Indexed OCR Text
Pages 141-160
ويسير الفوائت : خمس فأقل ، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها . ولو تذكر المصلي اليسير من الفوائت في أثناء فرض الحاضرة ، ولو صبحاً أو جمعة، إماماً أو غيره ، قطع صلاته وجوباً إذا لم يتم ركعة بسجدتيها ، إذا كان منفرداً أو إماماً ، ويتبعه المأموم . فإن كان مأموماً فلا يقطع صلاته لتذكره حاضرة ، نظراً لحق الإمام ، ويندب له أن يعيدها بعد قضاء الفوائت في وقت ضروري . فإن كان قد أتم ركعة بسجدتيها : ندب له أن يضم إليها ركعة أخرى بنية النفل ، وسلم ، ورجع للفائتة . وإن تذكر بعد ركعتين من الثنائية ، أو الثلاثية ، أو بعد ثلاث من الرباعية أتمها ؛ لأن ماقارب الشيء يعطى حكمه ، ثم صلى الفوائت ، ثم يعيد الحاضرة ندباً في وقتها إن كان باقياً .. وإن تذكر يسير الفوائت وهو في نقل أتمه مطلقاً ، إلا إذا خاف خروج وقت الصلاة الحاضرة ، ولم يكن قد أكمل ركعة، فيقطعه حينئذ ، ويصلي الفرض . وإذا كانت الفوائت كثيرة أكثر من خمس ، فلا يجب تقديمها على الحاضرة ، بل يندب تقديم الحاضرة إن اتسع وقتها ، فإن ضاق قدمها وجوباً . وقال الحنابلة على الصحيح من المذهب(١): الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة ، أو بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة ، فإن لم يتسع سقط الترتيب . ولا يسقط الترتيب في ظاهر المذهب من أجل إدراك (١) المغني: ١ / ٦٠٧ - ٦١٣، كشاف القناع: ١ / ٣٠٤ ومابعدها . - ١٤١ - الجماعة للصلاة الحاضرة ، لأنه آكد من الجماعة ، بدليل اشتراطه لصحة الصلاة ، بخلاف الجماعة ، كما لا يسقط الترتيب بجهل وجوبه ؛ لأنه ترتيب واجب في الصلاة ، ولاعذر بالجهل بالأحكام الشرعية . فإن صلى العصر قبل الظهر الفائتة ، لم تصح المتقدمة على محلها . وإن تذكر الأولى في أثناء الثانية ، بطلت الثانية ، لكن من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى ، أتمها ، وقضى المذكورة ، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت باقياً ، وذلك سواء أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً. والدليل على إتمامها قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم). ودليل إيجاب الترتيب: ماروي ((أن النبي ◌ُؤالٍّ فاته يوم الخندق أربع صلوات ، فقضاهن مرتبات )) . وإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء مالم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله . ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ، أعاد صلاة يوم وليلة ، عند أكثر أهل العلم ؛ لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس . ويندب عموماً تقديم صلاة الظهر ؛ لأنها أول فريضة ظهرت في الإسلام ، مالم يعلم أن أول ماتركه غير الظهر . وقال الشافعية(١): يسن ترتيب الفائت ، وتقديمه على الحاضرة التي لايخاف فوت وقتها، عملاً بفعل النبي عَ ◌ّ يوم الخندق ، وخروجاً من خلاف من أوجبه ، فترتيب الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين : الأول - ألا يخشى فوات الحاضرة ، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت . (١) مغني المحتاج: ١ / ١٢٧ وما بعدها، المهذب: ١ / ٥٤ . - ١٤٢ _ الثاني - أن يكون متذكراً للفوائت قبل الشروع في الحاضرة . فإن لم يتذكرها حتى شرع في الحاضرة ، وجب إتمامها ، ضاق الوقت أو اتسع ، ولو شرع في فائتة معتقداً سعة الوقت ، فبان ضيقه عن إدراكها أداء ، وجب قطعها لئلا تصير فائتة ، والأفضل أن يقلبها نفلاً بعد أداء ركعتين . ولو خاف فوت جماعة حاضرة ، فالأفضل الترتيب ، للخلاف في وجوبه . وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً واجب ، وأما تأخيراً فهو سنة . خامساً - القضاء إن جهل عدد الفوائت : قال الحنفية(١): من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها ، يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته . وعليه أن يعين الزمن ، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله ، أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله ، وذلك تسهيلاً عليه . وقال المالكية والشافعية والحنابلة(٢): يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته من الفروض ، ولا يلزم تعيين الزمن ، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلاً . سادساً - القضاء في وقت النهي عن الصلاة : قال الحنفية : ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها : عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيض قدر رمح أو رمحين . وعند استواء الشمس في وسط السماء إلى أن تزول أي تميل إلى جهة المغرب . وعند اصفرار الشمس إلى أن تغرب ، لقول عقبة بن عامر رضي الله (١) مراقي الفلاح: ص ٧٦ . (٢) القوانين الفقهية: ص ٧٢، مغني المحتاج: ١ / ١٢٧، كشاف القناع: ١ / ٣٠٥ . - ١٤٣ - عنه : ثلاثة أوقات نهانا رسول الله مافي أن نصلي فيها ، وأن نقبر موتانا : عند طلوع الشمس حتى ترتفع ، وعند زوالها حتى تزول ، وحين تتضيف للغروب حتى تغرب )»(١). وماعدا ذلك يجوز فيه القضاء ولو بعد العصر والصبح . ويصح أداء ما وجب في هذه الأوقات كجنازة حضرت ، وسجدة آية تليت فيها ، كما صح عصر اليوم عند الغروب مع الكراهة كما بينا . لكن - كما بينا سابقاً - يكره تحريماً صلاة النافلة ولو كان لها سبب كالمنذورة وركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة . كما يكره التنفل بعد الفجر بأكثر من سنته وبعد صلاته ، وبعد صلاة العصر ، وقبل صلاة المغرب ، وعند خروج الخطيب إلى الخطبة حتى يفرغ من الصلاة. وعند إقامة الصلاة إلا سنة الفجر ، وقبل صلاة العيد ولو تنفل في المنزل ، وكذا يكره التنفل بعد العيد في المسجد ، وبين الجمعين في عرفة ولو بسنة الظهر ، وجمع مزدلفة ولو بسنة المغرب على الصحيح ؛ لأنه مدافع لم يتطوع بينهما . وعند ضيق وقت المكتوبة لتفويته الفرض عن وقته ، وفي حال مدافعة الأخبثين ، وحضور طعام تتوقه نفسه ، وما يشغل البال ويخل بالخشوع(٣). وقال المالكية والشافعية والحنابلة(٣): يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها ، روي ذلك عن علي رضي الله عنه وغير واحد من الصحابة، وللحديث السابق: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا (١) رواه مسلم . (٢) مراقي الفلاح : ص ٣١ . (٣) الشرح الصغير: ١ / ٣٦٥، مغني المحتاج: ١ / ١٢٩، المغني: ٢ / ١٠٢. - ١٤٤ _ ذكرها))(١) ولحديث أبي قتادة السابق: (( إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ))(1). وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة السابقة مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين ، وبعصر يومه ، فنقيس محل النزاع على المخصوص . ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح ، أتمها ، لحديث أبي هريرة عن النبي مُؤاتّ أنه قال: ((إذا أدرك سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس ، فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس ، فليتم صلاته )) (٣). وهذا نص في المسألة يقدم على عموم غيره . وقال الحنفية : تفسد الصلاة حينئذ ؛ لأنها صارت في وقت النهي . الله تعالى (١) متفق عليه . (٢) متفق عليه . (٣) متفق عليه . الفقه الإسلامي جـ٢ (١٠) - ١٤٥ - الفصل العاشر أنواع الصلاة وفيه مباحث ثمانية : المبحث الأول - صلاة الجماعة وأحكامها ( الإمامة والاقتداء ) : وفيه بحث صلاة المسبوق ، والاستخلاف والبناء على الصلاة . الكلام في هذا المبحث يتناول المطالب الخمسة الآتية : الجماعة ، الإمامة ، القدوة ، الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم ، الاستخلاف في الصلاة . ـعالـ المطلب الأول - الجماعة : تعريفها ، مشروعيتها وفضلها وحكمتها ، حكمها، أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة ، أفضل الجماعة ، إدراك ثوابها ، إدراك الفريضة ، المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام ، تكرار الجماعة في المسجد ، الإعادة مع الجماعة ، وقت استحباب القيام للصلاة ، أعذار ترك الجماعة والجمعة . أولاً - تعريف الجماعة : الجماعة : هي الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام والمأموم . وقد شرع الإسلام عدة مناسبات ولقاءات اجتماعية بين المسلمين لأداء العبادة في أوقات معلومة ، منها أداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة ، ومنها صلاة الجمعة في - ١٤٦ - الأسبوع ، ومنها صلاة العيدين في السنة مرة لأهل كل بلد ، ومنها عام للبلاد . كلها وهو الوقوف بعرفة في السنة مرة ، لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع . ثانياً - مشروعية الجماعة وفضلها وحكمتها : الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب : فقوله تعالى : ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .. ﴾ الآية ، أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد ، ففي الأمن أولى ، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف ، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها . وأما السنة: فقوله ◌َّ اللّ: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة))(١) وفي رواية: ((بخمس وعشرين درجة))(٢). وأما الإجماع : فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة . جاء في الإحياء للغزالي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا يفوّت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه ، قال : وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى ، وسبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة . وفضلها : كما ذكر في الحديث السابق أنها أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة ، وأن بكل خطوة إليها حسنة ورفع درجة ، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (( من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً ، فليحافظ على (١) رواه الجماعة إلا النسائي وأبا داود عن ابن عمر، والفذ: الفرد (جامع الأصول: ١٠ / ٢٥٠). (٢) هذه رواية أبي هريرة . ورواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري ، وأحمد عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ٣ / ١٢٦ وما بعدها ) قال في المجموع: ولامنافاة لأن القليل لا ينفي الكثير، أو أنه أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل، فأخبر بها ، أو أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين كثرة وقلة . قال الشوكاني : والراجح عندي أولها لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع . - ١٤٧ - هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم مَ ◌ّه سنن الهدى ، وأنهن من سُنَن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم ، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم مُّال ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ومامن رجل يتطهر فيحسن الطَّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد ، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ، ويرفعه بها درجة ، ويحط عنه سيئة ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادی بین الرجلين حتى يقام في الصف)) (١) . وأنها أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله مع له: ((بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(٣). وآكد الجماعات في غير الجمعة : جماعة الصبح ثم العشاء(٣) ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَ ل قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ، لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في التهجير ، لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ، ولو حَبْواً)) (٤) . وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله مَ ◌ّ يقول: ((من صلى العشاء في جماعة ، فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح في جماعة ، فكأنما صلى الليل كله))(٥) . أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى . (١) رواه مسلم وأبو داود ( نصب الراية: ٢ / ٢١ - ٢٢، جامع الأصول: ٦ / ٣٧٠)، ويهادى: يرفد أو يعان من جانبيه. وفي رواية: (( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم)). (٢) رواه أبو داود والترمذي عن بريدة ، وابن ماجه والحاكم عن أنس وعن سهل بن سعد ، وهو صحيح . (٣) المجموع : ٤ / ٩١ . (٤) رواه البخاري ومسلم. والاستهام: الاقتراع ، والتهجير: التبكير إلى الصلاة ، والعتمة : العشاء. (٥) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وفي رواية الترمذي: ((ومن صلى العشاء والفجر في جماعة)). - ١٤٨ - وحكمتها : تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين ، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم ، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء ، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه ، أو الغنى والفقر . وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف ، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة ، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات ، وتحقق أبعد الأهداف ، وتربي الناس على أفضل أصول التربية ، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط ؛ لأن ربهم واحد ، وإمامهم واحد ، وغايتهم واحدة ، وسبيلهم واحدة . قال في الدر المختار: ومن حِكَمَها : نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم . والألفة بتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران . ثالثاً - حكم صلاة الجماعة : عالي صلاة الجماعة إما سنة مؤكدة أو فرض . فقال الحنفية والمالكية(١): الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة ، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج ، فلاتجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف . وكونها سنة ؛ لأن ظاهر الحديث السابق (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ، أو بسبع وعشرين درجة )) يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه ، وكأنها كال زائد على الصلاة الواجبة ، فكأنه (١) وهو رأي أيضاً لبعض الشافعية. فتح القدير: ١ / ٢٤٣، الدر المختار: ١ / ٥١٥، اللباب: ١ / ٨٠، تبيين الحقائق: ١ / ١٣٢، الشرح الصغير: ١ / ٤٢٤، بداية المجتهد: ١ / ١٣٦، المهذب: ١ / ٩٣. - ١٤٩ - قال عليه الصلاة والسلام : صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد ، والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء. ويؤكده ماروي من حديث آخر: ((الجماعة من سنن الهدى ، لا يتخلف عنها إلا منافق))(١) . وهذا الرأي ليسره أولى من غيره ، خصوصاً في وقتنا الحاضر حيث ازدحمت الأشغال والارتباط بمواعيد عمل معينة ، فإن تيسر لواحد المشاركة في الجماعة ، وجب تحقيقاً لشعائر الإسلام . وقال الشافعية في الأصح المنصوص (٢) : الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين ، لاعراة ، في أداء مكتوبة ، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة يإقامتها ، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كُلُّهم من إقامتها قوتلوا ( أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس ) ، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح. بدليل قوله مع الز: « مامن ثلاثة في قرية ولابدو لاتقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان(٣) ، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٤). مـ وقال الحنابلة(٥): الجماعة واجبة وجوب عين ، الآية السابقة: ﴿وإذا كنت فيهم .. ﴾ ويؤكده قوله تعالى: ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ ، وحديث أبي هريرة: (( أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر ... )) ، وفي حديثه أي أبي هريرة أيضاً: أن رسول الله عَ لّ قال: ((والذي نفسي بيده ، لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلاً ، فيؤم 1 (١) قال عنه الزيلعي : غريب بهذا اللفظ ، وفي معناه حديث مسلم السابق عن ابن مسعود ( نصب الراية: ٢ / ٢١ ) . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٢٢٩ ومابعدها، المهذب: ١ / ٩٣، المجموع: ٤ / ٨٨ وما بعدها . (٣) أي غلب . (٤) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم . (٥) المغني: ١٧٦/٢ وما بعدها ، كشاف القناع: ٥٣٢/١ وما بعدها - ١٥٠ - الناس ، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة ، فأحرّق عليهم بيوتهم))(١) ، وحديث الأعمى المشهور: وهو (( أن رجلاً أعمى ، قال : يارسول الله ، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد !! فسأل النبي عائل أن يرخص له، فيصلي في بيته ، فرخص له ، فلما ولَّى دعاه ، فقال : هل تسمع النداء ؟ فقال : نعم ، قال : فأجب))(٢)، وحديث ابن مسعود السابق: ((لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق .. )) وحديث جابر وأبي هريرة: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد )»(٣). ويعضد وجوب الجماعة : أن الشارع شرعها حال الخوف على صفة لا تجوز إلا في الأمن ، وأباح الجمع لأجل المطر ، وليس ذلك إلا محافظة على الجماعة ، ولو كانت سنة لما جاز ذلك . لكن ليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة ، كما نص الإمام أحمد . رابعاً - أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة : أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي عند الشافعية والحنفية(٤)، ولا تنعقد الجماعة مع صبي مميز عند المالكية والحنابلة(٥)؛ لكن عند الحنابلة في فرض لا نفل فتصح به ؛ لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض ، ويصح أن يؤم صغيراً في نقل ؛ لأن النبي ◌َّ أمّ ابن عباس ، وهو صبي في التهجد . (١) متفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم، ورواه أيضاً مالك وأبو داود والترمذي والنسائي (جامع الأصول : ٣٦٩/٦ ) (٢) رواه مسلم ، وروى مثله أبو داود بإسناد صحيح أو حسن عن ابن أم مكتوم . (٣) رواه الدارقطني ، وهو حديث ضعيف ، ورواه البيهقي عن علي موقوفاً عليه . (٤) الدر المختار: ٥١٧/١، المجموع: ٩٣/٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٢٩/١، ٢٣٣، البدائع: ١٥٦/١ . (٥) كشاف القناع: ٥٣٢/١، المغني: ١٧٨/١، الشرح الكبير: ٣٢١/١، الشرح الصغير: ٤٢٧/١ وما بعدها - ١٥١ - ودليلهم على أقل الجماعة: قوله مسلم: ((الاثنان فما فوقهما جماعة))(١). خامساً - أفضل الجماعة ، وحضور النساء المساجد : الجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد ، كالبيت وجماعة المرأة (٢)، لخبر الصحيحين: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) أي فهي في المسجد أفضل ؛ لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر وكثرة الجماعة . وقد رتب الفقهاء أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة : فقال الحنابلة(٣) : إن كان البلد ثغراً؛ وهو المكان الخوف ، فالأفضل لأهله الاجتماع في مسجد واحد ؛ لأنه أعلى للكلمة ، وأوقع للهيبة . والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره ؛ لأن فيه تحصيل ثواب عمارة المسجد ، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه ، وذلك معدوم في غيره ، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره ، لكن فيه جبر قلوب الإمام أو الجماعة . ثم المسجد العتيق ( مسجد مكة ) ؛ لأن الطاعة فيه أسبق . ثم الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله صل اته: «صلاة الرجل مع الرجل أولى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل ، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله))(٤) . (١) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي والعقيلي عن أبي موسى الأشعري . وأخرجه البيهقي عن أنس ، وأخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ورواه ابن عدي من حديث الحكم بن عميرة ، وكلها ضعيفة ( نصب الراية : ١٩٨/٢ ) (٢) مغني المحتاج: ٢٣٠/١، المغني : ١٧٩/٢ (٣) كشاف القناع: ٥٣٦/١ ، المغني : ١٧٩/١ (٤) رواه أحمد وأبو داود ، وصححه ابن حبان عن أبي بن كعب - ١٥٢ - ثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله مَ الَ: ((إن أعظم الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى)) (١) ولكثرة حسناته بكثرة خطاه . وفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع . وتقدم الجماعة مطلقاً على أول الوقت ؛ لأنها واجبة ، وأول الوقت سنة ، ولا تعارض بين واجب ومسنون . وقال الشافعية(٢) : الجماعة للرجال في المساجد أفضل إلا إذا كانت الجماعة في البيت أكثر. وما كثرت جماعته أفضل ، إلا إذا تعطل عن الجماعة مسجد قريب ، فالجماعة القليلة أفضل . وقال المالكية (٣) : لا نزاع في أن الصلاة مع العلماء والصلحاء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرها ، لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة وقبول الشفاعة . حضور النساء إلى المساجد : أما حضور النساء إلى المساجد : فيجوز للعجوز، ويكره للشابة خوفاً من الفتنة والأولى للمرأة مطلقاً الصلاة في بيتها ، وتتلخص آراء الفقهاء فيما يأتي : قال أبو حنيفة وصاحباه(8): يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً ، لما فيه من خوف الفتنة ، وقال أبو حنيفة : ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء ؛ لأن فرط الشبق حامل ( باعث ) فتقع الفتنة ، وفي غير هذه الأوقات الفساق نائمون في الفجر والعشاء ، ومشغولون بالطعام في المغرب ، (١) رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً. (٢) الحضرمية: ص٦٤ ، مغني المحتاج : ٢٦٢/١ (٣) الشرح الكبير : ٣٢٠/١ (٤) الكتاب مع اللباب: ٨٣/١، فتح القدير: ٥٢٩/١ ، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٥٢٩/١. - ١٥٣ - وأجاز الصاحبان لها أن تخرج في الصلوات كلها ؛ لأنه لا فتنة ، لقلة الرغبة فيهن . والمذهب المفتى به لدى المتأخرين : أنه يكره للنساء حضور الجماعة ولو لجمعة وعيد ووعظ ، مطلقاً ، ولو عجوزاً ليلاً ، لفساد الزمان ، وظهور الفسق . وقال المالكية(١): يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف ، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد وجنازة قريب من أهلها ، أما مخشية الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً . قال ابن رشد : تحقيق القول في هذه المسألة عندي : أن النساء أربع : أ - عجوز انقطعت حاجة الرجال منها: فهذه كالرجل ، فتخرج للمسجد للفرض ، ولمجالس الذكر والعلم ، وتخرج للصحراء للعيدين والاستسقاء ولجنازة أهلها وأقاربها ولقضاء حوائجها . ب - ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة : فهذه تخرج للمسجد للفرائض ومجالس العلم والذكر ، ولا تكثر التردد في قضاء حوائجها ، فيكره لها ذلك . وكلام العلامة خليل : أن هذه كالأولى . 5 جـ ـ وشابة غير فارهة في الشباب والنجابة : تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة ، وفي جنازة أهلها وأقاربها ، ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس ذكر أو علم . د - وشابة فارهة في الشباب والنجابة : فهذه لها الاختيار، فلها ألا تخرج أصلاً . (١) الشرح الكبير مع الدسوقي: ٣٣٥/١، الشرح الصغير: ٤٤٦/١ وما بعدها . - ١٥٤ - وقال الشافعية والحنابلة(١) : يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال ؛ لأنها مظنة الفتنة ، وتصلي في بيتها . ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت تَفِلة ( غير متطيبة ) بإذن زوجها ، وبيتها خير لها ، لقوله مُؤاله: (( لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن )) وفي لفظ ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد، فأذنوا لهن)) (٢) أي إذا أمن المفسدة. ولقوله ◌َّ في هيئة خروجها: (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، وليخرجن تَفِلات)) (٢) أي غير متطيبات. وعن أم سلمة: أن رسول الله عَ الزّ قال: خير مساجد النساء قعر بيوتهن )) (٤) . سادساً - إدراك ثواب الجماعة : الثواب الأكمل يحصل لمن أدرك الصلاة مع الإمام من أولها إلى آخرها ، فإن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة ، لحديث رواه الترمذي عن أنس : أن النبي ◌ٍُّ قال: (( من صلى لله أربعين يوماً في جماعة ، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق))(9)، وروي: ((لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة: التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها))(٦) ولحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا))(٧) إذ الفاء للتعقيب . (١) مغني المحتاج: ٢٣٠/١، كشاف القناع: ٥٣٥/١، ٥٥١، ٥٦٩، المغني: ٢٠٢/٢ وما بعدها . (٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. والرواية الأولى لأحمد وأبي داود عن ابن عمر ( نيل الأوطار: ١٣٠/٣) (٣) رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ( المصدر السابق ) (٤) رواه أحمد ( نيل الأوطار: ١٣١/٣). (٥) حديث منقطع ، قالوا : لكنه من الفضائل فيتسامح فيه . (٦) رواه البزار من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء مرفوعاً . (٧) مغني المحتاج: ٢٣١/١ ١ - ١٥٥ - ٠ ١ ١ والصحيح عند الشافعية : إدراك فضيلة الجماعة مالم يسلم الإمام ، وإن لم يقعد معه ، بأن انتهى سلامه عقب تحرّمه ، وإن بدأ بالسلام قبله ، لإدراكه ركناً معه ، لكنه دون فضل من يدركها من أولها . واستثنوا صلاة الجمعة فيإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام . وقال الحنابلة والحنفية(١): من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة ، ولو لم يجلس معه ؛ لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام ، فأشبه مالو أدرك ركعة . وقال المالكية(٢) : إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها بخمس أو بسبع وعشرين درجة ، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام ، بأن يمكن يديه من ركبتيه أو مما قاربها قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه . أما مدرك ما دون الركعة فلا يحصل له فضل الجماعة ، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام ، وأنه مأجور بلا نزاع . سابعاً - إدراك الفريضة مع الإمام : اتفق أئمة المذاهب(٣) على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه ، فإنه يدرك الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة كما بينا سابقاً، لقوله تع الى ((من أدرك ركعة من الصلام مع الإمام ، فقد أدرك الصلاة ))(٤) فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع ، لم تحسب الركعة . لكن المالكية قالوا : إنما تدرك الركعة مع (١) المغني : ٥٤٠/٢ ، ٥٤٦ (٢) الشرح الكبير : ٣٢٠/١ (٣) فتح القدير: ٣٤٤/١، تبيين الحقائق: ١٨٤/١، مراقي الفلاح: ص ٧٨، الشرح الصغير: ٤٢٦/١، ٤٦٣ ، كشاف القناع : ٥٤٠/١ . (٤) رواه البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ١٥١/٣ ). - ١٥٦ - . الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه ، ولو حال رفعه ، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئناً ، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام ، ولا يؤخر الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها ، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده لم تحسب له الركعة . وقال الحنابلة : من أدرك الإمام راكعاً ، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع نصاً ، لأنه فعل زيد بن ثابت وابن عمر ، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة ، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد ، فأجزأ الركن عن الواجب ، كطواف الزيارة والوداع . واشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام . وهل يركع من أدرك الإمام راكعاً دون الصف ؟ قال المالكية(١): يحرم ( أي يكبر تكبيرة الإحرام ) من خشي فوات ركعة برفع الإمام من ركوعه إن لم يحرم ، دون الصف ، إن ظن إدراكه قبل رفع رأس الإمام من الركوع . فإن لم يظن إدراك الصف قبل رفع الإمام ، تابع مشيه بلا خَبَب ( هرولة ) ، إلا أن تكون الركعة الأخيرة من صلاة الإمام ، فإنه يحرم في مكانه دون الصف ، لئلا تفوته الصلاة ، ثم مشى ، حتى يدخل في الصف . وقال الحنابلة وغيرهم من بقية الفقهاء(٢): لا يركع دون الصف إلا إذا مشى ودخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع ، أو يأتي آخر فيقف معه . (١) الشرح الصغير: ٤٦١/١ وما بعدها . (٢) المغني : ٢٣٤/٢ وما بعدها . - ١٥٧ - وجملة ذلك : أن من ركع دون الصف ثم دخل فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال : آ - إذا صلى ركعة كاملة، فلا تصح صلاته، لقول النبي عَ لّ: ((لا صلاة لفرد خلف الصف ))(١). ب - أن يمشي راكعاً حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع ، أو أن يأتي آخر ، فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ، فإن صلاته تصح ، لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة . جـ - إذا دخل في الصف بعد رفع رأسه من الركوع : فمتى كان جاهلاً بتحريم ذلك ، صحت صلاته ، وإن علم لم تصح ، بدليل ما روى البخاري وغيره: ((أن أبا بكرة انتهى إلى النبي ◌ُّر، وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي عَّةٍ ، فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد))(٢) ، فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود. ثامناً - المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام : المشي للجماعة : عالـ يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها ، وعليه السكينة والوقار(٣) ، لقوله عَ لفرع: ((إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا )) (٤) (١) رواه أحمد وابن ماجه عن علي بن شيبان ( نيل الأوطار: ١٨٤/٣) (٢) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي، ورواية أبي داود بلفظ: ((أن أبا بكرة جاء، ورسول الله عَ ل راكع ، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف ، فلما قضى النبي ◌ٍَّ الصلاة ، قال: أيكم الذي ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف، فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ◌َّ: زادك الله حرصاً، ولا تعد)) ( نيل الأوطار: ١٨٤/٣ ) (٣) المهذب : ٩٤/١، كشاف القناع: ٣٧٨/١ وما بعدها. (٤) رواه الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ، وروى أحمد والشيخان في معناه عن أبي قتادة ( نيل الأوطار: ١٣٤/٣ ) - ١٥٨ _ وذكر المالكية(١) : أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة ، بلا خَبَب ( أي هرولة : وهي ما دون الجري ) وتكره الهرولة ؛ لأنها تذهب الخشوع والجري أولى . المبادرة للاقتداء مع الإمام : يبادر المصلي للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم نحوه. وهل له أن يصلي النافلة ؟ قال المالكية(٢) : يحرم على المتخلف ابتداء صلاة ، فرضاً أو نفلاً بجماعة أو لا ، بعد إقامة الصلاة لإمام راتب . وإن أقيمت تلك الصلاة بمسجد ، والمصلي في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته : فإن خشي فوات ركعة مع الإمام ، قطع صلاته ، ودخل مع الإمام مطلقاً ، سواء أكانت نافلة أم فرضاً غير الصلاة المقامة ، وسواء عقد ركعة أم لا ، ويقطع صلاته بسلام أو مناف للصلاة ككلا، ونية إبطال . وإن لم يخش فوات ركعة : فإن كانت الصلاة نافلة أتمها ركعتين ، ويندب أن يتمها جالساً . وإن كانت الصلاة التي هو بها هي المقامة نفسها - بأن كان في العصر ، فأقيت للإمام - انصرف عن شفع ولا يتها ، فلو صلى ركعة ضم لها أخرى ، وإن كان في الثانية كملها ، وإن كان في الثالثة قبل كمالها بسجودها ، رجع للجلوس فتشهد ، وسلم . هذا إن كان في صلاة رباعية . فإن كان في صلاة صبح أو مغرب ، فأقيت ، قطع صلاته ، ودخل مع (١) الشرح الصغير : ٤٤٥/١ (٢) الشرح الصغير: ٤٣١/١ ، القوانين الفقهية: ص ٦٨ - ١٥٩ - الإمام ، لئلا يصير متنفلاً بوقت نهي . وإن أتم ثانية المغرب ، أو الثالثة ، أو ثانية الصبح ، كملها بنية الفريضة . وقال الشافعية(١): إن كان المصلي في صلاة نافلة، ثم أقيمت الجماعة: فإن لم يخش فوات الجماعة ، أتم النافلة ، ثم دخل في الجماعة . وإن خشي فوات الجماعة ، قطع النافلة ؛ لأن الجماعة أفضل . وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة : فالأفضل أن يقطع ، ويدخل في الجماعة . وفي المذهب الجديد وهو الأصح : له أن ينوي الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته ؛ لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ، ثم يصير إماماً ، بأن يجيء من يأتم به ، جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ، ثم يصير مأموماً ، ومن المقرر عندهم أنه يجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة ، كالمسبوق بركعة . وإن حضر وقد أقيمت الصلاة، لم يشتغل عنها بنافلة، لقوله مع المه: ((إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة))(٢). وقال الحنابلة(٣): إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة التي يريد الصلاة مع إمامها ، وفقاً لرواية ابن حبان بلفظ (( إذا أخذ المؤذن في الإقامة )) ، فلا صلاة إلا المكتوبة ، فلا يشرع في نفل مطلق ولا سنة راتبة من سنة فجر أو غيرها ، في المسجد أو غيره ولو ببيته، لعموم الحديث السابق: ((إذا أقيمت الصلاة .. ))، فإن شرع في نافلة بعد الشروع في الإقامة ، لم تنعقد ، لما روي عن أبي هريرة ((وكان عمر يضرب على كل صلاة بعد الإقامة)). (١) المهذب: ٩٤/١، المجموع: ١٠٥/٤ - ١١٠ (٢) متفق عليه بين الشيخين عن أبي هريرة (٣) كشاف القناع: ٥٣٩/١ وما بعدها . ۔ - ١٦٠ - مر ص-