Indexed OCR Text

Pages 621-640

أنه لو أحرم بفرض ، فبان أنه لم يدخل وقته ، كانت صلاته نافلة ، والفرض لم
يصح ، ولم يوجد ما يبطل النفل .
ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها ، بأن يقول : أصلي
لله ، أو أصوم لله ، ونحوه ؛ لأن العبادات لا تكون إلا لله ، بل يستحب ذلك
خروجاً من خلاف من أوجبه . كما لا يشترط أيضاً ذكر عدد الركعات ،
ولا استقبال القبلة ، كما قال الشافعية .
ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام ، إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بزمن
يسير ، كما قال المالكية والحنفية، لكن الأفضل المقارنة ، كما أسلفنا .
ويشترط لصحة الجماعة : أن ينوي الإمام والمأموم حالهما ، فينوي الإمام أنه
إمام ، والمأموم أنه مأموم في أول الصلاة إلا في صورتين : الأولى: أن يكون
المأموم مسبوقاً ، فله أن يقتدي بعد سلام إمامه بمسبوق مثله في غير الجمعة .
والثانية : ما إذا اقتدى مقيم بمسافر يقصر الصلاة ، فله أن يقتدي بمثله في بقية
الصلاة .
الشرط السابع والثامن : الترتيب في أداء الصلاة ، وموالاة
أفعالها .
الحقيقة أن كلاً منهما شرط لأركان الصلاة .
الشرط التاسع : ترك الكلام الأجنبي عن الصلاة :
الصلاة عبادة خالصة لله تعالى ، لا يجوز الكلام فيها ، فتبطل صلاة من
تكلم بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة مثل : قم أو اقعد ، أو بحرف مفهم نحو
((ق)) من الوقاية، و((ع)) من الوعي، و((ف)) من الوفاء، و(( ش)) من
- ٦٢١ -

الوشي ، وكذا مَدَّة بعد حرف في الأصح عند الشافعية ، وإن لم يفهم ، نحو ((آ))
والمدَّ: ألف ، أو واو ، أو ياء ، فالممدود في الحقيقة حرفان .
لخبر مسلم عن زيد بن أرقم: (( كنا نتكلم في الصلاة ، حتى نزلت : - وقوموا
لله قانتين - فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام)»
وخبر معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي الذي قال لمن عطس في الصلاة: ((يرحمك
الله)) فقال له النبي مؤ لم: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام
الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))(١) . وسيأتي في بحث مبطلات
الصلاة تفصيل هذا الموضوع .
الشرط العاشر - ترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة :
وهو ما يخيل للناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة . وسيأتي تفصيل الكلام
فيه في بحث مبطلات الصلاة .
الشرط الحادي عشر - ترك الأكل والشرب :
وسيأتي توضيحه في مبطلات الصلاة .
هذا وقد أضاف الشافعية شروطاً خمسة أخرى : وهي العلم بفرضية الصلاة ؛
وألا يعتقد فرضاً من فروضها سنة ؛ وألا يمضي ركن قولي أو فعلي مع الشك في نية
الصلاة : هل نوى أو أتم النية أو أتى ببعض أجزائها أو بعض شروطها ؛ وألا ينوي
قطع الصلاة أو يتردد في قطعها فمتى نوى قطعها ولو بالخروج منها إلى أخرى ، أو
تردد فيه أو في الاستمرار فيها بطلت ، لمنافاة ذلك للجزم بالنية ؛ وعدم تعليق
قطعها بشيء ، فإن علقه بشيء ولو محالاً ، بطلت ، لمنافاته للجزم بالنية .
(١) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وقال: ((لا يحل)) مكانَ ((لا يصلح)) وفي رواية لأحمد: ((إنما هي
التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن)» (نيل الأوطار: ٣١٤/٢)
- ٦٢٢ -

الفصل الخامس
أركان الصلاة
أركان الصلاة ( أو فرائضها ) ، وواجباتها عند الحنفية :
بحث الفقهاء تحت عنوان (( صفة الصلاة أي كيفيتها)) نظام الصلاة ، المشتمل
على الأركان والشروط ، والأبعاض : وهي السنن المجبورة بسجود السهو ،
والهيئات : وهي السنن التي لا تجبر . والمقصود بكيفية الصلاة : الصورة الوصفية
لها .
والركن كالشرط في أنه لابد منه ، إلا أن الشرط : هو الذي يتقدم على
الصلاة ، ويجب استمراره فيها كالطهر والستر ، ونحوهما مما سبق بيانه ، والركن :
ما تشتمل عليه الصلاة ، كالركوع والسجود ، ونحوهما مما سيبحث هنا ،
ولا يسقط الركن عمداً ولا سهواً ولا جهلاً ، وسمي ركناً تشبيهاً له بركن البيت
الذي لا يقوم إلا به ؛ لأن الصلاة لا تتم إلا به .
وقد اختلف الفقهاء في تصنيف وتعداد مطالب الصلاة
الأساسية :
فقال الحنفية(١) : فرائض الصلاة ستة: التحريمة قائماً، والقيام ،
والقراءة والركوع ، والسجود ، والقَعْدة الأخيرة مقدار التشهد . هذا ما ذكره
القدوري وهو رأي محمد ، إلا أن المعتمد عندهم أن تكبيرة الإحرام شرط عندهم
كالنية وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ، خلافاً لجمهور الفقهاء .
(١) اللباب شرح الكتاب: ٦٨/١ - ٧٧، الدر المختار ورد المختار: ٤٠٦/١، ٤١٠ وما بعدها، ٤٢٤ - ٤٣٧
مراقي الفلاح: ص ٣٧، ٣٩ وما بعدها، فتح القدير: ١٩٢/١ - ٢٢٦، البدائع: ١٠٥/١، ١٦٠ - ١٦٣.
- ٦٢٣ -

واجبات الصلاة :
واجبات الصلاة ثمانية عشر، والواجب عندهم ما ثبت بدليل فيه شبهة ،
وحكمه : استحقاق العقاب بتركه عمداً ، لكن لا تفسد الصلاة بتركه ، ويلزم
سجود السهو لنقص الصلاة بترك الواجب سهواً ، ويجب إعادة الصلاة بترك
الواجب عمداً ، أو سهواً إن لم يسجد سجود السهوله . وإن لم يعدها ، يكون
فاسقاً آثماً ، كما هو الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم .
وهذه الواجبات هي ما يأتي :
اً - افتتاح الصلاة بلفظ ((الله أكبر)) لا في صلاة العيدين فقط.
اً - قراءة الفاتحة: لقوله ◌َّ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))(١)
وهذا عندهم لنفي الكمال ؛ لأنه خبر آحاد ، لا ينسخ قوله تعالى: ﴿ فاقرءوا
ما تيسر منه﴾ فوجب العمل به . ويسجد للسهو بترك أكثرها ، لا أقلها ؛ لأن
الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف أكثرها، لا كلها .
وقال الجمهور ( غير الحنفية ) : إن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من
ركعات الصلاة . إلا أن الشافعية قالوا : هي ركن مطلقاً ، وقال المالكية : هي
فرض لغير المأموم في صلاة جهرية .
اً - قراءة سورة بعد الفاتحة: يجب قراءة سورة قصيرة كالكوثر ونحوها ،
وهو ثلاث آيات قصار ، تقدر بثلاثين حرفاً ، كقوله تعالى : ﴿ ثم نظر ، ثم
عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ﴾ أو آية طويلة أو آيتين بمقدار ثلاثين حرفاً.
ودليلهم على الوجوب : حديث أبي سعيد الخدري: (( أمرنا أن نقرأ بفاتحة
(١) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن عبادة بن الصامت (نصب الراية: ٣٦٥/١ )
- ٦٢٤ -

الكتاب ، وما تيسر ))(١) والأمر للوجوب .
وقال الجمهور : تسن قراءة سورة أو آيات بعد الفاتحة ، لقول أبي هريرة :
(( في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله مؤلّ أسمعناكم ، وما أخفي عنا أخفينا
عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير )) (٢)
٤ - يجب قراءة السورة في الركعتين الأوليين من الفرض على المذهب ،
المواظبة النبي ما اتّ على القراءة فيها. ولا يكره تحريماً بل تنزيهاً في الركعتين
الأخريين ( الثالثة والرابعة ) على المختار . ولو ترك السورة في ركعة أو ركعتين
من أولبي المغرب أو العشاء وجب قراءتها في الأصح في أخربي العشاء ، وثالثة
المغرب مع الفاتحة جهراً بها على الأصح ، ويقدم الفاتحة ، ثم يقرأ السورة . ولو
ترك الفاتحة لا يكررها في الأخريين . وتجب أيضاً في جميع ركعات الوتر
لمشابهته السنة ، وفي جميع ركعات النافلة ؛ لأن كل شفع ( أي ركعتين ) من
النافلة صلاة على حدة، ولحديث أبي سعيد المتقدم بلفظ (( لا تجزئ صلاة إلا
بفاتحة الكتاب ، وسورة في فريضة أو غيرها))(٣).
٥ - تقديم الفاتحة على قراءة السورة، لمواظبة النبي مع قّ على ذلك. فلو بدأ
بالسورة قبل الفاتحة سهواً ، ثم تذكر ، قطع القراءة ، وقرأ الفاتحة ، ثم السورة ،
ويسجد للسهو، كما لو كرر الفاتحة ثم قرأ السورة ، لتأخير الابتداء بالفاتحة في
الحالة الأولى ، ولتأخير القراءة في الحالة الثانية .
ولو تذكر الفاتحة قبل الركوع ، قرأها ، ثم قرأ سورة ، وسجد للسهو .
(١) رواه أبو داود وابن حبان وأحمد وأبو يعلى الموصلي، رفعه بعضهم ووقفه بعضهم (نصب الراية: ٣٦٤/١)
(٢) حديث موقوف رواه الشيخان ( البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ( نصب الراية: ٣٦٥/١)
(٣) حديث ضعيف رواه ابن عدي في الكامل ( نصب الراية : ٣٦٣/١)
الفقه الإسلامي جـ ١ (٤٠)
- ٦٢٥ -

اً - ضم الأنف للجبهة في السجود، لمواظبة النبي مَ ◌ّه عليه. ولا تجوز
الصلاة بالاقتصار على الأنف في السجود ، على الصحيح .
٧ - مراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال في الصلاة وهو السجدة
الثانية : والأدق أن يقال : رعاية الترتيب بين القراءة والركوع ، وفيما يتكرر في
كل ركعة ، فيأتي بالسجدة الثانية قبل الانتقال لغيرها من أفعال الصلاة ، بدليل
المواظبة منه مقتل على مراعاة الترتيب . ومعنى كون الترتيب فيا يتكرر في كل
ركعة واجباً : أن الصلاة بعد إعادة ما قدمه لا تفسد بترك الترتيب صورة ،
الحاصل بزيادة ما قدمه .
فلو نسي سجدة من الركعة الأولى(١) ، قضاها، ولو بعد القعود الأخير ، أو
بعد السلام قبل الكلام ، ثم يعيد التشهد والقعود ، ويسجد للسهو بعد التسليمة
الأولى ، ثم يتشهد .
أما ما لا يتكرر في كل ركعة أو في كل الصلاة ما عدا القراءة كترتيب القيام
والركوع والسجود الأول والقعود الأخير ، فإن الترتيب فيه فرض ، وعلى هذا
فترتيب القيام على الركوع ، والركوع على السجود فرض . فلو ركع قبل القراءة
صح ركوعه ، لأنه لا يشترط في الركوع أن يكون مترتباً على قراءة في كل
ركعة . بخلاف الترتيب بين الركوع والسجود مثلاً ، فإنه فرض ، فلو سجد قبل
الركوع لم يصح سجود هذه الركعة ؛ لأن أصل السجود يشترط ترتبه على الركوع
في كل ركعة ، كترتيب الركوع على القيام .
٨ - الاطمئنان في الأركان: بتسكين الجوارح في الركوع والسجود ونحوهما
(١) سواء أكانت السجدة طلبية أي من صلب الصلاة ، أو تلاوية وهي السجدة التي تجب بسبب تلاوة آية من
آيات السجود .
- ٦٢٦ -

من الرفع والاعتدال ، حتى تطمئن مفاصله قدر تسبيحة في الركوع والسجود
والرفع منها ، ويستقر كل عضو في محله، لمواظبته مع الإ على ذلك كله ، ولحديث
المسيء صلاته ، وقول النبي ◌َّ له: ((ارجع فصلّ، فإنك لم تصلُ)) ثم علمه
كيفية الطمأنينة: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ،
ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن
ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم افعل
ذلك في الصلاة كلها ))(١) .
٩ - القعود الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية: المواظبة النبي مَ ◌ّ عليه ،
وسجوده للسهو لما تركه وقام ساهياً(٢). ويجب ترك الزيادة فيه كما يجب ترك
الزيادة في كلمات التشهد ، أو بعد تمام التشهد .
١٠ - قراءة التشهد في القعود الأول، في الصحيح، لقوله عَ ◌ّ: ((إذا قعدتم
في كل ركعتين ، فقولوا : التحيات لله .. ))(٣) والأمر للوجوب.
وقال غير الحنفية عن هذين الأمرين : إنها سنة ؛ لأن عدم تداركه من
النبي يدل على عدم وجوبه .
١١ً - قراءة التشهد في الجلوس الأخير، المواظبة النبي مؤ لّ عليه . أما الجلوس
الأخير فهو فريضة . ويسجد للسهو بترك بعض أو كل من التشهدين : الأول
والأخير .
١٢ - القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد قراءة التشهد الأول: فلو
(١) متفق عليه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٢٦٤/٢)
(٢) رواه الجماعة عن عبد الله بن بُحَيْنَة (نيل الأوطار: ٢٧٣/٢)
(٣) رواه أحمد والنسائي عن ابن مسعود ( نيل الأوطار: ٢٧١/٢ )
- ٦٢٧ -

زاد عليه بمقدار أداء ركن ساهياً، وقدروه بمقدار ((اللهم صل على محمد)) فقط على
المذهب ، سجد للسهو ، لتأخير واجب القيام للثالثة .
١٣ - لفظ ((السلام)) دون ((عليكم)) مرتين في آخر الصلاة ، عن اليمين
واليسار، المواظبة النبي مَ افَله، وأما ((عليكم ورحمة الله)) فهو سنة. وكل من
التسليمة الأولى ، والثانية واجب في الأصح ، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام ،
فتكلم أو أكل ، فصلاته تامة .
وليس السلام فرضاً، لحديث ابن مسعود: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ كان يسلم عن
يمينه وعن يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، حتى يُرى
بياض خدِّه)) (١) وهو يدل على مشروعية التسليمتين . وقال غير الحنفية : السلام
للخروج من الصلاة فرض .
١٤ - جهر (٢) الإمام بالقراءة في ركعتي الفجر والركعتين الأوليين من المغرب
والعشاء ، ولو قضاء ، وفي صلاة الجمعة والعيدين ، والتراويح ، والوتر في
رمضان ، لفعله ومواظبته ټے .
أما المنفرد : فهو مخير بين الجهر والإسرار، والأفضل الجهر ، ليكون الأداء
على هيئة الجماعة .
والمتنفل بالليل مخير أيضاً بين الجهر والإسرار، ويكتفى بأدنى الجهر لئلا
يضر نائماً، لأنه عقلٍ جهر في التهجد بالليل ، وكان يؤنس اليقظان ، ولا يوقظ
الوسنان. وسئلت عائشة: كيف كانت قراءة النبي صَ لّ بالليل ؟ فقالت : كل
(١) رواه الخمسة وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان، وله ألفاظ، وأصله في صحيح مسلم
( نيل الأوطار : ٢٩٢/٢ )
(٢) الجهر: اسماع الغير ولو واحداً، والإسرار: إسماع النفس، في الصحيح
- ٦٢٨ -

ذلك قد كان يفعل، ربما أسرَّ، وربما جهر(١) .
١٥ - إسرار الإمام والمنفرد في صلاتي الظهر والعصر، وفيما عدا الركعتين
الأوليين من المغرب والعشاء ، وفي صلاة النفل بالنهار .
١٦، ١٧ - قنوت الوتر، وتكبيرات العيدين (وهي ثلاث في كل ركعة)،
وتكبيرة القنوت عند أبي حنيفة وعند الصاحبين : هي سنة كالوتر نفسه ، وتجب
تكبيرة الركوع في الركعة الثانية من صلاة العيد تبعاً لتكبيرات الزوائد فيها ،
لاتصالها بها ، بخلاف تكبيرة الركوع في الركعة الأولى .
١٨ - إنصات المقتدي، ومتابعة الإمام ، في صلاة الجماعة.
أركان الصلاة عند غير الحنفية :
قال المالكية كما ذكر العلامة خليل وشروح متنه(٢): فرائض الصلاة أربع
عشرة فريضة وهي : النية ، وتكبيرة الإحرام ، والقيام لها في الفرض ، وقراءة
الفاتحة للإمام والمنفرد ، والقيام لها أي ( الفاتحة ) بفرض ، والركوع ، والرفع
منه ، والسجود ، والجلوس بين السجدتين ، والسلام ، والجلوس له ، والطمأنينة في
جميع الأركان . والاعتدال بعد الركوع والسجود ، وترتيب الأركان بأن يقدم
النية على تكبيرة الإحرام ، ثم الفاتحة ، ثم الركوع ، ثم الاعتدال ، ثم
السجود .. الخ ووضع المالكية ضابطاً للأركان فقالوا : الصلاة مركبة من أقوال
وأفعال ، فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة : تكبيرة الإحرام ، والفاتحة
والسلام ، وجميع أفعالها فرائض إلا ثلاثة : رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ،
والجلوس للتشهد ، والتيامن بالسلام .
(١) رواه الخمسة وصححه الترمذي، ورجاله رجال الصحيح ، عن عائشة ( نيل الأوطار: ٥٩/٣ )
(٢) الشرح الصغير: ٣٠٣/١ - ٣١٧، الشرح الكبير: ٢٣١/١ - ٢٤٢، القوانين الفقهية: ص٥١، ٥٧ - ٦٦
- ٦٢٩ -

وقال الشافعية(١) : أركان الصلاة ثلاثة عشر وهي :
النية ، وتكبيرة الإحرام ، القيام في الفرض للقادر عليه ، والفاتحة لكل
مصلي إلا المعذور لسبق أو غيره ، الركوع ، والسجود مرتين ، والجلوس بين
السجدتين، التشهد الأخير، القعود في التشهد الأخير، الصلاة على النبي عرضّ
بعد التشهد الأخير قاعداً ، السلام ، الترتيب كما ذكر .
والفرض لا ينوب عنه سجود السهو ، بل إن تذكره وهو في الصلاة أو بعد
السلام والزمان قریب أتى به وبنی علی صلاته وسجد للسهو .
وقال الحنابلة(٢) : أركان الصلاة أربعة عشر وهي :
تكبيرة الإحرام ، والقيام في فرض لقادر عليه ، وقراءة الفاتحة في كل ركعة
للإمام والمنفرد ، والركوع ، والاعتدال بعده ، والسجود ، والاعتدال عنه ،
والجلوس بين السجدتين ، والطمأنينة في هذه الأفعال ( الركوع وما بعده ) ،
والتشهد الأخير، والصلاة على النبي عليه بعد التشهد الأخير عند أكثر الحنابلة ،
والجلوس له وللتسليمتين ، والتسليمتان ، وترتيب الأركان ، على النحو المذكور .
والفرض أو الركن لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً .
وسنفضل الكلام في هذه الأركان كلها ، علماً بأن النية بحثت في الشروط
عملاً بمنهج الحنفية والحنابلة وبعض المالكية ( ابن رشد وابن جزي ) ، والمعتمد عند
المالكية أن النية ركن ، وأن الإحرام عبارة عن النية والتكبير .
أركان الصلاة المتفق عليها :
يلاحظ أن الفقهاء اتفقوا على ستة فروض أو أركان وهي : التحريمة ،
(١) مغني المحتاج: ١٤٨/١ - ١٨٤
(٢) المغني: ٤٦٠/١ - ٥٥٨، كشاف القناع: ٤٥٠/١ - ٤٥٥
- ٦٣٠ -

والقيام ، والقراءة ، والركوع ، والسجود ، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد إلى
قوله : « عبده ورسوله )»
الركن الأول - التحريمة أو تكبيرة الإحرام :
هي أن يقول المصلي قائماً مسمعاً نفسه: ((الله أكبر)) (١) إلا في حالة العجز عن
القيام ، وذلك بالعربية ، لمن قدر عليها ، لا بغيرها من اللغات ، وبلا فصل بين
المبتدأ والخبر عند المالكية والحنابلة بكلمة أخرى ولا بسكوت طويل .
هذا إذا كان المصلي غير إمام ، فأدناه أن يسمع نفسه ، فإن كان إماماً
يستحب له أن يجهر بالتكبير ليسمع من خلفه(٢) والتكبير ركن لا شرط ، فلا
تنعقد الصلاة إلا بقول ((الله أكبر))، وإن عجز عن التكبير كأن كان أخرس أو
عاجزاً عن التكبير بكل لسان ، سقط عنه . وإن قدر على الإتيان ببعضه ، أتى
به ، إن کان له معنی(٣) .
ودليلهم على اشتراط لفظ ((الله أكبر)) وأنه ركن : هو قوله تعالى:
﴿وربك فكبر﴾ والحديث السابق عن علي: ((مفتاح الصلاة الطهور،
وتحريمها التكبير)) (٤) وحديث رفاعة بن رافع: (( لا يقبل الله صلاة امرئ حتى
يضع الوضوء مواضعه ، ثم يستقبل القبلة ، فيقول: الله أكبر))(٥) ، وقال عليه
(١) سميت هذه التكبيرة بتكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم على المصلي ما كان حلالاً له قبلها من موانع الصلاة
كالأكل والشرب والكلام ونحو ذلك، ويقصد بها الذكر الخالص لله تعالى الذي يحرم به المصلي على نفسه الاشتغال بما
سوى الله .
(٢) المجموع : ٢٥٨/٣ ، المغني : ٤٦٢/١
(٣) الشرح الصغير: ٣٠٥/١ وما بعدها، المغني: ٤٦٠/١ - ٤٦٤، كشاف القناع: ٤٥١/١ ..
(٤) رواه أبو داود والترمذي باسناد صحيح عن علي بن أبي طالب .
(٥) رواه أصحاب السنن الأربعة والطبراني .
- ٦٣١ -

السلام للمسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))(١) وقال مت التل أيضاً: ((إن
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير
وقراءة القرآن )) قرن التكبير بالقراءة ، فدل على أنه مثله في الركنية .
وقال الشافعية ومحمد من الحنفية(٢) كالمالكية والحنابلة : التكبير ركن لا
شرط ، إلا أن الشافعية قالوا: لا تضر زيادة لا تمنع اسم التكبير، مثل ((الله
الأكبر))؛ لأنه لفظ يدل على التكبير ، وعلى زيادة مبالغة في التعظيم ، ومثل
((الله الجليل أكبر)) في الأصح ، وكذا كل صفة من صفاته تعالى ، إذا لم يطل بها
الفصل، لبقاء النظم . ويشترط اسماع نفسه التكبير كالقراءة وسائر الأركان
القولية ، ويُبين التكبير كما أوضح الشافعية والحنابلة ، ولا يمد في غير موضع المد ،
فإن فعل بحيث تغير المعنى، مثل أن يمد الهمزة الأولى، فيقول ((الله)) أو يمد
((أكبر)) أو يزيد ألفاً بعد باء ((أكبر))، لم يصح؛ لأن المعنى يتغير به. والأصح
عند الشافعية : أن من عجز عن التكبير بالعربية أتى بمدلول التكبير بأي لغة
شاء . ووجب التعلم ان قدر عليه . ومن عجز عن النطق بالتكبير كأخرس ، لزمه
تحريك لسانه ، وشفتيه ولهاته ما أمكنه ، فإن عجز نواه بقلبه .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف(٣) : التحريمة شرط ، لا ركن ، وقولهما هو
المعتمد لدى الحنفية ، لقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ قالوا: المراد
بالذكر هنا التحريمة ، وهي غير الصلاة ، بدليل العطف عليها ، والعطف يقتضي
المغايرة، ولأن حديث علي السابق ((وتحريمها التكبير)) أضيف التحريم فيه إلى
الصلاة ، والمضاف غير المضاف إليه ؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه .
(١) متفق عليه .
(٢) مغني المحتاج: ١٥٠/١ وما بعدها، اللباب : ٦٨/١
(٣) فتح القدير: ١٩٢/١، ١٩٨ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ٤١١/١، ٤٢١، تبيين الحقائق:
١٠٣/١، اللباب، المكان السابق، الدرر شرح الغرر: ٦٦/١ .
- ٦٣٢ -

وتظهر ثمرة الخلاف بين الشيخين ( أبي حنيفة وأبي يوسف ) القائلين
بالشرطية وبين محمد القائل بفرضية التكبير : فيما لو أحرم حاملاً النجاسة ،
فألقاها فور فراغه من التكبير ، أو كان مكشوف العورة ، فسترها عند فراغه من
التكبير ، أو كان منحرفاً عن القبلة ، فاستقبلها عند الفراغ من التكبير ، أو شرع
في التكبير بالظهر قبل الزوال مثلاً ، ثم زالت الشمس بعد فراغه من التكبير ،
تجوز الصلاة عند الشيخين ، ولا تجوز عند محمد .
وكذلك إذا فسدت الفريضة ، تنقلب نفلاً عند الشيخين ، وعند محمد :
لا تنقلب . واتفق الحنفية على أن التحريمة ركن في صلاة الجنازة كبقية
تكبيراتها .
وقد عرفنا في بحث واجبات الصلاة : أنه يجب عند الحنفية بدء الصلاة
بلفظ (( الله أكبر)) ويكره تحريماً الشروع بغير هذا اللفظ .
وأجاز أبو حنيفة ومحمد افتتاح الصلاة بكل تعبير خالص لله تعالى ، فيه
تكبير وتعظيم ، كقول المصلي : الله أجل ، الله أعظم ، وكبير أو جليل ، والرحمن
أعظم ، وسبحان الله ، ولا إله إلا الله ، والحمد لله ، ونحوه ، لأن ذلك كله يؤدي
معنى التكبير، ويشتمل على معنى التعظيم، فأشبه قوله: (( الله أكبر)) ولو افتتح
الصلاة بـ ((اللهم اغفر لي)) لا يجوز؛ لأنه مشوب بحاجته ، فلم يكن تعظيماً ، ولو
افتتح بقوله: ((اللهم)) فالأصح أنه يجزئه ؛ لأن معناه : يا الله .
وخص أبو يوسف الافتتاح بالتكبير ومشتقاته، مثل: ((الله أكبر))
والكبير ، والكُبَّار، وتردد في (( الله كبير)) ومن عجز عن التكبير كالأخرس ،
سقط عنه ذلك ، لتعذر الواجب في حقه ، وتكفيه النية عن التحريمة .
- ٦٣٣ -

وقال أبو حنيفة : إنه يجزئ التكبير بغير العربية ، لقول الله تعالى :
﴿ وذكر اسم ربه ، فصلى ﴾ وهذا قد ذكر اسم ربه .
أما الصاحبان فقالا كالشافعية : إن كان لا يحسن العربية أجزأه غيرها ، فإن
كان يحسنها وكبر بغير العربية لايجزئه لقوله مَ له: «صلوا كما رأيتموني
أصلي )»(١) .
١
واشترط الحنفية لأداء تكبيرة الإحرام عشرين شرطاً : وهي دخول الوقت ،
واعتقاد دخوله أو غلبة الظن به ، وستر العورة ، والطهر من الحدث والنجاسة
المانعة عن البدن والثوب والمكان ، والقيام لقادر عليه في غير نقل ، وفي سنة
فجر ، ونية اتباع الإمام ( وهو في الواقع شرط لصحة الاقتداء لالصحة
التحريمة ) ، والنطق بها : ( وهو أن يسمع بها نفسه ، فمن همس بها أو أجراها على
قلبه لاتجزئه ، كجميع أقوال الصلاة ) ، وتعيين الفرض أنه ظهر أو عصر مثلاً ،
وتعيين الوجوب كركعتي الطواف والعيدين والوتر والمنذور وقضاء أفسده ، وأن
تكون بجملة ذكر خالص لله غير مشوب بحاجته وأهوائه ، ولا يصح باستغفار نحو
اللهم اغفر لي، ويصح بلفظ ((اللهم)) في الأصح: مثل ((الله أكبر)) فلا يصير
شارعاً بأحدهما في ظاهر الرواية ، وألا تكون مع بسملة ، وأن تكون بجملة عربية
لمن قدر عليها ، فلا يصح شروعه بغيرها ، إلا إذا عجز، فيصح بالفارسية كالقراءة
في الصلاة ، والأصح أنه يصح الشروع في الصلاة بالتكبير بغير العربية، وإن
قدر عليها اتفاقاً عندهم ، بخلاف القراءة ، وأن تخلو عن ترك هاء لفظ الجلالة :
((الله))، وترك مد همزة ((الله)) وهمزة ((أكبر)) ومد باء ((أكبر)) وألا يكون
هناك فاصل بين النية والتحريمة بكلام مباين ونحوه من أكل وشرب ، وألا تسبق
(١) رواه البخاري وأحمد .
- ٦٣٤ -

النية بتكبير ، وألا يسبق المقتدي الإمام بتكبيرته ، فلو فرغ منه قبل فراغ
إمامه ، لم يصح شروعه ، وأن يؤديها مستقبلاً القبلة إلا لعذر ، أو لتنفل راكب
خارج البلد .
واشترط جمهور الفقهاء ألا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير ،
الحديث المتفق عليه: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا )) وأجاز
الحنفية مقارنة المأموم في التكبير وغيره ، فیکبر معه کما یرکع معه .
الركن الثاني - القيام في الفرض لقادر عليه ، وكذا في الواجب
كنذر وسنة فجر في الأصح عند الحنفية (١):
لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين ﴾ أي مطيعين وقيل : خاشعين ، وقوله
عَّ في حديث عمران بن حصين: ((صلّ قائماً))(٢).
ولا يجب القيام في النافلة ، فتصح مع القدرة على القيام ؛ لأن مبنى النوافل
على التيسير والأخذ بالرفق ، ولأن النوافل كثيرة ، فلو وجب فيها القيام شَقَّ
وانقطعت النوافل .
ولا يجب أيضاً على المريض العاجز عن القيام ، سواء في الفريضة أم
: النافلة ؛ لأن التكليف بقدر الوسع ، ومن عجز عن القيام قعد كيف شاء .
وحدّ القيام عند الحنفية : أن يكون بحيث لو مدّ يديه لاينال ركبتيه .
(١) تبيين الحقائق: ١ / ١٠٤، فتح القدير: ١ / ١٩٢، ٣٠٤، ٣٧٨، الشرح الصغير: ١ / ٣٠٧، ٣١٢،
٣٦٠، مغني المحتاج: ١ / ١٥٣ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٥٠، المهذب: ١ / ٧٠، الشرح الكبير مع الدسوقي :
١ / ٢٣١) ٢٣٧، ٢٥٥ - ٢٥٧، غاية المنتهى: ١ / ١٣٨، ١٥١.
(٢) رواه الجماعة والحاكم عن عمران بلفظ: ((كانت بي بواسير، فسألت النبي ◌َ ◌ٍّ عن الصلاة، فقال: صل
قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)). زاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقياً، لا يكلف الله
نفساً إلا وسعها)» ( نصب الراية: ٢ / ١٧٥ ).
- ٦٣٥ -

وعند المالكية والحنابلة : ألا يكون في حالة جلوس ولا في حالة انحناء بحيث
يصير راكعاً . ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق لأنه لا يخرجه عن كونه
يسمى قائماً .
وعند الشافعية : يشترط نصب فَقَار المصلي(١)؛ لأن اسم القيام دائر معه ،
ولا يشترط نصب رقبته ؛ لأنه يستحب إطراق الرأس . فإن وقف منحنياً أو
مائلاً يمنة أو يسرة ، بحيث لا يسمى قائماً ، لم يصح قيامه لتركه الواجب بلا عذر.
والانحناء المنافي للقيام : أن يصير إلى الركوع أقرب ، فلو كان أقرب إلى القيام أو
استوى الأمران صح . فهم إذاً كالمالكية والحنابلة .
ومن لم يطق انتصاباً بسبب مرض أو تقوس ظهر بسبب الكبر ، فالصحيح
أنه يقف كذلك ، ويزيد انحناءه للركوع إن قدر .
والمقدار المفروض من القيام : هو عند الحنفية بقدر القراءة المطلوبة فيه ،
وهو بقدر قراءة الفاتحة وسورة وتكبيرة الإحرام .
وعند الجمهور : بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة فقط ؛ لأن الفرض
عندهم قراءة الفاتحة ، وأما السورة بعدها فهي سنة .؟
هل يشترط الاستقلال في القيام ؟
قال الحنفية : يشترط للقادر الاستقلال في الفرض ، فمن اتكأ على عصاه ، أو
على حائط ونحوه ، بحيث يسقط لو زال ، لم تصح صلاته ، فإن كان لعذر
صحت .
أما في التطوع أو النافلة : فلا يشترط الاستقلال بالقيام سواء أكان لعذر أم
لا ، إلا أن صلاته تكره لأنه إساءة أدب ، وثوابه ينقص إن كان لغير عذر .
(١) أي فقرات الظهر أو مفاصله .
- ٦٣٦ -

وقال المالكية : يجب القيام مستقلاً في الفرائض للإمام والمنفرد حال تكبيرة
الإحرام وقراءة الفاتحة والهوي للركوع ، وأما حال قراءة السورة فهو سنة ، فلو
استند إلى شيء بحيث لو أزيل لسقط ، فإن كان في غير قراءة السورة ، بطلت
صلاته ؛ لأنه لم يأت بالفرض الركني ، وإن كان في حال قراءة السورة لم تبطل
وكره استناده ، ولو جلس في حال قراءة السورة بطلت صلاته لاخلاله بهيئة
الصلاة . أما المأموم فلا يجب عليه القيام لقراءة الفاتحة ، فلو استند حال قراءتها
لعمود بحيث لو أزيل لسقط ، صحت صلاته .
وقال الشافعية : لا يشترط الاستقلال في القيام ، فلو استند إلى شيء ، أجزأه
مع الكراهة ، لوجود اسم القيام . لكن لو استند إلى شيء بحيث لو رفع قدميه إن
شاء، ظل مستنداً ولم يسقط ، لم تصح صلاته ؛ لأنه لا يسمى قائماً ، بل معلقاً
نفسه .
وقال الحنابلة : يشترط الاستقلال في القيام للقادر عليه في فرض ، فلو
استند استناداً قوياً على شيء بلا عذر ، بطلت صلاته .
صلاة المريض أو متى يسقط القيام ؟
اتفق الفقهاء على أنه يسقط القيام في الفرض والنافلة للعاجز عنه لحديث
عمران بن حصين السابق: (( صل قائماً ، فإن لم تستطع ، فقاعداً ، فإن لم تستطع
فعلى جنب )) فإن قدر على بعض القراءة ولو آية قائماً ، لزمه بقدرها .
ويسقط القيام أيضاً عند جمهور الفقهاء غير الشافعية للعريان ، فإنه يصلي
قاعداً بالإيماء إذا لم يجد ساتراً يستر به عورته ، كما قدمنا .
ومن حالات العجز المسقطة للقيام : حالة المداواة : كمن يسيل جرحه إذا
قام ، أو أثناء مداواة العين استلقاء . ومنها : حالة سلس البول : فإذا كان يسيل
- ٦٣٧ -

بوله لو قام ، وإن قعد لم يسل ، صلى قاعداً ، ولا إعادة عليه حتى عند الشافعية
في الأصح .
ومنها : حالة الخوف من عدو بحيث إذا قام ، رآه العدو ، صلى قاعداً ولا
إعادة عليه حتى عند الشافعية أيضاً .
ومنها : عند الحنابلة قصر سقف لعاجز عن خروج ، وصلاة خلف إمام حي
عاجز .
كيفية صلاة العاجز المريض :
للفقهاء آراء متقاربة في كيفية صلاة المريض ، وبعضها أيسر من بعض .
قال الحنفية (١):
أ - إذا عجز المريض عن القيام ، سقط عنه ، وصلى قاعداً كيف تيسر له ،
يركع ويسجد إن استطاع ، فإن لم يستطع الركوع والسجود ، أو السجود فقط ،
أومأ إيماء برأسه ، وجعل إيماءه للسجود أخفض من ركوعه ، تفرقة بينهما ،
لحديث عمران بن حصين المتقدم .
ولا يرفع إلى وجهه شيئاً مثل الكرسي والوسادة، يسجد عليه، لنهيه ماته
عن ذلك ، روى جابر: أن النبي ◌ُؤالٍ عاد مريضاً ، فرآه يصلي على وسادة ،
فأخذها ، فرمى بها ، فأخذ عوداً ليصلي عليه ، فأخذه ، فرمى به ، وقال صل
على الأرض إن استطعت ، وإلا فأومئ إيماء ، واجعل سجودك أخفض من
ركوعك(٢) .
-
(١) اللباب: ١ / ١٠٠ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٣٧٥ وما بعدها، البدائع: ١ / ١٠٥ وما بعدها، تبيين
الحقائق : ١ / ١٩٩ - ٢٠٤.
(٢) أخرجه البزار والبيهقي، وأبو يعلى الموصلي، ورواه الطبري عن ابن عمر ( نصب الراية: ٢ / ١٧٥ وما
بعدها ) .
- ٦٣٨ -

.ب - فإن لم يستطع القعود، استلقى على ظهره ، وجعل رجليه إلى القبلة ،
وأومأ بالركوع والسجود .
وإن استلقى على جنبه ، ووجهه إلى القبلة ، وأومأ ، جاز، والكيفية أو
الهيئة الأولى هنا أولى ؛ لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة ، وإشارة
المضطجع على جنبه تقع إلى جانب قدميه ، أي أن الاستلقاء عندهم أولى من
الاضطجاع ، وعلى الشق الأيمن أولى من الأيسر.
جـ - فإن لم يستطع الإيماء برأسه : أخر الصلاة ، ولا يومئ بعينيه ولا
بقلبه ، ولا بحاجبيه ؛ لأنه لا عبرة به ، عملاً بالحديثين السابقين عن عمران
وجابر ، ولأن إقامة البدل عن هيئة الصلاة الواجبة شرعاً بالرأي ممتنع ، ولا قياس
على الرأس ؛ لأنه يتأدى به ركن الصلاة ، دون العين والحاجبين والقلب .
ولا تسقط عنه الصلاة ، ويجب عليه القضاء ، ولو كثرت الصلوات إذا كان
يفهم مضمون الخطاب ، وهو الصحيح كما ذكر في الهداية . وذكر في البدائع وغيرها
عدم لزوم القضاء إذا كثرت الصلوات ، فزاد المتروك عن صلاة يوم وليلة ، وإن
كان المصلي يفهم الخطاب الشرعي ؛ لعدم القدرة على الصلاة ، ومنعاً من الوقوع
في الحرج ، وهو المختار وعليه الفتوى .
وإن قدر المريض على القيام ، ولم يقدر على الركوع والسجود ، لم يلزمه
القيام ، وجاز أن يصلي قاعداً يومئ برأسه إيماء . والأفضل الإيماء قاعداً ؛ لأنه
أشبه بالسجود ، لكون رأسه أخفض وأقرب إلى الأرض .
وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً ، ثم حدث به مرض ، أتمها قاعداً ،
يركع ويسجد ، أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود ، أو مستلقياً إن لم
يستطع القعود ؛ لأن بناء الأدنى على الأعلى ، وبناء الضعيف على القوي أولى من
الإتيان بالكل ضعيفاً .
- ٦٣٩ -
سے

ومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرض به ، ثم صح في خلالها ، بنى على صلاته
قائماً ؛ لأن البناء كالاقتداء ، والقائم يقتدي بالقاعد .
وإن كان المريض صلى بعض صلاته بإيماء ، ثم قدر في خلالها على الركوع
والسجود ، استأنف ( جدد ) الصلاة ؛ لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ ، فكذا
البناء لا يجوز .
وقال المالكية(١) :
أ - إذا لم يقدر المصلي على القيام استقلالاً لعجز أو لمشقة فادحة كدوخة في
صلاة الفرض ، جاز فيه الجلوس ، ولا يجوز الاضطجاع إلا لعذر .
ويجوز أداء بعض الصلاة قائماً وبعضه جالساً باتفاق أهل المذهب .
ب - ومن قدر على القيام في الفرض ، ولكن خاف به ضرراً كالضرر المبيح
للتيم ( وهو خوف حدوث مرض من نزلة أو إغماء أو زيادته لمتصف به ، أو
تأخر برء ) ، أو خاف بالقيام خروج حدث كريح ، استند ندباً لحائط أو على
قضيب أو لحبل معلق بسقف البيت يمسكه عند قيامه ، أو على شخص غیر جنب
أو حائض . فإن استند على جنب أو حائض أعاد بوقت ضروري .
وإن صلى جالساً مستقلاً عن غيره ، مع القدرة على القيام مستندا ، صحت
صلاته .
جـ - وإن تعذر القيام بحالتيه ( مستقلاً أو مستندا ) ، جلس وجوباً إن
قدر ، وإن لم يقدر جلس مستنداً .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣٥٨ - ٣٦٣، الشرح الكبير: ١ / ٢٥٧ - ٢٦٢ .
- ٦٤٠ _