Indexed OCR Text
Pages 261-280
مصعب بن عمير : أما بعد ، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم ، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم ، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة ، فتقربوا إلى الله بركعتين )). فأول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم النبي مَ الزّ المدينة ، فجمع عند الزوال من الظهر. وكان أسعد بن زرارة هو الذي جمع الناس ، وكان مصعب نزيلهم ، وكان يصلي بهم ، ويقرئهم ويعلهم الإسلام ، وكان يسمى المقرئ ، فأسعد دعاهم ، ومصعب صلى بهم . والدليل على أن الجمعة فرض مستقل ، وأنها ليست ظهراً مقصوراً ، وإن كان وقتها وقت الظهر ، وتدرك به : هو أن الظهر لا يغني عنها ، ولقول عمر رضي الله عنه: ((الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم مَ لّمُ ، وقد خاب من افترى ))(١) . المطلب الثاني - فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها : حكمتها : الجمعة شرعت لدعم الفكر الجماعي ، وتجمع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم ، وتوحيد كلمتهم ، وتدريبهم على طواعية القائد ، والتزام متطلبات القيادة ، وتذكيرهم بشرع الإسلام دستوراً وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً وسلوكاً، وتنفيذاً لأوامر الجهاد ، وما تتطلبه المصلحة العامة في الداخل والخارج ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والخلاصة : أن تكرار الوعظ والتذكير الدائم كل أسبوع له أثر واضح في إصلاح الفرد والجماعة: ﴿وذكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ . السعي إليها : ومن أجل تلك الأهداف والغايات السامية ، ولكسب الثواب الأخروي ، كان السعي للجمعة واجباً حكمه حكم الجمعة ؛ لأنه ذريعة (١) رواه الإمام أحمد وغيره ، وقال النووي في المجموع: إنه حسن . - ٢٦١ - إليها: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ) والتبكير إليها فضيلة، وكان ترك أعمال التجارة من بيع وشراء ومختلف شؤون الحياة أمراً لازماً لئلا يتشاغل عنها ويؤدي ذلك إلى إهمالها أو تعطيلها . ويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالنداء إليها بالأذان الذي بين يدي الخطيب ، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال ، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد ، فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة (١) . وللتبكير إلى الجمعة درجات في الثواب ، قال رسول الله م اقل: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح ، فكأنما قرب بَدَنة ، ومن راح في الساعة الثانية ، فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة ، فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر))(٢). وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة : اعتقد جماعة منهم الجمهور غير المالكية أن هذه الساعات هي من أول النهار إلى الزوال ، وتنقسم إلى خمس ، فندبوا الرواح من أول النهار، لكن الأظهر ماذكرته المالكية : أنها أجزاء ساعة قبل الزوال ؛ لأن الساعة شرعاً ولغة هي الجزء من أجزاء الزمان ، ولم ينقل عند أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو بعدها بقليل(٣). ٠٠٠ وأداء الجمعة بآدابها يغفر للمؤمن مابين الجمعتين، لقوله معاقل: ((الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن إذا اجتنِبت الكبائر))(٤) ولقوله عليه السلام: (( من اغتسل ثم أتى الجمعة حتى يفرغ الإمام من (١) المغني: ٢ / ٢٩٧ . (٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٣٧). (٣) بداية المجتهد: ١ / ١٦٠، نيل الأوطار: ٣ / ٢٣٠. (٤) رواه مسلم عن أبي هريرة ( الترغيب والترهيب: ٢ / ٩٢). - ٢٦٢ - خطبته ، ثم يصلّي معه ، غفر له مابينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضلُ - أي زيادة - ثلاثة أيام )) (١) . ساعة الإجابة : وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها ، عن أبي هريرة أن رسول الله صل قل ذكر يوم الجمعة ، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار - أي النبي عَ لّله - بيده يقللها ))(٢)، وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها - كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم - : أنها فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة . خصوصيات الجمعة : وللجمعة مزايا متعددة هي مائة مزية أوضحها الإمام السيوطي في كتاب خاص بعنوان ((خصوصيات يوم الجمعة))(٣) ، ومنها أنه تجتمع الأرواح فيها ، وتزار القبور، ويأمن الميت من عذاب القبر ، ومن مات فيه أو في ليلته أمن فيه من عذاب القبر ، ولا تسجر فيه جهنم ، وفيه يزور أهل الجنة ربهم تعالى(٤) . التشريك في العبادة : ومن سعى يريد الجمعة ، وحوائجه ، وكان معظم مقصوده الجمعة ، نال ثواب السعي إليها ، قال الحنفية(٥): وبهذا يعلم أن من شرَّك في عبادته ، فالعبرة للأغلب . البيع وقت النداء لصلاة الجمعة : يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند (١) رواه مسلم عن أبي هريرة ، ورواه أحمد عن أبي أيوب بلفظ آخر، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، ورواه البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عباس ، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( سبل السلام: ٢ / ٥٤، نيل الأوطار: ٣ / ٢٣٦) (٢) متفق عليه ( سبل السلام : ٢ / ٥٤ ) . (٣) طبع دار الفكر بدمشق عام ١٩٦٤ . (٤) الدر المختار : ١ / ٧٧٣ . (٥) الدر المختار: ١ / ٧٧٢ . - ٢٦٣ - - الجمهور عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر ، وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول ، وإن لم يكن في زمن الرسول ( ، بل في زمن عثمان رضي الله عنه . ويكره تحريماً عند الحنفية ، ويحرم عند غيرهم التشاغل عن الجمعة بالبيع وغيره من العقود من إجارة ونكاح وصلح وسائر الصنايع والأعمال ، وذلك عند الجمهور بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب ، مما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة ، لقوله تعالى : ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع ﴾ فورد النص على البيع ، وقيس عليه غيره ، سواء أكان عقداً أم لا ، لأن كل ذلك يمنع عن تحقيق الغاية المطلوبة وهي أداء الجمعة(١). وأضاف الشافعية أنه يكره البيع ونحوه قبل الأذان بعد الزوال . وقال الحنابلة(٢): لا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح ؛ لأن النهي مختص بالبيع ، وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي ، لقلة وجوده ، فلا يصح قياسه على البيع . غير أني لاأتردد في تصويب الرأي الأول ، وعدم الالتفات للرأي الثاني ؛ لأن الأمور بمقاصدها ، ولأن الحنابلة القائلين بسد الذرائع يلزمهم سد كل الوسائل المؤدية إلى إهمال الجمعة . وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة ، أما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين ، فلا يثبت في حقهم ذلك . (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٧٧٠، البدائع: ١ / ٢٧٠، بداية المجتهد: ١ / ١٦٠، و٢ / ١٦٧، القوانين الفقهية: ص ٣١، المهذب: ١ / ١١٠، حاشية الدسوقي: ١ / ٣٨٦ ، مغني المحتاج: ١ / ٢٥ ومابعدها . (٢) المغني : ٢ / ٢٩٧ وما بعدها . - ٢٦٤ _ وهل البيع إذا وقع وقت النداء صحيح ، آم باطل يفسخ(١) ؟ قال الحنفية : البيع صحيح مكروه تحريماً ؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع ، بل لترك استماع الخطبة ، ويقرب من قولهم قول الشافعية : البيع صحيح حرام . وقال المالكية : إنه من البيوع الفاسدة ، ويفسخ على المشهور. وكذلك قال الحنابلة : لا يصح هذا البيع . وسبب اختلافهم : هل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة يعود بفساد المنهي عنه ، أم لا ؟ . المطلب الثالث - من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة : الجمعة كغيرها من الصلوات الخمس في الأركان والشروط والآداب ، وتختص بشروط لوجوبها وصحتها ولزومها ، وبآداب . تجب الجمعة على كل مكلف ( بالغ عاقل ) حر، ذكر ، مقيم غير مسافر ، بلامرض ونحوه من الأعذار ، سمع النداء ، فلاتجب على صبي ومجنون ونحوه ، وعبد ، وامرأة ، ومسافر ، ومريض ، وخائف وأعمى وإن وجد قائداً عند الحنفية ، ويجب عليه إن وجد من يقوده عند المالكية والشافعية ، ولو لم يجد قائداً عند الحنابلة ، ومن لم يسمع النداء ، على تفصيل آتٍ ، ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج . لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس ، أجزأهم ذلك عن فرض الوقت ؛ لأنهم تحملوا المشقة ، فصاروا كالمسافر إذا صام ، ولأن كل من صحت ظهره ممن لاتلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع ، لأنها إذا أجزأت عمن لاعذر له ، فصاحب العذر أولى ، وإنما سقطت عنه رفقاً به ، فترك الجمعة (١) المراجع السابقة، تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي: ٢ / ٣٧٨ ، الشرح الصغير: ١ ٥١٤ . - ٢٦٥ - للمعذور رخصة ، فلو أدى الجمعة سقط عنه الظهر ، وتقع الجمعة فرضاً ، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة ، أي أنه إن تكلف حضورها وجبت عليه ، وانعقدت به ، ويصح أن يكون إماماً فيها . وبه يتبين أن شروط وجوب الجمعة هي ما يأتي : يشترط لوجوب الجمعة شروط وجوب الطهارة والصلاة وهي ثلاثة عند الجمهور ( الإسلام والبلوغ والعقل ) وعشرة عند المالكية وهي : الإسلام والبلوغ والعقل ، وعدم الحيض والنفاس ، ودخول الوقت ، وعدم النوم ، وعدم النسيان ، وعدم الإكراه ، ووجود الماء أو الصعيد ، والقدرة على الفعل بقدر الإمكان . ويزاد عليها أربعة شروط(١) ١ - الذكورة : فلاتجب الجمعة على أنثى . ٢ - الحرية : فلاتجب على عبد. ٣ - الإقامة في محل الجمعة : فلا تجب على مسافر لم ينو الإقامة(٢) لحديث (( لاجمعة على مسافر))(٢)، وفي هذا تفصيل المذاهب : قال الحنفية: يشترط الإقامة في مصر أي بلد كبير : وهو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة ، والقرية بخلافها . فلاتجب الجمعة على مقيم بقرية . (١) الدر المختار: ١ / ٧٦٢ - ٧٦٤، البدائع: ١ / ٢٥٦، الكتاب مع اللباب: ١ / ١١١ - ١١٣، فتح القدير: ١ / ٧١٤، الشرح الصغير: ١ / ٤٩٤ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٧٩، بداية المجتهد: / ١٥١ ، مغني المحتاج : ١ / ٢٧٦ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٠٩، كشاف القناع: ٢ / ٢٣ - ٢٥، المغني: ٢ / ٢٩٨، ٣٢٧ - ٣٣٢، ٣٣٨- ٣٤٢. (٢) مدة الإقامة خمسة عشر يوماً عند الحنفية ، وأربعة أيام عند الشافعية والمالكية والحنابلة . (٣) روي مرفوعاً ، لكن قال البيهقي : الصحيح وقفه على ابن عمر . - ٢٦٦ - وتجب الجمعة أيضاً على من كان في فِناء المصر أي ما امتد من جوانبها ، وقدروه بفرسخ ( ٥٥٤٤ م ) في المختار للفتوى . أما من كان خارج المصر : فتجب عليه الجمعة إن كان يسمع النداء من المنائر بأعلى صوت . وهو قول محمد ، وبه يفتى . ولاجمعة على من يقيم في أطراف المصر ، ويفصل بينه وبينها مسافة من مزارع ونحوها ، وإن بلغه النداء . وتقدير البعد بغلوة سهم ( أربعمائة ذراع ) أو ميل ، ليس بشيءٍ . والخلاصة : أنه تجب الجمعة على من يسكن المصر، أو ما يتصل به ، فلا تجب على أهل السواد ( القرى ) ولو كان قريباً ، وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة لمدة خمسة عشر يوماً ، وليس الاستيطان ( دوام الإقامة ) شرطاً لوجوب الجمعة . وقال المالكية : تجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام صحاح فأكثر، وإن لم تنعقد به . وتجب الجمعة على مقيم ببلد الجمعة ، وعلى المقيم بقرية أو خيمة بعيدة عن بلد الجمعة بنحو فرسخ أو ثلاثة أميال وثلث ، لاأكثر، وتقدر المسافة من المنارة التي في طرف البلد . ولا يشترط في بلد الجمعة أن يكون مصراً ، فتصح في القرية ، وفي الأخصاص ( وهي بيوت الجريد أو القصب ) ، ولاتصح ولاتجب في بيوت الشعر ؛ لأن الغالب عليهم الارتحال ، إلا إذا كانوا قريبين من بلد الجمعة ، كما لا تصح ولاتجب على من أقام مؤقتاً في مكان ولو لشهر مثلاً ، إذ لابد من الاستيطان : وهو الإقامة في بلد على التأبيد . ٠ وقال الشافعية : تجب الجمعة على المقيم في بلد ، مصر أو قرية ، سمع النداء أو لم يسمعه، وعلى من في خارجه إن سمع النداء، لقوله مع المه: ((الجمعة على من سمع - ٢٦٧ - النداء)) (١) فلاجمعة على الحصادين ، إلا إذا سمعوا النداء . والاعتبار في سماع النداء : أن يقف المؤذن في طرف البلد ، والأصوات هادئة ، والريح ساكنة ، وهو مستمع ، فإذا سمع النداء لزمه ، وإن لم يسمع لم يلزمه . وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام ، أو سافر يوم الجمعة بعد فجر يومها ، فإن سافر قبل الفجر فلاجمعة عليه ، ولكن لا تنعقد الجمعة بالعدد المطلوب وهو أربعون بالمسافر ، بل لابد من كون الأربعين متوطنين ، فالاستيطان شرط الانعقاد لاشرط الوجوب للجمعة ، كما أن شرط صحة الجمعة هو وقوعها في بناء لا في صحراء . ومذهب الحنابلة : تجب الجمعة على مستوطن ببناء أو ماقاربه من الصحراء ، مقيم في بلد وإن لم يكن مصراً تقام فيه الجمعة ، ولو كان بينه وبين موضع إقامة الجمعة فرسخ ، ولو لم يسمع النداء ؛ لأنه بلد واحد ، فلافرق فيه بين البعيد والقريب ، ولأن بعد الفرسخ في مظنة القرب . كما تجب الجمعة على من كان خارج البلد الذي تقام فيه الجمعة إذا كان بينه وبين موضعها فرسخ تقريباً فأقل كما قال المالكية ؛ لأنه من أهل الجمعة ، ويسمع النداء كأهل المصر ، والعبرة بسماعه من المنارة ، لابين يدي الإمام . والمعتبر مظنة السماع غالباً ، كما قال الشافعية : إذا كان المؤذن صيِّتاً ، والرياح ساكنة ، والأصوات هادئة ، والعوارض منتفية . وتجب على المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر ، أو كان سفره معصية ، لئلا تكون المعصية سبباً للتخفيف عنه ، أو كان بينه وبين بلد إقامته فرسخ فأقل ، أو سافر مسافة دون مسافة القصر . (١) رواه أبو داود، والدارقطني وقال فيه: ((إنما الجمعة على من سمع النداء)) من حديث عبد الله بن عمرو ( نيل الأوطار : ٣ / ٢٢٥ ) . - ٢٦٨ - ولا تجب الجمعة على من كان في قرية لا يبلغ عددهم أربعين ، أو كان مقيماً في خيام ( ما يبنى من عيدان الشجر ) ونحوها كبيوت الشعر ، أو كان مسافراً سفراً لمسافة القصر (٨٩ كم)، أو كان بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ ، أو مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف أو في بعض السنة ؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها، ولأنه مُّ التّ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر . ولاجمعة بمنى وعرفة نصاً ؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك . السفر يوم الجمعة : للفقهاء رأيان في مشروعية السفر يوم الجمعة بعد الفجر(١) ، فأجازه الحنفية والمالكية ، ومنعه الشافعية والحنابلة إن خيف فوت الجمعة ، واتفقوا على منعه بعد دخول وقت الظهر ( أي بعد الزوال ) وقبل أداء صلاتها . قال الحنفية : لابأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر ، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي الجمعة ، ولا يكره قبل الزوال . وكذلك قال المالكية : يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال ، ولكنه يكره لمن لا يدركها في طريقه ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقاً . ودليلهم قول عمر: ((الجمعة لاتحبس عن سفر)). وقال الشافعية والحنابلة : يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده ، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر (١) الدر المختار: ١ / ٧٧١، الشرح الصغير: ١ / ٥١٢، القوانين الفقهية: ص ٨٠، المهذب: ١ / ١١٠، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٨ وما بعدها، المغني: ٢ / ٣٦٢ - ٣٦٤، الشرح الصغير: ١ / ٥١٤ - ٥١٦ ، خصوصيات يوم الجمعة للسيوطي : ص ٧٣ ، الشرح الكبير : ٣٨٧ . - ٢٦٩ - واجباً كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته ، لما روى ابن عمر: (( أن رسول الله وَ التّ قال : من سافر من دار إقامة يوم الجمعة ، دعت عليه الملائكة ، لا يُصحَب في سفره، ولا يعان على حاجته ))(١)، وهذا وعيد لا يلحق بالمباح ، ولأن الجمعة قد وجبت عليه ، فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كاللهو والتجارة . كذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة، جاء في الإحياء للغزالي: (( من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه )) . وفي تقديري أن رأي المالكية والحنفية أصح ، تيسيراً على الناس ، ومنعاً للحرج ، ولضعف حديث الفريق الثاني . ٤ - السلامة من الأعذار : فلابد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة ، والأمن ، والحرية ، والبصر، والقدرة على المشي ، وعدم الحبس ، وعدم المطر الشديد والوحل والثلج ونحوها ، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة . فلاتجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك ، ومرّض إن بقي المريض ضائعاً ، وشيخ فانٍ ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة ، وعبد ؛ لأنه مشغول بخدمة مولاه ، وأعمى عند أبي حنيفة ، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين إذا وجد أي الأعمى قائداً ، ولا يجب عليه إن وجد قائداً عند أبي حنيفة والمالكية والشافعية ، ولاتجب على مفلوج الرّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس ، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج . ولاتجب على قروي عند الحنفية . سقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة : قال الحنابلة(٢): كما تسقط الجمعة عن ذوي الأعذار أو الأشغال كمريض (١) رواه الدارقطني في الأفراد، وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة . (٢) المغني: ٢ / ٣٥٨، كشاف القناع: ٢ / ٤٤ . - ٢٧٠ - ونحوه ، تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إن اتفق عيد في يوم جمعة إسقاط حضور ، لا إسقاط وجوب ، إلا الإمام ، فإنها لا تسقط عنه ، إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة ، ويصح أن يؤم فيها ، والأفضل حضورها خروجاً من الخلاف . ودليلهم: حديث زيد بن أرقم: (( من شاء أن يجمع فليجمع )) (١) ، وحديث أبي هريرة عن رسول الله وعائل قال: ((اجتمع في يومكم هذا عيدان ، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون))(٢)، ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد ، فأجزأه عن سماعها ثانياً ، ولأن وقتها واحد ، فسقطت إحداهما بالأخرى كالجمعة مع الظهر . وقوله: ((إنا مجمعون)) يدل على أن الإمام لا تسقط عنه ، ولأنه لو تركها ، لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه ، بخلاف غيره من الناس . المطلب الرابع - كيفية الجمعة ومقدارها : الجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها(٣)، قال عمر: ((صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر ، وقد خاب من افترى)) (٤) فلها ركنان : الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعاً ، والخطبة : فرض وهي خطبتان قبل الصلاة ، وشرط في صحة الجمعة على الأصح ، وأقل ما يسمى خطبة عند العرب ، تشتمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله ، ووعظ في أمور الدين والدنيا ، وقرآن . ویسن قبلها أربع ركعات اتفاقاً ، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضاً . (١) رواه الإمام أحمد، وأبو داود ولفظه ((من شاء أن يصلي فليصل)). (٢) رواه ابن ماجه. وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي مد فع نحو ذلك . (٣) البدائع: ١ / ٢٥٦، بداية المجتهد: ١ / ١٥٥، القوانين الفقهية: ص ٨١ ، مغني المحتاج: ١ /٢٧٦ ، كشاف القناع: ٢ / ٢١، ٤١ . (٤) رواه أحمد وابن ماجه والنسائي . - ٢٧١ - المطلب الخامس - شروط صحة الجمعة : يشترط لصحة الجمعة زيادة على شروط صحة الصلاة الإحدى عشرة المتقدمة سبعة شرائط عند الحنفية والشافعية ، وخمسة شرائط عند المالكية وأربعة لدى الحنبلية(١). ١ - وقت الظهر : فتصح فيه فقط ، ولاتصح بعده ، ولاتقضى جمعة ، فلو ضاق الوقت ، أحرموا بالظهر ، ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله أي قبل وقت الزوال ، بدليل مواظبة النبي مؤ لٍّ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس ، قال أنس رضي الله عنه: ((كان رسول الله عَ ل يصلي الجمعة حين تميل الشمس))(٢) ، وعلى ذلك جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم ، ولأن الجمعة والظهر فرضا وقت واحد ، فلم يختلف وقتهما ، كصلاة الحضر وصلاة السفر . وقال الحنابلة : يجوز أداء الجمعة قبل الزوال ، وأول وقتها أول وقت صلاة العيد، لقول عبد الله بن سَيْدان السُّلَمي: ((شهدت الجمعة مع أبي بكر ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك، ولا أنكره))(٣) فكان كالإجماع، (١) الدر المختار: ١ / ٧٤٧ - ٧٦١، فتح القدير: ١ / ٤٠٨ - ٤١٦، البدائع: ١ / ٢٥٩، ٢٦٢، ٢٦٦، اللباب: ١ / ١١٠ - ١١٢، الشرح الصغير: ١ / ٤٩٥ - ٥٠٠، الشرح الكبير: ١ / ٣٧٢ - ٣٧٨، بداية المجتهد : ١ / ١٥٢ - ١٥٤، القوانين الفقهية: ص ٨٠ - ٨١، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٩ - ٢٨٥، المهذب: ١ / ١١٠ وما بعدها، ١١٧، حاشية الشرقاوي: ١ / ٢٦١ - ٢٦٦، كشاف القناع: ٢ / ٢٧، ٣٤، ٤٢ وما بعدها، المغني: ٢ / ٢٩٥، ٣٢٧ - ٣٣٧، ٣٥٦ - ٣٥٩ . (٢) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٩). (٣) رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: ((أنهم صلوها قبل الزوال)» ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٥٩). - ٢٧٢ - ٤ ولأنها صلاة عيد ، أشبهت العيدين . وتفعل قبل الزوال جوازاً أو رخصة ، وتجب بالزوال ، وفعلها بعد الزوال أفضل لما روى سلمة بن الأكوع قال: ((كنا نجمِّع مع رسول الله ◌ُ ◌ّ إذا زالت الشمس ، ثم نرجع نتتبَّع الفيء)»(١) . وآخر وقت الجمعة : آخر وقت الظهر بغير خلاف ، ولأنها بدل منها ، أو واقعة موقعها ، فوجب الإلحاق بها ، لما بينهما من المشابهة . متى تدرك الصلاة جمعة ؟ للفقهاء رأيان في إدراك جزء من صلاة الجمعة مع الإمام . فقال الحنفية على الراجح (٢) : من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته ، صلى معه ما أدرك ، وأكمل الجمعة ، وأدرك الجمعة ، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو. وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، لقوله مؤ لّ: (( ماأدركتم فصلوا ، ومافاتكم فاقضوا))(٢) وقال الجمهور(٤): إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام ، فقد أدرك الجمعة ، وأتمها جمعة ، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية ، أتمها ظهراً ، لإطلاق قوله الطاقةٍ : ((من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى)) وفي لفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة)) وفي رواية: ((من أدرك في الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة))(٥) . (١) رواه الشيخان: البخاري ومسلم ( نيل الأوطار، المكان السابق ). (٢) فتح القدير: ١ / ٤١٩، الكتاب مع اللباب: ١ / ١١٤. (٣) رواه أحمد وابن حبان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً . قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة، ولاأعلم رواها عن الزهري غيره. أخرجه الأئمة الستة بلفظ: ((فماأدركتم فصلوا، ومافاتكم فأتموا)) ( نصب الراية: ٢ / ٢٠٠ ) (٤) مغني المحتاج: ١ / ٢٩٩ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٨، ٣٣، المغني: ٢ / ٣١٢. (٥) اللفظ الأول لابن ماجه ، والثاني متفق عليه عند الشيخين ، والثالث رواه الأثرم. الفقه الإسلامي جـ ٢ (١٨) - ٢٧٣ - ٠٠ ٢ - البلد : أي كونها في مصر جامع ، أو في مصلى المصر عند الحنفية : وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود ، هذا في مشهور المذهب الحنفي ، لكن المفتى به عند أكثر الحنفية ، أن المصر كما قدمنا : هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة . وهذا شرط وجوب وصحة ، فلا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه ، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها . ودليلهم على اشتراط المصر: مارواه عبد الرزاق عن علي موقوفاً: (( لاجمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع)). وقال المالكية : كونها في موضع الاستيطان ، وهو إما بلد أو قرية ، مبنية بأحجار ونحوها ، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر ، لاخيم من شعر أو قماش ؛ لأن الغالب على أهلها الارتحال ، فأشبهوا المسافرين . وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية ؛ لأن الصحيح عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط وجوب وصحة معاً، ولابد أن تستغني القرية بأهلها عادة ، بالأمن على أنفسهم ، والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم . ولا يحدون بحد كائة أو أقل أو أكثر. وقرر الشافعية : أن تقام الجمعة في خِطة بلد أو قرية ، وإن لم تكن في مسجد . ولا تلزم الجمعة في الأظهر أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبداً ؛ لأنهم على هيئة المسافرين أو المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين ، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلونها ، وما أمرهم النبي حاله بها . علوسلے والمراد بالخِطَّة : الأرض التي خُطَّ عليها أعلام للبناء فيها . ويقصد بها هنا - ٢٧٤ _ الأمكنة المعدودة من البلد . وهي تشبه المخطط التنظيمي لكل بلد في عصرنا ، ولابد أن تكون الأبنية مجتمعة بحسب العرف . وقال الحنابلة : أن يكون المكلفون بالجمعة وهم أربعون فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء ، بما جرت العادة بالبناء به ، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر ؛ لأنه مَّ اللّ ((كتب إلى قرى عرينة أن يصلوا الجمعة)) ولاجمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات ، ولاتصح منهم ؛ لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً . والخلاصة : لابد لإقامة الجمعة عند الجمهور من كونها في مدينة أو قرية . ولابد أن تكون القرية كبيرة عند الحنفية ، فلا تجب على سكان القرى الصغيرة ، أي لابد من المصر عندهم ، أما عند غيرهم فلا يشترط المصر ، والقرية والبلد سواء . ٣ - الجماعة : وأقلهم عند أبي حنيفة ومحمد في الأصح : ثلاثة رجال سوى الإمام ، ولو كانوا مسافرين أو مرضى ؛ لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث ، والجماعة شرط مستقل في الجمعة ، لقوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ) والجمعة مشتقة من الجماعة ، ولابد لهم من مذكر وهو الخطيب . فإن تركوا الإمام أو نفروا بعد التحريمة قبل السجود ، فسدت الجمعة ، وصليت الظهر . وإن عادوا وأدركوا الإمام راكعاً ، أو بقي ثلاثة رجال يصلون مع الإمام ، أو نفروا بعد الخطبة وصلى الإمام بآخرين ، صحت الجمعة ، فوجود الجماعة : شرط انعقاد الأداء ، لاشرط دوام وبقاء إلى آخر الصلاة ، ولا يتحقق الأداء إلا بوجود تمام الأركان وهي القيام والقراءة والركوع والسجود ، فلو نفروا بعد التحريمة قبل السجود فسدت الجمعة ، ويستقبل ( يستأنف ) الظهر ، كمابينا . - ٢٧٥ _ وقال المالكية : يشترط حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة ، لما روي عن جابر أن النبي ◌ُّ كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير ( إبل تحمل التجارة ) من الشام ، فانقتل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً ، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ((وإذا رأوا تجارة أو لهواً ، انفضوا إليها ، وتركوك قائماً))(١) . ويشترط لهذا الشرط شرطان أيضاً : الأول - أن يكون العدد من أهل البلد ، فلاتصح من المقيمين به لنحو تجارة ، إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد . الثاني - أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها ، فلو فسدت صلاة واحد منهم ، ولو بعد سلام الإمام ، بطلت الجمعة ، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة شرط على المشهور . وقال الشافعية والحنابلة : تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين ، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاء ولاصيفاً إلا لحاجة ، ولو كانوا مرضى أو خرساً أوصاً ، لامسافرين ، لكن يجوز كون الإمام مسافراً إن زاد العدد عن الأربعين ، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين ، لحديث كعب المتضمن أن عدد المصلين في أول صلاة جمعة بالمدينة مع أسعد بن زرارة كانوا أربعين رجلاً(٢). وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه مح له جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً. ولم يثبت أنه مَ الإِ صلى بأقل من أربعين ، فلا تجوز بأقل منه . فلو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة ، لم تصح الجمعة ؛ لأن سماع الأربعين جميع أركان الخطبة مطلوب ؛ لأن المقصود من الخطبة إسماع (١) حديث الانفضاض هذا رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٧٨) (٢) رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: ٣ / ٢٣٠). - ٢٧٦ _ الناس ، فإن نقصوا عن الأربعين قبل إتمام الجمعة استأنفوا ظهراً ولم يتموها جمعة ؛ لأن العدد شرط ، فاعتبر في جميعها كالطهارة . ويظهر لي أن الجمعة تتطلب الاجتماع ، فمتى تحققت الجماعة الكثيرة عرفاً ، وجبت الجمعة وصحت ، وليس هناك نص صريح في اشتراط عدد معين . والجماعة في الجمعة شرط بالاتفاق ، إذ كان معلوماً من الشرع أنها حال موجودة في الصلاة . ٤ - كون الأمير أو نائبه هو الإمام ، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه . اشترط الحنفية هذين الشرطين : الأول - أن يكون السلطان ولو متغلباً أو نائبه ، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها ؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة ، فلابد منه تتماً لأمره ، ومنعاً من تقدم أحد . والثاني - الإذن العام : وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذناً عاماً ، بأن لا يمنع أحد ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه ؛ لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور ، ولأنه لا يحصل معنى الاجتماع إلا بالإذن ، ولأنها من شعائر الإسلام ، وخصائص الدين ، فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم . ولم يشترط غير الحنفية هذين الشرطين ، فلا يشترط إذن الإمام لصحة الجمعة ، ولا حضوره ؛ لأن علياً صلى بالناس ، وعثمان محصور، فلم ينكره أحد ، وصوبه عثمان(١)، ولأن الجمعة فرض الوقت، فأشبهت الظهر في عدم هذين الشرطين(٢). (١) رواه البخاري بمعناه . (٢) كشاف القناع: ٢ / ٤١ . - ٢٧٧ - ٥ - أن تكون بالإمام وفي الجامع : اشترط المالكية هذين الشرطين وهما : أن تصلى بإمام مقيم ، فلاتصح أفراداً ، وأن يكون مقيماً غير مسافر، ولولم يكن متوطناً ، وأن يكون هو الخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء ، وأن يكون حراً فلاتصح إمامة العبد . ولا يشترط أن يكون الإمام والياً ، خلافاً للحنفية . وأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام ، فلاتصح في البيوت ولا في رحبة دار ، ولا في خان ، ولا في ساحة من الأرض ، وفي الجملة : لا تصح في المواضع المحجورة كالدور والحوانيت . وللجامع شروط أربعة : أن يكون مبنياً ، وأن يكون بناؤه بحسب العادة والعرف فيجوز بالقصب ونحوه ، وأن يكون متحداً ، ومتصلاً بالبلد ، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد ، وإذا تعددت الجمع فالذي تصح الجمعة فيه هو الجامع العتيق الأقدم ؛ دون غيره ، والمراد بالعتيق : ماأقيت فيه الجمعة ابتداء ، ولو تأخر بناؤه عن غيره . ولا يشترط كون الجامع مسقفاً على الراجح ، ولاقصد تأبيد إقامة الجمعة فيه ، ولاقصد إقامة الصلوات الخمس فيه . وتصح الجمعة في رحاب المسجد : وهي مازيد خارج محيطه لتوسعته ، وتصح في طرق المسجد المتصلة به من غير فصل ببيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة ، سواء ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا ، وتكره في الرحاب والطرق من غير ضرورة . ولاتجوز الجمعة على سطح المسجد ، ولو ضاق بالناس ، ولا في الأماكن المحجورة كالدور والحوانيت . - ٢٧٨ - ٦ - عدم تعدد الجمع لغير حاجة : اشترط الشافعية لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد أو القرية ، إلا لكبر البلد وعسر اجتماع الناس في مكان ، وتعسر الاجتماع : إما لكثرة الناس ، أو لقتال بينهم ، أو لبعد أطراف البلد ، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في وجوب الجمعة . ودليل هذا الشرط أنه موافقٍ لم يقيموا سوى جمعة واحدة ، ولأن الاقتصار على واحدة أدعى لتحقيق المقصود من إظهار شعار الاجتماع ، واجتماع الكلمة . فإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة ، ومابعدها باطل ؛ لأنه لا يزاد على واحدة وإن تقارنتا فها باطلتان . والعبرة في السبق والمقارنة : بالراء من تكبيرة إحرام الإمام . فإن علم السابق ثم نسي ، وجبت الظهر على الجميع ، الالتباس الصحيحة بالفاسدة ، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولامقارنة ، أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت ، لعدم وقوع جمعة مجزئة . وإن تعددت الجمعة لحاجة ، بأن عسر اجتماع بمكان ، جاز التعدد ، وصحت صلاة الجميع على الأصح ، سواء وقع إحرام الأئمة معاً أو مرتباً ، وسن صلاة الظهر احتياطاً ، فالاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة ، ولم يعلم سبق جمعته : أن يعيدها ظهراً ، خروجاً من خلاف من منع التعدد ، ولو لحاجة . وينوي آخر ظهر بعد صلاة الجمعة أو ينوي الظهر احتياطاً ، خروجاً عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر . وصلاة الظهر بعد الجمعة : إما واجبة إن تعددت الجمع لغير حاجة ، أو مستحبة إذا كان التعدد بقدر الحاجة فقط ، أو زائداً عليها ولم يدر هل التعدد - ٢٧٩ - ٠٠ لحاجة أم لا ، أو حرام فيما إذا كان بالبلد جمعة واحدة فقط كبعض قرى الأرياف . وكذلك قرر المالكية على الراجح : أنه يمنع تعدد الجمعة في مسجدين أو أكثر في مصر واحد ، ولا تكون الجمعة إلا متحدة في البلد ، فإن تعددت صحت جمعة الجامع الأقدم أو العتيق : وهو المسجد الذي أقيمت فيه أول جمعة في البلد ، ولو تأخر بناؤه عن غيره ، كابينا (١) . والحنابلة مع الشافعية والمالكية فيما ذكر(٢): وهو إن كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع أو في حال خوف الفتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة ، أو في حال سعة البلد وتباعد أطرافه ، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة ؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة ، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد ، وقد ثبت أن علياً رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ، ويستخلف على ضعَفَة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم ، وأما ترك النبي عالم وأصحابه إقامة جمعتين ، فلعدم الحاجة إليه ، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته عليه السلام ، وشهود جمعته ، وإن بعدت منازلهم ، لأنه المبلغ عن الله تعالى . ولما دعت الحاجة إلى تعدد الجمعات في الأمصار ، صليت في أماكن ، ولم ينكر أحد ، فكان إجماعاً . وإن تحققت الحاجة بجمعتين اثنتين ، لم تجز الجمعة الثالثة لعدم الحاجة إليها ، وهكذا الرابعة والخامسة . ويحرم إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة ، ويحرم إذن (١) الشرح الصغير: ١ / ٥٠٠، القوانين الفقهية: ص ٨٠ ومابعدها. (٢) المغني: ٢ / ٣٣٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٤٢ - ٤٤ . - ٢٨٠ -