Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ِآلِهِالَّهِ الرّحيم
لله تعالى
الفِقَةُ الإِسْلامِ وَالْلِيَّةُ

لله تعالى
كله

ஸ்டர் ஸ்

الله تعالى
٠٠

الفصل السّابع
مبطلات الصلاة أو مفسداتها
- الصلاة عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة كما عرفنا ، ويجب أداؤها مستوفية
شرائطها وأركانها لتكون صحيحة على النحو الذي بينه النبي مؤاتية ، وأمر به
المسلمين فقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(١) .
فإذا اشتملت الصلاة على أمر مخالف للكيفية المشروعة ، فسدت أو بطلت ،
والفساد والبطلان في العبادات بمعنى واحد باتفاق الفقهاء ، أما في المعاملات
كالبيع فهما عند الحنفية مفترقان بمعنى مختلف.
وإذا فسدت العبادة وجب إعادتها ، والفساد أو البطلان : هو خروج العبادة
عن كونها عبادة بسبب فوات بعض الفرائض .
5
والصلاة قد تبدأ فاسدة بترك شرط من شروطها الصحيحة كالطهارة وستر
العورة ، أما كشف العورة في أثناء الصلاة فمفسد لها عند الحنفية إذا دام قدر أداء
ركن وهو مقدار ثلاث تسبيحات ، كما قد تكون فاسدة بترك فريضة من فرائضها
كتكبيرة الإحرام ، وقد يطرأ الفساد بترك ركن من أركانها كترك الركوع أو
السجود .
(١) سبق تخريجه .
- ٥ -

أولاً - مفسدات الصلاة عند الفقهاء :
إن أهم مفسدات الصلاة عند الفقهاء هي ما يأتي(١)، علماً بأن الحنفية ذكروا
ثمانية وستين أمراً مفسداً للصلاة ، والمالكية حوالي ثلاثين ، والشافعية سبعة
وعشرين ، والحنابلة حوالي ستة وثلاثين .
١ - الكلام : أي النطق بحرفين ولو لم يفهما أو حرف مفهم أجنبي عن
الصلاة، عمداً أو سهواً؛ لخبر زيد بن أرقم: (( كنا نتكلم في الصلاة ، يكلّم الرجل
منا صاحبه ، وهو إلى جنبه حتى نزلت : وقوموا لله قانتين ، فأمرنا بالسكوت
ونهينا عن الكلام))(٢) وخبر معاوية بن الحكم السُّلَمي: (( بينما أنا أصلي مع رسول
الله ◌ٍَّ إذ عطَس رجل من القوم، فقلت : يرحمك الله ، فرماني القوم
بأبصارهم ، فقلت : واتُكْلِ أمَّاه ، ماشأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون
بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يُصتونني لكني سكتُّ ، فلما صلى رسول الله
مَاته ، فبأبي وأمي مارأيت معلماً قبله ولابعده أحسن تعليماً منه، فوالله،
ما كهربي ( انتهربي ) ولاضربني ولاشتمني ، قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء
من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))(٣).
ومن الكلام المبطل : التنحنح بلا عذر إذا صحبه حرفان فأكثر ، ومنه
التأوه والأنين والتأفف والبكاء إذا اشتمل على حروف مسموعة ، إلا إذا نشأ من
(١) الدر المختار: ١ / ٥٧٤ - ٥٩٣، البدائع: ١ / ٢٣٣ - ٢٤٢، مراقي الفلاح: ص ٥٢ - ٥٤ ، الشرح الصغير:
١ / ٣٤٣ - ٣٥٦، حاشية الباجوري: ١ / ١٨٢ - ١٨٦، القوانين الفقهية: ص ٥١، مغني المحتاج: ١ / ١٩٤ - ٢٠٠،
المهذب: ١ / ٨٦ - ٨٨، كشاف القناع: ١ / ٤٦٥ - ٤٧٠، المغني: ٢ / ١ - ٥، ٤٤ - ٦٢ .
(٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ٣١١).
(٣) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ( المصدر السابق: ص ٣١٤ وما بعدها). قوله: لكني سكت ، قال
المنذري : يريد لم أتكلم لكني سكت .
- ٦ ..

مرض أو من خشية الله ، ومنه تشميت العاطس ، ورد السلام ومنه الدعاء بما
يشبه كلام الناس ، غير أن للفقهاء تفصيلات في ذلك يحسن إيرادها :
قال الحنفية(١): تفسد الصلاة بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً ، أو
مخطئاً ، أو مكرهاً ، على المختار، وذلك بالنطق بحرفين أو حرف مفهم ، مثل
((ع)) و ((ق))، وكما لو سلم على إنسان، أو رد السلام بلسانه ، لابيده ، ويكره
ذلك على المعتمد ، أو شمّت عاطساً ، أو نادى إنساناً بقوله ((يا)) ولو ساهياً ،
لكن لو سلم ساهياً للخروج من الصلاة قبل إتمامها على ظن إكالها ، فلا تفسد
الصلاة ، ولو صافح بنية السلام ، تفسد ، لأنه عمل كثير . ولو استعطف كلباً أو
هرة أو ساق حماراً بما ليس من حروف الهجاء لا تفسد صلاته ؛ لأنه صوت لاهجاء
له .
ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته ، فسدت صلاته ، لأنه تعرض لإظهارها .
وتبطل بالتنحنح بحرفين بلا عذر ، فإن وجد عذر ، كأن نشأ من طبعه فلا
تفسد ، كما لا تفسد إن كان لغرض صحيح كتحسين الصوت ، أو ليهتدي إمامه إلى
الصواب ، أو للإعلام أنه في الصلاة ، فلا فساد على الصحيح ، وهكذا فإن
التنحنح عن عذر لا يفسد الصلاة . وتفسد بالدعاء بما يشبه كلام الناس : وهو
ماليس في القرآن ولافي السنة ، ولا يستحيل طلبه من العباد ، وبالأنين ( هو
قوله : أه ) ، والتأوه ( هو قوله : آه ) والتأفيف ( أف أو تف ) ، والبكاء بصوت
يحصل به حروف ، لوجع أو مصيبة في الحالات الأربعة الأخيرة ، إلا لمرض
لا يملك نفسه عن أنين وتأوه ؛ لأنه حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتثاؤب ،
وإن ظهرت حروف للضرورة .
(١) الدر المختار: ١ / ٥٧٤ - ٥٩٣، البدائع: ١ / ٢٢٠، ٢٣٢ - ٢٤٢، فتح القدير: ١ / ٢٨٠ - ٢٨٦.
- ٧ -

والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفيف أو لم يرد عند أبي
حنيفة ومحمد، لقول ابن عباس: ((النفخ في الصلاة كلام))(١) .
ولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام ، فجعل يبكي ويقول :
بلى أو نعم ، لدلالته على الخشوع .
وتفسد بجواب خبر سوء، بالاسترجاع على المذهب ، أي بقوله: ((إنا لله
وإنا إليه راجعون )) لأنه يقصد الجواب ، فصار ككلام الناس .
وتفسد بكل ما قصد به الجواب ، كأن قيل: هل مع الله إله ؟ فقال: ((لا إله
إلا الله)) أو قيل : مامالك ؟ فقال : الخيل والبغال والحمير . أو سئل : من أين
جئت ؟ فقال : وبئر معطلة وقصر مشيد .
وتفسد بالخطاب كقوله لمن اسمه يحيى أو موسى: « يايحيى خذ الكتاب
بقوة)) أو ((وماتلك بيمينك ياموسى)) أو لمن بالباب: ((ومن دخله كان آمناً)).
وتفسد إن قصد الجواب: إذا قال عند سماع اسم الله تعالى: ((لاإله إلا الله))
أو قال: ((جل جلاله))، أو عند ذكر النبي ◌ُ ◌ّ، فصلى عليه، أو عند قراءة
الإمام ، فقال : صدق الله ورسوله . أما إن لم يقصد الجواب ، بل قصد الثناء
والتعظيم ، فلا تفسد ؛ لأن نفس تعظيم الله تعالى، والصلاة على نبيه مَ اتّ لا ينافي
الصلاة .
ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه ، غير أنه مكروه ، أما القراءة
من المصحف فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة ؛ لأن حمل المصحف والنظر فيه
وتقليب الأوراق عمل كثير ، ولأنه يشبه التلقين من الغير . وقال الصاحبان :
(١) رواه سعيد بن منصور في سننه ( نيل الأوطار: ٢ / ٣١٧) وروي نحوه عن أبي هريرة ، لكن قال ابن
المنذر : لا يثبت عنها .
- ٨ -

لا تفسد وإنما تكره ؛ لأن القراءة من المصحف عبادة انضافت إلى عبادة أخرى .
وتكره لأنه تشبه بأهل الكتاب .
وقال المالكية(١): يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا بما هو من
جنسها، أو مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو ((نعم)) أو
((لا )) لمن سأله عن شيء، لغير إصلاح الصلاة ، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة
وبقدر الحاجة لاتبطل الصلاة إلا إن كان كثيراً ، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في
صلاة رباعية ، أو يقوم لركعة خامسة ، ولم يفهم بالتسبيح ، فقال له المأموم :
أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة ، لم يضر عملاً بقصة ذي اليدين ، روى أبو
هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله مَ ◌ّ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر ، وإما
العصر ، فسلم في ركعتين ، ثم أتى جِدْعاً في قبلة المسجد ، فاستند إليها مغضبا ،
وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما ، وخرج سَرْعانُ الناس ( أي
المتسرعون ) ، فقام ذو اليدين ، فقال : يارسول الله ، أقصرت الصلاة ، أم
نسيت ؟ فقال : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق ، لم تصل إلا الركعتين ،
فصلى ركعتين ، وسلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم(٢)، ومن تلا وقصده التفهيم.
لشخص لم يضره كقوله: ((ادخلوها بسلام)).
وتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف ، كصوت الغراب ، وبتعمد
نفخ بفم ، لابأنف ، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشك بعدم إكمال
الصلاة .
وقال الشافعية(٣) : تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣٤٤، القوانين الفقهية: ص ٥٠ .
(٢) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، كما أخرجاه عن عمران بن حصين ، وأخرجه أبو داود وابن ماجه
عن ابن عمر ( نصب الراية : ٢ / ٦٧ وما بعدها ) .
(٣) مغني المحتاج : ١ / ١٩٤ وما بعدها .
- ٩ -

ولو لمصلحة الصلاة كقوله : لا تقم أو اقعد ، أم بحرف مفهم ، أو مدّة بعد حرف
في الأصح ؛ لأن الممدود في الحقيقة حرفان . والأصح أن التنحنح والبكاء
والأنين ، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة . ويعذر في يسير الكلام إن
سبق لسانه إليه ، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة ، أو جهل تحريم
الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام ، وتبطل بكثير الكلام(١) في الأصح،
ويعذر في اليسير عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به
حرفان ولو من كل نفخة ونحوها ، لغلبة كل ماذكر عليه فلا تقصير منه ، أو
لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال التنحنح للضرورة ،
والجهر بالقراءة لا يصلح في الأصح عذراً ليسير التنحنح . ولو أكره المصلي على
الكلام اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر ؛ لأنه أمر نادر كالإكراه على
الحدث .
وقال الحنابلة (٢) : تبطل الصلاة بكلام الآدميين ( وهو ما انتظم حرفين
فصاعدا ) ، لغير مصلحة الصلاة ، كقوله : ياغلام اسقني ، ونحوه . ولا تبطل إن
تكلم من سلّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة ، عملاً بقصة
ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام،
بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره ، كأن سلم سهواً أو نام فتكلم لرفع القلم
عنه ، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لامن القرآن ، لأنه لا يمكنه التحرز
عنه ، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب ، فبان منه حرفان .
وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، لقول ابن عباس السابق: (( من
(١) مرجع القليل والكثير إلى العرف على الأصح ، وقدروا الكلام اليسير بنحو سبع كلمات كما ورد في قصة
ذي الیدین .
(٢) كشاف القناع: ١ / ٤٦٩ ومابعدها، المغني: ١ / ٥٧٥، ٢ / ٤٤ - ٥٤ .
- ١٠ -

نفخ في صلاته فقد تكلم)) وبالنحيب ( هو رفع الصوت بالبكاء ) إذا بان منه
حرفان ، لا من خشية الله ، وبالتنحنح من غير حاجة ، فبان منه حرفان ، فإن
تنحنح لحاجة لم تبطل .
وأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف ، ويكره ذلك لمن يحفظ ؛
لأنه يشغل عن الخشوع في الصلاة والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة ، كما
يكره في الفرض على الإطلاق ؛ لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها ، وتباح في
غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به . والدليل على الجواز أن
((عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف )) (١)، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في
رمضان في المصحف ؟ فقال : كان خيارنا يقرؤون في المصاحف .
الفتح على غير الإمام وعلى الإمام : أي إرشاده إلى الصواب في
القراءة . تبطل الصلاة بإرشاد المأموم غير إمامه إلى صواب القراءة لأنه تعليم
وتعلم ، فكان من جنس كلام الناس ، أما إرشاد المأموم إمامه ففيه تفصيل بين
الفقهاء :
قال الحنفية(٢): إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها ، قبل أن ينتقل
إلى آية أخرى ، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب ، وينوي الفتح
على إمامه دون القراءة على الصحيح ؛ لأنه مرخص فيه ، أما القراءة خلف الإمام
فهي ممنوعة مكروهة تحريماً . فلو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى ، تفسد صلاة
الفاتح ، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله ، لوجود التلقين والتلقن من غير
ضرورة .
(١) رواه أبو بكر الأثرم وابن أبي داود عن عائشة .
(٢) فتح القدير: ١ / ٢٨٣ ومابعدها، الدر المختار: ١ / ٥٨١ وما بعدها .
- ١١ -

وينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح ، ويكره له المبادرة بالفتح ، كما
يكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه ، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في
القراءة ، أو ينتقل إلى آية أخرى .
وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة
لا الإرشاد ، ويكون ذلك مكروهاً تحريماً .
كما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له ، أو بامتثال أمر الغير ، كأن يطلب
منه غيره سد فرجة ، فامتثل وسدها ، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من
تلقاء نفسه .
ودليل جواز الفتح على الإمام: حديث المُسَوَّر بن يزيد المكي قال: ((صلى
رسول الله مطلع ، فترك آية ، فقال له رجل : يارسول الله ، آية كذا وكذا ،
قال: فهلّا ذكّرُتنيها؟))(١) وحديث ابن عمر: أن النبي ◌ُّ صلى صلاة، فقرأ
فيها ، فَلَبَس عليه ، فلما انصرف ، قال لأبي : أصليت معنا ؟ قال : نعم ، قال :
(٢)
فما منعك ؟)) (٢).
وقال المالكية (٣) : تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو
من غيره ، بأن سمعه يقرأ ، فتوقف في القراءة ، فأرشده للصواب ؛ لأنه من باب
المكالمة ، أما الفتح على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة ، ولو في غير الفاتحة
فجائز لا يبطل الصلاة ، بل هو واجب ، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه .
وقال الشافعية(٤): الفتح على الإمام : هو تلقين الآية عند التوقف فيها .
(١) رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه (نيل الأوطار: ٢ / ٣٢٢).
(٢) رواه أبو داود ( المصدر السابق ) .
(٣) الشرح الصغير: ١ / ٣٤٧ ، القوانين الفقهية : ص ٧٤ .
(٤) مغني المحتاج: ١ / ١٥٨.
- ١٢ -

ويفتح عليه إذا سكت ، ولا يفتح عليه مادام يردد التلاوة وسؤال الرحمة
والاستعاذة من عذاب، لقراءة آيتهما . والفتح في حالة السكوت لا يقطع في
الأصح موالاة قراءة المأموم ، أما في حالة التردد فيقطع موالاة قراءته ، ويلزمه
استئناف القراءة .
ولابد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها أو يقصدها مع الفتح .
فإن قصد الفتح وحده ، أو لم يقصد شيئاً أصلاً ، بطلت صلاته على المعتمد . أما
الفتح على غير إمامه فيقطع موالاة القراءة .
وقال الحنابلة(١) : للمصلي أن يفتح على إمامه إذا أُرْتِج عليه ( منع من
القراءة ) أو غلط في قراءته ، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً . ويجب الفتح على إمامه
إذا أرتج عليه أو غلط في الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك ، كما يجب
تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان .
وإن عجز المصلي عن إتمام الفاتحة بالإرتاج عليه ، فكالعاجز عن القيام في
أثناء الصلاة ، يأتي بما يقدر عليه ، ويسقط عنه ما عجز عنه ، ولا يعيدها .
وقال ابن قدامة في المغني : والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة أن
صلاته تفسد ؛ لأنه قادر على الصلاة بقراءتها ، فلم تصح صلاته بدون ذلك ،
لعموم قوله مَ اقال: ((لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
ويكره للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى ، أو على من ليس في
صلاة ؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته ، ولا تبطل صلاته، وقد قال النبي صَ لّ:
((إن في الصلاة لشغلاً))(٢)
(١) كشاف القناع: ١ / ٤٤٢، المغني: ٢ / ٥٦ - ٦٠.
(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه عن ابن مسعود ، وهو صحيح .
- ١٣ -

٢ - الأكل والشرب: هذا مبطل للصلاة على تفصيل في جزئيات يسيرة
بين الفقهاء .
قال الحنفية : تبطل الصلاة بالأكل والشرب عامداً أم ناسياً ، سواء أكان
المأكول قليلاً أم كثيراً ؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة ، إلا إذا كان بين أسنانه
مأكول دون الحِمِّصة ، فابتلعه ، فلاتبطل صلاته لمشقة الاحتراز عنه دائماً ، كما هو
الحال في الصوم .
أما المضغ الكثير بأن كان ثلاثاً متواليات فيمفسد ، وكذا لو ابتلع ذوب سكر
أو حلوى في فمه .
وقال المالكية : تبطل الصلاة بتعمد أكل ولو لقمة بمضغها ، وتعمد شرب
ولو قلّ ، ولاتبطل بأكل يسير مثل الحبة بين أسنانه ، كما لاتبطل بأكل أو شرب
سهواً على الراجح ، ويسجد له بعد السلام . فإن اجتمع الأكل والشرب ، أو وجد.
أحدهما مع السلام سهواً ، فتبطل الصلاة .
وقال الشافعية والحنابلة : تبطل الصلاة بتعمد تناول قليل الأكل ، لشدة
منافاته للصلاة ؛ لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها ، ولاتبطل بتناول قليل الأكل
ناسياً أو جاهلاً تحريمه ، وتبطل بكثير الأكل ولو مع النسيان والجهل في الأصح ،
ولو مفرقاً ، بخلاف الصوم ، فإنه لا يبطل بذلك .
كما تبطل بكثير المضغ ، وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ .
وتبطل في الأصح ببلع ذوب سُكَّرة بفمه ، لمنافاته للصلاة .
ولا يضر ماوصل مع الريق إلى الجوف من طعام بين أسنانه ، إذا عجز عن
تمییزه ومجه .
- ١٤ _

٣ - العمل الكثير المتوالي :
اتفق الفقهاء على بطلان الصلاة بالعمل الكثير المتوالي ، ولو سهواً ؛ لأن
الحاجة لاتدعو إليه .
قال الحنفية : تبطل الصلاة بكل عمل كثير ليس من أعمالها ولا لإصلاحها ،
كزيادة ركوع أو سجود ، وكمشي لغير تجديد الوضوء لمن سبقه الحدث . ولا تفسد
برفع اليدين في تكبيرات الزوائد ولكنه يكره . والعمل الكثير : هو الذي
لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة . فإن اشتبه فهو قليل على الأصح .
وقال المالكية : تبطل الصلاة بالفعل الكثير عمداً أو سهواً كحك جسد ،
وعبث بلحية ، ووضع رداء على كتف ، ودفع مارّ وإشارة بيد . ولاتبطل بالفعل
القليل أو اليسير جداً كالإشارة وحك البشرة ، أما المتوسط بين الكثير والقليل ،
كالانصراف من الصلاة ، فیبطل عمده دون سهوه .
وقال الشافعية والحنابلة : تبطل الصلاة بكثير العمل عمداً أو سهواً،
لا بقليله ، وتعرف الكثرة بالعرف والعادة ، فالخُطوتان والضربتان قليل ،
والثلاث المتواليات عند الشافعية كثير . ومعنى التوالي : ألا تعد إحداها منقطعة
عن الأخرى .
وتبطل بالوثبة الفاحشة وهي النطة لمنافاتها الصلاة ، لا الحركات الخفيفة
المتوالية ، كتحريك أصابعه في سُبْحة أو عِقْد ، أو حكّ أو نحو ذلك في الأصح ،
كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه أو ذكره مراراً ولاء ، فلا تبطل بذلك .
ولا يضر العمل اليسير عادة من غير جنس الصلاة، لفتح النبي مُ له الباب
لعائشة ، وحمله أمامة ووضعها(١) ، كما لا يضر العمل المتفرق وإن كثر، ولا الحاصل
(١) ثبت أنه ◌ّ صلَّى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها)) رواه
الشيخان . وأمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب ، وخلع نعليه في صلاته .
- ١٥ -
٠

بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها زمناً يسع الصلاة .
ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلاحاجة . ولا يقدر عند الحنابلة العمل
الكثير بثلاث ولابعدد .
وأضاف الشافعية(١) : أن العمل الكثير في العرف يضبط بثلاثة أفعال فأكثر،
ولو بأعضاء متعددة ، كأن حرك رأسه ويده . ويحسب ذهاب اليد وعودها مرة
واحدة ، مالم يسكن بينهما ، وكذا رفع الرجل ، سواء عادت لموضعها الذي كانت
فيه أو لا . أما ذهابها وعودها فمرتان . وقد عرفنا أن الوثبة الفاحشة كالعمل
الكثير ، وكذا تحريك كل البدن ، أو معظمه ولو من غير نقل قدميه .
ومحل البطلان بالعمل الكثير : إن كان بعضو ثقيل ، فإن كان بعضو
خفيف ، فلابطلان ، كما لو حرك أصابعه من غير تحريك كفه في سُبْحة أو حل
عِقْد، أو تحريك لسان وأجفان وشفة أو ذكر ولو مراراً ؛ إذ لا يخل ذلك بهيئة
الخشوع والتعظيم ، فأشبه الفعل القليل .
ولو تردد في فعل ، هل هو قليل أو كثير ، فالمعتمد أنه لا يؤثر .
والفرق بين الكلام في أن الصلاة تبطل بقليله وكثيره ، وبين العمل في أن
الصلاة لاتبطل إلا بكثيره : هو أن العمل يتعذر الاحتراز عنه ، فعفي عن
القليل ؛ لأنه لا يخل بالصلاة ، بخلاف الكلام العمد عند الشافعية ، وأما غير
العمد فلا يضر قليله ، كما تقدم .
المشي في الصلاة : لاتبطل الصلاة إن مشى مستقبل القبلة بنحو متقطع
يفصل بين تقديم كل رجل والأخرى بقدر أداء ركن ، فيقف ، ثم يمشي وهكذا
(١) حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي: ١ / ١٨٤.
- ١٦ -

وإن كثر مالم يختلف المكان ، بأن خرج من المسجد ، أو تجاوز الصفوف إن كانت
الصلاة في الصحراء .
٤ - استدبار القبلة : بتحويل الصدر عنها بغير عذر ، عند الحنفية
والشافعية ، فإن كان بعذر ، كاستدبار القبلة للذهاب إلى الوضوء ، فلاتبطل لأنه
مغتفر . ومن العذر عند الشافعية : انحراف الجاهل والناسي إن عاد عن قرب .
ولا تبطل الصلاة عند المالكية مالم تتحول قدما المصلي عن مواجهة القبلة .
وعند الحنابلة : مالم يتحول المصلي بجملته عن القبلة .
٥ - كشف العورة عمداً أو انكشافها بنحو ريح ومضي مقدار أداء ركن أو
مقدار ثلاث تسبيحات عند الحنفية إذا انكشف ربع عضو من أعضاء العورة ،
وإن سترها حالاً لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة . وتبطل الصلاة عند
المالكية بمجرد انكشاف العورة المغلظة مطلقاً ، لاغيرها .
٦ - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر ولو من فاقد الطهورين عمداً أو
سهواً ، ولو من دائم الحدث غير حدثه الدائم . لكن لوشك في الحدث استمر .
ومن الحدث : نوم غير الممكن مقعدته من الأرض . والمفسد للصلاة عند
الحنفية : هو الحدث العمد بعد الجلوس الأخير قدر التشهد ، أو قبل ذلك ، فإن
سبقه الحدث قبل السلام بعد الجلوس الأخير صحت الصلاة عندهم . كما أنه يبني
على صلاته استحساناً إن سبقه الحدث من غير قصد في أثناء الصلاة : وهو ما يخرج
من بدنه من بول أو غائط أو ریح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغیر
صنعه .
٧ - حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان :
فمن تنجس جسده أو ثوبه ، أو سجد على شيء نجس بنجاسة لا يعفى عنها ، أو
- ١٧ -
الفقه الإسلامي جـ٢ (٢)

سالت نجاسة داخل فيه أو أنفه أو أذنه ، بطلت صلاته . ولا تبطل الصلاة
بالنجاسة التي يعفى عنها ، ولا بما إذا وقع على ثوبه نجاسة يابسة فنفض ثوبه
حالاً .
٨ - القهقهة: أي الضحك بصوت، تفسد الصلاة عند الجمهور (غير
الحنفية ) إن ظهر بها حرفان فأكثر، أو حرف مفهم . فالبطلان فيها من جهة
الكلام المشتملة عليه .
وفرق الحنفية (١) : بين الضحك والقهقهة ، فالأول : هو ما يكون مسموعاً
للمصلي فقط دون جيرانه ، وحكمه أنه يفسد الصلاة فقط ، ولا يبطل الوضوء .
وأما القهقهة : فهي ما يكون مسموعاً للمصلي ولجيرانه ، وحكمه : أنه يفسد الصلاة
ويبطل الوضوء . أما التبسم وهو ماعرا عن الصوت فلا يفسد شيئاً .
ودليل الحنفية حديث : مضمونه : ألا من ضحك منكم قهقهة ، فليعد الصلاة
والوضوء جميعاً(٢).
وتبطل الصلاة عند الحنفية بالقهقهة كما تبطل بالحدث العمد إذا حصلت
قبل القعود الأخير قدر التشهد ، فإن كانت بعده فلا تبطل الصلاة التي تمت بها ،
وإن نقض الوضوء . ويفسد الجزء الذي حصلت فيه ، كما يفسد مثله من صلاة
المسبوق ، فلا يمكن بناؤه الفائت عليه ؛ لأن الجزء الذي لابسته القهقهة ، أفسدته
من وسط صلاة المأمومين ، فإذا فسد الجزء ، فسدت الصلاة .
(١) الهداية للمرغيناني: ١ / ٦، البدائع: ١ / ٢٣٢.
(٢) فيه أحاديث مسندة وأحاديث مرسلة ، أما المسندة فرويت من حديث أبي موسى الأشعري ،
وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وعمران بن الحصين ، وأبي المليح . وحديث
أبي موسى رواه الطبراني قال: (( بينما رسول الله عَّل يصلي بالناس، إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد
- وكان في بصره ضرر - فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة ، فأمر رسول الله بالفعل من ضحك أن يعيد الوضوء
ويعيد الصلاة)) ( نصب الراية : ١ / ٤٧ - ٥٤ ).
- ١٨ -

٩ - الردة ( وهي قطع الإسلام بقول أو فعل ) والموت والجنون
والإغماء .
١٠ - تغيير النية : تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها ، أو عزمه
على إبطالها أو نية الخروج من الصلاة ، أو إبطالها وإلغاء مافعله من الصلاة ، أو
شكه هل نوى أم لا ، فعمل مع الشك عملاً . وهذا متفق عليه . وتبطل الصلاة
أيضاً عند الحنفية(١) بالانتقال من صلاة إلى مغايرتها ، كأن ينوي الانتقال من
صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى : فمن صلى ركعة من الظهر ، ثم افتتح بتكبير
العصر أو التطوع ، فقد نقض الظهر ؛ لأنه صح شروعه في غيره ، فيخرج عنه .
ولو كان يصلي منفرداً في فرض ، فكبر ناوياً الشروع في الاقتداء بإمام ، أو نوى
إمامة النساء ، فسدت الصلاة الأولى ، وصار شارعاً في الصلاة الثانية .
وكذا لو نوى نفلاً أو واجباً ، أو شرع في جنازة ، فجيء بأخرى ، فكبر
ينوبها ، أو كبر ناوياً الصلاة على الثانية ، بطل مامضى ، ويصير شارعاً في
الثانية .
لكن لو بدأ صلاة الظهر مثلاً ، فصلى ركعة أو دونها أو فوقها ، ثم كبر
ناوياً استئناف الظهر بعينها ، لا يفسد ما أداه ، وتحتسب الركعة أو غيرها التي
صلاها ، لعدم صحة الشروع في الثانية ، إذ إنه نوى الشروع في عين ماهو فيه ،
فلغت نيته ، إلا إذا كبر ينوي إمامة النساء أو الاقتداء بالإمام ، أو كان مقتدياً ،
فكبر ينوي الانفراد ، فحينئذ يكون شارعاً فيما كبرله ، ويبطل مامضى من
صلاته .
٠
(١) فتح القدير: ١ / ٢٨٥، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥٨٣، تبيين الحقائق: ١ / ١٥٨.
- ١٩ -

وإن تلفظ بنية جديدة يصير مستأنفاً مطلقاً ، أي سواء انتقل إلى صلاة
مغايرة أو متحدة ؛ لأن التلفظ بالنية كلام مفسد للصلاة الأولى ، فصح الشروع
الثاني .
والخلاصة : أن المصلي إذا كبر ينوي الاستئناف ( أي البدء بصلاة جديدة )
ينظر :
فإن كانت الثانية التي نوى الشروع فيها هي الأولى بعينها من كل وجه ، ولم
تخالفها في شيء ، لاتبطل صلاته ، ويجتزئ بما مضى من صلاته ، إلا إذا تلفظ أو
اقتدى بإمام أو نوى إمامة النساء .
وإن كانت تخالفها تبطل صلاته ، ويستأنف ، سواء نوى بقلبه أو تلفظ .
هذا وقد أجاز الشافعية تحويل الصلاة المفروضة إلى نقل مطلق ، دون أن يبطل
مامضى من الصلاة كما سنبين .
١١ - اللحن في القراءة، أو زلة القارئ: للحنفية(١) في هذا رأيان :
رأي المتقدمين ، ومعهم الشافعية في الجملة ، وهو الأحوط ، ورأي المتأخرين ،
وهو الأيسر .
ويتلخص رأي المتقدمين فيما يأتي :
تبطل الصلاة بكل ماغيَّر المعنى تغيراً يكون اعتقاده كفراً ، وبكل مالم يكن
مثله في القرآن ، والمعنى بعيد متغير تغيراً فاحشاً ، كهذا الغبار مكان ﴿ هذا
الغراب) ، وبكل مالم يكن له مثل في القرآن ، ولا معنى له ، كالسرائل مكان
﴿ السرائر﴾، وتبطل أيضاً عند أبي حنيفة ومحمد بماله مثل في القرآن ، والمعنى
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥٨٩ - ٥٩٣ .
- ٢٠ -