Indexed OCR Text

Pages 241-260

فلو ترك الإمام سجدة التلاوة ، وسجدها المأموم ، أو عكسه ، أو ترك الإمام
التشهد الأول ، وأتى به المأموم ، بطلت صلاته إن علم وتعمد .
وإن تشهد الإمام ، وقام المأموم عمداً ، لم تبطل صلاته ؛ لأنه انتقل إلى
فرض آخر ، وهو القيام ، لكن يندب له العود ، خروجاً من خلاف من أوجبه .
فالموافقة في سنة تنحصر في ثلاث سنن : سجدة التلاوة في صبح يوم الجمعة ،
وسجود السهو ، والتشهد الأول . أما القنوت ، فلا يجب على المقتدي متابعة إمامه
فيه ، فعلاً ولاتركاً .
واشترط الشافعية أيضاً : أن يكون الإمام في صلاة لاتجب إعادتها ، فلا يصح
الاقتداء بفاقد الطهورين ؛ لأن صلاته تجب إعادتها .
٧ - اشترط الحنفية أيضاً عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرماً في
الصف ، وإلا بطلت صلاة ثلاثة : المحاذي يميناً وشمالاً ومن خلفها بالشروط
الستة الآتية(١) عملاً بما وردت به النصوص :
الأول - أن تكون المرأة المحاذية مشتهاة ، بأن كانت بنت سبع سنين وهي
ضخمة تصلح للجماع ، أو ثمان أو تسع فأكثر ، ولا تفسد بالمجنونة لعدم جواز
صلاتها .
الثاني - أن تكون الصلاة مطلقة أي كاملة الأركان ، وهي التي لها ركوع
وسجود ، وإن كانا يصليان إيماء ، أو لم تتحد صلاتها كصلاة ظهر بمصلي عصر على
الصحيح . وخرج بالمطلقة صلاة الجنازة ، فلاتبطل بالمحاذاة للمرأة .
(١) تبيين الحقائق: ١ / ١٣٧ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٢٥٧ ومابعدها، الدر المختار ورد المختار: ٥١٤ ، و
٥٣٥ - ٥٣٧ ٠
الفقه الإسلامي جـ٢ (١٦)
- ٢٤١ -

الثالث - أن تكون الصلاة مشتركة بينهما تحريمة وأداء : ومعنى المشتركة
تحريمة : أن يكونا بانيين تحريمتها على تحريمة الإمام . ومعنى المشتركة أداء : أن
يكون لهما إمام فيما يؤديانه تحقيقاً أو تقديراً(١) ، وذلك يشمل المدرك: الذي
أدرك أول الصلاة مع الإمام وأدرك جميع الصلاة كاملة مع الإمام ، واللاحق :
وهو الذي أدرك أول الصلاة ، وفاته من آخرها شيء بسبب النوم أو الحدث .
أما المسبوق فلا تفسد صلاته فيما يقضيه أو يتمه مما فاته من صلاته .
وأما المحاذاة في الصلاة بدون اشتراك فمكروه .
الرابع - ألا يكون بينهما حائل : بمقدار ذراع في غلظ إصبع على الأقل ، أو
فرجة تسع رجلاً .
الخامس - أن تكون المحاذاة في ركن كامل ، فلو تحرمت في صف ، وركعت
في آخر ، وسجدت في ثالث ، فسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها من
كل صلاة .
8
السادس - أن تتحد الجهة : فإن اختلفت كالصلاة في جوف الكعبة ، وصلاة
التحري في الليلة المظلمة ، فلا تبطل .
وجامع هذه الشروط : أن يقال : محاذاة مشتهاة ، منوية الإمامة ، في
ركن ، صلاة مطلقة ، مشتركة تحريمة وأداء ، مع اتحاد مكان وجهة ، دون حائل
ولافرجة .
والمرأة الواحدة : تفسد صلاة ثلاثة : واحد عن يمينها ، وآخر عن شمالها ،
وآخر خلفها إلى آخر الصفوف ، ليس غير ، لأن من فسدت صلاته يصير حائلاً
بينها وبين الذي يليه .
(١) الأداء تحقيقاً أي حال المحاذاة ، وتقديراً: أي فيما يته اللاحق، فكأنه خلف الإمام تقديراً .
- ٢٤٢ -

والمرأتان تفسدان صلاة أربعة : اثنان خلفهما إلى آخر الصفوف ، واثنان عن
يمين وشمال . والثلاث في الصحيح يفسدن صلاة واحد عن يمينهن ، وآخر عن
شمالهن ، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف .
ومحاذاة الأمرد الصبيح المشتهى ، لا يفسد الصلاة على المذهب ؛ لأن الفساد
في المرأة غير معلل بالشهوة ، بل بترك فرض المقام .
وقال الجمهور غير الحنفية (١) :
إن وقفت المرأة في صف الرجال ، لم تبطل صلاة من يليها ولا صلاة من
خلفها ، فلا يمنع وجود صف تام من النساء اقتداء من خلفهن من الرجال ،
ولا تبطل صلاة من أمامها، ولا صلاتها ، كما لو وقفت في غير صلاة ، والأمر
بتأخير المرأة ((أخروهن من حيث أخرهن الله))(٣) لا يقتضي الفساد مع عدمه ؛
لأن ترتيب الصفوف سنة نبوية فقط ، والمخالفة من الرجال أو النساء لاتبطل
الصلاة، بدليل أن ابن عباس وقف على يسار النبي ◌ُ ◌ّ ، فلم تبطل صلاته ،
وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف ، فقال له النبي عاطلائعٍ :
(( زادك الله حرصاً ولا تَعُد)) .
واشترط الحنفية أيضاً لصحة الاقتداء : ألا يفصل بين الإمام والمأموم صف
من النساء ، فإن كن ثلاثاً فسدت صلاة ثلاثة من الرجال إلى آخر الصفوف ،
وإن كن اثنتين فسدت صلاة اثنين من الرجال خلفهما إلى آخر الصفوف ، وإن
كانت واحدة ، فسدت صلاة محاذيبها يميناً وشمالاً ، ومن كان خلفها أي صلاة رجل
واحد إلى آخر الصفوف .
(١) الشرح الصغير: ٤٥٨/١، المهذب: ١٠٠/١، كشاف القناع: ٥٧٥/١، المغني: ٢١٥/١، ٢٤٣، القوانين
الفقهية : ص٦٩ .
(٢) قال عنه الزيلعي": حديث غريب مرفوعاً، وهو في مصنف عبد الرزاق موقوف على ابن مسعود من
طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه (نصب الراية : ٣٦/٢ )
- ٢٤٣ -

وقال غير الحنفية : يكره أن يصلي وأمامه امرأة أخرى تصلي لحديث :
((أخروهن من حيث أخرهن الله)) أما في غير الصلاة فلا يكره ، لخبر عائشة ،
وروى أبو حفص عن أم سلمة، قالت: ((كان فراشي حيال مصلى النبي مَلِّ)).
وذكر الحنفية شرطاً آخر لصحة الاقتداء وهو كما قدمنا شرط في الإمام : وهو
صحة صلاة الإمام ، فلو تبين فسادها فسقاً من الإمام ، أو نسياناً لمضي مدة المسح
على الخف ، أو لوجود الحدث أو غير ذلك ، لم تصح صلاة المقتدي ، لعدم صحة
البناء على صلاة الإمام .
كذلك لا يصح الاقتداء إن كانت الصلاة صحيحة في زعم الإمام ، فاسدة في
زم المقتدي ، لبنائه على الفاسد في زعمه ، فلا يصح . أما لو فسدت الصلاة في
زعم الإمام وهو لا يعلم به ، وعلمه المقتدي ، صحت الصلاة في قول الأكثر ، وهو
الأصح ؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه ، والمعتبر في حقه رأي نفسه(١).
٨ - اشترط الحنابلة(٢) أن يقف المأموم إن كان واحداً عن يمين الإمام،
فإن خالف ووقف عن يساره أو خلفه مع خلو يمينه ، وصلى ركعة كاملة ،
بطلت صلاته إن كان ذكراً أو خنثى ، لأن النبي ◌ُ ◌ّ أدار ابن عباس وجابراً إلى
اليمين وهو في الصلاة . فإن كان امرأة ، فلا تبطل صلاتها بالوقوف خلف الإمام ؛
لأنه موقفها المشروع .
وإذا وقف المأموم عن يسار الإمام ، أحرم أو لا، سُنَّ للإمام أن يديره من
ورائه إلى يمينه ، ولم تبطل تحريمته ، لفعله ماّ السابق بابن عباس وجابر .
(١) رد المحتار: ٥١٤/١
(٢) كشاف القناع : ٥٧٣/١
- ٢٤٤ -

ثانياً - موقف الإمام والمأموم :
للصلاة جماعةً كيفية منظمة على نحو مرتب معين ثابت في السنة النبوية ،
بحيث يتقدم الإمام ، ويقف المأمومون خلفه رجالاً كانوا أو نساء؛ لفعله الجه:
(( كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه)) (١) ويتقدم الإمام إلا إمام العراة ،
فيقف وجوباً وسطهم عند الحنابلة وندباً عند غيرهم ، وإلا إمامة النساء فيستحب
للمرأة أن تقف وسطهن ، لما روي عن عائشة ، ورواه سعيد بن منصور عن أم
سلمة أنها أمتا نساء وسطهن(٢)، ولأنه يستحب لها التستر، وهذا أستر للمرأة
لإمام .
وكيفية وقوف المأمومين على النحو التالي (٣):
أ - إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز، استحب أن يقف عن يمين
الإمام ، مع تأخره قليلاً بعقبه . وتكره عند الجمهور مساواته له ، أو الوقوف عن
يساره أو خلفه لمخالفته السنة ، وتصح الصلاة ولا تبطل . وقال الحنابلة كما بينا :
تبطل الصلاة إن صلى على هذا النحو المخالف ركعة كاملة .
ودليل هذه الكيفية ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((بت عند
خالتي ميمونة ، فقام رسول الله عليهم يصلي ، فقمت عن يساره ، فجعلني عن
يمينه )»
(٤)
ب - إن كان رجل وامرأة، قام الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف
(١) رواه أحمد وأبو داود عن أبي مالك الأشعري ( نصب الراية: ٣٦/٢، نيل الأوطار: ١٨٢/٣).
(٢) رواهما الشافعي في مسنده والبيهقي في سننه بإسنادين حسنين.
(٣) الدر المختار: ٥٢٩/١ - ٥٣٤، فتح القدير: ٢٥٤/١، الكتاب بشرح اللباب: ٨٢/١ وما بعدها، الشرح
الصغير : ٤٥٧/١ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٦٩ ، المهذب: ٩٩/١ وما بعدها، المجموع ١٨٦ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ٢٤٦/١ وما بعدها، كشاف القناع: ٥٧١/١ - ٥٧٩، المغني: ٢١٢٠٤/٢ - ٢١٩، بداية المجتهد: ١٤٣/١.
(٤) رواه البخاري ومسلم
- ٢٤٥ -

الرجل . وقال الحنابلة : إن أم الرجل خنثى مشكلاً وحده ، فالصحيح أن يقف
عن يمين الإمام احتياطاً لاحتمال أن يكون رجلاً . فإن كان مع الخنثى رجل ،
وقف الرجل عن يمين الإمام ، والخنثى عن يساره ، أو عن يمين الرجل ، ولا
يقفان خلفه ، لجواز أن يكون امرأة ، وإن كان رجلان وخنثى وقف الثلاثة صفاً
خلف الامام .
جـ - إن كان رجلان أو رجل وصبي ، صفًّا خلف الإمام ، وكذا إن كان
امرأة أو نسوة ، تقوم أو يقمن خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبين المقتدين عن
ثلاثة أذرع، لخبر مسلم عن جابر قال: ((صليت خلف رسول الله مَ الله، فقمت
عن يمينه ، ثم جاء جابر بن صخر ، فقام عن يساره ، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى
أقامنا خلفه))(١) .
أما الرجل والصبي والمرأة والنسوة، فلما في الصحيحين عن أنس: (( أنه عليه
الصلاة والسلام صلى في بيت أم سليم ، فقمت أنا ويتيم خلفه ، وأم سليم
خلفنا)) (٢) ، فلو حدثت مخالفة لما ذكر كره .
وقال الحنابلة في الصبي والرجل : يقف الرجل عن يمين الإمام والصبي يقف
عن يمينه أو يساره ، لا خلفه . وقال الحنفية في هذا : لاتكره المساواة مع
الإمام .
د - إذا اجتمع رجال وصبيان وخنائى وإناث : صف الرجال ثم الصبيان ، ثم
الخنائى ولو منفردة، ثم النساء، لقوله ◌َ الَ: « ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ،
ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، وإياكم
(١) رواه مسلم، وأبو داود ولفظ الأخير: ((أن جابراً وجباراً .... ))
(٢) نيل الأوطار: ١٨٢/٣، وروى الجماعة عن أنس: أنه قام مع اليتيم خلف النبي ، وقامت العجوز من
برائها ( المصدر نفسه )
- ٢٤٦ -

وهيشات الأسواق))(١) ، وعلى هذا: السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل
والسن ، ويلي الإمام أكملهم ، ويؤخر الصبيان والغلمان ، ولا يلون الإمام .
والزائد يقف خلف الصف ، ولو قام واحد بجنب الإمام ، وخلفه صف ، كره
إجماعاً .
هـ - ويقف الإمام وسط القوم في الصف، لقوله مع اللّ: ((وسطوا الإمام
وسدّوا الخلل)) (٢) ، والسنة أن يقوم في المحراب ليعتدل الطرفان لأن المحاريب
نصبت وسط المساجد ، وقد عينت لمقام الإمام فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم ،
فقد أساء بمخالفة السنة ، والإساءة عند الحنفية دون كراهة التحريم ، وأفحش من
كراهة التنزيه(٣). قال أبو حنيفة وقوله هو الأصح : أكره أن يقوم الإمام بين
الساريتين ، أو في زاوية أو في ناحية المسجد ، أو إلى سارية ؛ لأنه خلاف عمل
الأمة .
وتقدم الإمام عند الحنفية أمام الصف : واجب .
فضل الصف الأول : المستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول(٤) ، لما
روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن النبي مع الزّ قال: ((لو يعلمون ما في الصف
المقدم لكانت قرعة))(٥) وروى البراء رضي الله عنه أن النبي ◌ُؤاثم قال: ((إن الله
وملائكته يصلون على الصف الأول)) (٦)، ولقوله مع الله: ((خير صفوف الرجال
(١) روي من حديث ابن مسعود ، وأبي مسعود ، والبراء بن عازب ، فأما الأول فأخرجه مسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي، وأما الثاني فرواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأما الثالث فرواه الحاكم في المستدرك
( نصب الراية : ٣٧/٢ )
(٢) رواه أبو داود
(٣) رد المحتار : ٥٣٠/١ وما بعدها
(٤) القوانين الفقهية: ص ٦٩، بداية المجتهد: ١٤٤/١، المجموع: ١٩٥/٤، الدر المختار: ٥٣٢/١.
(٥) رواه البخاري ومسلم
(٦) حديث صحيح رواه أبو داود پاسناد صحيح
- ٢٤٧ -
مے

أولها ، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها))(١) ففيه
التصريح بأفضلية الصف الأول للرجال وأنه خيرها لما فيه من إحراز الفضيلة ،
وكون شرها آخرها لما فيه من ترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول .
وكون خيرها آخرها للنساء للبعد عن مخالطة الرجال .
والمستحب أن يعتمدوا يمين الإمام، لما روى البراء قال: ((كان يعجبنا عن
يمين رسول الله مَ المِ؛ لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه، فيسلم عليه))(٢) .
فإن وجد في الصف الأول فرجة استحب أن يسدها ، لما روى أنس رضي الله
عنه قال: ((قال رسول الله ◌ُ التّ: أتموا الصف الأول، فإن كان نقص ففي
(٣)
المؤخر))(٣) .
ثالثاً - أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات :
يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف ، وسد الخلل ( الثغرات)(9).،
وتسوية المناكب(*)، لحديث أنس: ((اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا ، فإني أراكم
من وراء ظهري ، قال أنس : فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه ،
وقدمه بقدمه))(٦) ويقول الإمام: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) لحديث أبي
هريرة قال: ((كان رسول الله عَ لّ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح
(١) رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١٨٣/٣)
(٢) رواه مسلم، ولفظه: (( كنا إذا صلينا خلف رسول الله ◌َ ف أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا
بوجهه »
(٣) رواه أبو داود ياسناد حسن .
(٤) الخلل : انفراج ما بين الشيئين .
(٥) المجموع : ١٢٤/٤ وما بعدها ، بداية المجتهد : ١٤٤/١.
(٦) رواه البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ١٨٧/٣) وروى الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير: ((عباد
الله، لتسوُّن بين صفوفكم أو ليخالفَنّ الله بين وجوهكم)) ( المصدر نفسه )
- ٢٤٨ -

صدورنا ومناكبنا، ويقول: (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم))(١).
رابعاً - صلاة المنفرد عن الصف :
اختلف الفقهاء في صحة الصلاة خلف الصفوف منفرداً على رأيين(٢) : فقال
الجمهور غير الحنابلة : إذا صلى إنسان خلف الصف وحده ، فصلاته تجزئ ، بدلیل
حديث أنس المتقدم المتضمن قيام العجوز وحدها خلف الصف ، وحديث أبي
بكرة: ((أنه انتهى إلى النبي ◌َ ◌ّ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف ، .
فذكر ذلك للنبي مُظافر، فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعُد ))(٣) وحديث ابن
عباس قال : أتيت النبي ◌ُ ◌ٍّ من آخر الليل ، فصليت خلفه ، فأخذ بيدي ،
فجرَّني حتى جعلني حِذَاءه ))(٤) .
إلا أن الشافعية والحنفية قالوا : الصلاة صحيحة مع الكراهة ، وقال
الشافعية : فإن لم يجد المصلي سعة أحرم ، ثم جرَّ واحداً من الصف إليه ، ليصطف
معه ، خروجاً من الخلاف ، وحملوا الحديثين الآتيين الواردين بالإعادة على
الاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقوله ما قل: (( لاصلاة للذي خلف الصف » أي
لاصلاة كاملة، كقوله ال اله: ((لاصلاة بحضرة الطعام)) وهذا أولى الآراء، لقوة
دليله . لكن ذكر الحنفية: أنه لو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف ، فإن مشى في
صلاته مقدار صف واحد لاتفسد ، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت ولم يوافق
المالكية الشافعية فقالوا : من لم يجد مدخلاً في الصف ، صلى وراءه ، ولم يجذب
إليه رجلاً .
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة ، ورواه عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله ، ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر.
(٢) البدائع: ١٤٦/١ ، بداية المجتهد: ١٤٤/١، المجموع: ١٩٢/٤، الحضرمية: ص٦٨ ، المغني : ٢١١/٢
وما بعدها ، ٢٣٤ ، القوانين الفقهية : ص ٦٩ .
(٣) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي ( نيل الأوطار: ١٨٤/٣ )
(٤) رواه أحمد ( المصدر السابق نفسه )
- ٢٤٩ -

وقال الحنابلة : صلاة المنفرد إذا صلى ركعة كاملة خلف الصف وحده فاسدة
غير مجزئة، وتجب إعادتها، بدليل حديث وابصة بن معبد: ((أن النبي معَ ◌ّه
رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده ، فأمره أن يعيد صلاته))(١) وحديث
علي بن شيبان: أن رسول الله مؤتمر رأى رجلاً يصلي خلف الصف ، فوقف ،
حتى انصرف الرجل ، فقال له : استقبل صلاتك ، فلا صلاة لمنفرد خلف
(٢)
الصف)»(٢).
المطلب الخامس - الاستخلاف في الصلاة :
الاستخلاف : إنابة الإمام غيره من المقتدين إذا كان صالحاً للإمامة ، لإتمام
الصلاة بدل الإمام لعذر قام به . فيصير الثاني إماماً ، ويخرج الأول عن الإمامة ،
ويصبح في حكم المقتدي بالثاني
وطريقته : أن يأخذ الإمام بثوب المقتدي ولو مسبوقاً ، ويجره إلى
المحراب ، لكن استخلاف المدرك أولى. ويتأخر الإمام محدودباً واضعاً يده على
أنفه ، موهماً أنه قد رعف قهراً . ويتم الاستخلاف بالإشارة لابالكلام ، ويشير
بأصبعه لعدد الركعات الباقية . ويضع يده على ركبته لترك ركوع ، وعلى
جبهته لترك سجود ، وعلى فمه لقراءة .
وسببه : طروء عذر للإمام من حدث أو مرض شديد أو عجز عن القراءة
الواجبة كالفاتحة ونحو ذلك .
وفي أحكامه وأسبابه وشروطه تفصيل بين المذاهب : فقال الحنفية(٣):
(١) رواه الخمسة إلا النسائي (نيل الأوطار: ١٨٤/٣ )
(٢) رواه أحمد وابن ماجه ( المصدر السابق ) .
(٣) البدائع: ١ / ٢٢٠ - ٢٣٣، الدر المختار: ١ / ٥٦٠ - ٥٧٤، فتح القدير: ١ / ٢٦٧ - ٢٧٦، تبيين
لحقائق: ١ / ١٤٧ ومابعدها، الكتاب مع اللباب: ١ / ٨٦ .
- ٢٥٠ -

الاستخلاف جائز، بدليل حديث عائشة أن النبي ◌ُ لّ قال: (( من أصابه قيء أو
رعاف ، أو قَلَس(١) ، أو مذي ، فلينصرف ، فليتوضأ ، ثم ليبن على صلاته ، وهو
في ذلك لا يتكلم )) (٢) وذكره الكاساني في البدائع عن أبي هريرة بلفظ لم أجده :
(( إذا صلى أحدكم ، فقاء أو رعف في صلاته ، فليضع يده على فمه ، وليقدم من لم
يسبق بشيء من صلاته ، ولينصرف وليتوضأ ، وليبن على صلاته ، مالم يتكلم )) .
والأصح من ذلك: حديث عائشة في استخلاف النبي ◌ُ ◌ّ أبا بكر رضي الله
عنه: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم تأخر أبي بكر، وصلاة النبي مع الّ
بالناس ، وافتتاحه القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر (٣) .
وعن عمر رضي الله عنه أنه سبقه الحدث فتأخر وقدم رجلاً . وعن عثمان
رضي الله عنه مثله ، ولأن بالناس حاجة إلى إتمام صلاتهم بالإمام ، وقد التزم
الإمام بذلك ، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه ، استعان بمن يقدر عليه ،
رعاية لمصلحة المأمومين ، كيلا تبطل صلاتهم بالمنازعة .
وبناء عليه : إن سبق الإمام الحدث، انصرف ، فإن كان إماماً استخلف
وتوضأ وبنى على صلاته ، واستئناف الصلاة في حق جميع المصلين أفضل ، خروجاً
من الخلاف لمن منعه . ويتعين الاستئناف إن لم يكن قعد قدر التشهد الأخير
بسبب الجنون أو الحدث عمداً أو الاحتلام بنوم أو تفكير أو نظر أو مس بشهوة ،
أو إغماء أو قهقهة ، لأنه يندر وجود هذه العوارض ، فلم يكن في معنى ماورد به
النص ، ويستأنف الوضوء والصلاة .
(١) القلس : ماخرج من الحلق ملء الفم أو دونه ، وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء.
(٢) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، والصحيح أنه مرسل ، وفيه ضعيف ( نصب الراية: ٢ / ٦١ ، نيل
الأوطار: ١ / ١٨٧) وروي في معناه عن ابن عباس عند الدارقطني وغيره وفيه متروك ، وعن أبي سعيد عند
الدارقطني وفيه متروك أيضاً ( نيل الأوطار: ١ / ١٨٨).
(٣) رواه البخاري ومسلم .
- ٢٥١ -

وسبب الاستخلاف : إما سبق حدث اضطراري ، لا اختيار للإمام فيه ولا
في سببه ومنه الحدث من نحو عطاس ، أو عجز عن قراءة قدر المفروض في رأي أبي
حنيفة، لحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه لما أحس بالنبي مُ لّ خَصِر
عن القراءة، فتأخر، وتقدم النبي عَ لّه وأتم الصلاة.
ولا يستخلف بسبب حصر بول أو غائط ، أو بسبب عجز عن الركوع
والسجود، لأن له أن يتم قاعداً ، أو بسبب خوف أو نسيان قراءة أصلاً ؛ لأنه
صار أمياً ، فتفسد صلاة القوم ، أو بسبب إصابة نجاسة من غيره كبول كثير من
غير سبق حدثه ، أو كشف عورته في صلاته بقدر ركن ؛ لأن صلاته حينئذ
تفسد ، ويفسد معها صلاة المأمومين .
ويشترط لصحة الاستخلاف عند الحنفية شروط ثلاثة :
أولها - توافر شروط البناء على الصلاة السابقة ؛ لأن الاستخلاف في الحقيقة
بناء من الخليفة على ماصلاه الإمام ، وهي ثلاثة عشر شرطاً :
كون الحدث قهرياً ، من بدنه لامن نجاسة غيره ، وكونه غير موجب للغسل
كإنزال بتفكر ، وغير نادر كالإغماء والجنون والقهقهة، وألا يؤدي ركنا مع
الحدث ، أو يمشي ، ولم يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره ، ولا ما لاحاجة
له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب ، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر
كزحمة ، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة ، وألا يتذكر
فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه ( بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد
الفائتة ) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب ، وألا يتم المؤتم في
غير مكانه ، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء
ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته ، فلو أتم في مكانه فسدت
صلاته ، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أو غيره ، وألا يستخلف الإمام غير صالح
- ٢٥٢ -

للإمامة كصبي وامرأة وأمي ، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم .
ثانيها - ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء ، أو الدار
التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف ، لأنه على إمامته مالم يجاوز هذا الحد ، فإن
خرج بطلت الصلاة أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح ، مالم يتقدم
أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة .
ثالثها - ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة ، وألا
يجاوز السترة قدامه ، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد ، إن كان
يصلي في الصحراء .
وإذا لم يحصل استخلاف ، وأتم القوم الصلاة فرادى ، بطلت صلاة الجميع .
ولو استخلف الإمام مسبوقاً أو لاحقاً أو مقيماً وهو مسافر، صح لكن
المدرك أولى . فلو أتم المسبوق صلاة الإمام قدم غيره مدركاً ليقوم بالسلام أي ليسلم
بالقوم . ولو كان الخليفة مسبوقاً بركعتين ، فرضت عليه القعدتان ؛ لأن القعدة
الأولى فرض على إمامه ، وهو قائم مقامه ، والثانية فرض عليه .
ولو جهل الخليفة المقدار الباقي من الصلاة ، قعد في كل ركعة احتياطاً ،
للاحتمال في كل ركعة أنها آخر صلاة الإمام .
وقال المالكية(١) :
الاستخلاف : هو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر
قام به . وحكمه : الندب في غير الجمعة ، والوجوب فيها .
وطريقته : أن يستخلف بالإشارة أو بالكلام واحداً من الجماعة ليتم الصلاة
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٦٥ - ٤٧٢، الشرح الكبير: ١ / ٣٤٩ - ٣٥٨، القوانين الفقهية: ص ٦٩ وما بعدها .
- ٢٥٣ -

بالقوم . وندب استخلاف الأقرب للإمام من الصف الذي يليه ، لأنه أدرى
بأفعاله ولتيسر تقدمه ، فيقتدون به . وندب تقدم المستخلف إلى موضع الإمام
الأصلي إن قرب كالصفين ، وندب ترك كلام في حالة الحدث وتذكره ، ورعاف
يقطع الصلاة . ويندب للإمام إذا خرج من الصلاة أن يمسك بأنفه ، موهما أنه
راعف ستراً على نفسه .
وشرطه : أن يكون الخليفة قد دخل في الصلاة قبل طروء العذر . فإن لم
يستخلف ، قدم الجماعة واحداً منهم ، فإن لم يقدموا تقدم واحد منهم ، فإن لم
يفعلوا صلوا فرادى ، وصحت صلاتهم إلا في الجمعة . أما الجمعة فتبطل إن أتموها
فرادى لاشتراط الجماعة فيها .
ويبدأ الخليفة من حيث وقف الإمام الأول .
وأعذار أو أسباب الاستخلاف ثلاثة :
الأول - الخوف على مال للإمام أو لغيره، أو على نفس من التلف لو استمر
في صلاته . فإذا خاف الإمام سرقة أو غصباً ، أو خاف على صبي الوقوع في بئر أو
نار، فيهلك أو يحصل له شدة أذى ، وجب عليه قطع الصلاة لحفظ المال ،
وإنقاذ النفس من الهلاك .
الثاني - أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الإمامة ، كالعجز عن ركن كالقيام
أو الركوع ، أو قراءة الفاتحة ، أو حصول رعاف مانع للإمامة وهو ما كان دون
درهم ، أما رعاف القطع أي قطع الصلاة فهو من موانع الصلاة بأن زاد عن درهم
وسال ولطخ المكان أو خاف تلويث المسجد ، فيندب فيه للإمام الاستخلاف وإن
وجب عليه قطع الصلاة ، ولاتبطل الصلاة بسببه على المأمومين على المعتمد ،
ومثله سقوط النجاسة على الإمام أو تذكره لها فيها على المعتمد .
- ٢٥٤ _

الثالث - أن يطرأ على الإمام ما يبطل الصلاة : كأن يسبقه الحدث من بول
أو ريح أو غيرهما ، وهو يصلي ، أو يتذكر أنه كان محدثاً قبل الصلاة ، أو غلبت
عليه القهقهة أو طرأ عليه جنون أو إغماء أو موت ، أو رعف رعافاً تبطل به
الصلاة على المشهور، أو طرأ عليه شك هل دخل الصلاة بوضوء أولا ، أو تحقق
الطهارة والحدث وشك في السابق منهما ، أما إن شك هل انتقض وضوءه فلا
يقطع الصلاة ويستمر فيها ، ثم إن بان الطهر لم يعد الصلاة ، وإلا أعاد الإمام
فقط .
وينتظر المسبوق سلام المستخلف ، فإن لم ينتظره بطلت صلاته ، وإن كان
;
المستخلف مسبوقاً ، أشار لهم جميعاً بأن يجلسوا ، وقام لقضاء ماعليه .
وإن جهل الخليفة المسبوق ماصلى الأول ، أشار لهم ، فأفهموه بالإشارة أو
الكلام إن لم يفهم بالإشارة . وإن قيل للخليفة : أسقطت ركوعاً مثلاً ، عمل
بذلك إن لم يعلم خلافه .
وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام ، ويندب أن يقرأ من انتهاء قراءة
الإمام إن علم بانتهاء قراءته ، وإلا ابتدأ القراءة وجلس في محل الجلوس ، وهكذا
بحسب كون الصلاة سرية أو جهرية .
وقال الشافعية(١) :
يجوز الاستخلاف في المذهب الجديد ، فإذا خرج الإمام من صلاة الجمعة أو
غيرها بحدث تعمده أو سبقه أو نسيه ، أو غيره كرعاف وتعاطي فعل مبطل
للصلاة ، أو بلا سبب ، جاز الاستخلاف في الأظهر الجديد ، لأنها صلاة
(١) المجموع: ٤ / ١٣٩ - ١٤٦، مغني المحتاج: ١ / ٢٩٧ ومابعدها، المهذب: ١ / ٩٦ وما بعدها، ١١٧.
- ٢٥٥ _

:
بإمامين، وهي جائزة ، وصح ((أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يصلي
بالناس ، فجاء رسول الله وَ التّ ، فجلس إلى جنبه ، فاقتدى به أبو بكر ،
والناس))(١)، وقد استخلف عمر رضي الله تعالى عنه حين طعن(٣).
والاستخلاف مندوب للإمام ، ولو تقدم واحد بنفسه جاز، واستخلاف
المصلين أولى من استخلاف الإمام ، لأن الحق في ذلك لهم ، إلا في الركعة الأولى
من الجمعة ، فإنه واجب عليهم أن يستخلفوا واحداً منهم لتدرك بها الجمعة ، دون
الركعة الثانية ، فلا يلزم الاستخلاف ، لإدراكهم مع الإمام ركعة كالمسبوق ،
فیتونها فرادى جمعة .
ويشترط لصحة الاستخلاف في الجمعة شرطان :
أحدهما - أن يستخلف الإمام للجمعة مقتدياً به قبل حدثه ، فلا يصح
استخلاف من لم يكن مقتدياً بالإمام . ولا يشترط كون المقتدي حضر الخطبة ولا
الركعة الأولى في الأصح فيها .
والثاني - أن يستخلف عن قرب ، بألا يمضي زمن قبل الاستخلاف يسع
ركناً قصيراً من أركان الصلاة .
فإن كان الخليفة قد أدرك الركعة الأولى من الجمعة مع الإمام ، تمت الجمعة
مطلقاً للخليفة والمأمومين . وإن لم يدرك الركعة الأولى تمت الجمعة للمقتدين دونه
في الأصح فيهما . ولا يلزم المقتدين في الجمعة وغيرها استئناف نية القدوة في
الأصح .
أما في غير الجمعة فلا يشترط شيء لصحة الاستخلاف ، بل يجوز أن يستخلف
(١) رواه الشيخان ، كمابينا
(٢) رواه البيهقي .
- ٢٥٦ -

غير مقتد ، وأن يستخلف بعد طول الفصل ، لكن يحتاج المقتدون لنية الاقتداء
بالقلب إن كان الخليفة غير مقتد قبل الاستخلاف ، وكانت صلاته مخالفة لصلاة
الإمام ، كأن كان في الركعة الأولى مثلاً ، والإمام في الثانية . كما يحتاجون لنية
القدوة إذا طال الفصل بأن مضى زمن يسع ركناً فأكثر .
وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام وجوباً في الواجب وندباً في
المندوب . وعلى المسبوق أيضاً أن يراعي نظم صلاة الإمام ، فإذا صلى ركعة
تشهد ، وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا .
وإذا لم يستخلف أحد في غير الجمعة نوى المقتدون المفارقة ، وأتموا صلاتهم
فرادى ، وصحت . أما الجمعة فلهم نية المفارقة إذا أدركوا الركعة الأولى جماعة ،
وأتموا فرادى في الثانية إذا بقي العدد أربعين إلى آخر الصلاة .
وقال الحنابلة(١) :
يجوز الاستخلاف لعذر كخوف ومرض شديد ، وعجز عن ركن قولي
كالفاتحة أو واجب قولي كتسبيحات الركوع والسجود .
ولا يجوز الاستخلاف لسبق الحدث للإمام ، لأن صلاته تبطل به ، ويلزمه
استئنافها، خلافاً لبقية الأئمة، ودليلهم حديث علي بن طلق: ((إذا فسا أحدكم
في صلاته ، فلينصرف ، فليتوضأ، وليعد الصلاة ))(٢) ورأي الجمهور أصح بدليل
استخلاف عمر لعبد الرحمن بن عوف لما طعن .
والمستخلف ولو كان من غير المقتدين كما قال الشافعية يبني على مامضى من
صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة ، ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين ،
(١) المغني: ٢ / ١٠٢ - ١٠٥، كشاف القناع: ١ / ٢٧٤ - ٣٧٧ .
(٢) رواه أبو داود پاسناد جيد.
الفقه الإسلامي جـ٢ (١٧)
- ٢٥٧ -

وإذا كان مسبوقاً استخلف قبل السلام من يسلم بهم ، وقام لقضاء ماسبقه به
الإمام ، فإن لم يستخلف كان للمصلي الخيار بين أن يسلموا لأنفسهم ، أو ينتظروه
جالسين حتى يقضي مافاته ، ويسلم بهم .
وإذا لم يستخلف الإمام ، جاز للقوم أن يستخلفوا بدله ، ليتم بهم الصلاة ،
كما جاز لهم أن يتموها فرادى .
وإن قدمت كل طائفة من المأمومين لهم إماماً يصلي بهم ، جاز عندهم
كالشافعية . وقال الحنفية : تفسد صلاتهم كلهم .
ويبني الخليفة الذي كان مع الإمام في الصلاة على فعل : أي ترتيب الإمام ؛
لأنه نائبه ، حتى في القراءة يأخذ من حيث بلغ الإمام لأن قراءة الإمام قراءة له .
أما الخليفة الذي لم يكن مع الإمام في الصلاة ، فإنه يبتدئ الفاتحة ، ولا يبني على
قراءة الإمام ؛ لأنه لم يأت بغرض القراءة ، ولم يوجد ما يسقطه عنه ؛ لأنه لم يصر
مأموماً بحال ، لكن يسرّ ما كان قرأه الإمام من الفاتحة ، ثم يجهر بما بقي من
القراءة ليحصل البناء على فعل الإمام .
فإن لم يعلم الخليفة المسبوق ، أو الذي لم يدخل مع الإمام في الصلاة ،
ما صلى الإمام الأول ، بنى الخليفة على اليقين ، كالمصلي يشك في عدد الركعات .
فإن سبَّح له المأموم للتنبيه ، رجع إليه ، ليبني على ترتيب الأول.
والخلاصة : أن أكثر المذاهب سعة في قضية الاستخلاف هو مذهب الشافعية
إذ إنهم أجازوه لغير سبب ، وبالكلام من الإمام ، ثم المالكية ، ثم الحنفية ، ثم
الحنابلة .
- ٢٥٨ -

المبحث الثاني
صلاة الجمعة
فرضيتها ومنزلتها ، وفضل السعي إليها وحكمتها ، ومن تجب عليه ،
كيفيتها ومقدارها ، شروط صحتها ، سنن الخطبة ومكروهاتها ، سنن الجمعة
ومكروهاتها ، مفسدات الخطبة ، صلاة الظهر يوم الجمعة ، ففي هذا المبحث
تسعة مطالب .
وسميت جمعة لاجتماع الناس لها ، وقيل : لما جمع في يومها من الخير ،
وقيل : لأن خلق آدم جمع فيه ، أو لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض . واسمها
القديم في الجاهلية يوم العروبة : أي المبين المعظم ، وقيل : يوم الرحمة .
المطلب الأول - فرضية الجمعة ومنزلتها :
صلاة الجمعة فرض عين (١) ، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي ، وهي
فرض مستقل ليست بدلاً عن الظهر ، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لاتجب الجمعة
عليه كالمسافر والمرأة ، وهي آكد من الظهر ، بل هي أفضل الصلوات ، ويومها
أفضل الأيام ، وخير يوم طلعت فيه الشمس ، يعتق الله فيه ستمائة ألف عتيق من
النار، من مات فيه كتب الله له أجر شهيد ، ووقي فتنة القبر ، ودليل فضل
يومها حديث مرفوع: (( يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها ، وأعظم عند الله من
يوم الفطر، ويوم الأضحى))(٢).
(١) الدر المختار: ١ / ٧٤٧، الشرح الصغير: ١ / ٤٩٣، مغني المحتاج: ١ / ٢٧٦، المغني: ٢ / ٢٩٤
وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢١ .
(٢) ذكره البيهقي في فضائل الأوقات من حديث أبي لبانة بن عبد المنذر .
- ٢٥٩ -
۔
.....
..

وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال : حسن صحيح : أن النبي
مَ اثم قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه دخل
الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
وأدلة فرضيتها العينية المستقلة ، لا الكفائية : القرآن : وهو قوله تعالى :
﴿ ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا
البيع ﴾ أي امضوا إلى ذكر الله، فأمر بالسعي، والأمر يقتضي الوجوب ، ولا يجب
السعي إلا إلى واجب ، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها ، فلو لم تكن واجبة لما
نهي عن البيع من أجلها ، والمراد بالسعي ههنا : الذهاب إليها ، لا الإسراع .
والسنة: وهو قوله عَ لّ: ((لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختِمَنَّ
الله على قلوبهم ، ثم ليكونُنَّ من الغافلين))(١) وقوله: ((رواح الجمعة واجب على
كل محتلم))(٢) وقوله عليه السلام أيضاً: (( من ترك ثلاث جمع تهاوناً ، طبع الله
على قلبه )»(٣) .
وتاركها يستحق العقاب، لقوله عز له لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممت
أن آمر رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم))(٤).
والإجماع : فقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة .
وفرضت بمكة قبل الهجرة ، لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: (( أذن
للنبي ◌ُطٍّ في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة ، فكتب إلى
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس (نيل الأوطار: ٣ / ٢٢١).
(٢) رواه النسائي عن حفصة رضي الله عنها، ورواه أبو داود عن طارق بن شهاب بلفظ ((الجمعة حق واجب
على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صي، أو مريض)) ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٢٦).
(٣) رواه الخمسة عن أبي الجعْد الضَّْري ، وله صحبة وصححه الحاكم ، ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه
( نيل الأوطار: ٣ / ٢٢١ ) .
(٤) رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ٣ / ٢٢١).
- ٢٦٠ -