Indexed OCR Text

Pages 101-120

كالشافعية ، إذا حصل ذلك سهواً ، فإن حصل عمداً تبطل الصلاة به إن كان
فعلياً ، ولا تبطل إن كان قولياً في غير محله . ولاسجود للسهو في صلاة جنازة ،
وسجود تلاوة ، وشکر
١ - أما الزيادة في الصلاة: فمثل أن يزيد المصلي سهواً فعلاً من جنس
الصلاة ، قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة ، أو
ركوعاً ، أو سجوداً ، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة ،
فيسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية وندباً في الزيادة القولية، لقوله مع المه في
حديث ابن مسعود: ((فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته ، فليسجد
سجدتين))(١)، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي: ((سها النبي معد له
فسجد )) بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود ، لينجبر النقص .
ومتى ذكر من زاد في صلاته ، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير ، لإلغاء
الزيادة ، وعدم الاعتداد بها . وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أو رابعة في مغرب
أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء ، قطع تلك الركعة ، بأن يجلس في الحال متى
ذكر بغير تكبير ، وبنى على فعله قبل تلك الزيادة ، ولا يتشهد ، إن كان تشهد ،
ثم سجد للسهو ، وسلم ، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة مسبوق .
وإن كان الذي زاد إماماً أو منفرداً ، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه
الإمام على ما يجب السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته ، بحيث تبطل
ببطلانها - لزمه الرجوع ، سواء نبهوه لزيادة أو نقص ، ولو ظن خطأهما ؛ لأنه
عَ ◌ّه رجع إلى قول أبي بكر وعمر في قصة ذي اليدين .
والمرأة كالرجل في تنبيه الإمام .
(١) رواه مسلم
- ١٠١ -

فإن لم يرجع إمام إلى قول الثقتين المنبهين له :
أ - فإن كان عدم رجوعه لجبران نقص ، بأن قام قبل أن يتشهد التشهد
الأول، لم تبطل صلاته، لحديث المغيرة بن شعبة: (( أنه نهض في الركعتين ،
فسبَّح به من خلفه ، فمضى ، فلما أتم صلاته وسلم ، سجد سجدتي السهو ، فلما
انصرف ، قال: رأيت النبي مؤثرٍ يصنع كما صنعت)) (١).
ب - وإن لم يرجع عمداً لغير جبران نقص : بطلت صلاته وصلاة المأموم .
وإن كان عدم رجوع الإمام إلى قول الثقتين لغير جبران نقص سهواً ، بطلت
صلاته وصلاة المأموم الذي اتبعه عالماً ببطلان صلاته ذاكراً ؛ لأنه اقتدى بمن يعلم
بطلان صلاته ، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه . ولاتبطل صلاة المأموم الذي اتبعه
جاهلاً أو ناسياً ؛ لأن الصحابة تابعوا النبي ◌ُ ◌ٍّ في الخامسة حيث لم يعلموا ، أو
توهموا النسخ ، ولم يؤمروا بالإعادة .
ووجبت مفارقة الإمام القائم إلى زائدة على من علم ذلك ، لاعتقاده خطأه ،
ويتم المفارق صلاته لنفسه للعذر .
٢ - وأما النقص في الصلاة: فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة
الفاتحة ونحو ذلك سهواً ، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره ، ويجب أن
يسجد للسهو في آخر صلاته .
وإن نسي التشهد الأول ، لزمه الرجوع والإتيان به جالساً ، مالم ينتصب
قائماً، وهذا متفق عليه، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صَ لّ قال: ((إذا قام
أحدكم من الركعتين، فلم يستتم قائماً ، فليجلس ويسجد سجدتي السهو))(٢) ،
ے
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح (نيل الأوطار: ٣ / ١١٩ )
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ، من رواية جابر الجعفي ، وقد تكلم فيه ( المصدر السابق )
- ١٠٢ -

ولأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن ، فلزمه الإتيان به ، كما لو لم
تفارق ركبتاه الأرض . ويلزم المأمومين متابعته ، ولو بعد قيامهم وشروعهم في
القراءة، لحديث ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) (١) .
وإن استتم قائماً ، ولم يقرأ ، فعدم رجوعه أولى ، لحديث المغيرة السابق ،
ويتابعه المأموم ، ويسقط عنه التشهد . وإن قرأ ثم ذكر التشهد ، لم يجز له
الرجوع ، لحديث المغيرة ، ولأنه شرع في ركن مقصود ، كما لو شرع في الركوع ،
وتبطل صلاة الإمام إذا رجع بعد شروعه فيها ، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً .
وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله معَ ◌ّ سابقاً: ((إذا سها
أحدكم فليسجد سجدتين )).
وكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء ((رب اغفر لي )) بين
السجدتين ، وكل واجب تركه سهواً ، ثم ذكره ، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل
الاعتدال لابعده .
٣ - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض
صوره : فهو مثل أن يشك في ترك ركن من الأركان ، أو في عدد الركعات ،
فيبني على المتيقن ، ويأتي بماشك في فعله ، ويتم صلاته ، ويسجد للسهو وجوباً ،
لحديث أبي سعيد السابق أن النبي عَ ◌ّ قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم
يدر : كم صلى ؟ فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل
(٢)
أن يسلم))(٣).
(١) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ٣ / ١٣٩).
(٢) رواه مسلم وأحمد .
- ١٠٣ -

ولا يسجد للسهو حالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أو السجود ،
وإنما يسجد لترك الواجب سهواً .
كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات ، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة
الأخيرة ؛ لأن الأصل عدم الزيادة . أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل
التشهد ، فإنه يجب عليه سجود السهو . ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة ، على
هذا التفصيل .
قصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان ، وأن كلام الناسي لا يبطل
الصلاة :
استدل جمهور العلماء(١) من السلف والخلف بقصة ذي اليدين على أن نية
الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام ، لا يوجب بطلانها ، ولو
سلم التسليمتين ، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة ، وكذا كلام من ظن التمام .
والقصة هي ما يأتي :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي عَ لّ إحدى صلاتي العَشِي(١)
ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يده عليه وفي القوم
أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وخرج سَرْعانُ الناس(٢) فقالوا : أقصرت
الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي ◌َ افل ذا اليدين(٤)، فقال: يارسول الله، أنسيت أم
(١) وقال الحنفية : التكلم في الصلاة ناسياً أو جاهلاً يبطلها ، مستدلين بحديث ابن مسعود وحديث زيد بن
أرقم في النهي عن التكلم في الصلاة ، وقالوا : هما ناسخان لهذا الحديث .
(٢) مابين زوال الشمس وغروبها ، وقد عينها أبو هريرة في رواية لمسلم أنها الظهر، وفي أخرى أنها العصر .
(٣) هم المسرعون إلى الخروج .
(٤) رجل يقال له الخِرْباق بن عمرو، لقب بذي اليدين ، لطول كان في يديه ، وفي الصحابة رجل آخر يقال
له : ذو الشمالين ، هو غير ذي اليدين ، ووهم الزهري فجعلهما واحداً .
- ١٠٤ -

قصرت الصلاة ؟ فقال: لم أنس ولم تُقْصر(١)، فقال: بلى ، قد نسيت ، فصلى
ركعتين ، ثم سلم ، ثم کبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه فکبر ، ثم
وضع رأسه فکبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وکبر ))(٢).
اجتماع سهوين أو أكثر : لاخلاف بين العلماء في أنه إذا سها المصلي
سهوين أو أكثر، كفاه للجميع سجدتان ؛ لأن النبي ماتّ سلم من اثنتين ، وكلم
ذا اليدين، واقتصر على سجدتين، وللحديث السابق: (( إذا نسي أحدكم فليسجد
سجدتين)) وهذا يتناول السهو في موضعين .
النافلة كالفرض : حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو ، في قول
جمهور أهل العلم، لعموم الحديث السابق: ((إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ))،
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود ، فيسجد لسهوها كالفريضة .
تنبيه الإمام على السهو: قال مالك وأبو حنيفة: من سها يسبح له،
وقال الشافعي وأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، لقوله عت له:
((التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء)) (٣) وهذا يرجح الرأي الثاني .
ثالثاً - محل سجود السهو وصفته :
سجود السهو عند الحنفية بعد السلام ، وعند الشافعية على العكس قبل
السلام ، وعند المالكية قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده ، ويتخير المصلي
بين الأمرين لدى الحنابلة .
(١) أي في ظني .
(٢) متفق عليه، واللفظ للبخاري ( سبل السلام: ١ / ٢٠٣، فيل الأوطار: ٣ / ١٠٧).
(٣) رواه الجماعة عن أبي هريرة، وروى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود عن سهل بن سعد: ((من نابه
شيء في صلاته ، فليسبح فإنما التصفيق للنساء)) وروى أحمد عن علي أن النبي عملهم كان يسبح له في صلاته ، حينما
يستأذنه بالدخول ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٢٠ ومابعدها ) .
- ١٠٥ -

قال الحنفية : محل سجود السهو المسنون بعد السلام مطلقاً ، سواء أكان
السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ولا يعيده.
وصفته : أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسلية الأولى فقط ، ثم
يتشهد بعدهما وجوباً، ويأتي بالصلاة على النبي عقلٍ والدعاء في قعدة السهو على
الصحيح ؛ لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة .
استدلوا على محله بعد السلام بحديث المغيرة السابق : أنه لما فرغ من صلاته
سلم ثم سجد سجدتين وسلم، كما صنع رسول الله عطائه(١)، وحديث ابن مسعود
المتقدم : أن النبي ◌َ ◌ّ صلى الظهر خمساً ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فقال :
وما ذلك ؟ فقالوا : صليت خمساً ، فسجد سجدتين بعد ماسلم ))(٣).
ودليلهم على صفته: حديث عمران بن حصين: أن النبي ◌ُ ◌ّ صلى بهم ،
فسها ، فسجد سجدتين ، ثم تشهد ثم سلم)) (٣)، وحديث ثوبان السابق: ((لكل
سهو سجدتان بعد السلام ))(٤).
وقال المالكية : محل السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان ،
أو النقصان والزيادة معاً. وبعد السلام إن كان سببه الزيادة فقط ، وينوي
وجوباً للسجود البعدي ، ويكبر في خفضه ورفعه ، ويسجد سجدتين جالساً
بينهما ، ويتشهد استناناً ، ولا يدعو ولا يصلي على النبي ◌َ ◌ّ خلافاً للحنفية ، ثم
يسلم وجوباً ، فتكون واجباته خمسة : وهي النية ، والسجدة الأولى ، والثانية ،
(١) رواه أحمد والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٣ / ١١٩ ).
(٢) رواه الجماعة ( المصدر السابق: ص ١٢١).
(٣) رواه أبو داود والترمذي ( المصدر نفسه: ص ١٢١).
(٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه ( نصب الراية : ٢ / ١٦٧ ).
- ١٠٦ -

والجلوس بينهما ، والسلام ، لكن السلام واجب غير شرط ، وأما التكبير والتشهد
بعده فسنة .
وإن أخر السجود القبلي عمداً كره ولا تبطل الصلاة ، وإن قدم السجود
البعدي على السلام أجزأه على المذهب ، وأثم أي يحرم تقديمه عمداً ، وتصح
الصلاة ، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم يحرم .
وقال الشافعية في الجديد : محل سجود السهو بين التشهد والسلام ، فإن
سلم عمداً فات في الأصح ، وإن سلم سهواً وطال الفصل فات أيضاً ، في الجديد ،
وإن لم يطل الفصل ، فلا يفوت ، ويسجد ، وإذا سجد صار عائداً إلى الصلاة في
الأصح . ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها ، أتموا ظهراً وسجدوا ،
ولو ظن سهواً فسجد فبان عدمه ، سجد في الأصح .
وصفته : سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة
والطمأنينة والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل ) والافتراش في الجلوس بينها ،
والتورك بعدهما .
عالـ
ويحتاج لنية بقلبه ، لابلسانه ، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته .
وحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيها : (( سبحان من لاينام ولا يسهو))
وقال بعضهم : والظاهر أنه كالذكر ( التسبيح ) في سجود الصلاة .
ودليلهم على محله قبل السلام حديث أبي سعيد الخدري السابق عند مسلم
وأحمد: (( ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)) وحديث ابن بحينة المتقدم عند
النسائي: (( فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)) .
ودليلهم على صفته: اقتصاره مُ لّ على السجدتين في قصة ذي اليدين ،
وغيرها من الأحاديث .
- ١٠٧ -

وقال الحنابلة(١): لاخلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده ، وإنما
الخلاف عندهم في الأفضل والأولى ، والأفضل أن يكون قبل السلام ؛ لأنه إتمام
للصلاة ، فكان فيها كسجود صلبها ، إلا في حالتين :
إحداهما - أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته ،
لحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في قصة ذي اليدين(٢) ففي حديث عمران:
((فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ، ثم سلم)) .
الثانية - أن يشك الإمام في شيء من صلاته ، ثم يبني على غالب ظنه ، فإنه
يسجد للسهو بعد السلام ندباً نصاً؛ لحديث علي وابن مسعود مرفوعاً: ((إذا شك
أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب ، فليتم ماعليه ، ثم ليسجد سجدتين ))(٣) وفي
البخاري: ((بعد التسليم)).
وصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم
يسجد سجدتين كسجود الصلاة ، فإن كان السجود بعدياً يأتي بالتشهد كتشهد
الصلاة قبل السلام ثم يسلم ، وإن كان قبلياً لم يتشهد ، ويسلم عقبه .
ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة ، لأنه سجود مشروع
في الصلاة ، فأشبه سجود صلب الصلاة .
ومن ترك السجود الواجب للسهو عمداً ، بطلت صلاته بترك مامحله قبل
السلام ؛ لأنه ترك الواجب عمداً كغيره من الواجبات ، ولاتبطل بترك ما محله بعد
السلام ؛ لأنه جبر للعبادة خارج منفرد عنها ، فلم تبطل بتركه ، كجبرانات
لحج .
(١) كشاف القناع: ١ / ٤٧٩ - ٤٨١، المغني: ٢ / ٣٤.
(٢) نيل الأوطار: ٣ / ١٠٧، ١١٣.
(٣) متفق عليه .
- ١٠٨ -

وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل ، لم تبطل الصلاة ؛ لأنه جابر
للعبادة بعدها ، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج .
وإن طال الفصل لم يسجد ، وإلا سجد .
المطلب الثاني - سجدة التلاوة :
الكلام فيها في دليل مشروعيتها ، وحكمها ، وشروطها ، مفسداتها ، أسبابها
وصفتها ، المواضع التي تطلب فيها من القرآن ، هل تتكرر السجدة بتكرر
التلاوة ، ما يتعلق بها من أحكام فرعية .
أولاً - دليل مشروعية سجدة التلاوة :
ذم الله تعالى تارك السجود بقوله : ﴿ وإذا قرىء عليهم القرآن
لا يسجدون﴾، وثبت عن النبي ◌ُ ◌ّ في شأنها أحاديث كثيرة منها : خبر ابن
عمر رضي الله عنه: ((كان رسول الله مٍُّ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة،
فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته))(١) وخبره أيضاً:
((أن النبي ◌ُ ◌ٍّ كان يَقْرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة ، كبر وسجد وسجدنا
(٢)
معه ))).
وسجودها دليل الإيمان ، وطريق الجنة ، روى أبو هريرة رضي الله عنه
مرفوعاً: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة ، فسجد ، اعتزل الشيطان يبكي ، يقول :
ياويله ، أمر ابن آدم بالسجود ، فسجد ، فله الجنة ، وأمرت بالسجود ،
فعصيت ، فلي النار ))(١) .
(١) متفق عليه، ولمسلم في رواية: ((في غير صلاة)) (نيل الأوطار: ٣ / ١٠٠).
(٢) رواه أبو داود والحاكم، وفي رواية أبي داود ضعيف، وراويه عند الحاكم ثقة، وقال: على شرط الشيخين ،
وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر ( نيل الأوطار: ٣ / ١٠٣ ).
(٣) رواه مسلم، وابن ماجه ( نصب الراية: ٢ / ١٧٨ ).
- ١٠٩ -

ويسجد القارئ والسامع، لخبر ابن مسعود: أن النبي ◌َّ اللّ قرأ: ((والنجم ،
فسجد فيها ، وسجد معه الجن والإنس ، إلا أمية بن خلف ، فقتل يوم بدر
مشركاً )»(١).
وطلب السجود في القرآن العظيم : إما أن يكون بصيغة الأمر الصريح ،
مثل ﴿ واسجد واقترب ) ، وإما أن يكون حكاية عن امتثال الأنبياء ، أو سائر
المخلوقات ، مثل قوله سبحانه: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سُجَّداً
وبكياً﴾ وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً
وكرهاً ﴾ .
ثانياً - حكمها الفقهي :
سجدة التلاوة واجبة بالتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية ، سنة عند
بقية الفقهاء(٢)، سواء عند الحنفية والشافعية قصد السامع سماع القرآن أو لم يقصد ،
أي فتطلب من القارئ والمستمع (وهو قاصد السماع ) والسامع ( وهو من لم يقصد
السماع ) ، أما الحائض والنفساء ، فلا تطلب منهما بالاتفاق ، وأما عند المالكية
والحنابلة فإن السجود يسن فقط للتالي والمستمع ، دون السامع غير القاصد
للسماع ، فلا يستحب له .
استدل الحنفية على الوجوب بحديث: (( السجدة على من سمعها ، وعلى من
تلاها))(٣) وهي كلمة إيجاب وهو غير مقيد بالقصد، وبقوله تعالى: ﴿ فمالهم
(١) متفق عليه في الصحيحين .
(٢) انظر ما يتعلق بالسجدة: فتح القدير: ١ / ٣٨٠ - ٣٩٢، البدائع: ١ / ١٧٩ - ١٩٥، الدر المختار: ١ /
١
٧١٥ - ٧٣٠، اللباب: ١ / ١٠٣ - ١٠٥، الشرح الصغير: ١ / ٤١٦ - ٤٢٢، القوانين الفقهية: ص ٩٠ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ١ / ٢١٤ - ٢١٧، المهذب: ١ / ٨٥ وما بعدها، المغني: ١ / ٦١٦ - ٦٢٧، كشاف القناع: ١ / ٥٢١ - ٥٢٦.
(٣) قال عنه الزيلعي: حديث غريب، والصحيح أنه مروي عن عثمان وابن عمر ( نصب الراية : ٢ / ١٧٨).
- ١١٠ -

لا يؤمنون ، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ ولا يذم إلا على ترك واجب ،
ولأنه سجود يفعل في الصلاة ، فكان واجباً ، كسجود الصلاة .
ودليل الجمهور على سنية سجود التلاوة : ماروى زيد بن ثابت قال :
((قرأت على النبي عَ لّ النجم، فلم يسجد منا أحد)) (١)، ولأنه إجماع الصحابة،
وروى البخاري والأثرم عن عمر: (( أنه قرأ يوم الجمعة على الصحابة ، وروى
البخاري والأثرم عن عمر: (( أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل ، حتى إذا
جاء السجدة نزل ، فسجد ، وسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها ،
حتى إذا جاءت السجدة قال : ياأيها الناس ، إنما نمر بالسجود ، فمن سجد فقد
أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر)) وفي لفظ: ((إن الله لم
يفرض علينا السجود ، إلا أن نشاء ))(٢). وعلى هذا فمن سجد فحسن ، ومن ترك
فلا شيء عليه .
أما دليل طلب السجدة من السامع : فهو حديث ابن عمر السابق ، ولأنه
سامع للسجدة ، فكان عليه السجود كالمستمع ، وإن كان السجود للمستمع آكد .
ودليل المالكية والحنابلة على عدم مطالبة السامع بالسجدة فعل عثمان وابن مسعود
وعمران، وقال عثمان: ((إنما السجدة على من استمع)).
هل تجب عند الحنفية على الفور أم على التراخي ؟
تجب سجدة التلاوة خارج الصلاة على التراخي ، في وقت غير معين ، إذا
كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب ، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد ، بشرط
كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظان، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء ، أو كافراً أو
(١) هذا لفظ الدارقطني، رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: ٣ / ١٠١).
(٢) نيل الأوطار: ٣ / ١٠٢.
- ١١١ -

صُبياً مميزاً أو سكران ، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل
لا تجب عليه ، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه ، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح
من الروايتين لاتجب عليه ، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز .
أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً ؛ لأنها وجبت بماهو من أفعال الصلاة
وهو القراءة ، فالتحقت بأفعال الصلاة ، وصارت جزءاً منها . فإن أنهى قراءته
بآية السجدة : فإما أن يسجد لها سجوداً مستقلاً ، ثم يعود للقراءة ، وإما أن
يضمنها في ركوعه أو سجوده ، إن نواها في ركوعه ، وسواء نواها أو لم ينوها في
سجوده .
وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة ، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر ،
وجب أن يسجد لها سجوداً مستقلاً ، غير سجود الصلاة ، ويستحب أن يعود
للقراءة ، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر ، ثم يركع ، ويتم صلاته .
متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي : قال الحنفية : إذا
تلا الإمام آية السجدة ، سجدها معه المأموم ، لالتزامه متابعته . وإن تلا المأموم لم
يسجد الإمام ولا المأموم ، لا في الصلاة ولاخارجها ، لأن المقتدي محجوز عن
5
القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه .
وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد
لها في الصلاة ، وسجدها بعد الصلاة ، فإن سجدها في الصلاة لم تجزه ، ولم تفسُد
صلاته ؛ لأن مجرد السجدة لاينافي إحرام الصلاة .
وكذلك قال غير الحنفية : يلزم متابعة الإمام في السجدة ، فإن سجد الإمام
فتخلف المقتدي ، أو سجد المأموم دون إمامه ، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي
لقراءة غيره بحال ، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه ، فإن فعل بطلت صلاته ؛ لأنه
زاد فيها سجوداً .
- ١١٢ -

ثالثاً - شروط سجود التلاوة :
٦ - شرائط الوجوب :
يشترط لوجوب سجدة التلاوة. عند الحنفية : أهلية وجوب الصلاة من
الإسلام والعقل والبلوغ ، والطهارة من الحيض والنفاس ، فلاتجب على الكافر
والصبي والمجنون والحائض والنفساء .
ولاتسن عند المالكية للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة ، بأن يكون ذكراً
بالغاً عاقلاً ، وإلا فلاسجود عليه ، بل على القارئ وحده .
وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً ، والمستمع رجلاً ، أو محدثاً ،
أو كافراً، ولاتسن لقراءة جنب وسكران ؛ لأنها غير مشروعة لهما .
ويشترط لسجود المستمع عند الحنابلة : أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع
له ، أي يجوز اقتداؤه به، أي كما قال المالكية، لما روى عطاء: (( أن رجلاً من
الصحابة قرأ سجدة، ثم نظر إلى النبي معَ ◌ّ فقال: إنك كنت إمامنا، فلو
سجدت، سجدنا معك))(١) ، وقال ابن مسعود لتميم بن حَذْلم وهو غلام : اقرأ ،
فقرأ عليه سجدة، فقال: ((أسجد، فإنك إمامنا فيها)) (٢) ، فلا يسجد المستمع
قُدَّام القارئ ، ولاعن يساره ، مع خلو يمينه ، ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة
وخنثى ؛ لأن القارئ لا يصلح إماماً له في هذه الأحوال .
ويسجد المستمع لتلاوة أمي وزمن ( مريض ) وصبي ؛ لأن اقتداء الرجل
بالصبي يصح في النفل ، وقراءة الفاتحة والقيام ليسا بواجب في النفل .
(١) رواه الشافعي مرسلاً ، وفيه إبراهيم بن يحيى ، وفيه كلام .
(٢) رواه البخاري تعليقاً .
الفقه الإسلامي جـ٢ (٨)
- ١١٣ -

٢ - شرائط الجواز أو الصحة:
يشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة : من طهارة الحدث
( وهي الوضوء والغسل ) وطهارة النجس ( وهي طهارة البدن والثوب ومكان
السجود والقيام والقعود ) ، وستر العورة ، واستقبال القبلة والنية . وهذه شروط
متفق عليها ، واختلفوا فيما عداها .
فقال الحنفية : لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت ، كما لا يشترط لها
السلام كالصلاة . وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين ، وعلى
السامعين ، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر ، فينزل ويسجد ويسجد
الناس معه .
وقال المالكية أيضاً : لا إحرام فيها ولا تسليم . ويشترط في المستمع شروط
ثلاثة ، كما قدمنا :
أولاً - أن يكون القارئ صالحاً للإمامة في الفريضة : بأن يكون ذكراً بالغاً
عاقلاً مسلماً متوضئاً . فلو كان القارئ امرأة أو مجنوناً أو صبياً أو كافراً أو غير
متوضئ ، فلا يسجد المستمع ولا السامع ، ويسجد القارئ فقط إن كان امرأة أو
صبياً .
ثانياً - ألا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته : فإن كان ذلك فلا
يسجد المستمع .
ثالثاً - أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو
أحكام التجويد من مدّ وقصر وإخفاء وإدغام ونحو ذلك . ولاسجود في صلاة
الجنازة ، ولا في خطبة الجمعة .
وقال الشافعية : يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح ، كما
- ١١٤ -

أخرجه أبو داود ، لكن بإسناد ضعيف ، وقياساً على الصلاة ، ويشترط السلام
أيضاً في الأظهر بعد القعود كالصلاة ، ولا يشترط التشهد في الأصح .
٦٠
وتشترط شروط أخرى في المصلي وغيره :
أولاً - أن تكون القراءة مشروعة : فإن كانت محرمة كقراءة الجنب ، أو
مكروهة كقراءة المصلي في حال الركوع مثلاً ، فلا يسن السجود للقارئ
ولا للسامع .
ثانياً - أن تكون مقصودة : فلو صدرت من ساهٍ ونحوه كالطير وآلة
التسجيل ، فلا يشرع السجود .
ثالثاً - أن يكون المقروء كل آية السجدة : فلو قرأ بعضها ، لم يسجد .
رابعاً - ألا تكون قراءة آية السجدة بدلاً من قراءة الفاتحة لعجزه عنها .
خامساً - ألا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود ، وألا يعرض عنها :
فإن طال وأعرض عنها ، فلاسجود . والطول : أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين
بقراءة متوسطة .
سادساً - أن تكون قراءة آية السجدة من شخص واحد : فلو قرأ واحد بعض
الآية ، وكملها آخر ، فلا سجود .
سابعاً - يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة وغيرها كما بينا مما هو متفق
عليه . وبناء عليه : لا يسجد السامع لقراءة النائم والجنب والسكران والساهي
والطيور المعلمة .
ويشترط في المصلي شرطان آخران :
أولاً - ألا يقصد بقراءة الآية السجود ، فإن قصده بطلت الصلاة ، إلا قراءة
- ١١٥ -

سورة السجدة في صبح الجمعة ، فإنها سنة ، وإلا المأموم فيسجد إن سجد إمامه .
وكما لا يصح قصد آية السجدة في الصلاة بقصد السجود ، لا يصح قصد قراءتها في
وقت الكراهة ، فإن قصدها فلا يسجد لحرمتها .
ثانياً - أن يكون هو القارئ: فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد ، فإن
سجد بطلت صلاته ، إن كان عالماً عامداً . ولاسجود في صلاة الجنازة ، ويسجد
خطيب الجمعة لما يقرأ ، دون المصلين ، فيحرم عليهم السجود ، للإعراض عن
الخطبة . ويشترط للسامع سماع الآية بكاملها كالقراءة ، فلا يكفي كلمة السجدة
ونحوها ، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة ، ولو بحرف واحد لم يجز .
وقال الحنابلة : يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان كما
قدمنا :
أولاً - أن يصلح القارئ للإمامة ؛ فلو سمع الآية من امرأة أو غير آدمي
كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود .
ثانياً - أن يسجد القارئ : فإذا لم يسجد فلا يسن للمستمع .
رابعاً - مفسدات سجود التلاوة :
يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة : من الحدث والعمل الكثير ،
والكلام والقهقهة ، وعليه إعادتها . إلا أنه عند الحنفية : لاوضوء عليه في
القهقهة ، ولا يفسدها محاذاة المرأة الرجل فيها ، وإن نوى إمامتها ، لانعدام
الشركة ، إذ هي مبنية على التحريمة ، ولاتحريمة لهذه السجدة عندهم . وبناء
عليه : يشترط بالاتفاق الكف عن مفسدات الصلاة ، كالأكل ودخول وقت
السجود ، بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها .
- ١١٦ -

خامساً - أسباب سجدة التلاوة وصفتها :
تتردد أسباب سجود التلاوة بين التلاوة لآية سجدة ، والسماع لها ،
والاستماع ، كما هو موضح في المذاهب .
فقال الحنفية : أسباب سجود التلاوة ثلاثة أمور :
الأول - التلاوة : فتجب على التالي ، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم .
الثاني - سماع آية سجدة أو الاستماع إليها ، والاستماع يكون بقصد دون
السماع .
الثالث - الاقتداء ، فلو تلاها الإمام ، وجبت على المقتدي ، وإن لم
يسمعها . وصفة السجود عندهم : أن يكبر للوضع ، دون رفع يديه كسجدة
الصلاة ، ويسجد بين كفيه ، واضعاً جبهته على الأرض للسجود ، ثم يكبر
للرفع ، وكل من هاتين التكبيرتين سنة ، ويرفع رأسه . ولا يقرأ التشهد ،
ولا يسلم ، لعدم وجود التحريمة .
ويقول في سجوده مايقول في سجود الصلاة ، على الأصح وهو : سبحان ربي
الأعلى ثلاثاً .
وقال المالكية : سبب سجدة التلاوة أمران فقط : التلاوة والاستماع بشرط
أن يقصده ، كما ذكر في شروطها .
وصفتها : هي سجدة واحدة ، بلا تكبير إحرام ولاسلام ، بل يكبر
للسجود ، ثم للرفع منه استحباباً في كل منهما . ويكبر القائم من قيام ولا يجلس ،
والجالس من جلوس ، وينزل لها الراكب ، إلا إذا كان مسافراً ، فيسجدها صوب
سفره بالإِيماء ؛ لأنها نافلة . ويسبح فيها كالصلاة : سبحان ربي الأعلى ثلاثاً .
- ١١٧ -

فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية . ويزيد في سجوده
ماورد في الحديث الصحيح: (( اللهم اكتب لي بها أجراً ، وضع عني بها وزراً،
واجعلها لي عندك ذخراً ، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود )» (١) .
وقال الشافعية : سبب سجود التلاوة : التلاوة والسماع والاستماع ، كما قال
الحنفية ، بالشروط المتقدمة .
ولها ركنان : النية لغير المأموم ، أما المأموم فتكفيه نية الإمام . وسجدة
واحدة ، كسجدة الصلاة . والمصلي ينوي بالقلب .
وغير المصلي : يزاد له ثلاثة أركان : تكبيرة الإحرام ، والجلوس بعد
السجدة ، والسلام . ويسن له التلفظ بالنية .
وصفتها : أن يكبر للهُوي ، وللرفع ، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة ،
ويسن الرفع خارج الصلاة ، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة . ويقول في
سجوده: ((سبحان ربي الأعلى ثلاثاً))، ويضيف قائلاً: ((سجد وجهي للذي
خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ، فتبارك الله أحسن الخالقين ))
ويقول أيضاً : ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً ، واجعلها لي عندك ذخراً ، وضع
عني بها وزراً ، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود))(٢).
ويندب كما ثبت عن الشافعي : أن يقول : « سبحان ربنا إن كان وعد ربنا
لمفعولاً )» ولو قال ما يقوله في سجوده فقط ، جاز وكفى .
(١) رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي (نيل الأوطار: ٣ / ١٠٣).
(٢) رواهما الحاكم وصححها ، وروی الأول الترمذي أيضاً عن عائشة وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وروى
الثاني أيضاً الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال الترمذي : هذا حديث غريب . وهو حسن
( نيل الأوطار: ٣ / ١٠٣ - ١٠٤) .
- ١١٨ -

ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد ، فمن لم يرد فعلها قال
أربع مرات: (( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
وقال الحنابلة : سببها : التلاوة والاستماع بالشروط المتقدمة . وبشرط ألا
يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها . فإن كان القارئ أو السامع محدثاً ،
ولا يقدر على استعمال الماء تيم . ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه . ويكره
للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية ، لئلا يخلط على المأمومين ، فإن فعل
خير المأموم بين المتابعة وتركها ؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع ، والأولى السجود
متابعة للإمام .
وأركانها ثلاثة : السجود والرفع منه ، والتسلية الأولى ، أما الثانية فليست
بواجبة ، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب ،
كما في سجود صلب الصلاة . والجلوس للتسليم مندوب . والأفضل سجوده عن
قيام، لما روى إسحق بن راهويه عن عائشة: (( أنها كانت تقرأ في المصحف ، فإذا
انتهت إلى السجدة ، قامت ، فسجدت )) وتشبيهاً له بصلاة النفل .
وصفتها : أن يكبر إذا سجد وإذا رفع ، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن
سجد في غير الصلاة ؛ لأنها تكبيرة افتتاح ، كما قال الشافعية . أما في الصلاة
فقياس المذهب ألا يرفع يديه ، لأن في حديث ابن عمر (( أن النبي ◌ُ ◌ّ كان
لا يفعله في السجود))(١) يعني رفع يديه ، ويسلم إذا رفع .
ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة ، ويزيد مازاده الشافعية
((سجد وجهي ... )) ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً ... )).
(١) متفق عليه .
- ١١٩ -

ولا يقوم الركوع مقام السجود عند غير الحنفية ؛ لأنه سجود مشروع ،
فلا ينوب عنه الركوع ، كسجود الصلاة .
سادساً - المواضع التي تطلب فيها السجدة :
عدد السجدات عند المالكية(١) في المشهور: إحدى عشرة، منها عشر
بالإجماع وهي : في سورة الأعراف الآية (٢٠٦)، والرعد (١٥)، والنحل
(٤٩)، والإسراء (١٠٧)، ومريم (٥٨)، وفي أول الحج (١٨) ، وفي الفرقان
(٦٠)، وفي النمل (٢٥)، وفي ألَم السجدة (١٥)، وفي فصلت (٣٨) ، وفي
ص ( ٢٤ ).
واتفق الحنفية(٢) مع المالكية على سجدة (( ص)) وهي عندهم أربع عشرة ،
بإضافة ثلاث أخرى: في سورة النجم (٦٢)، وإذا السماء انشقت ( ٢١)، واقرأ
باسم ربك الذي خلق (١٩). أما سجدة الحج الثانية فإنها للأمر بالصلاة بدليل
اقترانها بالركوع . والأحاديث الواردة بتفضيل سورة الحج بسجدتين فيها راويان
ضعيفان .
وقال الشافعية والحنابلة(٣): السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة
الحج ، في أولها وآخرها ( ٧٧ ) ، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير
الصلاة ، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها ، لما روى البخاري عن ابن
عباس، قال: ((ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي مَ لّم يسجد
فيها)) وقال النبي ◌َّ: ((سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً))(٤).
(١) القوانين الفقهية: ص ٩٠ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٤١٨.
(٢) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٠٣ .
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٢١٤ ومابعدها ، كشاف القناع: ١ / ٥٢٤ .
(٤) رواه النسائي.
- ١٢٠ - -