Indexed OCR Text
Pages 601-620
من جديد ؛ لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء ، فلم يعتد بما مضى ، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه . وإن تغير اجتهاده للصلاة الثانية ، فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى ، صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية ، ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى ، كالحاكم إذا حكم باجتهاد ، ثم تغير اجتهاده ، لم ينقض ماحكم فيه بالاجتهاد الأول . ويجتهد لكل فرض ، فإن تحير ، صلى كيف شاء ، ويقضي وجوباً لأن ذلك أمر نادر . وقال الحنابلة : إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة ، استدار إلى جهة الكعبة ، وبنى على مامضى من الصلاة ، كما قرر الحنفية ؛ لأن مامضى منها كان صحيحاً ، فجاز البناء عليه ، كما لولم يبن له الخطأ . وكذلك تستدير الجماعة مع الإمام إن بان لهم الخطأ في حال واحدة . وإن تبين خطأ اجتهاده بعد الصلاة ، بأن صلى إلى غير جهة الكعبة يقيناً لم يلزمه الإعادة . ومثل المجتهد في هذا : المقلد الذي صلى بتقليده ، وهذا موافق لمذهب الحنفية . أما من صلى في الحضر إلى غير الكعبة سواء أكان بصيراً أم أعمى ، ثم بان له الخطأ ، فعليه الإعادة ؛ لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد ؛ لأن من فيه يقدر على معرفة القبلة بالمحاريب ، ويجد من يخبره عن يقين غالباً ، فلا يكون له الاجتهاد ، كالقادر على النص في سائر الأحكام . والخلاصة : أن الحنفية والحنابلة يقررون البناء على الصلاة في أثنائها ، ولا يوجبون الإعادة في حال الاجتهاد . وتبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة . والمالكية والشافعية يقررون قطع الصلاة إذا عرف الخطأ فيها ، وإعادة الصلاة إذا عرف الخطأ بعدها ، لكن المالكية يوجبون الإعادة في الوقت الضروري فقط . - ٦٠١ - والشافعية يوجبون الإعادة مطلقاً في الوقت وبعده ، لتبين فساد الأولى . هذا ويتعلق بشرط الاستقبال بحث أمرين : الصلاة في الكعبة ، وصلاة المسافر على الراحلة . الصلاة في الكعبة : عرفنا أنه لابد شرعاً من استقبال جزء من الكعبة ، وعند غير المالكية : أو هوائها إلى السماء ، والثابت عنه مؤته أنه دخل الكعبة المشرفة يوم فتح مكة مرة واحدة وصلى فيها، روى ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي معَ ◌ّ في الكعبة ؟ قال : نعم ، ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ ، ثم خرج ، (١) فصلى في وجهة الكعبة ركعتين وإذا كان ابن عباس عند البخاري وغيره روى ((أنه مُ ◌ّ كبر في البيت ولم يصل فيه )» فإنه يقدم حديث ابن عمر ، لأنه مثبت ، وحديث ابن عباس لأنه نافي ، والمقرر عند جمهور الفقهاء غير الشافعية : أنه إذا تعارض المثبت والنافي قدم المثبت ، لأنه يشتمل على زيادة علم(٢)، ولأن ابن عمر كان مع النبي محمد له ولم يكن ابن عباس معه ، وأما نفي أسامة الصلاة فلأنه نقل ما لاحظه من اشتغال النبي مَّ التّ بالدعاء في ناحية وأسامة في ناحية ، وذلك في حال الظلمة بسبب إغلاق باب الكعبة(٣). وقد أقر الفقهاء مشروعية الصلاة في جوف الكعبة ، فقال الحنفية(٤): يصح (١) رواه أحمد والبخاري ، ورواه البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عمر وفيه بيان الأشخاص الذين معه، وهم أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة ( نيل الأوطار: ١٤٠/٢ ). (٢) مسلم الثبوت: ١٦٢/٢، المستصفى: ١٢٩/٢، التلويح على التوضيح: ١٠٩/٢، الإحكام للآمدي ١٨٦/٣. (٣) راجع نيل الأوطار : ١٤١/٢ وما بعدها . (٤) البدائع: ١١٥/١، فتح القدير: ٤٧٩/١ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٧٠، اللباب: ١٣٨/١ بعدها . - ٦٠٢ - أداء الصلاة فرضاً أو نفلاً ولو جماعة في الكعبة أو على سطحها وإن لم يتخذ سترة ، لكنه يكره الصلاة فوقها ، لإساءة الأدب ، باستعلائه عليها ، وترك التعظيم المطلوب لها ، ونهي النبي عنه . وإن صلى الإمام بجماعة ، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته ، لتقدمه على الإمام . وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام ، تحلّق الناس حول الكعبة ، وصلوا بصلاة الإمام ، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام ، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام ؛ لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب . وقال الشيخ خليل من المالكية(١) : يجوز لأي جهة الصلاة في الكعبة وعلى سطحها نفلاً غير مؤكد ، ومنه سنن الرواتب كأربع ركعات قبل الظهر والضحى والشَفْع ( سنة العشاء ) ، كما يجوز النفل مستقبل القبلة في الحِجْر أي حجر اسماعيل . ولا تصح عندهم الفرائض في داخل الكعبة . وتكره السنن المؤكدة كالوتر والعيدين وركعتي الفجر وركعتي الطواف . ولا تجوز صلاة الفرض في الكعبة أو في الحِجْر ، فإن وقع ، أعاده بوقت ضروري ( وهو في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله ، وفي الصبح حتى طلوع الشمس ) . وتبطل صلاة الفرض على ظهر الكعبة ، ويعاد أبداً ؛ لأن الواجب استقبال البناء ، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء . والخلاصة : أن هذا التفصيل الذي قرره العلامة خليل والقول بجواز هذه الصلاة هو حكم ضعيف عند المالكية ، كما صرح الدردير شارح خليل . وقال ابن (١) الشرح الصغير: ٢٩٧/١، القوانين الفقهية: ص ٤٩ . - ٦٠٣ - جزي المالكي : تكره الصلاة على ظهر الكعبة ، وتمنع في المذهب الفرائض داخل الكعبة . وقال الشافعية (١) : تجوز الصلاة فرضاً أو نفلاً في الكعبة أو على سطحها إن استقبل من بنائها أو ترابها شاخصاً ( سترة ) ثابتاً كعتبة وباب مردود أو عصا مسَّرة أو مثبتة فيه ، قدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي ، وإن بعد عنه ثلاثة أذرع فأكثر . وإنما صح استقبال هوائها لمن هو خارج عنها ، فلأنه يعد حينئذ متوجهاً إليها كالمصلي على أعلى منها كأبي قبيس ، بخلاف القريب منها المصلي فيها أو عليها . وأجاز الحنابلة(٢) أيضاً صلاة النافلة في الكعبة أو على سطحها ، ولا تصح صلاة الفريضة لقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها ، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعداً ، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة . صلاة النافلة على الراحلة للمسافر : يجوز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده بإجماع العلماء ، ولما ثبت في السنة، عن عامر بن ربيعة قال: ((رأيت رسول الله مؤ اتية، وهو على راحلته يسبِّح ، يومئ برأسه ، قِبَل أي وِجْهة توجّه ، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة ))(٣) (١) المجموع: ١٩٧/٣، الحضرمية: ص ٥٢، المهذب: ٦٧/١ . (٢) كشاف القناع: ٣٥٤/١ ، المغني : ٧٣/٢ (٣) متفق عليه ( نيل الأوطار: ١٤٤/٢ ) والراحلة في الأصل: الناقة التي تصلح للرحل ، والمراد كل حيوان وإن لم يكن من الإبل . - ٦٠٤ - -- - وللفقهاء آراء وشروط في صلاة النافلة على الراحلة : قال الحنفية(١): إن قبلة العاجز لمرض أو ركوب على دابة جهة قدرته ، ولو مضطجعاً ، ويصلي بإيماء أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر ، سواء أكان مسافراً أم خائفاً من عدو أو سبع أو لص ، أم هارباً من العدو. لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر ، وإلا بأن خاف الضرر، كأن تذهب القافلة وينقطع ، فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة ، حتى في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام . والجائز هو صلاة النفل والسنن المؤكدة إلا سنة الفجر، فلا تجوز صلاة الفرض ، والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور ، وصلاة الجنازة ، لا يجوز ذلك على الدابة بلا عذر لعدم الحرج . والنافلة تجوز للمقيم الراكب خارج المصر لمسافة يجوز القصر فيها (وهي ٨٩ كم) ، كما تجوز للمسافر بالأولى ، فالأول في حكم الثاني . وتتم الصلاة بالإيماء بالركوع والسجود ، إلى أي جهة توجهت دابته للضرورة ، ولا يشترط استقبال القبلة في الابتداء كما أشرنا ، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة ، جاز الافتتاح إلى غير جهتها . وظاهر المذهب والأصح : أنه تصح الصلاة ولو كان على سرج الدابة أو ركابها نجس كثير . وقال المالكية(٢) : يجوز للمسافر الراكب في السفر الذي يخاف إن نزل لصاً أو سبعاً أن يتنفل بالصلاة ولو بوتر ، على الدابة إلى القبلة وغيرها بحسب اتجاه (١) الدر المختار ورد المختار: ٤٠٢/١، ٦٥٤ - ٦٥٨ (٢) القوانين الفقهية: ص ٥٥ ، الشرح الصغير : ٢٩٨/١ - ٣٠٢ - ٦٠٥ - الدابة ، ولو كان بمَحْمِل (وهو ما يركب فيه من مِحَفَّة(١) أو هَوْدَج ونحوهما مما يجلس فيه ) ويصلي فيه متربعاً . والراكب يصلي بالإيماء ، فيومئ بالركوع والسجود ، ويجعل السجود أخفض من الركوع ، ولا يتكلم ولا يلتفت . ولا يشترط طهارة الأرض . واشترطوا لجواز التنفل صوب السفر شروطاً : اً - أن يكون السفر طويلاً سفر قصر (٨٩ كم) ومشروعاً، فلا يتنفل العاصي بسفره . اً - وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً. أما الراكب في السفينة فيصلي إلى القبلة ، فإن دارت السفينة استدار . اً - وأن يكون راكب دابة من حمار أو بغل أو فرس أو بعير، لا سفينة أو راجل . ٤ - وأن يكون ركوبه لها على الوجه المعتاد ، لا مقلوباً، أو جاعلاً رجليه 5 معاً لجنب واحد . ولا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة ، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال أربعة هي : أولها - حالة التحام القتال مع العدو الكافر أو غيره ، من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة ، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن ، ولا يعيد الملتحم . (١) المحفة: مركب من مراكب النساء كالمَوْدَج ، إلا أنها لا تُقبَّب كما تقبب الهوادج. - ٦٠٦ - ثانيها - حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته ، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن ، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة . فإن أمن الخائف بعد صلاته ، أعاد في الوقت . ثالثها - الراكب في خضخاض ( قليل ) من ماء ، لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه ، وخاف خروج الوقت الاختياري ( المعتاد ) أو الضروري(١). ويصلي الفرض على الدابة إيماء ، فإن لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة لآخر الاختياري . رابعها - حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه ، فيؤدي الفريضة إيماء على الدابة للقبلة بعد إيقافها ، كما يؤديها على الأرض بالإيماء . وقال الشافعية(٢): يجوز للمسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً صلاة النافلة على الراحلة ، ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره والهائم ، ولا للماشي ، فعليهم إتمام الشروط والأركان كلها من استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود ، ولا يمشي الماشي إلا في قيامه وتشهده . ويومئ المتنفل بركوعه وسجوده ، ويكون سجوده أخفض من ركوعه ، ويشترط أن يبدأ الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه . ولا تصح صلاة الآخذ بزمام الدابة إذا كان بها نجاسة . وإن وطئت نجاسة رطبة أو جافة لم تفارقها بطلت صلاته ، وتفصيل ذلك فيما يأتي : (١) الوقت عند الثلاثة ( المالكية والحنفية والشافعية) نوعان: وقت الاختيار: وهو الوقت المعروف لكل صلاة . ووقت الضرورة : هو الذي يمتد أكثر من الوقت الاختياري ، وهو الذي يجوز فيه جمع الصلاتين . ( انظر القوانين الفقهية : ص٤٣ وما بعدها ) . (٢) حاشية الباجوري: ١٤٨/١ وما بعدها، المهذب: ٦٩/١، المجموع: ٢١٤/٣ وما بعدها، مغني المحتاج : ١٤٢/١ وما بعدها . 1 - ٦٠٧ - أ - إن كان الراكب في مَرْقَد أو هودج ( محمل واسع ) ، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود ، لتيسره عليه ، وإن لم يسهل عليه ذلك ، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه : بأن تكون الدابة واقفة وأمكنه تحريفها ، أو تكون سائرة وبيده زمامها ، وهي سهلة القيادة . فإن كانت صعبة أو لم يمكن تحريفها ، أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة للمشقة واختلال أمر السير عليه . ويحرم • انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة . ودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة : حديث أنس رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله عَ ◌ّ إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً ، استقبل القبلة ، وكبر، ثم صلى، حيث توجهت به))(١) . ب - وأما الملاح في سفينة ( أي قائدها ) فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه . وقال الحنابلة(٢): يجوز للمسافر الراكب لا الماشي ، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة ، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، قال جابر: (( بعثني رسول الله مُ لّ في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق ، والسجود أخفض من الركوع)»(٣) ولا يسقط الاستقبال إذا تنفل في الحضر كالراكب السائر في مصره أو قريته ؛ لأنه ليس مسافراً ، وليس للهائم والتائه والسائح التنفل ؛ إذ ليس له جهة معينة . (١) رواه أحمد وأبو داود، وأخرجه الشيخان بنحو ما هنا (نيل الأوطار: ١٧٢/٢ ) (٢) المغني: ٤٣٤/١ - ٤٣٨، ٦٠٠، كشاف القناع: ٣٥٠/١ - ٣٥٣ (٣) رواه أبو داود - ٦٠٨ - ٠ ويجوز أن يصلي على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: ((رأيت رسول الله ◌ُ لّ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر))(١) لكن إن صلى على حيوان نجس ، فلابد أن يكون بينهما سترة طاهرة . وقبلة المصلي : حيث كانت وجهته ، ولا يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة ، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على صلاته . وإن كان في مركب أو سفينة كبيرة يدور فيه كيفما شاء ، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود ، فعليه استقبال القبلة في صلاته ، ويسجد على ماهو عليه إن أمكنه ذلك . وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود ، استقبل القبلة وأومأ بها . وإن عجز عن الاستقبال سقط بغير خلاف ، كما يسقط الاستقبال الأعذار أخرى كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه ، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن الاستقبال ، وكمقعد عجز عمن يديره إلى القبلة وكمربوط ونحوه . وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته ، كراكب راحلة لا تطيعه ، أو كان في قافلة ( قطار ) فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة . ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض ، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة ، كراكب راحلة منفردة تطيعه ، ففي إلزامه التوجه إلى القبلة روايتان عن أحمد : إحداهما وهي الراجحة : يلزمه ، لحديث أنس السابق في مذهب الشافعية ، وعلى هذا يلزم الراكب إذا تنفل على راحلته افتتاح النافلة إلى القبلة بالدابة ، بأن يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة ، أو يدور بنفسه إلى القبلة إن أمكنه ذلك بلا مشقة . (١) رواه أبو داود والنسائي. الفقه الإسلامي جـ١ (٣٩) - ٦٠٩ - ۔ والثانية : لا يلزمه ، لأنه جزء من أجزاء الصلاة ، فأشبه سائر أجزائها ، ولأن ذلك لا يخلو من مشقة ، فسقط ، وخبر أنس السابق يحمل على الفضيلة والندب . ويجوز للمسافر التنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الرواتب وسجود التلاوة . والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه ، بل يلزمه افتتاح النافلة إلى القبلة ، كما يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة على الأرض لتيسر ذلك عليه مع متابعة سيره ، ويفعل باقي الصلاة إلى جهة سيره . وأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض ، ففيه روايتان : إحداهما : يجوز ؛ لأن المشقة بالنزول في المرض أشد منها بالنزول في المطر . ومن صلى على الراحلة لمرض أو مطر ، فليس له ترك الاستقبال . والثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن ابن عمر ((كان يُنزل مرضاه )) ولأنه قادر على الصلاة أو على السجود ، فلم يجز تركه كغير المريض . والخلاصة : أن الفقهاء اتفقوا على جواز الصلاة على الراحلة في السفر الطويل ، وعلى كون الصلاة بالإيماء ، واختلفوا في السفر القصير ، فأجازها الشافعية والحنابلة ، ومنعها المالكية والحنفية . وليس استقبال القبلة شرطاً عند الحنفية والمالكية ، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة في بداية الإحرام بالصلاة عند الإمكان ، ويسقط بالعجز ، بأن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة ، بلا مشقة ، كأن يكون مركوبه حَرُوناً تصعب عليه إدارته . ولا يضر اشتمال الدابة على نجاسة عند الحنفية والمالكية ، ويضر ذلك عند الشافعية ، وتصح الصلاة عند الحنابلة بشرط وجود ساتر ، إذ إنه يشترط لصحة التنفل طهارة محل المصلي نحو سرج وإكاف كغيره ، لعدم المشقة فيه ، فإن كان - ٦١٠ - المركوب نجس العين ، أو أصاب موضع الركوب منه نجاسة ، وفوقه حائل طاهر ، من برذعة ونحوها ، صحت الصلاة ، وإن وطئت دابته نجاسة ، لم تبطل صلاته عند الحنابلة . ولا تصح صلاة الفرض على الدابة إلا إذا أتى بها كاملة الأركان مستوفية الشروط . ومن صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك ، وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو دارت السفينة وهو يصلي . الشرط السادس - النية : النية من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة ، وكذا عند المالكية على الراجح ، وهي من فروض الصلاة أو أركانها عند الشافعية ولدى بعض المالكية ؛ لأنها واجبة في بعض الصلاة ، وهو أولها ، لا في جميعها ، فكانت ركناً كالتكبير والركوع . وهي لغة : القصد ، وشرعاً : عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى . بأن يقصد بعمله الله تعالى ، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق ، أو اكتساب محمدة عند الناس ، أو محبة مدح أو نحوه . وهذا هو الإخلاص . والنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتتميز العبادة عن العادة ، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى ؛ لأن الصلاة عبادة ، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى ، قال الله تعالى: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ قال الماوردي : والإخلاص في كلامهم النية . ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهو قوله معّ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) فلا تصح الصلاة بدون النية بحال . (١) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نصب الراية: ٣٠١/١) - ٦١١ - وكمال النية : أن يستشعر المصلي الإيمان ، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة ، ويعتقد وجوبها وأداءها في ذلك اليوم ، ويعينها ، وينوي عدد ركعاتها ، وينوي الإمامة أو المأمومية ( الاقتداء ) أو الانفراد ، ثم ينوي تكبيرة الإحرام . والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها ، بمعنى أنه لا ينوي قطعها ، فلو ذهل عنها وعزبت ( غابت عنه ) في أثناء الصلاة ، لم يضر . شروط النية : وشروط النية : الإسلام ، والتمييز، والعلم بالمنوي . مقارنة النية للتكبير : ويشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية(١) بين النية والتكبيرة ، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك ، أما إذا فصل بينهما بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد ، فلا يضر، فلو نوى ، ثم توضأ أو مشى إلى المسجد ، فكبر ، ولم تحضره النية ، جاز، لعدم الفاصل الأجنبي ، بدليل أن من أحدث في الصلاة ، له البناء عليها بعد تجديد الوضوء . ويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام ، خروجاً من الخلاف ، ولا يصح أن تتأخر النية عن التحريمة في الصحيح . وكذلك يجوز تقديم النية في الحج ، فلو خرج من بيته يريد الحج ، فأحرم ولم تحضره النية ، جاز. وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز. ولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة ، أما الصوم فيجوز تأخيرها عن البدء به للضرورة ، ولا ضرورة في الصلاة . وقال الحنابلة(٢) : الأفضل مقارنة النية للتكبير ، خروجاً من خلاف من (١) تبيين الحقائق: ٩٩/١ (٢) كشاف القناع: ٣٦٧/١ - ٦١٢ - أوجبه ، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة ، ولم يفسخها ، وكان ذلك مع بقاء إسلامه ، بأن لم يرتدّ ، صحت صلاته ؛ لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية ، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً ، ولأن النية من شروط الصلاة ، فجاز تقدمها كبقية الشروط ، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة ، فيسقط لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ، ولأن أول الصلاة من أجزائها ، فكفى استصحاب النية فيه كسائرها . وقال المالكية(١) : يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام ، أو قبلها بزمن يسير . وقال الشافعية(٢): يشترط اقتران النية بفعل الصلاة ، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: (( نويت أصلي الظهر، الله أكبر، نويت)) بطلت صلاته ؛ لأن قوله ((نويت)) بعد التكبيرة كلام أجنبي عن الصلاة ، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة ، فأبطلها . تعيين المنوي : ويشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء ، كالظهر أو العصر ؛ لأن الفروض كثيرة ، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر . محل النية : ومحل التعيين هو القلب بالاتفاق ، ويندب عند الجمهور غير المالكية التلفظ بالنية ، وقال المالكية : يجوز التلفظ بالنية ، والأولى تركه في صلاة أوغيرها . والأصح عند الشافعية(٣) أيضاً وجوب نية الفرضية، دون الإضافة (١) الشرح الصغير : ٣٠٥/١ (٢) حاشية الباجوري : ١٤٩/١ (٣) مغني المحتاج : ١٤٩/١ - ٦١٣ - إلى الله تعالى ، فتكون شروط النية عندهم ثلاثة : القصد ، والتعيين ، والفرضية . آراء الفقهاء في النية : تفصيل آراء المذاهب في النية فيما يأتي : قال الحنفية(١): الكلام في النية يتناول مواضع ثلاثة : تفسير النية ، وكيفية النية ، ووقت النية . آ - تفسير النية: النية: هي الإرادة، فنية الصلاة: هي إرادة الصلاة لله تعالى ، والإرادة عمل القلب . فمحل النية : هو القلب : بأن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي ، ولا يشترط الذكر باللسان ، وإنما يستحب إعانة للقلب الجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان . أما التعيين فهو أفضل وأحوط عموماً، ثم إن كانت الصلاة فرضاً كظهر وعصر مثلاً أو واجباً كالوتر وسجود التلاوة والنذر وصلاة العيدين ، فلابد من التعيين ، كما لابد من تعيين اليوم أو الوقت في حالة القضاء ، ولا يلزم نية القضاء . أما الأداء فلا يلزم قرن النية باليوم أو الوقت ، كما لا يلزم تعيين عدد الركعات . وأما صلاة النفل ولو سنة الفجر والتراويح وغيرها في الصحيح ، فيكفيها مطلق النية ، والاحتياط : التعيين ، فينوي مراعياً صفة النافلة بالتراويح أو سنة الوقت . (١) البدائع: ١٢٧/١ وما بعدها، الدر المختار: ٤٠٦/١ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٩٩/١ وما بعدها، فتح القدير: ١٨٥/١ وما بعدها، اللباب : ٦٦/١ . - ٦١٤ - ولا تبطل نية الصلاة أو الصوم بتعليقها بمشيئة الله ، لأن محل النية : القلب . والمعتمد أن العبادة ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها . ولو أدرك شخص القوم في الصلاة ، ولم يدر أفرض أم تراويح ، ينوي الفرض ، فإن كانوا هم فيه صح ، وإن لم يكن فيه تقع نفلاً . ب - كيفية النية : إن كان المصلي منفرداً : عين نوع الفرض أو الواجب ، وإن كان تطوعاً تكفيه نية الصلاة ، كما بينا . وإن كان المصلي إماماً : عين كما سبق ، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال ، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم . ويشترط له نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به ، والفرق أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل ، فربما تحاذيه ، فتفسد صلاته ، فيلحقه الضرر من غير اختياره ، فشرط نية اقتدائها به ، حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه ، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال . والخلاصة : تلزم نية الإمام في صورة واحدة : وهي حالة صلاة الرجل إماماً بالنساء . وإن كان مقتدياً: عين أيضاً كما سبق ، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام ، كأن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه ، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام ، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته . جـ ـ وقت النية : يندب أن تكون النية وقت التكبير ، أي مقارناً له ويصح عندهم تقديم النية على التحريمة ، إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر ، والقرآن ليس بشرط . - ٦١٥ _ وقال المالكية(١) : النية : قصد الشيء ، ومحلها القلب ، ونية الصلاة فرض والراجح أنها شرط بأن يقصد بقلبه أداء فرض الظهر مثلاً ، والقصد للشي خارج عن ماهية الشي ، والأولى ترك التلفظ بها ، إلا الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس ، ويجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام ، فإن تأخرت النية أو تقدمت بوقت كثير ، بطلت اتفاقاً ، وإن تقدمت بوقت يسير ، فقيل وهو المختار : تصح كالحنفية ، وقيل : تبطل كالشافعية . ويجب التعيين في الفرائض ، والسنن الخمس ( وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف(٢) والاستسقاء) وسنة الفجر ، دون غيرها من النوافل ، كالضحى والرواتب والتهجد ، فيكفي فيه نية مطلق نفل ، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال ، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته ، أو بعده ، ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه ، وللتهجد إن كان في الليل ، وللشفع ( سنة العشاء ) إن كان قبل الوتر . ولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات ، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه . ويستثنى من وجوب التعيين صورة واحدة : وهي ما إذا دخل شخص المسجد ، فوجد الإمام يصلي ، فظن أن صلاته هي الجمعة ، فنواها ، فتبين أنها الظهر ، فتصح ، وعكس ذلك باطل . (١) الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢٣٣/١، ٥٢٠، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٣٠٣/١ - ٣٠٥، القوانين الفقهية : ص ٥٧ ، بداية المجتهد : ١١٦/١. (٢) المعتمد فيه : أنه مندوب - ٦١٦ - وتجب نية الانفراد ، والمأمومية ، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين الصلاتين تقديماً للمطر ، والخوف ، والاستخلاف(١) ، لكون الإمام شرطاً فيها ، وزاد ابن رشد : الجنائز، فلو ترك الإمام نية الإمامة في الجمعة بطلت الصلاة عليه وعلى المأمومين ، ولو تركها في صلاة الجمع تقديماً للمطر بطلت الثانية ، وإذا تركها في صلاة الخوف تبطل الصلاة على الطائفة الأولى من المأمومين فقط ، وتصح للإمام وللطائفة الثانية . ولو تركها في صلاة الاستخلاف ، صحت له ، وبطلت على المأمومين . وقال الشافعية(٢) : النية : قصد الشيء مقترناً بفعله ، ومحلها القلب ، ويندب النطق بها قبيل التكبير . ولو عقب النية بقوله : إن شاء الله بقلبه أو لسانه ، فإن قصد التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى ، لم يضره ، وإن قصد به التعليق أو الشك ، لم يصح . فإن كانت الصلاة فرضاً ولو فرض كفاية كصلاة الجنازة ، أو قضاء كالفائتة ، أو معادة ، أو نذراً ، يجب ثلاثة أمور: نية الفرضية ( أي يلاحظ ويقصد كون الصلاة فرضاً ) ، وقصد إيقاع الفعل ( بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال ) وتعيين نوع الفريضة من صبح أو ظهر مثلاً : بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً(٣). (١) الاستخلاف: أن يقدم الإمام أو المصلون أحد المصلين لمتابعة الصلاة ، في حال فساد صلاة الإمام بالحدث وغيره ، وذلك قبل خروج الإمام من المسجد . (٢) حاشية الباجوري: ١٤٩/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٤٨/١ - ١٥٠، ٢٥٢ - ٢٥٣، المهذب: ٧٠/١ ، المجموع : ٢٤٣/٣ - ٢٥٢ (٣) نظمها بعضهم قائلاً : يا سائلي على شروط النية القصد والتعيين والفرضية - ٦١٧ - ويشترط أن يكون ذلك مقارناً لأي جزء من أجزاء تكبيرة الإحرام ، وهذا هو المقصود عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين ( أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً على المعتمد ، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الإحرام ) . وإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب ، أو ذات سبب كالاستسقاء ، وجب أمران : قصد فعله ، وتعيينه كسنة الظهر أو عيد الفطر أو الأضحى ، ولا يشترط نية النفلية على الصحيح . ويكفي في النفل المطلق ( وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء ) : نية فعل الصلاة . ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى ؛ لأن العبادة لا تكون إلا له سبحانه وتعالى ، لكن تستحب ليتحقق معنى الإخلاص . ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف ، فلو أخطأ في العدد ، كأن نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته ، كما يستحب نية الأداء والقضاء . والأصح أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر ، كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه ، فلو ظن خروج الوقت ، فصلاها قضاء ، فبان بقاؤه ، أو ظن بقاء الوقت فصلاها أداء ، فبان خروجه ، صحت صلاته . كذلك تصح صلاته في حالة عدم العذر إذا قصد المعنى اللغوي ، لاستعمال كل بمعنى الآخر ، تقول : قضيت الدين وأديته ، بمعنى واحد ، وهو دفعه . أما إذا فعل ذلك بلا عذر ، ولم ينو المعنى اللغوي ، لم تصح صلاته لتلاعبه . ولا يشترط التعرض للوقت ، فلو عين اليوم وأخطأ ، لم يضر. ومن عليه - ٦١٨ - فوائت : لا يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا ، بل يكفيه نية الظهر مثلاً . ولا يندب ذكر اليوم أو الشهر أو السنة على المعتمد . والنية شرط في جميع الصلاة ، فلو شك في النية ، هل أتى بها أم لا ، بطلت صلاته . ولا يشترط للإمام نية الإمامة ، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة ، فإن لم ينولم تحصل له ، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى . وتشترط نية الإمامة في حالات أربعة : في الجمعة ، والصلاة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم ، والصلاة المعادة في الوقت جماعة ، والصلاة التي نذر أن يصليها جماعة للخروج من الإثم . ويشترط للمقتدي نية الاقتداء : بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو الجماعة بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب ونحو ذلك؛ لأن التبعية عمل ، فافتقرت إلى نية ، إذ ليس للمرء إلا ما نوى . ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء ، من غير إضافة إلى الإمام . فلو تابع بلا نية ، أو مع الشك فيها ، بطلت صلاته إن طال انتظاره . وقال الحنابلة (١) : النية : عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى ، فلا تصح الصلاة بدونها بحال . ومحلها القلب وجوباً ، واللسان استحباباً . فإن كانت الصلاة فرضاً : اشترط أمران : تعيين نوع الصلاة : ظهراً أو عصراً أو غيرهما ، وقصد الفعل ، ولا يشترط نية الفرضية(٢) بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً . (١) المغني: ٤٦٤/١ - ٤٦٩، ٢٣١/٢ كشاف القناع: ٣٦٤/١ - ٣٧٠ (٢) قال ابن قدامة : والصحيح أنه لابد من التعيين ، وتقع الصلاة للمعهود . - ٦١٩ - أما الفائتة : فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم ، لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء ، ويصح القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه . وإن كانت الصلاة نافلة : فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف والاستسقاء ، والتروايح والوتر ، والسنن الرواتب . ولا يجب تعيينها إن كانت مطلقة ، كصلاة الليل ، فيجزئه نية الصلاة لا غير ، لعدم التعيين فيها ، فهم كالشافعية في هذا . وقالوا : إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها ، لم تصح ؛ لأن النية عزم جازم ، ومع التردد لا يحصل الجزم ، وهذا باتفاق الفقهاء . وإن دخل في الصلاة بنية صحيحة ، ثم نوى قطعها والخروج منها ، بطلت عند الجمهور ؛ لأن النية شرط في جميع الصلاة ، وقد قطعها بما حدث . وقال أبو حنيفة: لا تبطل بذلك ؛ لأنها عبادة صح دخوله فيها ، فلم تفسد بنية الخروج منها ، كالحج . الشك في النية : وإن شك في أثناء الصلاة ، هل نوى أو لا ؟ أو شك في تكبيرة الإحرام ، استأنفها ، كما قال الشافعية ؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه . فإن ذكر أنه كان قد نوى ، أو كبر قبل قطعها ، فله البناء أي الإكال ؛ لأنه لم يوجد مبطل لها . وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك ، بطلت الصلاة ، كما قال الشافعية . تغيير النية : وإذا أحرم بفريضة ، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى ، بطلت الاثنتان ، لأنه قطع نية الأولى ، ولم ينو الثانية عند الإحرام ، وهذا متفق مع الشافعية أيضاً . فإن حول الفرض إلى نقل ففيه رأيان عند الشافعية والحنابلة ، أرجحهما أنها تنقلب نفلاً ؛ لأن نية الفرض تتضمن نية النفل ، بدليل - ٦٢٠ -