة؛ لأن غالب أسفار النبي ◌ُّ اللّه لم تخل منه. قال يعلى بن أمية
لعمر بن الخطاب: ((مالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال: سألت النبي ◌ٍَّ فقال :
صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته))(٢).
(١) المغني: ٢ / ٢٥٤، كشاف القناع: ١ / ٥٩٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٢٦٢ وما بعدها .
(٢) رواه مسلم .
- ٣١٥ -
وأما السنة : فقد تواترت الأخبار أن رسول الله مُ لقٍ كان يقصر في أسفاره
حاجاً ومعتمراً وغازياً محارباً، وقال ابن عمر: ((صحبت النبي مؤ لّله ، فكان
لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك)) (١).
٠٠
وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفراً تقصر في مثله الصلاة ، سواء كان
السفر واجباً كسفر الحج إلى المسجد الحرام والجهاد والهجرة والعمرة ، أو مستحباً
كالسفر لزيارة الإخوان ، وعيادة المرضى ، وزيارة أحد المسجدين : مسجد
المدينة والأقصى ، وزيارة الوالدين أو أحدهما ، أو مباحاً كالسفر لنزهة أو فرجة
أو تجارة ، أو مكرهاً على السفر ، كأسير أوزان مغرَّب: وهو الزاني غير المحصن
الذي ينفى سنة بعد الجلد ، أو مكروهاً كسفر المنفرد بنفسه دون جماعة .
والقصر : هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين .
والذي يقصر إجماعاً (٢): هو الصلاة الرباعية من ظهر وعصر وعشاء ، دون
الفجر والمغرب ؛ لأنه إذا قصر الفجر ، بقي منه ركعة ، ولانظير لها في الفرض ،
وإذا قصر المغرب الذي هو وتر النهار ، بطل كونه وتراً .
روى أحمد عن عائشة رضي الله عنها: (( فرضت الصلاة ركعتين ، إلا
المغرب ، فإنه وتر النهار ، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر على ما كانت
عليه )) وروى علي بن عاصم عن عائشة حديثاً يتضمن استثناء صلاة المغرب وصلاة
الغداة ( الصبح ) وصلاة الجمعة من جواز القصر .
والأحكام المتعلقة بالسفر : هي القصر ، والجمع ، والمسح على الخف ثلاثة
أيام ، وإباحة الفطر في رمضان ، وهذه الأربعة تختص بالسفر الطويل ، وحرمة
(١) متفق عليه ، وروي مثله في الصحيحين عن ابن مسعود، وأنس .
(٢) كشاف القناع: ١ / ٥٩٥، المغني: ٢ / ٢٦٧ .
- ٣١٦ -
خروج المرأة بغير محرم ، وسقوط الجمعة والعيدين والأضحية ، وإباحة أكل الميتة
للمضطر ، والصلاة على الراحلة ، والتيم وإسقاط الفرض به ، وهذه متعلقة
بالسفر القصير ، إلا أن أكل الميتة والتيم لايختصان بالسفر(١) .
حكم القصر أو هل القصر رخصة أم عزيمة واجب ؟
وبعبارة أخرى : هل المسافر ملزم شرعاً بالقصر ، أم أنه مخير بينه وبين
الإتمام ، وأيهما أفضل : القصر أم الإتمام ؟
تتردد أقوال الفقهاء المعتمدة بين آراء ثلاثة : إنه فرض ، إنه سنة ، إنه رخصة
مخير فيها المسافر(٢).
قال الحنفية : القصر واجب - عزيمة ، وفرض المسافر في كل صلاة رباعية
ركعتان ، لاتجوز له الزيادة عليهما عمداً ، ويجب سجود السهو إن كان سهواً ،
فإن أتم الرباعية وصلى أربعاً ، وقد قعد في الركعة الثانية مقدار التشهد ، أجزأته
الركعتان عن فرضه ، وكانت الركعتان الأخريان له نافلة ، ويكون مسيئاً ،
وإن لم يقعد في الثانية مقدار التشهد ، بطلت صلاته ، لاختلاط النافلة بها قبل
إكالها .
ودليلهم أحاديث ثابتة، منها حديث عائشة: (( فرضت الصلاة ركعتين
ركعتين ، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر))(٣) وحديث ابن عباس :
(١) اللباب شرح الكتاب: ١ / ١٠٦، كشاف القناع: ١ / ٦٠٨، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٥، المغني: ٢ / ٢٦١
وما بعدها .
(٢) الدر المختار: ١ / ٧٣٥، مراقي الفلاح: ص ٧٢، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٠٧ ، بداية المجتهد : ١ /
١٦١، القوانين الفقهية: ص ٨٤، الشرح الكبير: ١ / ٣٥٨، مغني المحتاج: ١ / ٢٧١، المهذب: ١ / ١٠١، كشاف
القناع: ١ / ٦٠١، المغني: ٢ / ٢٦٧ - ٢٧٠ .
(٣) أخرجه الشيخان في الصحيحين، وفي لفظ: ((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ، فأتمها في الحضر،
وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى)) ( نصب الراية : ٢ / ١٨٨).
- ٣١٧ -
((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ،
وفي الخوف ركعة))(١) .
وقال المالكية على المشهور الراجح : القصر سنة مؤكدة ؛ لفعل النبي
◌َّ ، فإنه لم يصح عنه في أسفاره أنه أتم الصلاة قط ، كما في الحديث المتقدم عن
ابن عمر وغيره .
وقال الشافعية والحنابلة : القصر رخصة على سبيل التخيير ، فللمسافر
أن يتم أو يقصر، والقصر أفضل من الإتمام مطلقاً عند الحنابلة؛ لأنه ټ داوم
عليه ، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده ، وهو عند الشافعية على المشهور أفضل
من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر ، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية
تقدر ب ٩٦ كم اتباعاً للسنة ، وخروجاً من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة . لكن
الصوم في السفر أفضل من الفطر إن لم يتضرر به لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا
خير لكم ﴾ .
ـعالـ
ودليلهم :
١ - الآية السابقة: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وهذا
يدل على أن القصر رخصة مخير بين فعله وتركه كسائر الرخص .
اً - والحديث السابق عن عمر: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته)) وقوله ◌َ الَ: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى
عزائمه ))(٢) .
(١) أخرجه مسلم، ورواه الطبراني بلفظ: ((افترض رسول الله عَّ ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر
أربعاً)) ( نصب الراية: ٢ / ١٨٩ )
(٢) رواه أحمد والبيهقي عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً، وعن ابن مسعود بنحوه موقوفاً على =
- ٣١٨ -
٣ - وثبت في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله
مَ ◌ّةٍ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتم ، ومنهم الصائم ومنهم المفطر ، لا يعيب بعضهم
على بعض(١) .
٤ - وقالت عائشة: ((خرجت مع النبي ◌َّ ◌ٍَّّ في عُمْرة في رمضان، فأفطر
وصُمتُ ، وقصر وأتممت ، فقلت : بأبي وأمي ، أفطرتَ وصمتُ ، وقصرتَ
وأتممتُ ، فقال: أحسنت ياعائشة))(٢).
يظهر من هذه الأدلة الأربعة أن القصر رخصة ، وهو الراجح المتبادر
للذهن .
ثانياً - سبب مشروعية القصر :
الحكمة من القصر : هو دفع المشقة والحرج الذي قد يتعرض له المسافر غالباً ،
والتيسير عليه في حقوق الله تعالى ، والترغيب في أداء الفرائض ، وعدم التنفير من
القيام بالواجب ، فلا يبقى لمقصر أو مهمل حجة أو ذريعة في ترك فرض الصلاة .
وسبب مشروعية القصر: هو السفر الطويل ، المباح عند الجمهور غير
الحنفية . والكلام عن السفر المبيح للقصر الذي تتغير به الأحكام الشرعية يتطلب
بحث أمور أربعة وهي : المسافة التي يجوز فيها القصر ، نوع السفر الذي تقصر فيه
الصلاة : المباح أم أي سفر ، الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر ( أول
السفر) ، مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع .
الأصح ، وذكره أحمد عن ابن مسعود بلفظ: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته )) وهو
ضعيف .
(١) قاله النووي في شرح مسلم، لكن ليس في صحيح مسلم قوله: ((فمنهم القاصر ومنهم المتم)).
(٢) رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٠٢).
- ٣١٩ -
الموضوع الأول - المسافة التي يجوز فيها القصر :
اختلف الفقهاء في تقدير مسافة السفر التي يقصر فيها ، فقال الحنفية(١) :
أقل ما تقصر فيه الصلاة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من أقصر أيام السنة في البلاد
المعتدلة(٢) ، بسير الإبل ومشي الأقدام ، ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل ، بل أن
يسافر في كل يوم منها من الصباح إلى الزوال ( الظهر) ، فالمعتبر هو السير
الوسط مع الاستراحات العادية ، فلو أسرع وقطع تلك المسافة في أقل من ذلك كما
في وسائل المواصلات الحديثة ، جاز له القصر. فإذا قصد الإنسان موضعاً بينه
وبين مقصده مسيرة ثلاثة أيام ، جاز له القصر ، فإن لم يقصد موضعاً ، وطاف
الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص بالقصر .
والتقدير بثلاث مراحل قريب من التقدير بثلاثة أيام ؛ لأن المعتاد من
السير في كل يوم مرحلة واحدة ، خصوصاً في أقصر أيام السنة . ولا يصح القصر في
أقل من هذه المسافة ، كما لا يصح التقدير عندهم بالفراسخ(٣) على المعتمد الصحيح .
ودليلهم القياس على مدة المسح على الخف المقدرة بالسنة وهي نص حديث :
((يمسح المقيم كمال يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها)) (٤).
والمعتبر في البحر والجبل : ما يناسبه أو ما يليق بحاله لقطع المسافة ، ففي
البحر تعتبر تلك المسافة بحسب اعتدال الريح ، لاساكنة ولاعالية ، وفي الجبل
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٧٣٢ - ٧٣٥، فتح القدير: ١ / ٣٩٢ - ٣٩٤، اللباب: ١ / ١٠٦، مراقي
الفلاح : ص ٧١ .
(٢) أي البلاد التي يمكن قطع المرحلة المذكورة في معظم اليوم من أقصر أيامها ، فلا يرد أن أقصر أيام السنة في
بلاد البلغار قد يكون ساعة أو أكثر أو أقل .
(٣) الفرسخ : ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف ذراع .
(٤) رواه ابن أبي شيبة عن علي (نصب الراية: ٢ / ١٨٣).
- ٣٢٠ -