Indexed OCR Text
Pages 281-300
الحاكم في إقامة جمعة زائدة عند عدم الحاجة إليها ، كما يحرم الإذن فيما زاد على قدر الحاجة . فإن أقيمت الجمعة في موضعين فأكثر مع عدم الحاجة ، فجمعة الإمام ( الحاكم ) التي باشرها أو أذن فيها : هي الصحيحة ؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتاً عليه ، وتفويتاً لجمعته . فإن استويا في الإذن وعدم إذن الإمام ، فالسابقة هي الصحيحة ، والثانية باطلة . والسبق يكون بتكبيرة الإحرام ، كما قال الشافعية ، لا بالشروع في الخطبة ولا بالسلام . وإن تقارنتا معاً ، واستوتا في الإذن أو عدمه ، بطلتا ؛ لأنه لا يمكن تصحيحها . وإن جهلت الجمعة الأولى ببلد لغير حاجة ، أو لم يعلم سبق إحداهما ، أو علم الحال ثم أنسي ، صلوا ظهراً . والخلاصة : أن رأي الجمهور ( المالكية على المشهور، والشافعية والحنابلة ) والكاساني من الحنفية : هو عدم جواز التعدد إلا لحاجة . أما الحنفية(١) على المذهب وعليه الفتوى فقالوا: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعاً للحرج ؛ لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً ، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين ، ولم يوجد دليل على عدم جواز التعدد ، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه ، لا سيما في المدن الكبرى . والحق : رجحان هذا الرأي ، لاتساع البنيان ، وكثرة الناس ، وللحاجة في التيسير عليهم في أداء الجمعة ، ولأن منع التعدد لم يقم عليه دليل صحيح ، قال ابن (١) الدر المختار ورد المختار: ٧٥٥/١ وما بعدها. قال في شرح المنية: الأولى هو الاحتياط؛ لأن الخلاف في جواز التعدد وعدمه قوي ، وكون الصحيح جواز التعدد للضرورة للفتوى : لا يمنع شرعية الاحتياط للتقوى . - ٢٨١ - رشد (١) : لو كان شرط عدم التعدد ، واشتراط المصر والسلطان واشتراط مالك المسجد شروطاً في صحة صلاة الجمعة ، لما جاز أن يسكت عنها عليه الصلاة والسلام ، ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ ولقوله تعالى : ﴿ولتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ وتعدد الجمع اليوم يتفق مع مبدأ يسر الإسلام ودفع الحرج عن المصلين ، ولا تجب صلاة الظهر على أحد من المصلين ، كما قرر بعض الشافعية كالرملي في المدن الكبرى كالقاهرة وبغداد ودمشق ، وأما كون الجمعة لمن سبق فمعناه زيادة الأجر لمن بكر في المجيء للمسجد . ٧ - الخطبة قبل الصلاة : اتفق الفقهاء على أن الخطبة شرط في الجمعة ، لا تصح بدونها(٢) ، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والذكر: هو الخطبة، ولأن النبي مخفر لم يصل الجمعة بدون الخطبة(٣)، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وعن عمر وعائشة رضي الله عنها أنها قالا : قصرت الصلاة لأجل الخطبة . والأصح عند الحنفية: أن الخطبة ليست قائمة مقام ركعتين ، بل كشطرها في الثواب ، لما ورد به الأثر من أن الخطبة كشطر الصلاة . وهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقاً ، واختلف الفقهاء في شروط الخطبة . (١) بداية المجتهد : ١٥٤/١ (٢) تبيين الحقائق: ٢١٩/١ وما بعدها، الشرح الصغير: ٤٩٩/١، مغني المحتاج: ٢٨٥/١، المغني: ٣٠٢/٢. (٣) ذكره البيهقي ، واستدل ابن الجوزي على وجوب الخطبة بهذا، مع حديث ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة (( أن رسول الله منظف كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً ... )) وأخرج أبو داود عن ابن عمر، قال: كان النبي ◌َّ يخطب خطبتين ، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن ، ثم يقوم ، فيخطب ، ثم يجلس ، فلا يتكلم ، ويقوم ، فيخطب)) وفي أحد رواته : فيه مقال ( نصب الراية : ١٩٦/٢ ) . - ٢٨٢ - فقال الحنفية(١) : يخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل ، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات ، ويخفض جهره بالثانية عن الأولى ، ويخطب قائماً ، مستقبل الناس ، على طهارة من الحدثين ، وستر عورة ، ولو كان الحاضرون صُمَّاً أو نياماً . ولو خطب قاعداً أو على غير طهارة ، جاز، لحصول المقصود ، إلا أنه يكره تخالفته الموروث ، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته ، فالطهارة والقيام سنة عندهم ، والسبب في ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين في الأصح ؛ لأنها تنافي الصلاة ، لما فيها من استدبار القبلة والكلام ، فلا يشترط لها شرائط الصلاة . ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة ، فقال : الحمد لله ، أو سبحان الله ، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة ، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ والمراد به الخطبة باتفاق المفسرين ، وقد أطلق عليها الذكر ، من غير فصل بين قليل وكثير ، فالزيادة عليها نسخ ، وروي أن عثمان رضي الله عنه: أنه لما صعد المنبر أول جمعة ولّي ، قال: الحمد لله ، فأُرتج ( أي أغلق ) ، فنزل ، وصلى ، وكان بمحضر من علماء الصحابة ، ولم ينكر عليه أحد ، فدل على أن هذا المقدار كاف . وقال الصاحبان : لا بد من ذِكْر طويل يسمى خطبة ، وأقله قدر التشهد ؛ لأن الخطبة هي الواجبة ، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة . وشروط (١) فتح القدير مع العناية: ٤١٣/١ - ٤١٥، الدر المختار: ٧٥٧/١ - ٧٦٠، مراقي الفلاح: ص٨٧ ، البدائع: ٢٦٢/١، تبيين الحقائق: ٢١٩/١ وما بعدها! - ٢٨٣ - الخطبة عند الحنفية ستة : أن تكون قبل الصلاة ، وبقصد الخطبة ، وفي الوقت ، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح ، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنباً ، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط ، ولا يشترط سماع جماعة . ويشترط أيضاً ألا يفصل فاصل كثير أجنبي كتناول غداء أو غسل بين الخطبة والصلاة ، فإن وجد أعيدت الخطبة ، لبطلان الخطبة الأولى . ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب ، لكن لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب ؛ لأنها كشيء واحد. وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم. ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً ، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه ، ويأتي بالشهادتين ، والصلاة على النبي لم ، والعظة والتذكير ، ویندب ذکر الخلفاء الراشدين والعمين ( حمزة والعباس) ، ولا يندب الدعاء للسلطان ، وجوزه بعضهم ، فقد ثبت أن أبا موسى الأشعري أمير الكوفة دعا لعمر ، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه . واشترط المالكية(١) تسعة شروط لخطبتي الجمعة وهي : ٠٠ الأول - أن يكون الخطيب قائماً ، والأظهر أن هذا واجب غير شرط ، فإن جلس أتم خطبته وصحت . الثاني - أن تكون الخطبتان بعد الزوال ، فإن تقدمتا عليه ، لم يجز. الثالث - أن يكونا مما تسميه العرب خطبة ، ولو سجعتين نحو : اتقوا الله (١) الشرح الصغير: ٤٩٩/١، الشرح الكبير: ٣٧٢/١، ٣٧٨ وما بعدها، ٣٨٦. - ٢٨٤ - فيما أمر ، وانتهوا عما عنه نهى وزجر ، فإن سبح أو هلل أو كبر ، لم يجزه . وندب ثناء على الله ، وصلاة على نبيه ، وأمر بتقوى ، ودعاء بمغفرة وقراءة شيء من القرآن ، فإذا قال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله مَ الر ، أما بعد : أوصيكم بتقوى الله وطاعته ، وأحذركم عن معصيته ومخالفته ، قال تعالى : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ . ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي مَ التّ: أما بعد ، فاتقوا الله فيما أمر ، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، يغفر الله لنا ولكم ، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء . الرابع - كونها داخل المسجد كالصلاة ، فلو خطبها خارجه ، لم يصحا . الخامس - أن يكونا قبل الصلاة ، فلا تصح الصلاة قبلها ، فإن أخرهما عنهما ، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفاً ، ولم يخرج من المسجد ، فإن طال الزمن أعيدتا ؛ لأنها مع الصلاة كركعتين من الظهر . السادس - أن يحضرهما الجماعة: الاثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولهما ، لم يجزيا ؛ لأنها كركعتين . السابع والثامن والتاسع - أن يجهر بها ، وأن يكونا بالعربية ، ولو للأعاجم ، واتصال أجزائها ببعض وأن تتصل الصلاة بها وليس من شرط الخطبتين الطهارة على المشهور، لكن كره فيها ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر ، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة ، أو رعاف يسير والماء قريب . ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر ، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء . - ٢٨٥ _ وقال الشافعية (١) : للخطبة خمسة أركان أو فروض : حمد الله تعالى ، والصلاة على رسول الله سَاقٍ ، والوصية بالتقوى ، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين ، وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي . أما الأول وهو الحمد فلما رواه مسلم ، وأما الثاني فلأن الخطبة عبادة ، فتفتقر إلى ذكر الله تعالى وذكر رسوله ، كالأذان والصلاة ، وأما الثالث فلما رواه مسلم ، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير ، ولا يتعين لفظ الوصية بالتقوى على الصحيح ؛ لأن الفرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى ، فيكفي مادل على الموعظة ، طويلاً كان أو قصيراً كأطيعوا الله وراقبوه . وأما الرابع : فلما رواه الشيخان ، سواء أكانت الآية وعداً أم وعيداً أم حكماً أم قصة . وأما الخامس : فلنقل الخلف له عن السلف . وكون الدعاء في الثانية ؛ لأنه يليق بالخواتم . والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط ، وإنما هو سنة . وشروط كل من الخطبتين خمسة عشر هي ما يأتي : كونها قبل الصلاة ، عدم الانصراف عنهما بصارف ، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة ، وكونهما بالعربية ، وفي الوقت بعد الزوال ، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحباباً ، أما القاعد فيفصل بسكتة ، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة : بأن يرفع الخطيب صوته بأركانها حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون ، فلابد من الإسماع والسماع بالفعل ، لا بالقوة ، فلو كانوا صاً أو بعضهم لم تصح كبعدهم . وإذا كان الخطيب من الأربعين فيشترط أن يسمع نفسه ، فلو كان أصم لم يكف . (١) مغني المحتاج: ٢٨٥/١ - ٢٨٧، المهذب: ١١١/١، الحضرمية: ص٨٠. - ٢٨٦ - والولاء بين كلمات كل من الخطبتين ، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة ، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة ، كما قال الحنفية . وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان ، وستر العورة ، اتباعاً للسنة ؛ لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين ، فتكون بمنزلة الصلاة ، حتى يشترط لها دخول الوقت ، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان . وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة ، وأن يكون الخطيب ذكراً ، وأن تصح إمامته بالقوم ، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة ، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة . وقال الحنابلة(١) : يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان ، للأدلة السابقة ، وهما بدل ركعتين لما . تقدم عن عمر وعائشة ، ولا يقال : إنها بدل ركعتين من الظهر ؛ لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر ، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت . ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي : حمد الله بلفظ : الحمد لله ، فلا يجزئ غيره ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم)) (٢) أي أقطع، وعن ابن مسعود قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا تشهد قال : الحمد لله))(٣) والصلاة على رسول الله مؤقّ بلفظ الصلاة ؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر (١) المغني: ٣٠٢/٢ - ٣١٠، كشاف القناع: ٣٤/٢ - ٣٧، ٤٠. (٢) رواه أبو داود ، ورواه جماعة مرسلاً (٣) رواه أبو داود - ٢٨٧ - ٠ الله تعالى ، افتقرت إلى ذكر رسوله ، كالأذان . ولا يجب السلام عليه مع الصلاة علیه پاتے . وقراءة آية كاملة لقول جابر: ((كان ◌َالٍ يقرأ آيات، ويذكر الناس))(١)، ولأن الخطبتين أقيتا مقام ركعتين ، والخطبة فرض ، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما يقرأ ماشاء، ولو قرأ: ﴿ ثم نظر﴾ و﴿ مدهامتان ﴾ لم يكف . والوصية بتقوى الله تعالى ؛ لأنه المقصود ، ولا يتعين لفظها ، وأقلها : اتقوا الله ، وأطيعوا الله ونحوه ، وهذه الشروط أو الأركان الأربعة متفقة مع الشافعية . وإن أراد الخطيب الدعاء لإنسان دعا ، فالدعاء للمسلمين والمسلمات سنة ، ولا بأس بالدعاء لمعين حتى السلطان والدعاء له مستحب في الجملة ؛ لأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم ، وکان أبو موسى يدعو لعمر وأبي بكر ، كما قدمنا . ولو اقتصر على (( أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه)) فالأظهر لا يكفي ، والتسبيح والتهليل لا يسمى خطبة ولابد من اسم الخطبة عرفاً . وتبطل الخطبة بكلام محرم في أثنائها ولو يسيراً ، كما يبطل الأذان وأولى . ويشترط في الخطبة اثنا عشر شرطا هي ما يأتي : الشروط السابقة ، والقيام لمن قدر ، فإن قعد لعجز عن القيام أو لعذر من مرض ، فلابأس ، كما تصح الصلاة من القاعد العاجز عن القيام . والموالاة بين الخطبتين وبين أجزائهما ، وبين الصلاة ، فلا يصح الفصل الطويل بين ما ذكر ، فإن فصل بكلام طويل أو سكوت طويل ونحوه استؤنفت الخطبة . (١) رواه مسلم . - ٢٨٨ - والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة . وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته مالم يطل الفصل . وتشترط النية، لحديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فلو خطب بغير النية ، لم يعتد بها عندهم وعند الحنفية ، ولم يشترط المالكية النية ، كما لم يشترطها الشافعية ، وإنما اشترطوا عدم الصارف ، فلو حمد الله للعطاس لم يكف للخطبة . ورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون ، إن لم يعرض مانع من السماع ، كنوم أو غفلة أو صم بعضهم ، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت الخطيب أو بعده عنهم ، لم تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها . فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه كصم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي ، صحت الخطبة والصلاة وأن تكون بالعربية ، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها ، كقراءة القرآن ، فإنها لا تجزئ بغير العربية ، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها . وإسمامع العدد المعتبر للجمعة : وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب ؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة ، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام . وأن تكون الخطبة في الوقت ، وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة ، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر . ولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين : الأصغر والأكبر ، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة ، وإنما السنة أن يخطب متطهراً مزيلاً النجاسة ساتر العورة ، وقال ابن قدامة : والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة . ولا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة ؛ لأن الخطبة منفصلة عن - ٢٨٩ - الفقه الإسلامي جـ٢ (١٩) الصلاة، وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي عُ ◌ّ كان يتولاهما بنفسه ، وكذلك خلفاؤه من بعده . وإن خطب رجل ، وصلى آخر لعذر ، جاز . كما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد ، لأن كلاً منهما منفصلة عن الأخرى ، بل يستحب ذلك ، خروجاً من الخلاف في كل ما ذكر . ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي ◌ُ ◌ٍّ كان يفعل ذلك (١) . فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة . ويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ كان يفعل ذلك ، ولأنه أبلغ في سماع الناس ، وأعدل بينهم . ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة ، صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه . ٠٠ المطلب السادس - سنن الخطبة ومكروهاتها : أما سنن الخطبة فهي عند الحنفية ثماني عشرة سنة ، وهي ما يأتي ، مع بيان آراء الفقهاء الآخرين (٢). ١ - الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا . ٢ - كونها على منبر، بالاتفاق ، اتباعاً للسنة كما روى الشيخان ، ويسن أن (١) قال ابن عمر: ((كان ◌َّ يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس)) متفق عليه. (٢) مراقي الفلاح: ص ٨٨ ومابعدها، البدائع: ١ / ٢٦٣ - ٢٦٥، فتح القدير: ١ / ٤٢١ ، الدر المختار: ١ / ٧٥٨ - ٧٦٠، ٧٦٩ - ٧٧٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٠٣، ٦٠٥ - ٥١٠، القوانين الفقهية: ص ٨١ ، بداية المجتهد: ١ / ١٥٢ وما بعدها، ١٥٨ المهذب: ١ / ١١٢، مغني المحتاج: ١ / ٢٨٨ - ٢٩٠، الحضرمية: ص ٨١، كشاف القناع: ٢ / ٣٨ - ٤١، ٤٩ - ٥٥، المغني: ٢ / ٢٩٥ - ٣٠٠، حاشية الباجوري: ١ / ٢٣٠، المجموع: ٤ / ٤٢٠ - ٤٢٤. - ٢٩٠ - يكون المنبر على يمين المحراب ( أي مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره معد له ، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين . فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع ، لأنه أبلغ في الإعلام ، فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان يفعل ◌َ لّ قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه النبي ماتز فالتزمه أو مسحه . وكان منبره ◌َ ◌ّ ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها ، كما كان يفعل النبي عليه السلام . ٣ - الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة ، عملاً بالسنة لحديث ابن عمر السابق عند أبي داود ، وهو متفق عليه . ٤ - استقبال القوم بوجهه دون التفات يميناً وشمالاً ، سنة بالاتفاق ، لما روى ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي ماّ إذا قام على المنبر استقبله الناس بوجوههم . ٥ - أن يسلم على الناس إذا صِعد المنبر ، اتباعاً للسنة ، عند الشافعية والحنابلة ، وحال خروجه للخطبة عند المالكية ، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا صعد المنبر سلم))(١)؛ لأنه استقبال للناس بعد استدبار في صعوده ، أشبه من فارق قوماً ، ثم عاد إليهم . ويجب رد السلام . ولا يسلم على القوم عند الحنفية ؛ لأنه يلجئهم إلى مانهوا عنه من الكلام ، والحديث الثاني غير مقبول . (١) ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه البخاري عن عثمان. لكن في إسناد حديث جابر: ابن لهيعة ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٦١) . - ٢٩١ - ٦ - أن يؤذن مؤذن واحد، لاجماعة ، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر، وهذا هو الأذان الذي كان على عهد رسول الله عَ لّم. وهذا متفق عليه ، روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: (( النداء يومَ الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله طقمٍ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء(١)، ولم يكن للنبي ماقلّ مؤذن غير (٢) واحد ))(٢). ٧ - البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على النبي مَ لّه ، والعظة والتذكير ، وقراءة آية من القرآن ، وخطبتان ، والجلوس بين الخطبتين . وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي عائله في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم ، والنصر على الأعداء ، والمعافاة من الأمراض والأدواء ، والاستغفار. وهذا كله سنة عند الحنفية ، مندوب عند المالكية ، ومنها أركان خمسة عند الشافعية ، وهي شروط أربعة ماعدا الدعاء عند الحنابلة ، بيناها . وروي أنه الفر كان يقرأ في الخطبة: ((ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً .. إلى قوله تعالى ﴿فوزاً عظيماً﴾() ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن ، وختم الثانية بقول : يغفر الله لنا ولكم . كما يندب الترضي على الصحابة ، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز الإسلام به . (١) الزوراء : موضع بسوق المدينة، على المعتمد ، وهذا النداء الثالث: هو في الواقع الأذان الأول على المنابر، وسمي ثالثاً باعتبار كونه مزيداً ، ويسمى ثانياً باعتبار الأذان الحقيقي ، وعبر عنه بالنداء الثالث ، لأن الإقامة هي النداء الثاني . (٢) ورواه أيضاً النسائي وأبو داود (نيل الأوطار: ٣ / ٢٦٢) . (٣) الأحزاب : ٧٠ . - ٢٩٢ - وقال الشافعية : يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله : أستغفر الله لي ولكم . ٨ - إسماع القوم الخطبة ، ورفع الصوت بها : سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية؛ لأنه أبلغ في الإعلام ، روى مسلم عن جابر، قال: ((كان رسول الله التّ إذا خطب احمرَّت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم ، ويقول : أما بعد : فإن خير الحدث كتاب الله ... )). ٩ - اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس : سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى الحكم بن حزن قال: (( وفدت على النبي ◌َّ ، فشهدنا معه الجمعة ، فقام متوكئاً على سيف أو قوس أو عصا ، مختصراً) (١) ، ولأنه أمكن له ، فالاستناد إلى شيء يعطي قوة للخطيب . كما أنه يجعل يمناه على المنبر . ١٠ - تقصير الخطبتين ، وكون الثانية أقصر من الأولى : سنة عند الجمهور ، مندوب عند المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعاً: (( إن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته مئنة فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، وقصروا الخطبة))(٢). ويسن أيضاً كون الخطبة بليغة مفهومة بلاتمطيط كالأذان ، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ به الناس ، ليحصل الانتفاع بوعظه ، ولقوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾(٢) . (١) رواه أبو داود ، وحقق ابن القيم في زاد المعاد أن ذلك كان قبل اتخاذ المنبر. (٢) ورواه أحمد أيضاً. والمثنة: العلامة والمظنة ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٦٩). (٣) وروي عنه ◌َ يفل أنه قال: ((عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون)». - ٢٩٣ - ١١ - الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية(١) للحاضرين ، ويكره لهم الكلام فيها ، وفي الجديد : لا يحرم عليهم الكلام ، لقوله تعالى: ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة . وكراهة الكلام، لقوله ◌َ التّ: (( إذا قلت لصاحبك : أنصت يوم الجمعة ، والإمام يخطب، فقد لغوت))(٢) وقوله عليه السلام: ((ومن قال: صَهْ، فقد لغا، ومن لغا فلاجمعة له))(٣) قال العلماء: معناه لاجمعة له كاملة للإجماع على سقوط فرض الوقت عنه. وروى أحمد عن ابن عباس حديثاً: (( من تكلم يوم الجمعة ، والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، والذي يقول له : أنصت ، ليست له جمعة )). وعدم حرمة الكلام في الخطبة : للأخبار الدالة على جوازه ، كخبر الصحيحين عن أنس: ((بينما النبي ◌ُ لّ يخطب يوم الجمعة ، فقام أعرابي ، فقال: يارسول الله، هلك المال ، وجاع العيال ، فادع الله لنا ، فرفع يديه ودعا » فلم ينكر عليه الكلام ، ولم يبين له وجوب السكوت ، والحاضرون كلهم في ذلك سواء . واستثنى الشافعية ومثلهم الحنابلة من الإنصات أموراً : منها إنذار أعمى من الوقوع في بئر، أو من دب إليه عقرب مثلاً ، ويستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت ، ومنها : تحية المسجد للداخل بركعتين خفيفتين يقتصر فيها على الواجبات ، ومنها تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى ، وحمد العاطس إذا عطس خفية ، ومنها رد السلام ، وإن كان البدء به للداخل مكروهاً ، لأن رد السلام واجب ، ومنها: الصلاة على النبي مَ لّ عند سماع ذكره . / (١) مغني المحتاج: ١ / ٢٨٧ ومابعدها . (٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٧١). (٣) رواه أحمد وأبو داود عن علي ( المصدر السابق ) . - ٢٩٤ _ وأباح الحنابلة أيضاً : الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء ؛ لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة ، والدعاء لايجب الإنصات له ، وأباحوا لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي مع الّ خفية، وفعله أفضل من سكوته لتحصيل الأجر ، ويسجد للتلاوة لعموم الأدلة ، وليس له الجهر بصوته ، ولا إقراء القرآن ، ولا المذاكرة في الفقه ، لئلا يشتغل غيره عن الاستماع ، ولا أن يصلي ؛ لأنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام ، ولا أن يجلس في حلقة ؛ لأنه يكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ؛ لأن النبي عَ ◌ّه (( نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة)) (١) . ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة ، وبمجرد صعود الإمام المنبر عند أبي حنيفة(٢) ، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب ، ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس عند المالكية ، ويكره تحريماً عند الحنفية الكلام من قريب أو بعيد ، ورد السلام ، وتشميت العاطس ، وكل ماحرم في الصلاة حرم في الخطبة ، فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو أمراً بمعروف ، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت . وإشارة الأخرس 5 المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره . ويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقاً ، وفي أثناء الجلوس بين الخطبتين عند الحنابلة والشافعية وأبي يوسف ، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية ومحمد بن الحسن . ويندب عند المالكية حمد الله تعالى سراً لعاطس حال الخطبة ، ويجوز عندهم (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (٢) البدائع: ١ / ٢٦٤، الكتاب مع اللباب: ١ / ١١٥، مراقي الفلاح: ص ٨٨ ، الشرح الكبير: ١ / ٣٨٧ ، الشرح الصغير: ١ / ٥٠٩ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢ / ٣٢٠ - ٣٢٥، كشاف القناع: ٢ / ٣٧. - ٢٩٥ _ ١ مع خلاف الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سراً إذا قل ، حال الخطبة ، ومنع الكثير جهراً ؛ لأنه يؤدي إلى ترك واجب ، وهو الاستماع . ولا يحرم الكلام على الخطيب ، ولاعلى من سأله الخطيب ، كأن يأمر إنساناً لغا أو خالف السنة أو ينهاه ، فيقول : أنصت ، أو لاتتكلم ، أو لاتتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور إجابته إظهاراً لعذره؛ لأن النبي مَ اف (( سأل سليكاً الداخل ، وهو يخطب: أصليت؟ قال: لا))(١) وعن ابن عمر: ((أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله طاقة ، فناداه عمر: أية ساعة هذه قال : إني شغلت اليوم ، فلم أتقلب إلى أهلي ، حتى سمعت النداء ، فلم أزد على أن توضأت ، قال عمر: الوضوء أيضاً ؟! وقد علمت أن رسول الله ظافر كان يأمر بالغسل))(٢)، ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة ، ولا يحصل ههنا . وكذلك من كلم الإمام لحاجة ، أو سأله عن مسألة ، بدليل الخبر المذكور . الترقية بين يدي الخطيب : ـعالـ وهي قراءة: ((إن الله وملائكته يصلون على النبي)) وحديث ((إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت )) وهي بدعة وهي مكروهة تحريماً عند أبي حنيفة لحرمة أي كلام بعد صعود الإمام المنبر ، وجائزة عند الصاحبين ، وبدعة مكروهة عند المالكية إلا إذا شرطها الواقف في كتاب وقفه ، وقال الشافعية : هي بدعة حسنة فيها تذكير بخير ، وأجاز الحنابلة الكلام قبل الخطبة وفي الجلوس بين الخطبتين . (١) رواه مسلم، وروي في موضوعه عن جابر ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٦). (٢) متفق عليه . - ٢٩٦ - ١٢ - تحية المسجد للداخل والإمام يخطب: سنة عند الشافعية والحنابلة(١) لما روى جابر قال: جاء رجل إلى النبي ◌ُ ◌ّ وهو يخطب الناس، فقال: ((وصليت يافلان؟)) قال: لا، قال: ((م فاركع)) وفي رواية: ((فصل ركعتين))(٢) وقال ◌َ له في رواية: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فليصل ركعتين))(٣) وماعدا التحية تحرم الصلاة بمجرد صعود الخطيب المنبر ، حتى وإن لم يباشر بالخطبة . وقال أبو حنيفة ومالك(٤): إذا خرج الإمام إلى المنبر فلاصلاة ولاكلام ، فلا تصلى تحية المسجد وتكره ، وإنما يجلس الداخل ولا يركع ؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس: ((اجلس، فقد آذيت))(٥) وأجاز المالكية التحية لداخل يقتدى به من عالم أو سلطان أو إمام ، لا لغيرهم . ١٣ - نزول الإمام عن المنبر: قال الشافعية: يبادر الخطيب بالنزول عن المنبر ليبلغ المحراب ، مع فراغ المؤذن من الإقامة ، مبالغة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة . وقال الحنابلة : إذا فرغ الإمام من الخطبة ، نزل عند قول المؤذن : قد قامت الصلاة ، كما يقوم إلى الصلاة عندهم غير الخطيب حينئذ . ويستحب أن (١) المجموع: ٤ / ٤٢٧ وما بعدها، المهذب: ١ / ١١٥، المغني: ٢ / ٣١٩. (٢) متفق عليه ، بل رواه الجماعة، وروى الخمسة إلا أبا داود عن أبي سعيد الخدري مثله (نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٥ ) . (٣) رواه مسلم بلفظه، والبخاري بمعناه عن جابر، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة. والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيها)) ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٦). (٤) اللباب: ١ / ١١٥، مراقي الفلاح: ص ٨٨ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٨١ ، بداية المجتهد: ١ / ١٥٨. (٥) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد عن عبد الله بن بسر وزاد أحمد: ((وآنيت)) أي أبطأت. وتأخرت ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٢). - ٢٩٧ - يكون حال صعود الخطيب على تؤدة ، وإذا نزل يكون مسرعاً من غير عجلة ، مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة . والجمهور غير الشافعية الذين لم يشترطوا الطهارة في الخطبتين ، جعلوها سنة . مكروهات الخطبة : مكروهات الخطبة عند الحنفية والمالكية : هي ترك سنة من السنن المتقدمة ، ومن أهمها تطويل الخطبة وترك الطهارة ، فكلاهما مكروه ، ومنها عند الحنفية : أن يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر . ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب(١) أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة ؛ لأنه يؤذي الجالسين ، ولنهي النبي ◌َّ عنه في حديث عبد الله بن بُشْر المتقدم: ((اجلس فقد آذيت))(٢) والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية على المختار، ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة ، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية ، وكراهة التخطي عند الشافعية والحنابلة مطلقة ، سواء أكان قبل الخطبة أم أثناءها ، لأن العلة هي إيذاء الجالسين ، ويكره التخطي عند المالكية قبل جلوس الخطيب على المنبر لغير فرجة ، لأنه يؤذي الجالسين ، ولكنهم أجازوا التخطي بعد الخطبة للصلاة ، وقبل الصلاة لفرجة أو غيرها ، كما أجازوا مع غيرهم المشي بين الصفوف مطلقاً ولو حال الخطبة ؛ لأنه ليس من التخطي . (١) التخطي : أن يرفع رجله ويخطى بها كتف الجالس . (٢) وروى أحمد أيضاً عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي: ((الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام ، كالجارّ قُصْبه ( أي أمعاءه) في النار)) (نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٢). - ٢٩٨ - وأجاز الحنابلة التخطي لفرجة أو لمن عادته الصلاة في موضع ، كذلك أجاز الشافعية التخطي لفرجة ، وأضافوا أنه يجوز التخطي إذا كان المتخطي ممن لا يتأذى به كرجل صالح أو عظيم ، أو كانت الصفوف الأولى ممن لا تنعقد بهم الجمعة كالصبيان ، فيجب التخطي في هذه الحالة . وقال الحنفية : لابأس بالتخطي بشرطين : الأول - ألا يؤذي أحداً به بأن يطأ ثوبه أو يمس جسده ، والثاني - أن يكون ذلك قبل شروع الإمام في الخطبة ، وإلا كره تحريماً ، إلا إذا كان التخطي لضرورة كأن لم يجد مكاناً إلا بالتخطي . فلابأس بالتخطي عندهم مالم يأخذ الإمام في الخطبة ، ولم يؤذ أحداً . وليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهاً على إطلاقه ، بل منه ماهو مكروه ، ومنه ماهو خلاف الأولى . فمن المكروه في الخطبة عند الشافعية : أن يتكلم سامعها أثناءها ، وأن يؤذن جماعة بين يدي الخطيب وهو مكروه أيضاً عند الحنابلة ، وأن يلتفت الإمام في الخطبة الثانية ، وأن يشير بيده أو غيرها ، وأن يدق درج المنبر . ويكره الاحتباء(١) للحاضرين في الخطبة، لما صح من النهي عنه(٢)، ولأنه يجلب النوم. ومن خلاف الأولى عند الشافعية : أن يغمض السامع والإمام عينيه لغير حاجة حال الخطبة . ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط أحداً في انتقاله ، لحديث الترمذي وصححه وأبي داود: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه ، فليتحول إلى غيره )) فالسنة مطاردة النعاس ومغالبته . (١) الاحتباء : الجلوس على الأليتين، وضم الفخذين والساقين إلى البطن بالذراعين ليستند . : (٢) رواه أبو داود والترمذي وحسنه عن سهل بن معاذ: ((أن النبي ◌َ ◌ّ نهى عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب )) . - ٢٩٩ - ومن المكروه عند الحنابلة(١): استدبار الخطيب القوم حال الخطبة ، ورفع يديه حال الدعاء في الخطبة ، وفاقاً للمالكية والشافعية وغيرهم . وأجاز الحنابلة الاحتباء مع ستر العورة ، لأنه فعله جماعة من الصحابة ، وضعفوا حديث النهي عنه ، كما أجازوا القرفصاء : وهي الجلوس على أليتيه رافعاً ركبتيه إلى صدره ، مفضياً بأخمص قدميه إلى الأرض . وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة ، ولاجلسة أخشع منها . ويكره عند الحنابلة والشافعية التشبيك في المساجد ، ومن حين يخرج المصلي من بيته قاصداً المسجد ، لخبر أبي سعيد أنه مُ طلقة: ((إذا كان أحدكم في المسجد ، فلا يشبكنَّ ، فإن التشبيك من الشيطان ، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه))(٢) قال بعض العلماء : إذا كان ينتظر الصلاة ، جمعاً بين الأخبار، فإنه ورد أنه (( لما انفتل ◌ُ ◌ّ من الصلاة التي سلم قبل إتمامها، شبك بین أصابعه )» . وأما كراهة التشبيك أثناء الذهاب للمسجد : فلحديث كعب بن عُجرة أن النبي ◌ََّّ قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد ، فلا يشبك بين أصابعه ، فإنه في صلاة))(٣) . ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي مع الفم: ((من مس الحصى فقد لغا)) (٤) ، ويكره الشرب مالم يشتد عطشه . (١) المغني: ٢ / ٣٢٦، كشاف القناع: ١ / ٣٧٩، ٢ / ٤٠ وما بعدها . (٢) رواه أحمد ، ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة . (٣) رواه أبو داود . (٤) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ، وهو حديث حسن ، وصححه الترمذي . - ٣٠٠ -