Indexed OCR Text

Pages 421-440

٧ - فقد آلة الماء من دلو وحبل :
يتيم من له قدرة على استعمال الماء ، ولكن لم يجد من يناوله إياه ، أو لم
يجد آلة من حبل أو دلو ، إذا خاف خروج الوقت ، لأنه بمنزلة عادم الماء .
وأضاف الحنابلة : أنه يلزم طلب الآلة بالاستعارة ليحصل بها الماء ، لأن
مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويلزمه قبول عارية ؛ لأن المنة في ذلك
يسيرة . وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله ، ثم يعصره ، لزمه ذلك
لقدرته على تحصيل الماء ، كما لو وجد حبلاً ودلواً ، إذا لم تنقص قيمة الثوب أكثر
من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه ، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه
كشرائه . ويلزمه قبول الماء قرضاً ، وقبول ثمنه قرضاً ، إذا كان له مايوفيه منه ؛
لأن المنة في ذلك يسيرة ، ولا يلزمه اقتراض ثمن الماء للمنة ، ويلزمه قبول الماء إذا
بذل له هبة لسهولة المنة فيه ، لعدم تموله عادة ، ولا يلزمه قبول ثمن الماء هبة
للمنة ، ولا يلزمه شراء الماء بدين في ذمته ، ولو قدر على أدائه في بلده ؛ لأن عليه
ضرراً في بقاء الدين في ذمته ، وربما تلف ماله قبل أدائه .
٨ - الخوف من خروج وقت الصلاة :
لم يجز الشافعية (١) التيم خوفاً من خروج الوقت ؛ لأنه يكون متيماً مع
وجود الماء ، واستثنوا حالة المسافر فإنه لا يلزم بطلب الماء ويتيم إذا خاف
خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة .
وكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو
فريضة ، إلا لمسافر علم وجود الماء في مكان قريب ، لكن إذا قصده خاف خروج
الوقت ، فیتیم حينئذ ، ويصلي ولا إعادة علیه ، لأنه غير قادر على استعماله في
الوقت ، فأشبه عادم الماء(٢) .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٨٨، الحضرمية: ص ٢٤ .
(٢) كشاف القناع: ١ / ٢٠٦.
- ٤٢١ -

ولم يجز الحنفية التيم خوف خروج الوقت إلا فيما يأتي(١):
أولاً - يتيم لفقد الماء خوف فوت صلاة جنازة ولو جنباً ، أو فوت صلاة
عيد بسبب الخوف من فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء ، سواء أكان
إماماً أم غيره في الأصح ، لفواتها بلا بدل ، ولما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال : إذا فاجأتك صلاة جنازة ، فخشيت فوتها ، فصل عليها بالتيم . وعن
ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتي بجنازة ، وهو على غير وضوء ، فتيم ، ثم صلى
عليها . وإذا تيم لصلاة جنازة أو لسجدة تلاوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر
الصلوات(٢).
ثانياً - له التيم أيضاً لفقد الماء خوف فوت صلاة كسوف وسنن المفروضات ،
ولو سنة فجر ، إذا أخرها بحيث لو توضأ ، فات وقتها .
ولا يصح التيم لصلاة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت
الوقت ؛ لأن للجمعة بدلاً وهو الظهر ، ولأن بقية الصلوات تقضى .
وقال المالكية على المعتمد(٢): يجوز التيم لعادم الماء خوف خروج الوقت
محافظة على أداء الصلاة في وقتها ، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن
توضأ أو اغتسل ، فلا يتيم .
والأظهر خلاف المشهور : أنه يجوز التيم لعادم الماء وقت الأداء لحاضر
(١) الدر المختار: ١ / ٢٢٣ - ٢٢٧، مراقي الفلاح: ص ١٩ وما بعدها، البدائع: ١ / ٥١ ، فتح
القدير: ١ / ٩٦ .
(٢) ويجوز عند الحنفية التيم لذاته عند فقد الماء وإن لم تجز الصلاة به لأمور، ضابطها: كل ما لا تشترط
الطهارة له ، وهي : قراءة القرآن لغير الجنب عن ظهر قلب أو من المصحف ، وتعليم القرآن ، ودخول المسجد ، أو
خروجه ، ودفن الميت وزيارة القبر، والأذان والإقامة ، وعيادة المريض، والسلام ورده . والمختار: جواز التيم
للمسافر دون المقيم لأداء سجدة التلاوة ، مع وجود الماء .
(٣) الشرح الصغير: ١ / ١٨٢ - ١٨٤، الشرح الكبير: ١ / ١٥٠ وما بعدها .
- ٤٢٢ -

( مقيم ) صحيح لأداء جمعة ، وصلاة جنازة ، متعينة أم لا ، خاف فواتها ،
ويصلي ولا يعيد .
كما يجوز التيم لعادم الماء لأداء السنة والمندوب ومس المصحف ، والطواف
غير الواجب .
والخلاصة أن أسباب التيم ترجع إلى أمرين :
الأول : فقد الماء ، ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل ، وحالة
الخوف من تلف المال ، وخوف خروج الوقت بالطلب أو الاستعمال .
والثاني - العجز عن استعمال الماء . ويشمل بقية الحالات . والأمر الثاني
مقيس على الأمر الأول : وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيم .
واتفق الفقهاء على أنه يجوز التيم الاثنين : للمريض وللمسافر إذا عدم الماء .
هل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم ؟
اتفق الفقهاء على أن من تيم لفقد الماء ، وصلى ، ثم وجد الماء بعد خروج
الوقت ( وقت الصلاة ) ، لا إعادة عليه . أما إن وجد الماء في الوقت ، أو تيم
لأسباب أخرى ففيه اختلاف(١) :
قال الحنفية والمالكية والحنابلة : لا إعادة على من تيم ثم وجد الماء في
الوقت ، ولا قضاء عليه بالتيم للأسباب الأخرى ، إلا أن المالكية قالوا : كل من
أمر بالتيم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في
البحث عن الماء ، أو طلبه .
(١) المغني: ١ / ٢٤٣ وما بعدها، ٢٦٥، ٢٦٨، كشاف القناع: ١ / ٩٣ - ١٩٥، ٢٠٦، الشرح الصغير:
١ / ١٩٠، مراقي الفلاح: ص ١٩، الوجيز للغزالي: ١ / ٢٣، مغني المحتاج: ١ / ١٠١، ١٠٦ وما بعدها، المهذب:
١ / ٣٦، المجموع: ٢ / ٣٤٢ - ٣٥٢.
- ٤٢٣ -

واستثنى الحنفية : المحبوس الذي صلى بالتيم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً
في الحضر ، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي .
ودليلهم: ماروى أبو داود عن أبي سعيد: (( أن رجلين خرجا في سفر،
فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيما صعيداً طيباً ، فصليا ، ثم وجدا الماء في
الوقت ، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله
عَظِلِّ ، فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ،
وقال للذي أعاد : لك الأجر مرتين )).
وتيم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة ،
والشمس مرتفعة ، فلم يعد
ولأن المتيم فعل ما أمر به ، وأدى فرضه كما أمر ، فلم يلزمه الإعادة ، ولأن
عدم الماء عذر معتاد ، فإذا تيم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة ، كالمرض ، وما
سقط لا يعود إلى الذمة .
وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتهم واجد الماء في الصلاة ،
ينتقض تيمه ، وتبطل طهارته ، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد ،
لقوله ◌َّ اللّ: ((الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا
وجدت الماء ، فأمِسَّه جلدك)) (١) دل بمفهومه : على أنه لا يكون طهوراً عند وجود
الماء ، وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده ، ولأنه قدر على استعمال
الماء ، فبطل تيمه كالخارج من الصلاة ، ولأن التيم طهارة ضرورة ، فبطلت
بزوال الضرورة ، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها .
وإن عدم الماء تيم وصلى ولم يعد الصلاة ؛ لأنها صلاة تيم صحيح ، وإن
خاف العطش أبقى ماءه وتيم ولا إعادة عليه .
(١) رواه أبو داود والحاكم والنسائي عن أبي ذر، وصححه الترمذي ، وقال : حسن صحيح .
- ٤٢٤ -

وقال الشافعية : إن تيم لعدم الماء ، ثم رأى الماء :
أ - فإن كان قبل الدخول في الصلاة ، بطل تيمه ، لأنه لم يشرع في
المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: ((فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك)).
ب - وإن رأى الماء في أثناء الصلاة : فإن كان في الحضر بطل تيمه
وصلاته ؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء ، وقد وجد الماء ، فوجب أن يشتغل
بالإعادة . والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل . وإن كان في
السفر لم يبطل تيمه على المذهب ؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود ، فلا
يلزمه الانتقال إليه .
وإن رأى الماء في الصلاة في السفر ، ثم نوى الإقامة ، بطل تيمه وصلاته ؛
لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة ، فوجب أن يغلّب حكم الحضر ، ويصير
لأنه تيم وصلى ، وهو حاضر، ثم رأى الماء.
جـ ـ وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة : إن كان في الحضر ، أعاد
الصلاة ؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل ، فلم يسقط معه فرض
الإعادة ، كما لو صلى بنجاسة نسيها . وإن كان في السفر لاتلزمه الإعادة ، سواء.
أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي .
وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم ؛ لأن سقوط
الفرض بالتيم رخصة تتعلق بالسفر ، والسفر معصية ، فلا تتعلق به رخصة .
وإن تيم للمرض وصلى ، ثم برئ ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت ؛ لأن
المرض من الأعذار العامة ، فهو كعدم الماء في السفر .
وإن تيم لشدة البرد ، وصلى ، ثم زال البرد : فإن كان في الحضر ، لزمه
الإعادة ؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة . وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما
- ٤٢٥ -

أنه تجب الإعادة ، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك ، ولا يجد ما يدفع ضرره
عذر نادر غير متصل ، فهو كعدم الماء في الحضر .
أما قضاء الصلاة المؤداة بالتيم عند الشافعية ، فقالوا فيه : يقضي المقيم المتيم
لفقد الماء ، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشرة ، فإنه يقضي في
الأصح ، لأنه ليس من أهل الرخصة .
ويقضي في الأظهر من تيم في السفر للبرد ، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً ( أي
في جميع أعضاء الطهارة ) ، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر
عليه ، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيم ( الوجه واليدين ) ، أو حالة
وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيم .
والخلاصة : أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض
قاعداً ، والمسافر : لا يقضي . وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد
الطهورين ( الماء والتراب ) ، والمصلوب إذا صلى بالإيماء : يقضي ، وما كان منها
بعذر لا يدوم وله بدل كتيم المقيم وتيم المسافر لشدة البرد ، ففي القضاء قولان
أرجحهما أنه يقضي .
ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد ، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي
الحنفية وموافقيهم .
المطلب الثالث - أركان التيمم أو فرائضه :
للتيم أركان أو فرائض ، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه
أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى ، وهو اصطلاح الجمهور ( غير الحنفية ) ،
أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده ، وكان جزءاً من
حقيقته . وبناء عليه قالوا : للتيم ركنان فقط : هما الضربتان ، والاستيعاب
بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين .
- ٤٢٦ -

أما الجمهور فقالوا : أركان التيم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي(١):
٦ - النية عند مسح الوجه :
فرض باتفاق المذاهب الأربعة ، منهم القدوري وصاحب الهداية من
الحنفية ، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً ، وهو المعتمد في مذهبي
الحنابلة والحنفية .
والنية عند المالكية : أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة مامنعه الحدث ،
أو فرض التيم عند مسح الوجه ، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تييمه باطلاً ؛
لأن التيم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم .
ولو نوى فرض التيم أجزأه ، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه ،
أو الأصغر .
أما لو نوى استباحة الصلاة أو مامنعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر
إن كان عليه ، ويندب نية الأصغر ، كما قدمنا سابقاً .
ويندب فقط تعيين الصلاة المتيم لها من فرض أو نفل ، أو هما معاً . فإن لم
يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل ، ولابنية مطلق الصلاة لأن الفرض
يحتاج لنية تخصه .
وقال الشافعية : لابد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها ، فلا يكفي في
الأصح نية فرض التيم أو فرض الطهارة ، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو
رفع الحدث ، لأن التيم لا يرفع الحدث عندهم ، ولأن التيم ليس مقصوداً في
نفسه ، وإنما يؤتى به عن ضرورة ، فلا يجعل مقصوداً .
(١) البدائع: ١ / ٤٥ وما بعدها، ٥٢، فتح القدير: ١ / ٨٦، ٨٩، الدر المختار: ١ / ٢١٢، اللباب:
١ / ٣٧، تبيين الحقائق: ١ / ٣٨ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٩ - ٢٠، الشرح الكبير: ١ / ١٥٤ وما بعدها،
الشرح الصغير: ١ / ١٩٢ - ١٩٨، القوانين الفقهية: ص ٣٧ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٦٤، ٦٦ وما بعدها ،
مغني المحتاج: ١ / ٩٧ - ٩٩، المهذب: ١ / ٣٢ وما بعدها، المغني: ١ / ٢٥١، ٢٥٤، كشاف القناع :
١٩٩/١ - ٢٠٢.
- ٤٢٧ -

والأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية ، فإذا أطلق ، صلى أي فرض
شاء، وإن عين فرضاً ، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره ،
لكن لا يصلي الفرض بنية النفل ، أو بنية استباحة مطلق الصلاة ، أي كما قال
المالكية .
ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه ، لأنه أول
الأركان ، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه .
وينوي عند الحنابلة استباحة مالا يباح إلا بالتيم كالصلاة ونحوها ، من
طواف ومس مصحف ، أي كما قال الشافعية ، ولا يصح بنية رفع الحدث ؛ لأن
التيم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: (( فإذا وجدت
الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك))(١) .
ويجب عندهم تعيين النية لما تيم له كصلاة وطواف ومس مصحف ، من
حدث أصغر أو أكبر ، أو نجاسة على بدنه ؛ لأن التيم لا يرفع الحدث ، وإنما يبيح
الصلاة ، فلم يكن بد من تعيين النية تقوية لضعفه .
وصفة التعيين : أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان
جنباً ، أو من الحدث إن كان محدثاً ، أو منهما إن كان جنباً محدثاً ، وما أشبه
ذلك .
وإن تيم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر ؛ لأنها طهارتان ، فلم تتأد
إحداهما بنية الأخرى .
وقال الحنفية : يشترط لصحة نية التيم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد
أمور ثلاثة :
(١) صححه الترمذي .
- ٤٢٨ -

إما نية الطهارة من الحدث ، أو استباحة الصلاة ، أو نية عبادة مقصودة
لا تصح بدون طهارة كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة . فإن نوى التيم
فقط من غير أن يلاحظ استباحة الصلاة ، أو رفع الحدث القائم به ، لم تصح
الصلاة به . كما لا تصح الصلاة إذا نوى ماليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد ومس
المصحف(١) ، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة(٢)، أو نوى عبادة
مقصودة تصح بدون طهارة كالتيم من المحدث حدثاً أصغر لقراءة القرآن ، أو
للسلام أو رده .
فإن تيم الجنب لقراءة القرآن ، صح له أن يصلي به سائر الصلوات .
ولا يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة ، وإنما يصح التيم بإطلاق النية ،
ويصح أيضاً بنية رفع الحدث ؛ لأن التيم رافع له كالوضوء .
ويشترط لصحة النية عندهم : الإسلام ، والتمييز، والعلم بما ينويه ليعرف
حقيقة المنوي .
ومذهب الحنفية هنا أولى الآراء لسماحته ويسره وسعته .
والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما
لكل امرئ مانوى)» واستدل الحنفية: بأن التراب ملوث، فلا يكون مطهراً إلا
بالنية ، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية ، وإنما جعل طهارة عند الحاجة ،
والحاجة إنما تعرف بالنية ، بخلاف الوضوء ؛ لأنه طهارة حقيقية ، فلا يشترط له
الحاجة ليصير طهارة ، فلا يشترط له النية .
(١) لأن العبادة في الاعتكاف في المسجد ، وفي التلاوة .
(٢) لأن الغرض منهما الإعلان .
- ٤٢٩ -

٣ - مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب(١):
لقوله تعالى : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ .
والمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية : مسحهما إلى المرفقين كالوضوء ،
على وجه الاستيعاب ، للآية المذكورة ، لقيام التيم مقام الوضوء ، ولأن اليد
أطلقت في التيم ، وقيدت في الوضوء بقوله تعالى: ﴿ إلى المرافق﴾ ، فيحمل
التيم على الوضوء، ويقاس عليه، ولحديث عمار: أن النبي ◌َّ قال في التيم :
((ضربة للوجه واليدين)) (٧) .
واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين ، أما من الكوعين إلى
المرفقين فسنة ، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأيديكم﴾ وإذا علق حكم بمطلق
اليدين ، لم يدخل فيه الذراع ، كقطع السارق ، ولحديث عمار بن ياسر : أن
النبي ◌َ ◌ّ أمره بالتيم للوجه والكفين(٣)، ولقول عمار: أجنبت فلم أصب الماء ،
فتمعكت ( تمرغت أو تقلبت ) في الصعيد، وصليت ، فذكرت ذلك للنبي مطهر ،
فقال : إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي ◌َّ بكفّيه الأرض ، ونفخ فيهما ،
ثم مسح بها وجهه وكفيه (٤) .
والمفروض عند الحنفية والشافعية : ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة
(١) يلاحظ أن المالكية جعلوا هذا فريضتين : إحداهما - الضربة الأولى أي وضع الكفين على الصعيد،
والثانية - تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين . وعند الشافعية والحنابلة: مسح جميع الوجه فرضاً ، ومسح اليدين فرضاً
آخر .
(٢) رواه أحمد وأبو داود. أما حديث ابن عمر: ((التيم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))
فهو ضعيف .
(٣) رواه الترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٣).
(٤) متفق عليه، وفي لفظ: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيها ، ثم تمسح بها
وجهك وكفيك إلى الرسغين» رواه الدارقطني ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٤) .
- ٤٣٠ -

لليدين . وقال المالكية والحنابلة : الفريضة : الضربة الأولى : أي وضع الكفين
على الصعيد ، وأما الضربة الثانية فهي سنة ، كما سيأتي .
وسبب الاختلاف : أن الآية مجملة في ذلك ، والأحاديث متعارضة ، وقياس
التيم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه . والذي في حديث عمار الثابت
من ذلك : إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معاً ، وهناك أحاديث فيها
ضربتان ، فرجح الجمهور هذه الأحاديث قياساً للتيم على الوضوء ، ومن هذه
الأحاديث حديث ابن عمر: ((التيم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين)) (١)
وروى أبو داود: ((أنه مُ الّ تيم بضربتين مسح بإحداهما وجهه ، وبأخرى
ذراعيه )»(٢) .
واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيم ، بخلاف الوضوء ؛ لأن التراب
كثيف لا يسري إلى ماتحت الخاتم بخلاف الماء . ومحل الوجوب عند الشافعية في
الضربة الثانية ، ويستحب في الأولى ، وإيجاب النزع إنما عند المسح لاعند نقل
التراب .
وأوجب المالكية والحنفية أيضاً تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع ليتم
المسح .
واكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الأصابع بعد مسح
اليدين احتياطاً .
ولا يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف ، فلا يوصل التراب إلى ماتحت
شعر اللحية مثلاً ولو خفيفاً، لما فيه من العسر ، بخلاف الوضوء ، وليس فيه
(١) أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي ، لكن في إسناده ضعيف، وهو موقوف على ابن عمر.
(٢) فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين ، فسنده ضعيف ( انظر نصب الراية: ١ / ١٥٠ - ١٥٤).
- ٤٣١ -

مضمضة واستنشاق ، لئلا يدخل التراب فمه وأنفه ، بل يكرهان لما فيها من
التقدير .
٣ - الترتيب فرض عند الشافعية ، وعند الحنابلة في غير حدث
أكبر :
أي بين عضوي التيم ؛ لأن التيم مبني على الطهارة بالماء ، والترتيب فرض
في الوضوء ، فكذا في التيم القائم مقامه ، أما التيم لحدث أكبر ونجاسة ببدن ،
فلا يعتبر فيه ترتيب .
وقال الحنفية والمالكية : الترتيب في التيم بين العضوين ( الوجه واليدين )
مستحب لا واجب ؛ لأن الفرض الأصلي المسح ، وإيصال التراب وسيلة إليه .
٤ - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية ، وقيدها الحنابلة بغير الحدث
الأكبر كالترتيب :
بأن یوالي بين أجزاء التيم ، بألا يؤخر مسح عضو عما قبله زمناً بقدرها في
الوضوء ، أي بحيث لو قدر مغسولاً لجف بزمن معتدل
وأضاف المالكية : أن يوالي بين التيم وبين مافعل له من صلاة ونحوها .
وقال الشافعية والحنفية : موالاة التيم كالوضوء سنة ، كما تسن الموالاة أيضاً
بين التيم والصلاة ، خروجاً من خلاف من أوجبها ، وهم المالكية كما قدمنا .
ه ـ الصعيد الطاهر فرض عند المالكية ، شرط عند غيرهم:
والصعيد عند المالكية(١): كل ماصعد على الأرض من أجزائها ، كتراب وهو
(١) الشرح الصغير: ١ / ١٩٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٨، الشرح الكبير: ١ / ١٥٥ وما بعدها.
- ٤٣٢ -

الأفضل من غيره عند وجوده ، ورمل وحجارة وحصى، وجص(١) لم يحرق
بالنار ، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيم به ، ولو نقل ذلك من محله : بأن يجعل
بینه وبین الأرض حائل .
ويجوز التيم على المعادن مادامت في مواضعها ولم تنقل من محلها ، إذا لم
تكن من أحد النقدين ( الذهب أو الفضة ) أو من الجواهر كاللؤلؤ . فلا يتيم على
المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص وقصدير وكحل إن نقلت من محلاتها ،
وصارت أموالاً في أيدي الناس ، ولا يتيم على الذهب والفضة ولو في مكانها
الأصلي ، ولاعلى الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها ، ولا يجوز التيم
في قول على الخشب والحشيش ، ولو لم يوجد غيرهما ، إذ ليس كلاهما بصعيد
ولا ما يشبه الصعيد ، والمعتمد جواز التيم عليهما عند عدم غيرهما .
ويجوز التيم على الجليد : وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو
البحر ؛ لأنه أشبه بجموده الحجر ، فالتحق بأجزاء الأرض .
ومذهب الحنفية كالمالكية ، فقال أبو حنيفة ومحمد (٢): يجوز التيم بكل ماكان
من جنس الأرض ، كالتراب ( وهو مجمع عليه ) والغبار، والرمل ، والحجر ،
والجِصّ ( الكلس) والنُّورة (حجر الكلس ) ، والكُحْل والزَّرْنيخ، وإن لم يكن
عليها غبار؛ لأن الصعيد اسم لوجه الأرض ، وهذا لا يوجب الاختصاص
بالتراب ، بل يعم جميع أجزاء الأرض ، ولحدث أبي هريرة : أن ناساً من أهل
البادية أتوا رسول الله مُط ◌ِّ ، فقالوا: إنا نكون بالرمال ، الأشهر الثلاثة
(١) الجص : نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة.
(٢) فتح القدير: ١ / ٨٨، البدائع: ١ / ٥٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ٣٧. وقال أبو يوسف : لا يجوز إلا
بالتراب والرمل خاصة ؛ لأن ابن عباس فسر الصعيد الطيب بالتراب المنبت . وزاد عليه أبو يوسف : الرمل ،
بالحديث الذي ذكرناه في دليل الطرفين .
الفقه الإسلامي جـ١ (٢٨)
- ٤٣٣ -

والأربعة ، ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض ، ولسنا نجد الماء ، فقال عليه
السلام: (( عليكم بالأرض ، ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ، ثم
ضرب أخرى، فمسح بها على يديه إلى المرفقين))(١) وقال الإمام البخاري :
((لا بأس بالصلاة على السبخة والتيم منها )) وهي الأرض ذات الملح والنزز.
ويجوز عند المالكية والحنفية التيم بحجر أو صخرة لاغبار عليها ، وبتراب
ندي لا يعلق باليد منه غبار ، كما يجوز التيم بالغبار ، بأن ضرب يده على ثوب أو
لبد أو سرج ، فارتفع غباراً .
وقال الشافعية والحنابلة (٢): لا يجوز التيم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق
باليد غير محترق ، فإن كان جرشاً أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف . وأضاف
الشافعية : يجوز برمل فيه غبار، ولا يجوز عند الحنابلة التيم برمل ، ونحت
حجارة ونحوه ، وعن أحمد : رواية أخرى : أنه يجوز التيم بالرمل .
ولا يجوز عند الفريقين التيم بمعدن كنفط وكبريت ونورة ، ولابسُحاقة
خزف ، إذ لا يسمى ذلك تراباً ، ولابتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص ،
لمنعه وصول التراب إلى العضو ، ولا بحص مطبوخ لأنه ليس بتراب ، ولا بسبخة
ونحوها مما ليس له غبار ، ولابطين رطب لأنه ليس بتراب ، ولا بتراب نجس ،
كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى : ﴿ فتيموا صعيداً طيباً﴾، ولابما استعمل
في العضو عند الشافعية ، ولابمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة .
وإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط ، فعلق بيديه غبار ، فتيم
(١) رواه أحمد والبيهقي واسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي والطبراني ، لكنه حديث ضعيف ( نصب
الراية : ١ / ١٥٦ ) .
(٢) المهذب: ١ / ٣٢، مغني المحتاج: ١ / ٩٦ وما بعدها، المغني: ١ / ٢٤٧ - ٢٤٩، كشاف القناع: ١ / ١٩٧
وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٥٢، غاية المنتهى: ١ / ٦١ .
- ٤٣٤ _

به ، جاز. وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيم احتياطاً للعبادة .
ودليلهم قوله عز وجل : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وهذا يقتضي
أنه يمسح بجزء من الصعيد ، فما لاغبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه ، ولأنه
طهارة ، فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة ، كمسح الرأس ، ولقوله
عَ اله: ((جعل لي التراب طهوراً))(١) .
وذكر الحنابلة : أنه لو وجد ثلجاً وتعذر تذويبه ، لزمه مسح أعضائه ،
الواجب غسلها به، لقوله ◌َ ◌ّ: ((إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم))،
ويعيد الصلاة ، إن لم يجر على الأعضاء بالمس ؛ لأنه صلى مع وجود الماء في
الجملة ، بلاطهارة كاملة ، كما لوصلى بلاتيم ، مع وجود طين يابس عنده ، لعدم
مایدقه به ، لیصیر له غبار .
وإن كان الثلج يسيل على الأعضاء ، لم يعد الصلاة ، لوجود الغسل المأمور
به ، وإن كان خفيفاً .
هذا وقد اعتبر الشافعية : نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيم
الخمسة عندهم(٢) ، فلو نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو
التيم ، كفى في الأصح ، لوجود مسمى النقل . ولو كان على العضو تراب ،
فردده عليه من جانب إلى جانب ، لم يكف ولم يجز . ويظهر لي أن رأي الشافعية
والحنابلة أقوى ، لقوله تعالى: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً﴾ .
(١) رواه الشافعي وأحمد من حديث علي، وهو حديث حسن. وقال ابن عباس: ((الصعيد : تراب الحرث ،
والطيب الطاهر)).
(٢) وبقية الأركان هي: نية استباحة الصلاة ، ومسح الوجه ، ومسح اليدين إلى المرفقين ، والترتيب بين
الوجه واليدين .
- ٤٣٥ -

المطلب الرابع - كيفية التيمم :
للفقهاء رأيان في كيفية التيم :
١ - رأي الحنفية والشافعية(١): التيم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة
لليدين إلى المرفقين ، بدليل الحديث المتقدم ، وهو ماروى أبو أمامة وابن عمر
رضي الله عنهما: أن النبي مُ اله قال: ((التيم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة
لليدين إلى المرفقين )) (٢) ولأن اليد عضو في التيم ، فوجب استيعابه كالوجه . وأما
حديث عمار رضي الله عنه الدال على الاكتفاء بالكفين ، فيتأول على أنه مسح
كفيه إلى المرفقين ، بدلیل حديث أبي أمامة وابن عمر .
وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع ؛ لأن التيم بدل عن الوضوء ، فيكون محله
أعضاء الوضوء المنصوص على وجوب التيم فيها .
٢ - رأي المالكية والحنابلة(٣): التيم الواجب: ضربة واحدة يمسح بها وجهه
بباطن أصابعه ، ثم كفيه براحتيه ، لحديث عمار: أن النبي عَ اقلّ قال في التيم :
((ضربة واحدة للوجه واليدين))(٤)، ولأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع
5
بدليل السرقة .
والأكمل عندهم خروجاً من خلاف من أوجبه : ضربتان يمسح بالثانية يديه
إلى المرفقين ، وكيفية المسح : أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى
(١) البدائع: ١ / ٤٦، تبيين الحقائق: ١ / ٣٨، المهذب: ١ / ٣٢.
(٢) وروي أيضاً من حديث جابر عند الحاكم والدارقطني ، ومن حديث عائشة عند البزار لكن في هذه
الروايات طعن وضعف ( نصب الراية: ١ / ١٥٠ وما بعدها ) .
(٣) الشرح الصغير: ١ / ١٩٤، ١٩٨، القوانين الفقهية: ص ٣٨، المغني: ١ / ٢٤٤، ٢٥٤، كشاف القناع:
/ ٢٠٠ ، ٢٠٥.
(٤) رواه أحمد والأئمة الستة بإسناد صحيح (نصب الراية: ١ / ١٥٤).
- ٤٣٦ -

المرفق ، ثم باطن المرفق إلى الكوع ( الرسغ ) ، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك ،
وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب .
واتفق الفقهاء على أنه إن تيم بأكثر من ضربتين ، جاز أيضاً ؛ لأن المقصود
إيصال التراب إلى محل الفرض ، فكيفما حصل جاز ، كالوضوء .
المطلب الخامس - شروط التيم :
اشترط الحنفية لصحة التيم ثمانية شروط ، والشافعية شرطوا عشرة ،
والمالكية والحنابلة شرطوا شرطين . وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة ،
وقد تكون نفس الأسباب السابقة .
أما المالكية ففسروا الشروط بالأسباب وقالوا (١): يشترط لجواز التيم في
الجملة شرطان : عدم الماء ، أو تعذر استعماله .
وأما تفصيلاً فهي مايلي :
عدم الماء في السفر ، والمرض ، وفي الحضر : أن يجد من الماء مالا يكفيه ،
وعدم الآلة الموصلة إلى الماء كالدلو أو الرشاء ( الحبل ) ، وأن يخاف العطش على
نفسه أو على غيره من آدمي أو بهيمة ، وأن يخاف إن خرج إلى الماء لصوصاً أو
سباعاً ، وأن يجد الماء غالياً يجحف به شراؤه ، وأن يخاف فوات الوقت إن ذهب
إلى الماء أو انتظره ، أو استعمله ، وأن يخاف الموت من البرد ، أو حدوث مرض أو
زيادته أو تأخر برء ، أو يكون مريضاً لا يجد من يناوله الماء ، أو يكون قد
استوعبت الجراح أو القروح أكثر جسد الجنب ، أو أعضاء الوضوء من المحدث .
ويلاحظ أن هذه الحالات هي أسباب للتيم ، والذي يمكن جعله شرطاً عند
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٧ .
- ٤٣٧ -

المالكية : اثنان : فعله بعد دخول الوقت ، وطلب الماء . أما عند الحنابلة فشرطا
التيم هما : دخول وقت مايتيم له ، والعجز عن استعمال الماء .
يتبين مما ذكر أن شروط التيم هي ما يأتي :
الشرط الأول - الصعيد الطاهر : فلا يصح التيم بغير صعيد الأرض
( التراب عند الشافعية والحنابلة ، وكل ما كان من جنس الأرض عند الحنفية
والمالكية ) ، ولا بالصعيد المتنجس ، لقوله تعالى: ﴿ فتيموا صعيداً طيباً ﴾ .
وهذا شرط لصحة التيم عند الجمهور ، فرض عند المالكية ، كما بينا في فروض
التيم . وأضاف الحنابلة : أن يكون التراب مباحاً ، فلو تيم بمغصوب أو بتراب
مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم يجز .
الشرط الثاني - کون التيم بعد دخول الوقت : أي وقت مایتیم له .
وهذا شرط عند الجمهور ، وليس بشرط عند الحنفية ، كما بينا في بحث صفة التيم .
الشرط الثالث - طلب الماء : يشترط لجواز التيم باتفاق المذاهب الأربعة
طلب الماء مالم يتيقن عدم وجوده ؛ لأنه لا يسمى فاقد الماء ( أو غير واجده أو
عادمه ) إلا إذا طلب الماء ، فلم يجده . لكن الفقهاء اختلفوا في تقدير المسافة التي
يلزم طلب الماء فيها ، وقد أشرنا إليها سابقاً في بحث أسباب التيم ، ونذكرها
هنا تفصيلاً :
١ - مذهب الحنفية(١): على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيم مطلقاً،
سواء ظن قربه أو لم يظن ، أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيم ، فليس
(١) البدائع: ١ / ٤٦ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٨٤، ٩٨، الدر المختار: ١ / ٢٢٧ وما بعدها ، اللباب :
١ / ٣٦ .
٨
- ٤٣٨ -

عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء ؛ لأن الغالب عدم الماء في
الفلوات .
وإن غلب على ظنه وجود الماء ، لم يجز له التيم حتى يطلبه بنفسه أو
برسوله ، بمقدار غَلْوة سهم من كل جانب ، ولا يبلغ ميلاً(١)، وظاهره أنه لا يلزمه
المشي ، بل يكفيه النظر في الجهات الأربع ، وذلك لئلا ينقطع عن رفقته ،
ودفعاً للحرج عن نفسه ، لقوله تعالى إثرآية التيم : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم
في الدين من حرج، ولكن يريد ليطهركم﴾ ولاحرج فيما دون الميل ، قال
الكاساني : أقرب الأقاويل اعتبار الميل ؛ لأن الجواز لدفع الحرج ، ثم قال :
والأصح أنه يطلب قدر مالا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار .
فإن قصر في طلب الماء ، وصلى ولم يطلبه ، وجبت عليه الإعادة عند أبي
حنيفة ومحمد .
وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيم ، لعدم المنع غالباً ، فإن
منعه منه تيم لتحقق العجز. لكن لو تيم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي
حنيفة رحمه الله ؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير . وقال الصاحبان :
لا يجزيه ؛ لأن الماء مبذول عادة . ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل ، وعنده ثمنه ،
لا يجزئه التيم ، لتحقق القدرة ، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش(٢).
وإن لم يغلب على ظنه قرب الماء لا يجب طلبه ، بل يندب إن رجا وجود
الماء .
(١) الغلوة: مقدار رمية سهم، وهي أربعمائة ذراع، أو ١٨٤,٨ م. والميل في اللغة: منتهى مد البصر، والمراد
به ههنا : أربعة آلاف خطوة ، أو ثلث فرسخ ، أو ١٨٤٨ م .
(٢) قال أبو حنيفة : إن كان لا يبيع إلا بضعف القيمة فهو غالٍ ، وقيل: هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين .
- ٤٣٩ -

وإن کان بينه وبين الماء ميل فأكثر ، تيم .
٢ - مذهب المالكية(١): إن تحقق عدم الماء فلا يلزمه طلبه.
وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده ، لزمه
طلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه بالفعل ، وهو على أقل من ميلين . كما يلزمه
طلبه من رُفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم إعطاءهم ، فإن لم يطلب منهم
وتيهم ، ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئاً ، أعاد الصلاة أبداً إن اعتقد أو ظن
الإعطاء ، وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم .
ويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له ، نقداً أو ديناً في الذمة ، فإن زاد
على الثمن المعتاد ، ولو درهماً على الراجح ، في ذلك المحل وماقاربه ، فلا يلزمه
الشراء .
٣ - مذهب الشافعية(٢): إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله ، تيم بلا
طلب . وإن توهم الماء ( وقع في وهمه أي ذهنه أي جوز ذلك ) ، طلبه من رحله
ورُفْقته، ونظر حواليه إن كان بمستو من الأرض ، فإن احتاج إلى تردد ، تردد
في الجهات الأربعة قدر نظره في المستوي ، إن أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن
الرفقه ، بمقدار حد الغوث ، وهو غلوة سهم ، فإن لم يجد ماء تيم . ولو مكث في
موضعه فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ .
وإن تيقن الماء في محل ، طلبه في حد القُرْب : وهو ستة آلاف خطوة .
ويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادراً عليه بنقد أو غيره ، ولم يحتج إليه ،
وثمن المثل : هو على الأصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة .
(١) الشرح الكبير: ١ / ١٥٣.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٨٧ - ٩٠ .
- ٤٤٠ -