Indexed OCR Text

Pages 341-360

لأن المسح ثبت بخلاف القياس ، فلا يلحق به غيره .
وقال الحنابلة(١): من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة ، ثم أحدث وتوضأ،
جاز له المسح على العمامة أي عمامة الذكور، لقول عمرو بن أمية الضَّْري :
((رأيت رسول الله مَط ◌ِّ يمسح على عمامته وخفيه)) (٢)، وقال المغيرة بن شعبة:
((توضأ رسول الله عَ الم ومسح على الخفين، والعمامة))(٣)، وعن بلال قال:
((مسح رسول الله مؤ ثّ على الخفين والخمار))(٤) ، وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو
أمامة. روى الخلال عن عمر: ((من لم يطهره المسح على العمامة ، فلا طهره
الله)).
والواجب مسح أكثر العمامة ، لأنها بدل كالخف ، وتمسح دوائرها دون وسطها
لأنه يشبه أسفل الخف ، ولا يجب أن يمسح معها ما جرت العادة بكشفه ؛ لأن
العمامة نابت عن الرأس ، فانتقل الفرض إليها ، وتعلق الحكم بها . ولا يجوز المسح
على القلنسوة .
ويصح المسح على العمامة بشروط :
علاـ
١ - إذا كانت مباحة بألا تكون محرمة كمغصوبة أو حرير.
٢ - أن تكون محنّكة: وهي التي يدار منها تحت الحنك كَوْر، أو كَوران ،
سواء أكان لها ذؤابة أم لا ؛ لأنها عمامة العرب ، ويشق نزعها ، وهي أكثر ستراً .
= تلبسه النساء ، ويتخذه الصياد من جلد أو لبد، اتقاء مخالب الصقر. والقَلَنسُوة: لباس للرأس مختلف الأنواع
والأشكال ، والبُرْقُع : النقاب الذي تضعه نساء الأعراب على وجوههن .
(١) كشاف القناع: ١٢٦/١ وما بعدها، ١٣٤ وما بعدها، المغني: ٣٠٠/١ - ٣٠٤
(٢) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه
(٣) رواه مسلم ، والترمذي وصححه .
(٤) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود. وفي رواية لأحمد: أن النبي ◌َّم قال: ((امسحوا على الخفين والخمار))
( نيل الأوطار : ١٦٤/١ )
- ٣٤١ -

أو تكون ذات ذؤابة : وهي طرف العمامة المرخي ؛ لأن إرخاء الذؤابة من
السنة ، قال ابن عمر: ((عمَّ النبي ◌ُ ◌ّ عبد الرحمن بعمامة سوداء، وأرخاها من
خلفه ، قدر أربع أصابع )) . فلا يجوز المسح على العمامة الصماء ، لأنها لم تكن
عمامة المسلمين ، ولا يشق نزعها ، فهي كالطاقية .
٣ - أن تكون لذكر، لا أنثى ؛ لأنها منهية عن التشبه بالرجال ، فلا تمسح
أنثى على عمامة ، ولو لبستها لضرورة برد وغيره .
٤ - أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه ، كمقدم الرأس والأذنين وجوانب
الرأس .
وقال المالكية(١): يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر، ولم يقدر على
مسح ما تحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة . فإن قدر على مسح بعض الرأس ،
أتى به وكمل على العمامة .
وقال الشافعية : لا يجوز الاقتصار على مسح العمامة ، لحديث أنس
السابق: ((رأيت رسول الله صَ لّ يتوضأ، وعليه عمامة قِطْرية (من صنع
قَطَر) ، فأدخل يده تحت العمامة ، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة))(٢) ؛
ولأن الله فرض المسح على الرأس ، والحديث في العمامة محتمل التأويل ، فلا يترك
المتيقن للمحتمل ، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس .
قال الشوكاني(٢) : والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط ، وعلى العمامة
فقط ، وعلى الرأس والعمامة ، والكل صحيح ثابت ، فقصر الإجزاء على بعض
ماورد لغير موجب ، ليس من دأب المنصفين .
(١) الشرح الكبير: ١٦٣/١، الشرح الصغير: ٢٠٣/١ وما بعدها .
(٢) رواه أبو داود ، قال الحافظ ابن حجر: في إسناده نظر ( نيل الأوطار: ١٥٧/١)
(٣) نيل الأوطار: ١٦٦/١ .
- ٣٤٢ -

سابعاً - المسح على الجوارب :
اتفق الفقهاء على جواز المسح على الجوربين(١) إذا كانا مجلدين أو منعلين(٢)،
واختلفوا في الجوربين العاديين على اتجاهين :
اتجاه يمثله جماعة : وهم أبو حنيفة والمالكية والشافعية : لا يجوز، واتجاه
آخر يمثله الحنابلة ، والصاحبان من الحنفية وعلى رأيهما الفتوى : يجوز .
وهذه آراء المذاهب(٣):
قال أبو حنيفة : لا يجوز المسح على الجوربين ، إلا أن يكونا مجلدين أو
منعلين ، لأن الجورب ليس في معنى الخف ؛ لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه ، إلا
إذا كان منعلاً ، وهو محمل الحديث المجيز للمسح على الجورب .
والمجلد : هو الذي وضع الجلد أعلاه وأسفله .
إلا أنه رجع إلى قول الصاحبين في آخر عمره ، ومسح على جوربيه في
مرضه ، وقال لعواده : فعلت ماكنت أمنع الناس عنه ، فاستدلوا به على
رجوعه . وقال الصاحبان ، وعلى رأيهما الفتوى في المذهب الحنفي : يجوز المسح
على الجوربين إذا كانا ثخينين ، لا يشفان ( لا يرى ما وراءهما)؛ لأن النبي عَ ائع
(١) الجورب : لفافة الرجل، قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدفء. وقال في شرح المنتهى عند
الحنابلة : ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل ، على هيئة الخف من غير الجلد ، أي سواء أكان مصنوعاً من صوف أو
قطن أو شعر أو جوخ أو كتان .
(٢) يقال أنعلت خفي ودابتي ، ونعَلت بالتشديد ، والخفان منعلان بسكون النون ، أو منعلان بتشديد العين
وفتح النون .
(٣) الدر المختار: ٢٤٨/١ وما بعدها، فتح القدير: ١٠٨/١ وما بعدها، البدائع: ١٠/١، مراقي الفلاح:
ص٢١ ، بداية المجتهد: ١٩/١، الشرح الصغير: ١٥٣/١، الشرح الكبير: ١٤١/١، مغني المحتاج: ٦٦/١، المجموع :
٥٣٩/١ وما بعدها، المهذب: ٢١/١، المغني: ٢٩٥/١، كشاف القناع: ١٢٤/١، ١٣٠.
- ٣٤٣ -

مسح على جوربيه(١) ، ولأنه يمكن المشي فيه إذا كان تخيناً ، كجوارب الصوف
اليوم . وبه تبين أن المفتى به عند الحنفية : جواز المسح على الجوربين الثخينين ،
بحيث يمشي عليهما فرسخاً فأكثر، ويثبت على الساق بنفسه ، ولا يرى ما تحته
ولا يشف . واشترط المالكية كأبي حنيفة : أن يكون الجوربان مجلّدين ظاهرهما
وباطنها ، حتى يمكن المشي فيهما عادة ، فيصيرا مثل الخف . وهو محمل أحاديث
المسح على الجوربين .
وأجاز الشافعية المسح على الجورب بشرطين :
أحدهما - أن يكون صفيقاً لا يشف بحيث يمكن متابعة المشي عليه .
والثاني - أن يكون منعلاً،
فإن اختل أحد الشرطين لم يجز المسح عليه ، لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه
حينئذ كالخرقة. قال البيهقي عن حديث المغيرة ((أن النبي مع قّ مسح على
جوربيه ونعليه )» : إنه ضعيف ، وضعف المحدثون حديثي أبي موسى وبلال .
وأباح الحنابلة المسح على الجورب بالشرطين المذكورين في الخف وهما :
الأول - أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم .
الثاني - أن يمكن متابعة المشي فيه ، وأن يثبت بنفسه .
بدليل ما روي من إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة : علي
وعمار، وابن مسعود ، وأنس ، وابن عمر ، والبراء ، وبلال ، وابن أبي أوفى ،
(١) روي من حديث المغيرة بن شعبة عند أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح ،
ومن حديث أبي موسى عند ابن ماجه والطبراني ، ومن حديث بلال عند الطبراني ، وفي الأخيرين ضعف ( نصب
الراية : ١٨٤/١ وما بعدها ) .
- ٣٤٤ _

وسهل بن سعد . وبه قال جماعة من مشاهير التابعين كعطاء والحسن البصري
وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والثوري .
وثبت في السنة النبوية المسح على الجوربين منها :
حديث المغيرة: ((أن رسول الله مع تل توضأ، ومسح على الجوربين
والنعلين ))(١) .
وحديث بلال: ((رأيت رسول الله مَ ◌ّ يمسح على المُوقَين والخمار))(٢).
والراجح رأي الحنابلة لاستناده لفعل الصحابة والتابعين ، ولما ثبت عن النبي
عَ ◌ٍّ في حديث المغيرة . وهو الرأي المفتى به عند الحنفية .
ويمسح على الجوربين إلى خلعهما مدة يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام
للمسافر ، ويجب عند الحنابلة أن يمسح على الجوربين ، وعلى سيور النعلين ، قدر
الواجب .
الله تعالي
ثامناً - المسح على الجبائر :
معنى الجبيرة ، مشروعية المسح عليها ، حكمه ، شرائط جواز المسح على
الجبيرة ، القدر المطلوب مسحه ، هل يجمع بين المسح والتيم ؟ هل تجب إعادة
الصلاة بعده ؟ نواقض المسح على الجبيرة ، الفوارق بينه وبين المسح على الخفين .
معنى الجبيرة : الجبيرة والجبارة : خشب أو قصب يسوّى ويشد على
(١) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري، وليس بالمتصل
ولا بالقوي ( نيل الأوطار: ١٧٩/١) ويلاحظ أن الزيلعي ذكر النسائي من رواة حديث المغيرة ، ولكن ابن تيمية في
منتقى الأخبار استثنى النسائي .
(٢) رواه أحمد والترمذي والطبراني ، والموق : الذي يلبس فوق الخف ، أو الخف المقطوع الساقين . والخمار:
العمامة، أو النصيف في رواية سعيد بن منصور عن بلال: ((امسحوا على النصيف والخمار)) ( المرجع السابق ) .
- ٣٤٥ _

موضع الكسر أو الخلع لينجبر(١). وفي معناها: جبر الكسور بالجبْس ، وفي
حكمها : عصابة الجراحة ولو بالرأس ، وموضع الفصد (٢) والكي ، وخرقة القرحة ،
ونحو ذلك من مواضع العمليات الجراحية . قال ابن جزي المالكي : الجبائر : هي
التي تشد على الجراح والقروح والفصادة(٣) .
مشروعية المسح على الجبيرة : المسح على الجبائر جائز شرعاً بالسنة
والمعقول .
أما السنة : فأحاديث منها: حديث علي بن أبي طالب، قال: ((انكسرت
إحدى زندي، فسألت النبي ◌ُ ◌ّ، فأمرني أن أمسح على الجبائر))(٤).
ومنها حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ ( كسر) فاغتسل ، فمات ، فقال
النبي ◌َ ◌ّ: ((إنما كان يكفيه أن يتيم، ويَعْصِب على جُرْحه خِرْقة، ثم يمسح
عليها ، ويغسل سائر جسده))(٥) .
وأما المعقول: فهو أن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر ؛ لأن في نزعها
حرجاً وضرراً . قال المرغيناني في الهداية : إن الحرج فيه فوق الحرج في نزع
الخف ، فكان أولى بشرع المسح(٦).
(١) مغني المحتاج: ٩٤/١، وعرفها ابن قدامة في المغني: ٢٧٧/١: ما يعد لوضعه على الكسر لينجبر.
(٢) يقال : فصد المريضّ : أخرج مقداراً من دم وريده بقصد العلاج .
(٣) القوانين الفقهية : ص٣٩ .
(٤) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي بسند واه جداً (نصب الراية: ١٨٦/١ وما بعدها، سبل السلام:
٩٩/١) .
(٥) رواه أبو داود بسند ضعيف . وقال البيهقي: هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب ، مع اختلاف في
إسناده ( نصب الراية: ١٨٧/١، سبل السلام: ٩٩/١) قال الشوكاني ( نيل الأوطار: ٢٥٨/١): وقد تعاضدت طرق
حديث جابر، فصلح للاحتجاج به على المطلوب ، وقوي بحديث علي ، ولكن حديث جابر قد دل على الجمع بين
الغسل والمسح والتيم .
(٦) فتح القدير : ١٠٩/١
- ٣٤٦ _

حكمه - هل المسح على الجبيرة واجب أم سنة ؟
قال أبو حنيفة وصاحباه(١) في الأصح وعليه الفتوى: المسح على الجبائر
واجب ؛ وليس بفرض ، لكن قال أبو حنيفة : وإذا كان المسح على الجبيرة يضره
سقط عنه المسح ؛ لأن الغسل يسقط بالعذر ، فالمسح أولى . ودليل الوجوب : أن
الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ، وحديث علي - المتقدم - من أخبار
الآحاد ، فلا تثبت الفرضية به . وبه يظهر أن الإمام وصاحبيه اتفقوا على
الوجوب بمعنى عدم جواز الترك ، لكن عنده يأثم بتركه فقط مع صحة الصلاة
بدونه ، ووجوب إعادتها ، فهو يريد الوجوب الأدنى ، وعندهما : لا تصح الصلاة
بدونه فهما أرادا الوجوب الأعلى .
وقال الجمهور ( المالكية والشافعية والحنابلة)(٢): المسح على الجبائر بماء
واجب أي فرض استعمالاً للماء ما أمكن ، وقياساً على الخفين بجامع الضرورة
وبطريق الأولى ، وللأمر به في حديث علي - مع ضعفه -: ((امسح على
الجبائر)) والأمر للوجوب .
ولا يجوز اتفاقاً المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الأخرى الصحيحة ،
وإنما يجمع بين المسح والغسل .
شرائط المسح على الجبيرة : يشترط لجوازه ما يأتي (٣):
(١) البدائع: ١٣/١ وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: ٢٥٧/١. وهذا هو التحقيق خلافاً لما ذكر في
البدائع : أن المسح عند أبي حنيفة مستحب لا واجب ، وعند الصاحبين : واجب .
(٢) الشرح الصغير: ٢٠٢/١ ، الشرح الكبير: ١٦٣/١، مغني المحتاج: ٩٤/١ وما بعدها ، بجيرمي الخطيب:
٢٦٢/١ - ٢٦٥، المغني: ٢٨٦/١، كشاف القناع: ١٢٧/١ وما بعدها، ١٣٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص٣٩ ،
المهذب : ٣٧/١ .
(٣) البدائع: ١٣/١، الدر المختار: ٢٥٨/١ ، المراجع السابقة .
- ٣٤٧ -

اً - ألا يمكن نزع الجبيرة ، أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث
مرض ، أو زيادته ، أو تأخر البرء كما في التيم . قال المالكية: يجب المسح إن
خيف هلاك أو شدة ضرر أو أذى ، كتعطيل منفعة من ذهاب سمع أو بصر مثلاً ،
ويجوز إن خيف شدة الألم أو تأخره بلا شين ، أو رمد أو دمل أو نحوها .
وذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الأصغر ، أو في
الجسد في حالة الحدث الأكبر .
٢ - ألا يمكن غسل أو مسح نفس الموضع بسبب الضرر، فإن قدر عليه فلا
مسح على الجبيرة ، وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها ، ولا يجزئه
المسح على الجبيرة ، وإن لم يستطع مسح على الجبيرة . قال المالكية : والأرمد
الذي لا يستطيع المسح على عينه أو جبهته إن خاف الضرر ، يضع خرقة على
العين أو الجبهة ويمسح عليها . وقال الحنفية : يترك المسح كالغسل إن ضر، وإلا
لا يترك .
وقال الشافعية : لا يمسح على محل المرض بالماء ، وإنما يغسل الجزء الصحيح
ويتيم عن الجزء العليل ، ويمسح على الجبيرة إن وجدت .
٣ - ألا تتجاوز الجبيرة محل الحاجة، فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة: وهو
مالا بد منه للاستمساك ، وجب نزعها ، ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر لأنها
طهارة ضرورة ، فتقدر بقدرها ، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً ، تيم الزائد
على قدر الحاجة ، ومسح ما حاذى محل الحاجة ، وغسل ما سوى ذلك ، فيجمع
إذن بين الغسل والمسح والتيم ، ولا يجب مسح موضع العلة بالماء ، وإن لم يخف
منه ، لأن الواجب إنما هو الغسل ، لكن يستحب المسح ، ولا يجب عليه وضع
ساتر على العليل ليمسح على الساتر ؛ لأن المسح رخصة ؛ فلا يليق بها وجوب
المسح .
- ٣٤٨ -

وهذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة . وأوجب الشافعية أيضاً التيم مطلقاً كما
سيأتي .
وقال الحنفية عملاً بما ذكر الحسن بن زياد : إن كان حل الخرقة ، وغسل
ما تحتها من حوالي الجراحة ، مما يضر بالجرح ، يجوز المسح على الخرقة الزائدة ،
ويقوم المسح عليها مقام غسل ما تحتها ، كالمسح على الخرقة التي تلاصق
الجراحة . وإن كان ذلك لا يضر بها ، لا يجوز المسح إلا على نفس الجراحة ،
ولا يجوز على الجبيرة ؛ لأن الجواز على الجبيرة للعذر، ولا عذر. وهذا هو المقرر
أيضاً عند المالكية ، وبه يتبين أن الحنفية والمالكية لم يفرقوا بين ما إذا كانت
الجبيرة قدر المحل المألوم أو زادت عنه للضرورة .
٤ - أن توضع الجبيرة على طهارة مائية : وإلا وجبت إعادة الصلاة : هذا
شرط عند الشافعية والحنابلة ؛ لأن المسح على الجبيرة أولى من المسح على الخف ،
للضرورة فيها ، ويشترط لبس الخف على طهارة ( وضوء أو غسل ) . ولا تعاد
الصلاة إن كانت الجبيرة بقدر الاستمساك ، ووضعت على طهر ، وغسل الصحيح ،
وتيم عن الجريح ، ومسح على الجبيرة . ولو شد الجبيرة على غير طهارة ، نزعها
إن لم يتضرر، ليغسل ما تحتها ، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً ، تيم لغسل
ما تحتها ، ولو عمت الجبيرة فرض التيم ( الوجه واليدين ) كفى مسحها بالماء
عند الحنابلة ، وسقط التيم ، ويعيد الصلاة عند الشافعية لأنه كفاقد
الطهورين .
ولم يشترط الحنفية والمالكية : وضع الجبيرة على طهارة ، فسواء وضعها وهو
متطهر أو بلا طهر، جاز المسح عليها ولا يعيد الصلاة إذا صح ، دفعاً للحرج .
وهذا هو المعقول ؛ لأنه يغلب في وضعها عنصر المفاجأة ، فاشتراط الطهارة وقتئذ
فيه حرج وعسر .
- ٣٤٩ -

٥ - ألا يكون الجبر بمغصوب ، ولا بحرير محرم على الذكر، ولا بنجس
كجلد الميتة والخرقة النجسة ، فيكون المسح حينئذ باطلاً ، وتبطل الصلاة
أيضاً . وهذا شرط عند الحنابلة .
القدر المطلوب مسحه على الجبيرة :
المفتى به عند الحنفية(١): أنه يكفي مسح أكثر الجبيرة مرة ، فلا يشترط
استيعاب وتكرار، ونية اتفاقاً ، كما لا تطلب النية في مسح الخف والرأس أو
العمامة ، والفرق بينه وبين مسح الرأس والمسح على الخفين ، حيث لا يشترط
فيها مسح الأكثر، وإنما يكفي مقدار ثلاث أصابع: أن مسح الرأس شرع
بالقرآن بواسطة حرف الباء الذي اقتضى تبعيضه ، والمسح على الخفين : إن ثبت
بالقرآن بقراءة الجر: ((وأرجلكم)) فحكمه حكم المعطوف عليه ، وإن ثبت بالسنة ،
فهي أوجبت مسح البعض . أما المسح على الجبائر : فإنما ثبت بحديث علي رضي
الله عنه، وليس فيه ما ينبئ عن البعض ، إلا أن القليل سقط اعتباره دفعاً
للحرج ، وأقيم الأكثر مقامه .
والواجب عند الجمهور ( المالكية والشافعية والحنابلة )(٢): مسح الجبيرة كلها
بالماء ، استعمالاً للماء ما أمكن ، ولأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها ، وما تحت
الجبيرة كان يجب استيعابه بالغسل ، فكذا المسح ، ولا ضرر في تعميها بالمسح ،
بخلاف الخف يشق تعميم جميعه ، ويتلفه المسح .
وأوضح المالكية والحنفية أن الواجب الأصلي هو غسل أو مسح المحل المجروح
مباشرة إن أمكن بلا ضرر ؛ فإن لم يستطع المسح عليه ، مسح جبيرة الجرح :
(١) الدر المختار: ٢٦٠/١، فتح القدير: ١٠٩/١، البدائع: ١٢/١.
(٢) الشرح الكبير: ١٦٣/١، الشرح الصغير: ٢٠٣/١، القوانين الفقهية: ص٣٩، المهذب: ٣٧/١ ، مغني
المحتاج: ٩٤/١ وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ٢٦٢/١، كشاف القناع: ١٢٨/١ وما بعدها، ١٣٥.
- ٣٥٠ _

وهي اللزقة التي فيها الدواء الذي يوضع على الجرح ونحوه ، أو على العين
الرمداء ؛ فإن لم يقدر على مسح الجبيرة أو تعذر حلها ، مسحت عصابته التي
تربط فوق الجبيرة ، ولو تعددت العصائب ، فإنه يمسح عليها . ولا يجزيه المسح
على ما فوق العصائب إن أمكنه المسح على ما تحتها أو مسح أسفلها .
ولا يقدر المسح بمدة ، بل له الاستدامة إلى الشفاء ( الاندمال ) ؛ لأنه لم يرد
فيه تأقيت ، ولأن الساتر لا ينزع للجنابة ، بخلاف الخف ، ولأن مسحها
للضرورة ، فيقدر بقدرها ، والضرورة قائمة إلى حلّها أو برء الجرح عند الجمهور،
وإلى البرء عند الحنفية .
ويمسح الجنب ونحوه متى شاء . ويمسح المحدث عند الشافعية والحنابلة وقت
غسل الجزء العليل ، عملاً بمبدأ الترتيب المطلوب عندهم ، وله تقديم التيم على
المسح والغسل وهو أولى .
ويجب مسح الساتر ، ولو كان به دم؛ لأنه يعفى عن ماء الطهارة (١) ،
ومسحه بدل عما أخذه من الجزء الصحيح . فلو لم يأخذ الساتر شيئاً ، أو أخذ
شيئاً وغسله ، لم يجب مسحه على المعتمد عند الشافعية .
وذكر الشافعية : أنه لو برأ وهو على طهارة ، بطل تيمه لزوال علته ،
ووجب غسل موضع العذر ، جنباً كان أو محدثاً ، ولا يجدد ( يستأنف ) الطهارة
كلها ، لأن بطلان بعضها لا يقتضي بطلان كلها ، ويجب على المحدث عندهم أن
يغسل مابعد موضع العذر ، رعاية للترتيب كما لو أغفل لمعة ، بخلاف الجنب
لا يغسل ما بعد موضع العذر، لعدم اشتراط الترتيب في الغسل ، باتفاق
الفقهاء .
(١) وعن الدم الذي عليه، وإن اختلط بماء المسح قصداً؛ لأنه ضروري ، وتتوقف صحة المسح عليه (بجيرمي
الخطيب ، المكان السابق ) .
- ٣٥١ -

هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم ؟
يرى الحنفية والمالكية(١): الاكتفاء بالمسح على الجبيرة ، فهو بدل لغسل
ما تحتها ، ولا يضم إليه التيم ؛ إذ لا يجمع بين طهارتين .
ويرى الشافعية في الأظهر(٢) : أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيم ،
فيغسل الجزء الصحيح ، ويمسح على الجبيرة ، ويتيم وجوباً ، لما روى أبو داود
والدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل ،
فدخل الماء شجته، فمات: أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((إنما كان يكفيه أن يتيم ،
ويعصب على رأسه خرقة ، ثم يمسح عليها ، ويغسل سائر جسده )) والتيم بدل
عن غسل العضو العليل ، ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الجزء
الصحيح ؛ لأن الغالب أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة . فلو كان الساتر
بقدر العلة فقط ، أو بأزيد وغسل الزائد كله ، لا يجب المسح .
ولو كان في بدنه جبائر كثيرة وأجنب وأراد الغسل ، كفاه تيم واحد عن
الجميع ؛ لأن بدنه كعضو واحد . وفي حالة الحدث الأصغر ( الوضوء ) يتعدد التيم
بعدد الأعضاء المريضة على الأصح ، كما يتعدد مسح الجبيرة بتعددها . وعليه : إن
كانت الجراحة في أعضاء الوضوء الأربعة ولم تعمها فلابد من ثلاثة تيمات : الأول
للوجه ، والثاني لليدين ، والثالث للرجلين ، أما الرأس فيكفى فيه مسح ما قل
منه ، فإن عمت الجراحة الرأس فأربعة تيمات . وإن عمت الأعضاء كلها فتيم
واحد عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل .
(١) الدر المختار: ٢٥٨/١، الشرح الكبير: ١٦٣/١، الشرح الصغير: ٢٠٢/١
(٢) مغني المحتاج: ٩٤/١، بجيرمي الخطيب: ٢٦٢/١ وما بعدها، حاشية الباجوري: ١٠١/١، المهذب:
٣٧/١ ٠
- ٣٥٢ -

وتوسط الحنابلة(١) فرأوا أنه يجزئ المسح على الجبيرة ، من غير تيم ، إذا لم
تجاوز الجبيرة قدر الحاجة ؛ لأنه مسح على حائل ، فأجزأ من غير تيم ، كمسح
الخف ، بل أولى ؛ إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف(٢).
ويمسح ويتيم إن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة ، أو خيف الضرر من نزعها ،
ويكون التيم للزائد على قدر الحاجة ، والمسح لما يحاذي محل الحاجة ، والغسل لما
سوى ذلك ، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيم . وإذا لم يكن على الجرح
عصاب ، يغسل الصحيح ويتيم للجرح . وهو في تقديري أولى الآراء . ويتعدد
التيم عندهم كما قرر الشافعية .
هل تجب إعادة الصلاة بعد البرء ؟
الذين لم يشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم المالكية والحنفية(١) ، ورأيهم
هو الحق ، لم يوجبوا إعادة الصلاة بعد الصحة من الجرح ، لإجماع العلماء على
جواز الصلاة ، وإذا جازت الصلاة ، لم تجب إعادتها .
أما الذين اشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم الشافعية والحنابلة (٤) ، فقد
أوجبوا إعادة الصلاة ، لفوات شرط الوضع على طهارة ؟
وتعاد الصلاة عند الشافعية في الأحوال الثلاثة التالية(٥) :
(١) كشاف القناع: ١٣٥/١ وما بعدها، المغني: ٢٧٩/١ وما بعدها
(٢) وفند الحنابلة حديث الشجة ، فقالوا : الاستدلال بقصه صاحب الشجة ضعيف بأنه يحتمل أن الواو فيه
بمعنى ((أو ))، ويحتمل أن التيم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة ( المرجع السابق )
(٣) القوانين الفقهية: ص٣٩، الدر المختار: ٢٥٨/١
. (٤) بجيرمي الخطيب: ٢٦٥/١، كشاف القناع: ١٣١/١
(٥) بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٦٥، حاشية الباجوري: ١ / ١٠٠، مغني المحتاج: ١ / ١٠٧، المهذب:
١/ ٣٧ ٠
الفقه الإسلامي جـ ١ (٢٣)
- ٣٥٣ -

١ - إذا كانت الجبيرة في أعضاء التيم ( الوجه واليدين) مطلقاً ، سواء على
طهر أو حدث .
٢ - إذا وضعت الجبيرة على غير طهر (حدث) سواء في أعضاء التيم أو في
غيرها .
٣ - إذا زادت الجبيرة على قدر الحاجة أو الاستمساك، مطلقاً، سواء على
طهر أو حدث .
ولا تعاد الصلاة عندهم في حالتين وهما :
١ - إذا كانت في غير أعضاء التيم ، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً، ولو على
حدث .
٢ - إذا كانت في غير أعضاء التيم ، ووضعها على طهر ، ولو زادت على قدر
الحاجة .
الله تعالى
نواقض المسح على الجبيرة :
يبطل المسح على الجبيرة في حالتين هما (١) :
اً - نزعها وسقوطها: قال الحنفية : يبطل المسح على الجبيرة إن سقطت عن
برء ، لزوال العذر ، وإن كان في الصلاة ، استأنف الصلاة بعد الوضوء الكامل ؛
لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل .
وإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح ؛ لأن العذر قائم ، والمسح عليها
(١) البدائع: ١ / ١٤، فتح القدير: ١ / ١١٠، اللباب: ١ / ٤٦، مراقي الفلاح: ص ٢٣ ، القوانين
الفقهية: ص ٣٩، الشرح الصغير: ١ / ٢٠٦، الشرح الكبير: ١ / ١٦٦، بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٦٢ ، كشاف
القناع : ١ / ١٣٦ - ١٣٧ .
- ٣٥٤ -

كالغَسْل لما تحتها مادام العذر قائماً : أي أن بطلان المسح على الجبيرة في الحقيقة
يكون بالبرء ، ويجوز تبديلها بغيرها ولا يجب إعادة المسح عليها ، والأفضل
إعادته .
وإذا رمد ، وأمره طبيب مسلم حاذق ألا يغسل عينه ، أو انكسر ظفره ، أو
حصل به داء ، وجعل عليه دواء ، جاز له المسح للضرورة ، وإن ضره المسح
تركه ؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها .
وقال المالكية : يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها ،
فإذا صح غسل الموضع على الفور، وإن لم يصح وبدَّلها للمداواة ، أعاد المسح ،
وإن سقطت الجبيرة وهو في الصلاة ، بطلت الصلاة ، وأعاد الجبيرة في محلها ،
وأعاد المسح عليها ، إن لم يطل الفاصل ، ثم ابتدأ صلاته ، لأن طهارة الموضع قد
انتقضت بظهوره .
ويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر ، الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة
أو العصابة أو العمامة ، ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسياناً ، وإلا ابتدأ
طهارة جديدة أي أعاد الوضوء .
وقال الشافعية : لو سقطت جبيرته في الصلاة ، بطلت صلاته ، سواء أكان
قد برئ ، أم لا ، كانقلاع الخف . وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضاً ، فإن لم
يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح عليها فقط .
وقال الحنابلة : زوال الجبيرة كالبرء ، ولو قبل برء الكسر أو الجرح ،
وبرؤها كخلع الخف ، يبطل المسح ؛ والطهارة والصلاة كلها ، وتستأنف من
جديد ، لأن مسحها بدل عن غسل ماتحتها ، إلا أنه في الطهارة الكبرى من
الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ماتحتها فقط . وفي الطهارة الصغرى
- ٣٥٥ _
1

( الوضوء ) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط ، وإن كان سقوطها عن غير برء ،
أعاد الوضوء والتيم .
وهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلان المسح على الجبيرة
بنزعها أو سقوطها .
اً - الحدث : يبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث. لكن إذا أحدث
صاحب الجبيرة يعيد عند الشافعية(١) ثلاثة أمور: يغسل الصحيح ، ويمسح على
الجبيرة ، ويتيم . فإن لم يحدث وأراد صلاة فرض آخر ، تيم فقط، ولم يعد غسلاً
ولا مسحاً ؛ لأن الواجب عندهم إعادة التيم لكل فريضة (٢).
أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة :
ذكر الحنفية فروقاً بين هذين النوعين من المسح ، هي سبعة وعشرون
وجهاً ، وأضاف ابن عابدين لها عشرة أخرى، أهمها ما يأتي (٣):
اً - المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام ، بل هو موقت بالبرء، أما المسح
على الخفين فهو بالشرع موقت بالأيام ، للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام
بلياليها .
(١) حاشية الباجوري: ١ / ١٠١.
(٢) ملاحظة ذكرها الشافعية عن حكم حمصة الكي : إن قام غيرها مقامها في مداواة الجرح ، لم يعف عنها ،
ولاتصح الصلاة مع حملها . وإن لم يقم غيرها مقامها ، صحت الصلاة معها ، ولا يضر انتفاخها في المحل ، مادامت
الحاجة داعية إليها ، وبعد انتهاء الحاجة ، يجب نزعها ، فإن تركه بلا عذر، ضر، ولاتصح صلاته ( بجيرمي
الخطيب: ١ / ٢٦٥) وقال الحنفية: ينقض الوضوء بالدم الخارج من محل كي الحمصة إن سال عن محله وذلك بمجرد
ابتلال الرباط ( رد المحتار: ١ / ١٢٩ ) .
(٣) البدائع: ١ / ١٤ ومابعدها، فتح القدير وحاشية العناية: ١ / ١٠٩ ومابعدها، الدر المختار وحاشية ابن
عابدين : ١ / ٢٥٩ - ٢٦٠ .
- ٣٥٦ -

اً - لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، فيجوز المسح عليها للمحدث .
وتشترط الطهارة للبس الخفين ، فلا يجوز المسح عليهما للمحدث .
اً - إذا سقطت الجبائر لاعن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين أو أحدهما
يوجب انتقاض المسح .
٤ - المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة ، فإن لم يضره
فلا يمسح على الجبائر. أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل
الرجلين .
٥ - المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين . أما المسح على
الخفين فمحصور في الرجلين
وتعرف بقية الفروق من طبيعة كلا النوعين وشروطهما .
وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين ، وافقوا الحنفية في
الفرق الأول والثاني والرابع ، أما الفرقان الآخران فهما : أنه يمسح على الجبيرة في
الطهارة الكبرى ؛ لأن الضرر يلحق بنزعها فيها ، بخلاف الخف ، ويجب عندهم
استيعابها بالمسح لأنه لاضرر في تعميها ، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه
ويتلفه المسح(١).
(١) المغني: ١ / ٢٧٨.
- ٣٥٧ -

الفصل الخامس
الغسل
خصائصه ، موجباته ، فرائضه ، سننه ، مكروهاته ، ما يحرم على الجنب ،
الأغسال المسنونة . ملحقان به : الأول - في أحكام المساجد ، والثاني - في أحكام
الحمامات .
المطلب الأول - خصائص الغسل :
الغسل المراد هنا بضم الغين أو فتحها : هو فعل الاغتسال ، أو الماء الذي
يغتسل به . وهو لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً. والغسل بكسر الغين :
ما يغسل به الشيء من أشنان وصابون ونحوه .
والغسل شرعاً: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (١).
وعرفه الشافعية بأنه : سيلان الماء على جميع البدن مع النية (٢) .
وعرفه المالكية بأنه : إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع
الدلك(٣).
والأصل في مشروعيته : قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾
(١) كشاف القناع: ١ / ١٥٨.
(٢) مغني المحتاج : ١ / ٦٨.
(٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ١ / ١٦٠.
- ٣٥٨ -

وهو أمر بتطهير جميع البدن ، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين
خارج عن الإرادة ، لما في غسلهما من الضرر والأذى .
والقصد منه التنظيف ، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط ؛ لأن عملية الجنابة
تؤثر في جميع أجزاء الجسد ، فتزال آثارها بالاغتسال .
وركنه : عموم ما أمكن من الجسد ، من غير حرج ، بالماء الطهور .
وسببه : إرادة ما لا يحل مع الجنابة ، أو وجوبه(١).
وحكمه : حل ما كان ممتنعاً قبله ، والثواب بفعله ، تقرباً إلى الله . أما الستر
للغسل : فيجوز أن ينكشف للغسل في خلوة ، أو بحضرة من يجوز له نظره إلى
عورته ، والستر أفضل، لقوله وَ لّ البَهْز بن حكيم: ((احفظ عورتك إلا من
زوجتك أو ماملكت يمينك ، قال : أرأيت إن كان أحدنا خالياً ؟ قال : الله
أحق أن يستحيا منه من الناس ))(٢) .
المطلب الثاني - مُوجبات الغسل :
تعالـ
يسمى ما يوجب الغسل ( حدثاً أكبر) ، كما يسمى ما يوجب الوضوء ( حدثاً
أصغر) . وموجبات الغسل على المكلف ( البالغ العاقل ) ذكراً أو أنثى عند الحنفية
سبعة أسباب ، وعند المالكية : أربعة ، وعند الشافعية خمسة ، وعند الحنابلة
ستة ، وهي ما يأتي (٣):
(١) مراقي الفلاح : ص ١٥ .
(٢) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده .
(٣) فتح القدير: ١ / ٤١ - ٤٤، الدر المختار: ١ / ١٤٨ - ١٥٦، مراقي الفلاح: ص ١٦، اللباب: ١ / ٢٢ ،
الشرح الصغير: ١ / ١٦٠ - ١٦٦، الشرح الكبير: ١ / ١٢٦ - ١٣٠، القوانين الفقهية: ص ٢٥ - ٣٠ ، بداية المجتهد:
١ / ٤٤ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٩ ومابعدها، مغني المحتاج: ١ / ٦٨ - ٧٠، المغني: ١ / ١٩٩ - ٢١١، كشاف
القناع: ١ / ١٥٨ _ ١٦٧ .
- ٣٥٩ -

١ - خروج المني :
أي بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة ، بلذة معتادة تدفقاً ، في
حال النوم أو اليقظة بنظر ، أو فكر في جماع ، أو بمباشرة فعلية ، لإنسان حي أو
ميت ، أو بهيمة . إلا أن الحنفية لم يوجبوا الغسل بوطء الميتة والبهيمة والصغيرة
غير المشتهاة .
والمني : هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة . ومني المرأة
رقيق أصفر ولاغسل للمذي والودي ، أما المذي : فهو رقيق أبيض مائل إلى
البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله . وأما الودي فهو الغليظ من البول يعقب
الرقيق منه .
ويعرف المني كما أبان الشافعية : بتدفقه ( بأن يخرج بدفعات ) ، أو لذة
بخروجه مع فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه ، وإن لم يتدفق لقلته ، أو خرج
على لون الدم ، كما يعرف أيضاً بشم ريح عجين حنطة إذا كان رطباً ، أو ريح
بياض بيض دجاج أو نحوه إذا كان جافاً ، وإن لم يلتذ منه ولم يتدفق ، كأن
خرج باقي منيه بعد غسله ، فيجب عليه إعادة الغسل . والخلاصة : أن خروج
المني ولو بحمل ثقيل أو سقوط من مكان مرتفع أو وجوده في الثوب مطلقاً:
موجب للغسل عند الشافعية ، سواء بشهوة أو غيرها ، خرج من طريقه المعتاد أو
من غيره كأن انكسر صلبه فخرج منيه ، إلا أنه إذا خرج من غير طريقه المعتاد
المرض فلا يجب الغسل به .
وقال الحنابلة : إذا خرج المني بغير اللذة أو الشهوة كمرض ، أو برد أو كسر
ظهر ، من غير نائم أو مجنون أو مغمى عليه أو سكران ، لم يوجب غسلاً . وعلى
هذا يكون نجساً يجب غسل المحل الذي أصابه ، كما أن سلس المني لاغسل عليه ،
- ٣٦٠ -