Indexed OCR Text
Pages 421-440
٧ - فقد آلة الماء من دلو وحبل : يتيم من له قدرة على استعمال الماء ، ولكن لم يجد من يناوله إياه ، أو لم يجد آلة من حبل أو دلو ، إذا خاف خروج الوقت ، لأنه بمنزلة عادم الماء . وأضاف الحنابلة : أنه يلزم طلب الآلة بالاستعارة ليحصل بها الماء ، لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويلزمه قبول عارية ؛ لأن المنة في ذلك يسيرة . وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله ، ثم يعصره ، لزمه ذلك لقدرته على تحصيل الماء ، كما لو وجد حبلاً ودلواً ، إذا لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه ، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه كشرائه . ويلزمه قبول الماء قرضاً ، وقبول ثمنه قرضاً ، إذا كان له مايوفيه منه ؛ لأن المنة في ذلك يسيرة ، ولا يلزمه اقتراض ثمن الماء للمنة ، ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة لسهولة المنة فيه ، لعدم تموله عادة ، ولا يلزمه قبول ثمن الماء هبة للمنة ، ولا يلزمه شراء الماء بدين في ذمته ، ولو قدر على أدائه في بلده ؛ لأن عليه ضرراً في بقاء الدين في ذمته ، وربما تلف ماله قبل أدائه . ٨ - الخوف من خروج وقت الصلاة : لم يجز الشافعية (١) التيم خوفاً من خروج الوقت ؛ لأنه يكون متيماً مع وجود الماء ، واستثنوا حالة المسافر فإنه لا يلزم بطلب الماء ويتيم إذا خاف خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة . وكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو فريضة ، إلا لمسافر علم وجود الماء في مكان قريب ، لكن إذا قصده خاف خروج الوقت ، فیتیم حينئذ ، ويصلي ولا إعادة علیه ، لأنه غير قادر على استعماله في الوقت ، فأشبه عادم الماء(٢) . (١) مغني المحتاج: ١ / ٨٨، الحضرمية: ص ٢٤ . (٢) كشاف القناع: ١ / ٢٠٦. - ٤٢١ - ولم يجز الحنفية التيم خوف خروج الوقت إلا فيما يأتي(١): أولاً - يتيم لفقد الماء خوف فوت صلاة جنازة ولو جنباً ، أو فوت صلاة عيد بسبب الخوف من فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء ، سواء أكان إماماً أم غيره في الأصح ، لفواتها بلا بدل ، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا فاجأتك صلاة جنازة ، فخشيت فوتها ، فصل عليها بالتيم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتي بجنازة ، وهو على غير وضوء ، فتيم ، ثم صلى عليها . وإذا تيم لصلاة جنازة أو لسجدة تلاوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر الصلوات(٢). ثانياً - له التيم أيضاً لفقد الماء خوف فوت صلاة كسوف وسنن المفروضات ، ولو سنة فجر ، إذا أخرها بحيث لو توضأ ، فات وقتها . ولا يصح التيم لصلاة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت الوقت ؛ لأن للجمعة بدلاً وهو الظهر ، ولأن بقية الصلوات تقضى . وقال المالكية على المعتمد(٢): يجوز التيم لعادم الماء خوف خروج الوقت محافظة على أداء الصلاة في وقتها ، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل ، فلا يتيم . والأظهر خلاف المشهور : أنه يجوز التيم لعادم الماء وقت الأداء لحاضر (١) الدر المختار: ١ / ٢٢٣ - ٢٢٧، مراقي الفلاح: ص ١٩ وما بعدها، البدائع: ١ / ٥١ ، فتح القدير: ١ / ٩٦ . (٢) ويجوز عند الحنفية التيم لذاته عند فقد الماء وإن لم تجز الصلاة به لأمور، ضابطها: كل ما لا تشترط الطهارة له ، وهي : قراءة القرآن لغير الجنب عن ظهر قلب أو من المصحف ، وتعليم القرآن ، ودخول المسجد ، أو خروجه ، ودفن الميت وزيارة القبر، والأذان والإقامة ، وعيادة المريض، والسلام ورده . والمختار: جواز التيم للمسافر دون المقيم لأداء سجدة التلاوة ، مع وجود الماء . (٣) الشرح الصغير: ١ / ١٨٢ - ١٨٤، الشرح الكبير: ١ / ١٥٠ وما بعدها . - ٤٢٢ - ( مقيم ) صحيح لأداء جمعة ، وصلاة جنازة ، متعينة أم لا ، خاف فواتها ، ويصلي ولا يعيد . كما يجوز التيم لعادم الماء لأداء السنة والمندوب ومس المصحف ، والطواف غير الواجب . والخلاصة أن أسباب التيم ترجع إلى أمرين : الأول : فقد الماء ، ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل ، وحالة الخوف من تلف المال ، وخوف خروج الوقت بالطلب أو الاستعمال . والثاني - العجز عن استعمال الماء . ويشمل بقية الحالات . والأمر الثاني مقيس على الأمر الأول : وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيم . واتفق الفقهاء على أنه يجوز التيم الاثنين : للمريض وللمسافر إذا عدم الماء . هل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم ؟ اتفق الفقهاء على أن من تيم لفقد الماء ، وصلى ، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت ( وقت الصلاة ) ، لا إعادة عليه . أما إن وجد الماء في الوقت ، أو تيم لأسباب أخرى ففيه اختلاف(١) : قال الحنفية والمالكية والحنابلة : لا إعادة على من تيم ثم وجد الماء في الوقت ، ولا قضاء عليه بالتيم للأسباب الأخرى ، إلا أن المالكية قالوا : كل من أمر بالتيم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء ، أو طلبه . (١) المغني: ١ / ٢٤٣ وما بعدها، ٢٦٥، ٢٦٨، كشاف القناع: ١ / ٩٣ - ١٩٥، ٢٠٦، الشرح الصغير: ١ / ١٩٠، مراقي الفلاح: ص ١٩، الوجيز للغزالي: ١ / ٢٣، مغني المحتاج: ١ / ١٠١، ١٠٦ وما بعدها، المهذب: ١ / ٣٦، المجموع: ٢ / ٣٤٢ - ٣٥٢. - ٤٢٣ - واستثنى الحنفية : المحبوس الذي صلى بالتيم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر ، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي . ودليلهم: ماروى أبو داود عن أبي سعيد: (( أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيما صعيداً طيباً ، فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله عَظِلِّ ، فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي أعاد : لك الأجر مرتين )). وتيم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة ، والشمس مرتفعة ، فلم يعد ولأن المتيم فعل ما أمر به ، وأدى فرضه كما أمر ، فلم يلزمه الإعادة ، ولأن عدم الماء عذر معتاد ، فإذا تيم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة ، كالمرض ، وما سقط لا يعود إلى الذمة . وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتهم واجد الماء في الصلاة ، ينتقض تيمه ، وتبطل طهارته ، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد ، لقوله ◌َّ اللّ: ((الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجدت الماء ، فأمِسَّه جلدك)) (١) دل بمفهومه : على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء ، وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده ، ولأنه قدر على استعمال الماء ، فبطل تيمه كالخارج من الصلاة ، ولأن التيم طهارة ضرورة ، فبطلت بزوال الضرورة ، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها . وإن عدم الماء تيم وصلى ولم يعد الصلاة ؛ لأنها صلاة تيم صحيح ، وإن خاف العطش أبقى ماءه وتيم ولا إعادة عليه . (١) رواه أبو داود والحاكم والنسائي عن أبي ذر، وصححه الترمذي ، وقال : حسن صحيح . - ٤٢٤ - وقال الشافعية : إن تيم لعدم الماء ، ثم رأى الماء : أ - فإن كان قبل الدخول في الصلاة ، بطل تيمه ، لأنه لم يشرع في المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: ((فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك)). ب - وإن رأى الماء في أثناء الصلاة : فإن كان في الحضر بطل تيمه وصلاته ؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء ، وقد وجد الماء ، فوجب أن يشتغل بالإعادة . والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل . وإن كان في السفر لم يبطل تيمه على المذهب ؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود ، فلا يلزمه الانتقال إليه . وإن رأى الماء في الصلاة في السفر ، ثم نوى الإقامة ، بطل تيمه وصلاته ؛ لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة ، فوجب أن يغلّب حكم الحضر ، ويصير لأنه تيم وصلى ، وهو حاضر، ثم رأى الماء. جـ ـ وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة : إن كان في الحضر ، أعاد الصلاة ؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل ، فلم يسقط معه فرض الإعادة ، كما لو صلى بنجاسة نسيها . وإن كان في السفر لاتلزمه الإعادة ، سواء. أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي . وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم ؛ لأن سقوط الفرض بالتيم رخصة تتعلق بالسفر ، والسفر معصية ، فلا تتعلق به رخصة . وإن تيم للمرض وصلى ، ثم برئ ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت ؛ لأن المرض من الأعذار العامة ، فهو كعدم الماء في السفر . وإن تيم لشدة البرد ، وصلى ، ثم زال البرد : فإن كان في الحضر ، لزمه الإعادة ؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة . وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما - ٤٢٥ - أنه تجب الإعادة ، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك ، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل ، فهو كعدم الماء في الحضر . أما قضاء الصلاة المؤداة بالتيم عند الشافعية ، فقالوا فيه : يقضي المقيم المتيم لفقد الماء ، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشرة ، فإنه يقضي في الأصح ، لأنه ليس من أهل الرخصة . ويقضي في الأظهر من تيم في السفر للبرد ، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً ( أي في جميع أعضاء الطهارة ) ، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر عليه ، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيم ( الوجه واليدين ) ، أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيم . والخلاصة : أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض قاعداً ، والمسافر : لا يقضي . وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين ( الماء والتراب ) ، والمصلوب إذا صلى بالإيماء : يقضي ، وما كان منها بعذر لا يدوم وله بدل كتيم المقيم وتيم المسافر لشدة البرد ، ففي القضاء قولان أرجحهما أنه يقضي . ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد ، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي الحنفية وموافقيهم . المطلب الثالث - أركان التيمم أو فرائضه : للتيم أركان أو فرائض ، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى ، وهو اصطلاح الجمهور ( غير الحنفية ) ، أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده ، وكان جزءاً من حقيقته . وبناء عليه قالوا : للتيم ركنان فقط : هما الضربتان ، والاستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين . - ٤٢٦ - أما الجمهور فقالوا : أركان التيم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي(١): ٦ - النية عند مسح الوجه : فرض باتفاق المذاهب الأربعة ، منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية ، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً ، وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية . والنية عند المالكية : أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة مامنعه الحدث ، أو فرض التيم عند مسح الوجه ، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تييمه باطلاً ؛ لأن التيم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم . ولو نوى فرض التيم أجزأه ، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه ، أو الأصغر . أما لو نوى استباحة الصلاة أو مامنعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه ، ويندب نية الأصغر ، كما قدمنا سابقاً . ويندب فقط تعيين الصلاة المتيم لها من فرض أو نفل ، أو هما معاً . فإن لم يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل ، ولابنية مطلق الصلاة لأن الفرض يحتاج لنية تخصه . وقال الشافعية : لابد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها ، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيم أو فرض الطهارة ، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث ، لأن التيم لا يرفع الحدث عندهم ، ولأن التيم ليس مقصوداً في نفسه ، وإنما يؤتى به عن ضرورة ، فلا يجعل مقصوداً . (١) البدائع: ١ / ٤٥ وما بعدها، ٥٢، فتح القدير: ١ / ٨٦، ٨٩، الدر المختار: ١ / ٢١٢، اللباب: ١ / ٣٧، تبيين الحقائق: ١ / ٣٨ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٩ - ٢٠، الشرح الكبير: ١ / ١٥٤ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ١٩٢ - ١٩٨، القوانين الفقهية: ص ٣٧ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٦٤، ٦٦ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٩٧ - ٩٩، المهذب: ١ / ٣٢ وما بعدها، المغني: ١ / ٢٥١، ٢٥٤، كشاف القناع : ١٩٩/١ - ٢٠٢. - ٤٢٧ - والأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية ، فإذا أطلق ، صلى أي فرض شاء، وإن عين فرضاً ، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره ، لكن لا يصلي الفرض بنية النفل ، أو بنية استباحة مطلق الصلاة ، أي كما قال المالكية . ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه ، لأنه أول الأركان ، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه . وينوي عند الحنابلة استباحة مالا يباح إلا بالتيم كالصلاة ونحوها ، من طواف ومس مصحف ، أي كما قال الشافعية ، ولا يصح بنية رفع الحدث ؛ لأن التيم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: (( فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك))(١) . ويجب عندهم تعيين النية لما تيم له كصلاة وطواف ومس مصحف ، من حدث أصغر أو أكبر ، أو نجاسة على بدنه ؛ لأن التيم لا يرفع الحدث ، وإنما يبيح الصلاة ، فلم يكن بد من تعيين النية تقوية لضعفه . وصفة التعيين : أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً ، أو من الحدث إن كان محدثاً ، أو منهما إن كان جنباً محدثاً ، وما أشبه ذلك . وإن تيم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر ؛ لأنها طهارتان ، فلم تتأد إحداهما بنية الأخرى . وقال الحنفية : يشترط لصحة نية التيم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة : (١) صححه الترمذي . - ٤٢٨ - إما نية الطهارة من الحدث ، أو استباحة الصلاة ، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة . فإن نوى التيم فقط من غير أن يلاحظ استباحة الصلاة ، أو رفع الحدث القائم به ، لم تصح الصلاة به . كما لا تصح الصلاة إذا نوى ماليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد ومس المصحف(١) ، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة(٢)، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيم من المحدث حدثاً أصغر لقراءة القرآن ، أو للسلام أو رده . فإن تيم الجنب لقراءة القرآن ، صح له أن يصلي به سائر الصلوات . ولا يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة ، وإنما يصح التيم بإطلاق النية ، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث ؛ لأن التيم رافع له كالوضوء . ويشترط لصحة النية عندهم : الإسلام ، والتمييز، والعلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي . ومذهب الحنفية هنا أولى الآراء لسماحته ويسره وسعته . والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ مانوى)» واستدل الحنفية: بأن التراب ملوث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية ، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية ، وإنما جعل طهارة عند الحاجة ، والحاجة إنما تعرف بالنية ، بخلاف الوضوء ؛ لأنه طهارة حقيقية ، فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة ، فلا يشترط له النية . (١) لأن العبادة في الاعتكاف في المسجد ، وفي التلاوة . (٢) لأن الغرض منهما الإعلان . - ٤٢٩ - ٣ - مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب(١): لقوله تعالى : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ . والمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية : مسحهما إلى المرفقين كالوضوء ، على وجه الاستيعاب ، للآية المذكورة ، لقيام التيم مقام الوضوء ، ولأن اليد أطلقت في التيم ، وقيدت في الوضوء بقوله تعالى: ﴿ إلى المرافق﴾ ، فيحمل التيم على الوضوء، ويقاس عليه، ولحديث عمار: أن النبي ◌َّ قال في التيم : ((ضربة للوجه واليدين)) (٧) . واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين ، أما من الكوعين إلى المرفقين فسنة ، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأيديكم﴾ وإذا علق حكم بمطلق اليدين ، لم يدخل فيه الذراع ، كقطع السارق ، ولحديث عمار بن ياسر : أن النبي ◌َ ◌ّ أمره بالتيم للوجه والكفين(٣)، ولقول عمار: أجنبت فلم أصب الماء ، فتمعكت ( تمرغت أو تقلبت ) في الصعيد، وصليت ، فذكرت ذلك للنبي مطهر ، فقال : إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي ◌َّ بكفّيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بها وجهه وكفيه (٤) . والمفروض عند الحنفية والشافعية : ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة (١) يلاحظ أن المالكية جعلوا هذا فريضتين : إحداهما - الضربة الأولى أي وضع الكفين على الصعيد، والثانية - تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين . وعند الشافعية والحنابلة: مسح جميع الوجه فرضاً ، ومسح اليدين فرضاً آخر . (٢) رواه أحمد وأبو داود. أما حديث ابن عمر: ((التيم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)) فهو ضعيف . (٣) رواه الترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٣). (٤) متفق عليه، وفي لفظ: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيها ، ثم تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين» رواه الدارقطني ( نيل الأوطار: ١ / ٢٦٤) . - ٤٣٠ - لليدين . وقال المالكية والحنابلة : الفريضة : الضربة الأولى : أي وضع الكفين على الصعيد ، وأما الضربة الثانية فهي سنة ، كما سيأتي . وسبب الاختلاف : أن الآية مجملة في ذلك ، والأحاديث متعارضة ، وقياس التيم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه . والذي في حديث عمار الثابت من ذلك : إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معاً ، وهناك أحاديث فيها ضربتان ، فرجح الجمهور هذه الأحاديث قياساً للتيم على الوضوء ، ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر: ((التيم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين)) (١) وروى أبو داود: ((أنه مُ الّ تيم بضربتين مسح بإحداهما وجهه ، وبأخرى ذراعيه )»(٢) . واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيم ، بخلاف الوضوء ؛ لأن التراب كثيف لا يسري إلى ماتحت الخاتم بخلاف الماء . ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية ، ويستحب في الأولى ، وإيجاب النزع إنما عند المسح لاعند نقل التراب . وأوجب المالكية والحنفية أيضاً تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع ليتم المسح . واكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً . ولا يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف ، فلا يوصل التراب إلى ماتحت شعر اللحية مثلاً ولو خفيفاً، لما فيه من العسر ، بخلاف الوضوء ، وليس فيه (١) أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي ، لكن في إسناده ضعيف، وهو موقوف على ابن عمر. (٢) فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين ، فسنده ضعيف ( انظر نصب الراية: ١ / ١٥٠ - ١٥٤). - ٤٣١ - مضمضة واستنشاق ، لئلا يدخل التراب فمه وأنفه ، بل يكرهان لما فيها من التقدير . ٣ - الترتيب فرض عند الشافعية ، وعند الحنابلة في غير حدث أكبر : أي بين عضوي التيم ؛ لأن التيم مبني على الطهارة بالماء ، والترتيب فرض في الوضوء ، فكذا في التيم القائم مقامه ، أما التيم لحدث أكبر ونجاسة ببدن ، فلا يعتبر فيه ترتيب . وقال الحنفية والمالكية : الترتيب في التيم بين العضوين ( الوجه واليدين ) مستحب لا واجب ؛ لأن الفرض الأصلي المسح ، وإيصال التراب وسيلة إليه . ٤ - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية ، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر كالترتيب : بأن یوالي بين أجزاء التيم ، بألا يؤخر مسح عضو عما قبله زمناً بقدرها في الوضوء ، أي بحيث لو قدر مغسولاً لجف بزمن معتدل وأضاف المالكية : أن يوالي بين التيم وبين مافعل له من صلاة ونحوها . وقال الشافعية والحنفية : موالاة التيم كالوضوء سنة ، كما تسن الموالاة أيضاً بين التيم والصلاة ، خروجاً من خلاف من أوجبها ، وهم المالكية كما قدمنا . ه ـ الصعيد الطاهر فرض عند المالكية ، شرط عند غيرهم: والصعيد عند المالكية(١): كل ماصعد على الأرض من أجزائها ، كتراب وهو (١) الشرح الصغير: ١ / ١٩٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٨، الشرح الكبير: ١ / ١٥٥ وما بعدها. - ٤٣٢ - الأفضل من غيره عند وجوده ، ورمل وحجارة وحصى، وجص(١) لم يحرق بالنار ، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيم به ، ولو نقل ذلك من محله : بأن يجعل بینه وبین الأرض حائل . ويجوز التيم على المعادن مادامت في مواضعها ولم تنقل من محلها ، إذا لم تكن من أحد النقدين ( الذهب أو الفضة ) أو من الجواهر كاللؤلؤ . فلا يتيم على المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص وقصدير وكحل إن نقلت من محلاتها ، وصارت أموالاً في أيدي الناس ، ولا يتيم على الذهب والفضة ولو في مكانها الأصلي ، ولاعلى الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها ، ولا يجوز التيم في قول على الخشب والحشيش ، ولو لم يوجد غيرهما ، إذ ليس كلاهما بصعيد ولا ما يشبه الصعيد ، والمعتمد جواز التيم عليهما عند عدم غيرهما . ويجوز التيم على الجليد : وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر ؛ لأنه أشبه بجموده الحجر ، فالتحق بأجزاء الأرض . ومذهب الحنفية كالمالكية ، فقال أبو حنيفة ومحمد (٢): يجوز التيم بكل ماكان من جنس الأرض ، كالتراب ( وهو مجمع عليه ) والغبار، والرمل ، والحجر ، والجِصّ ( الكلس) والنُّورة (حجر الكلس ) ، والكُحْل والزَّرْنيخ، وإن لم يكن عليها غبار؛ لأن الصعيد اسم لوجه الأرض ، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب ، بل يعم جميع أجزاء الأرض ، ولحدث أبي هريرة : أن ناساً من أهل البادية أتوا رسول الله مُط ◌ِّ ، فقالوا: إنا نكون بالرمال ، الأشهر الثلاثة (١) الجص : نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة. (٢) فتح القدير: ١ / ٨٨، البدائع: ١ / ٥٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ٣٧. وقال أبو يوسف : لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة ؛ لأن ابن عباس فسر الصعيد الطيب بالتراب المنبت . وزاد عليه أبو يوسف : الرمل ، بالحديث الذي ذكرناه في دليل الطرفين . الفقه الإسلامي جـ١ (٢٨) - ٤٣٣ - والأربعة ، ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض ، ولسنا نجد الماء ، فقال عليه السلام: (( عليكم بالأرض ، ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ، ثم ضرب أخرى، فمسح بها على يديه إلى المرفقين))(١) وقال الإمام البخاري : ((لا بأس بالصلاة على السبخة والتيم منها )) وهي الأرض ذات الملح والنزز. ويجوز عند المالكية والحنفية التيم بحجر أو صخرة لاغبار عليها ، وبتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار ، كما يجوز التيم بالغبار ، بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو سرج ، فارتفع غباراً . وقال الشافعية والحنابلة (٢): لا يجوز التيم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق ، فإن كان جرشاً أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف . وأضاف الشافعية : يجوز برمل فيه غبار، ولا يجوز عند الحنابلة التيم برمل ، ونحت حجارة ونحوه ، وعن أحمد : رواية أخرى : أنه يجوز التيم بالرمل . ولا يجوز عند الفريقين التيم بمعدن كنفط وكبريت ونورة ، ولابسُحاقة خزف ، إذ لا يسمى ذلك تراباً ، ولابتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص ، لمنعه وصول التراب إلى العضو ، ولا بحص مطبوخ لأنه ليس بتراب ، ولا بسبخة ونحوها مما ليس له غبار ، ولابطين رطب لأنه ليس بتراب ، ولا بتراب نجس ، كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى : ﴿ فتيموا صعيداً طيباً﴾، ولابما استعمل في العضو عند الشافعية ، ولابمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة . وإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط ، فعلق بيديه غبار ، فتيم (١) رواه أحمد والبيهقي واسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي والطبراني ، لكنه حديث ضعيف ( نصب الراية : ١ / ١٥٦ ) . (٢) المهذب: ١ / ٣٢، مغني المحتاج: ١ / ٩٦ وما بعدها، المغني: ١ / ٢٤٧ - ٢٤٩، كشاف القناع: ١ / ١٩٧ وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٥٢، غاية المنتهى: ١ / ٦١ . - ٤٣٤ _ به ، جاز. وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيم احتياطاً للعبادة . ودليلهم قوله عز وجل : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد ، فما لاغبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه ، ولأنه طهارة ، فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة ، كمسح الرأس ، ولقوله عَ اله: ((جعل لي التراب طهوراً))(١) . وذكر الحنابلة : أنه لو وجد ثلجاً وتعذر تذويبه ، لزمه مسح أعضائه ، الواجب غسلها به، لقوله ◌َ ◌ّ: ((إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم))، ويعيد الصلاة ، إن لم يجر على الأعضاء بالمس ؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة ، بلاطهارة كاملة ، كما لوصلى بلاتيم ، مع وجود طين يابس عنده ، لعدم مایدقه به ، لیصیر له غبار . وإن كان الثلج يسيل على الأعضاء ، لم يعد الصلاة ، لوجود الغسل المأمور به ، وإن كان خفيفاً . هذا وقد اعتبر الشافعية : نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيم الخمسة عندهم(٢) ، فلو نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو التيم ، كفى في الأصح ، لوجود مسمى النقل . ولو كان على العضو تراب ، فردده عليه من جانب إلى جانب ، لم يكف ولم يجز . ويظهر لي أن رأي الشافعية والحنابلة أقوى ، لقوله تعالى: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً﴾ . (١) رواه الشافعي وأحمد من حديث علي، وهو حديث حسن. وقال ابن عباس: ((الصعيد : تراب الحرث ، والطيب الطاهر)). (٢) وبقية الأركان هي: نية استباحة الصلاة ، ومسح الوجه ، ومسح اليدين إلى المرفقين ، والترتيب بين الوجه واليدين . - ٤٣٥ - المطلب الرابع - كيفية التيمم : للفقهاء رأيان في كيفية التيم : ١ - رأي الحنفية والشافعية(١): التيم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ، بدليل الحديث المتقدم ، وهو ماروى أبو أمامة وابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي مُ اله قال: ((التيم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين )) (٢) ولأن اليد عضو في التيم ، فوجب استيعابه كالوجه . وأما حديث عمار رضي الله عنه الدال على الاكتفاء بالكفين ، فيتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين ، بدلیل حديث أبي أمامة وابن عمر . وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع ؛ لأن التيم بدل عن الوضوء ، فيكون محله أعضاء الوضوء المنصوص على وجوب التيم فيها . ٢ - رأي المالكية والحنابلة(٣): التيم الواجب: ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن أصابعه ، ثم كفيه براحتيه ، لحديث عمار: أن النبي عَ اقلّ قال في التيم : ((ضربة واحدة للوجه واليدين))(٤)، ولأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع 5 بدليل السرقة . والأكمل عندهم خروجاً من خلاف من أوجبه : ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين ، وكيفية المسح : أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى (١) البدائع: ١ / ٤٦، تبيين الحقائق: ١ / ٣٨، المهذب: ١ / ٣٢. (٢) وروي أيضاً من حديث جابر عند الحاكم والدارقطني ، ومن حديث عائشة عند البزار لكن في هذه الروايات طعن وضعف ( نصب الراية: ١ / ١٥٠ وما بعدها ) . (٣) الشرح الصغير: ١ / ١٩٤، ١٩٨، القوانين الفقهية: ص ٣٨، المغني: ١ / ٢٤٤، ٢٥٤، كشاف القناع: / ٢٠٠ ، ٢٠٥. (٤) رواه أحمد والأئمة الستة بإسناد صحيح (نصب الراية: ١ / ١٥٤). - ٤٣٦ - المرفق ، ثم باطن المرفق إلى الكوع ( الرسغ ) ، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك ، وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب . واتفق الفقهاء على أنه إن تيم بأكثر من ضربتين ، جاز أيضاً ؛ لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض ، فكيفما حصل جاز ، كالوضوء . المطلب الخامس - شروط التيم : اشترط الحنفية لصحة التيم ثمانية شروط ، والشافعية شرطوا عشرة ، والمالكية والحنابلة شرطوا شرطين . وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة ، وقد تكون نفس الأسباب السابقة . أما المالكية ففسروا الشروط بالأسباب وقالوا (١): يشترط لجواز التيم في الجملة شرطان : عدم الماء ، أو تعذر استعماله . وأما تفصيلاً فهي مايلي : عدم الماء في السفر ، والمرض ، وفي الحضر : أن يجد من الماء مالا يكفيه ، وعدم الآلة الموصلة إلى الماء كالدلو أو الرشاء ( الحبل ) ، وأن يخاف العطش على نفسه أو على غيره من آدمي أو بهيمة ، وأن يخاف إن خرج إلى الماء لصوصاً أو سباعاً ، وأن يجد الماء غالياً يجحف به شراؤه ، وأن يخاف فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره ، أو استعمله ، وأن يخاف الموت من البرد ، أو حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء ، أو يكون مريضاً لا يجد من يناوله الماء ، أو يكون قد استوعبت الجراح أو القروح أكثر جسد الجنب ، أو أعضاء الوضوء من المحدث . ويلاحظ أن هذه الحالات هي أسباب للتيم ، والذي يمكن جعله شرطاً عند (١) القوانين الفقهية: ص ٣٧ . - ٤٣٧ - المالكية : اثنان : فعله بعد دخول الوقت ، وطلب الماء . أما عند الحنابلة فشرطا التيم هما : دخول وقت مايتيم له ، والعجز عن استعمال الماء . يتبين مما ذكر أن شروط التيم هي ما يأتي : الشرط الأول - الصعيد الطاهر : فلا يصح التيم بغير صعيد الأرض ( التراب عند الشافعية والحنابلة ، وكل ما كان من جنس الأرض عند الحنفية والمالكية ) ، ولا بالصعيد المتنجس ، لقوله تعالى: ﴿ فتيموا صعيداً طيباً ﴾ . وهذا شرط لصحة التيم عند الجمهور ، فرض عند المالكية ، كما بينا في فروض التيم . وأضاف الحنابلة : أن يكون التراب مباحاً ، فلو تيم بمغصوب أو بتراب مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم يجز . الشرط الثاني - کون التيم بعد دخول الوقت : أي وقت مایتیم له . وهذا شرط عند الجمهور ، وليس بشرط عند الحنفية ، كما بينا في بحث صفة التيم . الشرط الثالث - طلب الماء : يشترط لجواز التيم باتفاق المذاهب الأربعة طلب الماء مالم يتيقن عدم وجوده ؛ لأنه لا يسمى فاقد الماء ( أو غير واجده أو عادمه ) إلا إذا طلب الماء ، فلم يجده . لكن الفقهاء اختلفوا في تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها ، وقد أشرنا إليها سابقاً في بحث أسباب التيم ، ونذكرها هنا تفصيلاً : ١ - مذهب الحنفية(١): على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيم مطلقاً، سواء ظن قربه أو لم يظن ، أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيم ، فليس (١) البدائع: ١ / ٤٦ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٨٤، ٩٨، الدر المختار: ١ / ٢٢٧ وما بعدها ، اللباب : ١ / ٣٦ . ٨ - ٤٣٨ - عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء ؛ لأن الغالب عدم الماء في الفلوات . وإن غلب على ظنه وجود الماء ، لم يجز له التيم حتى يطلبه بنفسه أو برسوله ، بمقدار غَلْوة سهم من كل جانب ، ولا يبلغ ميلاً(١)، وظاهره أنه لا يلزمه المشي ، بل يكفيه النظر في الجهات الأربع ، وذلك لئلا ينقطع عن رفقته ، ودفعاً للحرج عن نفسه ، لقوله تعالى إثرآية التيم : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج، ولكن يريد ليطهركم﴾ ولاحرج فيما دون الميل ، قال الكاساني : أقرب الأقاويل اعتبار الميل ؛ لأن الجواز لدفع الحرج ، ثم قال : والأصح أنه يطلب قدر مالا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار . فإن قصر في طلب الماء ، وصلى ولم يطلبه ، وجبت عليه الإعادة عند أبي حنيفة ومحمد . وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيم ، لعدم المنع غالباً ، فإن منعه منه تيم لتحقق العجز. لكن لو تيم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله ؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير . وقال الصاحبان : لا يجزيه ؛ لأن الماء مبذول عادة . ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل ، وعنده ثمنه ، لا يجزئه التيم ، لتحقق القدرة ، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش(٢). وإن لم يغلب على ظنه قرب الماء لا يجب طلبه ، بل يندب إن رجا وجود الماء . (١) الغلوة: مقدار رمية سهم، وهي أربعمائة ذراع، أو ١٨٤,٨ م. والميل في اللغة: منتهى مد البصر، والمراد به ههنا : أربعة آلاف خطوة ، أو ثلث فرسخ ، أو ١٨٤٨ م . (٢) قال أبو حنيفة : إن كان لا يبيع إلا بضعف القيمة فهو غالٍ ، وقيل: هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين . - ٤٣٩ - وإن کان بينه وبين الماء ميل فأكثر ، تيم . ٢ - مذهب المالكية(١): إن تحقق عدم الماء فلا يلزمه طلبه. وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده ، لزمه طلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه بالفعل ، وهو على أقل من ميلين . كما يلزمه طلبه من رُفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم إعطاءهم ، فإن لم يطلب منهم وتيهم ، ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئاً ، أعاد الصلاة أبداً إن اعتقد أو ظن الإعطاء ، وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم . ويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له ، نقداً أو ديناً في الذمة ، فإن زاد على الثمن المعتاد ، ولو درهماً على الراجح ، في ذلك المحل وماقاربه ، فلا يلزمه الشراء . ٣ - مذهب الشافعية(٢): إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله ، تيم بلا طلب . وإن توهم الماء ( وقع في وهمه أي ذهنه أي جوز ذلك ) ، طلبه من رحله ورُفْقته، ونظر حواليه إن كان بمستو من الأرض ، فإن احتاج إلى تردد ، تردد في الجهات الأربعة قدر نظره في المستوي ، إن أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقه ، بمقدار حد الغوث ، وهو غلوة سهم ، فإن لم يجد ماء تيم . ولو مكث في موضعه فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ . وإن تيقن الماء في محل ، طلبه في حد القُرْب : وهو ستة آلاف خطوة . ويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادراً عليه بنقد أو غيره ، ولم يحتج إليه ، وثمن المثل : هو على الأصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة . (١) الشرح الكبير: ١ / ١٥٣. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٨٧ - ٩٠ . - ٤٤٠ -