Indexed OCR Text
Pages 241-260
وأما المندوب أو المستحب: فهو مالم يواظب عليه النبي مع له. ويعرف هنا بآداب الوضوء . وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه . وأهم سنن الوضوء عند الحنفية : ثمانية عشر شيئاً ، وعند المالكية ثمانية ، وعند الشافعية حوالي ثلاثين ، إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب ، وعند الحنابلة : حوالي عشرين مطلوباً(١) . اً - النية سنة عند الحنفية ، ووقتها قبل الاستنجاء ، وكيفيتها : أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر . ومحلها القلب ، واستحب المشايخ النطق بها . وهي فرض عند الجمهور غير الحنفية ، كما بينا في بحث فرائض الوضوء . ٢ - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء ، سواء قام من النوم أم لم يقم؛ لأنها آلة التطهير، ولقول النبي ◌ّ له: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده ، قبل أن يدخلها في الإِناء ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده))(٢) وفي لفظ: (( حتى يغسلها ثلاثاً )) والأرجح الاكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء، والتثليث مستحب . وقال الحنابلة : يكون الغسل ثلاثاً ، سنة لغير المستيقظ من النوم ليلاً ، وواجباً على المستيقظ من نومه ليلاً . اً - التسمية في بدء الوضوء: بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم (١) البدائع: ١٨ - ٢٣، فتح القدير: ١٣ - ٢٣، الدر المختار: ١ / ١٠١ - ١١٤، مراقي الفلاح: ص ١٠ - ١٣، الشرح الصغير: ١ / ١١٧ - ١٢١، الشرح الكبير: ١ / ٩٦ - ١٠٤، بداية المجتهد: ١ / ٨ - ١٢، القوانين الفقهية: ص ٢٢ ، المهذب: ١ / ١٥ - ١٩، كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٢، المغني: ١ / ٩٦ - ١٤٣. (٢) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة ( نصب الراية: ١ / ٢) والرسغ : المفصل الذي بين الساعد والكف ، وبين الساق والقدم ، أو أنه مفصل الكف بين الكوع ( ما يلي الإبهام) والكرسوع ( ما يلي الخنصر) وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل . الفقه الإسلامي جـ١ (١٦) - ٢٤١ - مر الله ، والوارد عنه عليه السلام - فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن - باسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وقيل: الأفضل: (( بسم الله الرحمن الرحيم)) عملاً بحديث (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم : أقطع))(١) . وقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل ( آداب ) الوضوء . وأوجب الحنابلة التسمية عند الوضوء . ودليلها: قوله ◌َ اقال: ((لاصلاة لمن لاوضوء له، ولاوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ))(٢) وقوله عليه السلام من حديث سعيد بن زيد مثله(٢) ، وحديث أبي سعيد: ((لاوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه))(٤) . استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الأحاديث . وتأول الجمهور هذه الأحاديث بأنها واردة لنفي الكمال، لا نفي الصحة، كحديث ((لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد))(٥) وحديث (( ذكر الله على قلب المؤمن ، سمى أو لم يسمِ ))(٦) بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر(٢): ((من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه ، كان طهوراً لأعضاء (١) ذكره عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة ، وهو حديث ضعيف. (٢) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد ، عن أبي هريرة ( نصب الراية : ١ / ٣ ) . (٣) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم ، قال الإمام أحمد : حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا الباب ، وقال الترمذي والبخاري : حديث سعيد بن زيد أحسن . والجميع في أسانيدها مقال قريب ( نصب الراية : ١ / ٤، نيل الأوطار: ١ / ١٣٤). (٤) رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وضعفه غيره ( نصب الراية: ١ / ٤ ) . (٥) رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة ، وهو ضعيف ( الجامع الصغير، نيل الأوطار: ١ / ١٣٦). (٦) أخرجه الدارقطني، وفيه ضعيف ( نصب الراية: ٤ / ١٨٣، نيل الأوطار، المكان السابق ) . (٧) صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات: ((لاوضوء كاملاً )) وقد استدل به الرافعي ، قال ابن حجر: لم أره هكذا ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) . - ٢٤٢ - وضوئه))(١) ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس: ((توضوّوا بسم الله)) أي قائلين ذلك، وأكملها كالها ، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته ، الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً . وإنما لم تجب التسمية لآية الوضوء المبينة لواجباته . ٤ - المضمضة والاستنشاق: والمضمضة : هي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه ، أو استيعاب جميع الفم بالماء . والاستنشاق : إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه . ويلحق بها سنة الاستنثار : وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه ( السبابة والإبهام من يده اليسرى ) على أنفه ، كما يفعل في امتخاطه . وهي كلها سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم: (( مامنكم من أحد يقرب وضوءه ، ثم يتمضض ويستنشق ويستنثر، إلا خرَّت خطايا فيه ، وخياشيه مع الماء))(٢). وأما خبر ((تمضمضوا واستنشقوا)) فضعيف. وإنما لم يجبا فلآية الوضوء المبينة لواجباته . صفة وضوء رسول الله مع التّ في المضمضة والاستنشاق : وتسن المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : أنه دعا يإناء ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مرات ، فغسلهما ، ثم أدخل يمينه في الإناء ، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات ، ثم مسح برأسه ، ثم غسل رِجْليه ثلاث مرات إلى الكعبين . ثم قال : ((رأيت رسول الله مؤتمر توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وُضوئي (١) أخرجه الدارقطني والبيهقي ، وفيه متروك ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة وفيه ضعيفان، ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، وفيه متروك (نيل الأوطار: ١ / ١٣٥). (٢) معنى : خرت : سقطت وذهبت . - ٢٤٣ - هذا ، ثم صلى ركعتين، لا يُحدّث فيها نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه))(١) ولقوله عليه السلام فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة : ((عشر من الفطرة)) وذكر منها ((المضمضة والاستنشاق)) والفطرة: السنة، ولأن الفم والأنف عضوان باطنان ، فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين ، ولأن الوجه : ما تحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بها . واتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيها للمفطر غير الصائم، لقوله معد ◌ّة - في رواية صحح ابن القطان إسنادها - : ((إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق مالم تكن صائماً)) ولحديث لَقِيط بن صَبْرة: (( أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق ، إلا أن تكون صائماً))(٢) ولا تسن المبالغة للصائم ، بل تكره لخوف الإفطار. والمبالغة في المضمضة : أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات . ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك ، وفي الاستنشاق : أن يصعد الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم . ويسن إدارة الماء في الفم ومجه . ويسن الاستنثار للأمر به في خبر ابن عباس عن النبي مع فقال: ((استنثروا مرتين بالغتين ، أو ثلاثاً ))(٣) . وعبارة الحنفية في المضمضة والاستنشاق : وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمسة : الترتيب ، والتثليث ، وتجديد الماء ، وفعلهما باليمنى ، والمبالغة (١) نيل الأوطار: ١ / ١٣٩، ويؤيده حديث ضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ «المضمضة والاستنشاق سنة )» . (٢) صححه الترمذي وغيره ، ورواه الخمسة ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٥ ). (٣) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان: وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص ولم يذكره بضعف، وكذلك المنذري ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٦ ). - ٢٤٤ - فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن لغير الصائم ، لاحتمال الفساد أي الإفطار(١). وقال المالكية : يندب فعل المضمضة والاستنشاق ، بثلاث غرفات لكل منهما ، ومبالغة مفطر . وقال الشافعية : الأصح أن الترتيب فيها مستحق لامستحب ، عكس تقديم الينى على اليسرى . والأظهر كما قال النووي في المنهاج : تفضيل الجمع على الفصل بين المضمضة والاستنشاق ، بثلاث غرف ، يتمضمض من كلٍ ، ثم يستنشق ، أي أن الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للأخبار الصحيحة في ذلك(٣) . والمشهور في مذهب الحنابلة : أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعاً: الوضوء والغسل ، لأن غسل الوجه واجب فيها ، والفم والأنف من الوجه ، ولحديث عائشة: (( المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه))(٣) ، ولمداومته مّ عليهما في كل حديث ذكر فيه صفة وضوء رسول الله مَ لُ، مثل حديث عثمان السابق، وحديث علي: ((أنه دعا بوَضُوء ، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال : هذا طَهُور نبي الله عٍَّ)) (٤) وحديثي أبي هريرة: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر)) ((أمر رسول الله عَ لّ بالمضمضة والاستنشاق))(٥) . والحق : أن هذه الأحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والاستنشاق . وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة (١) الدر المختار: ١ / ١٠٨. (٢) مغني المحتاج : ١ / ٥٨ . (٣) رواه أبو بكر في الشافي بإسناده ، والدارقطني في سننه . (٤) رواه أحمد والنسائي عن علي رضي الله عنه (نيل الأوطار: ١ / ١٤٣). (٥) الحديث الأول متفق عليه ، والثاني رواه الدارقطني ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) . - ٢٤٥ _ والاستنشاق والاستنثار ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق ، مع صحة الأمر به ، إلا بكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد . وهذا دليل فقهي ، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء (١) . ٥ - السواك سنة باتفاق الفقهاء ماعدا المالكية الذين عدوه من الفضائل ، وسنخصص له مبحثاً مستقلاً . ٦ - تخليل اللحية الكثة والأصابع : يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها(٢) ، وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء ، لما روى ابن ماجه والترمذي وصححه: أنه ظل كان يخلل لحيته، ولما روى أبو داود: ((أنه مُّ كان إذا توضأ ، أخذ كفاً من ماء ، فأدخله تحت حنكه ، فخلل به لحيته ، وقال : هكذا أمرني ربي ))(٣) . ولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الاستنشاق السابق: (( أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(٤) وحديث ابن عباس: ((أن رسول الله ◌َ ◌ّ قال: إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك))(٥) وحديث المُسْتَورِد بن شدَّاد قال: «رأيت رسول الله ماتم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بمخنصره )) (٦) . (١) نيل الأوطار: ١ / ١٤١. (٢) أما اللحية الخفيفة ، والكثيفة في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه ، فيجب إيصال الماء إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره ( مغني المحتاج : ١ / ٦٠ ). (٣) انظر الحديثين في ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٨)، وحديث ابن عباس عند البخاري في صفة وضوء رسول الله عَّ لا يوجب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة (نيل الأوطار: ١ / ١٤٧، وانظر الأحاديث الواردة في تخليل اللحية في ( نصب الراية: ١ / ٢٣ ) . (٤) رواه الخمسة وصححه الترمذي ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٥). (٥) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣) . (٦) رواه الخمسة إلا أحمد ( المرجع السابق) وانظر أحاديث تخليل الأصابع في (نصب الراية: ١ / ٢٧). - ٢٤٦ - لاً - تثليث الغسل : اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره المالكية من فضائل الوضوء ، لما ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين(١). وإنما لم يجب؛ لأنه مع ال توضأ مرة مرة ، وقال: (( هذا الذي لا يقبل الله العمل إلا به))، وتوضأ مرتين مرتين ، وقال: (( هذا يضاعف الله به الأجر مرتين)) وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)) (٢) . وأما المسح فلا يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة ، لحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله عَ لّ، قال: ((ومسح برأسه مرة واحدة))(٢)، ولما روي عن علي رضي الله عنه ((أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة)) ثم قال: ((هذا وضوء النبي ◌ُّ ، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله ◌ُ ◌ٍّ فلينظر إلى هذا » قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع والرُّبَيِّع، كلهم قالوا: ((ومسح برأسه مرة واحدة)) وحكايتهم لوضوء النبي معد له إخبار عن الدوام ، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل . ولأنه مسح في طهارة ، فلا يسن تكراره ، كالمسح في التيم والمسح على الجبيرة ، وسائر المسح . وقال الشافعية: ويسن أيضاً تثليث المسح، لما روي عن أنس: ((الثلاث أفضل)) ولحديث شقيق بن سلمة عند أبي داود قال: (( رأيت عثمان بن عفان (١) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي آخره: ((هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء)) ( نصب الراية: ١ / ٢٩). (٢) رواه الدارقطني عن زيد بن ثابت وأبي هريرة ، ولكن فيه راو ضعيف ( المرجع السابق ) . (٣) متفق عليه . - ٢٤٧ - غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله مؤهلٍ فعل مثل هذا، وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله مؤاتهم. وروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى ، وأبو مالك والرُّبيع، وأبي بن كعب: ((أن رسول الله عَ ل توضأ ثلاثاً ثلاثاً)). لكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح ، ويظهر أن رأي الجمهور أقوى دليلاً من السنة الصحيحة . ٨ - استيعاب كل الرأس بالمسح: يسن الاستيعاب بالمسح عند الحنفية والشافعية اتباعاً للسنة فيما رواه الشيخان ، مرة واحدة عند الحنفية ، وثلاثاً عند الشافعية ، وخروجاً من خلاف من أوجبه ؛ لأن مسح الرأس كله واجب عند المالكية والحنابلة كما بينا . والسنة في كيفيته : أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ، ثم يذهب بها إلى قفاه ، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب (١) ، فإن لم يقلب شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم الفائدة . وقال المالكية : يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح ثانياً إن بقي بيده بلل من المسح الواجب ، وإلا سقطت سنة الرد . ودليل الحنفية حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقين وفيهما : (( ثم مسح برأسه )) ولم يذكرا عدداً . ومثله حديث أبي حَبَّة في صفة وضوء علي وفيه: ((ومسح برأسه مرة ))(٢) ودليل الشافعية : حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود (١) هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٤). (٢) رواه الترمذي وصححه ( المرجع السابق: ص ١٥٨) . - ٢٤٨ _ بإسناد حسن: أنه توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً ، وقال: رأيت رسول الله التر توضأ هكذا . وحديث علي عند البيهقي: (( توضأ ، فمسح رأسه ثلاثاً ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله مَ ◌ٍّ فعل)). وأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والإكال على العمامة إن عسر رفعهما، لأنه مَ اللّه ((مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)) (١). ٩ - مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد: يسن مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد عند الجمهور؛ لأنه مؤتم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وأدخل أصبعيه في صاخي أذنيه ، ويأخذ لصاخيه أيضاً ماء جديداً . روي عن عبد الله بن زيد: ((أنه رأى رسول الله عَ اللّ يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذه لرأسه ))(٢)، وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء يإصبعيه لأذنيه(٣) . وقال الحنابلة : يجب مسح الأذنين ؛ لأن الأذنين من الرأس لحديث ((الأذنان من الرأس))(٤)، ولأن النبي ◌ُ ◌ّ مسحهما مع رأسه، كما هو الثابت في أحاديث متعددة(٥) . والراجح لدي القول بسنية مسح الأذنين فقط، لأن حديث ((الأذنان من الرأس )) لم يثبت ، وإنما هو ضعيف ، حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفه كثير (١) رواه مسلم والترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة ( المرجع السابق: ص ١٦٤). (٢) رواه الحاكم والبيهقي وقال: إسناده صحيح ( نصب الراية: ١ / ٢٢). (٣) رواه مالك في الموطأ ( المرجع السابق ) . (٤) رواه ابن ماجه من غير وجه، لكن فيه راو تكلم فيه ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٠). (٥) منها حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ، وحديث ابن عباس عند الترمذي والنسائي ، وحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوَّذ عند أبي داود والترمذي، وقالا: حديث حسن ( انظر نيل الأوطار: ١ / ١٦٠ - ١٦٢). - ٢٤٩ - لا ينجبر بكثرة الطرق . وقال الشوكاني : الحق عدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك ، والمتيقن الاستحباب ، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض ، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل(١) . ومسح الأذنين : ثلاث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور . ١٠ً - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين : واعتبره المالكية من الفضائل. ودليل السنية: حديث عائشة قالت: ((كان رسول الله صل ى الله يحب التيامُن في تنعله وترجُّله وطَهوره ، وفي شأنه كله ))(٢) وهو دليل على مشروعية الابتداء باليمين في لبس النعال ، وفي ترجيل الشعر ( أي تسريحه ) وفي الطهور ، فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى ، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل قبل الأيسر ، والتيامن سنة في جميع الأشياء . ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((إذا لبستم ، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم ))(٣) . وأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة : البداءة برؤوس الأصابع ومقدم الرأس ، كما أن الشافعية أضافوا: البدء بأعلى الوجه. وقال المالكية : يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو أي في الوجه واليدين والرأس والرجلين . ١١ - الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها، كما قدمنا في بحث فرائض الوضوء . (١) نيل الأوطار: ١ / ١٦١ . (٢) متفق عليه ، وصححه ابن حبان وابن منده ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٠ ). (٣) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي ، قال ابن دقيق العيد : هو حقيق بأن يصح ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٠ ) . - ٢٥٠ - المطلب الخامس - آداب الوضوء أو فضائله : عبر الحنفية عن ذلك بالآداب جمع أدب: وهو مافعله النبي مُ اللّ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه . وحكمه الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه . وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً . وعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة ، وهي عندهم عشرة ، والفرق بينها وبين السنة : أن السنة : ما أكد الشارع أمرها ، وعظم قدرها ، وأما المندوب أو المستحب : فهو ماطلبه الشارع طلباً غير جازم ، وخفف أمره ، وكل منهما يثاب على فعله ، ولا يعاقب على تركه . وأهم هذه الآداب ما يأتي : اً - استقبال القبلة ؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء ، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة ، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب . اً - الجلوس في مكان مرتفع ؛ تحرزاً عن الغسالة . S وقال المالكية : يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل ، وشأنه الطهارة ، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف ( دورة المياه) قبل استعماله(١) ، كما يكره الوضوء في غيره من المواضع المتنجسة بالفعل . اً - عدم التكلم بكلام الناس ، بلا ضرورة ؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور . (١) لأنه يصير مأوى الشياطين بمجرد إعداده ، ففيه تعرض للوسواس ، وإن لم يكن تنجس برشاش . والخلاصة : أنه يكره الوضوء في مكان نجس ؛ لأنه طهارة ، أو فيما شأنه النجاسة ، لئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر من أعضائه ويتعلق به النجاسة . - ٢٥١ - ٤ - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه(١) ، لأنه الأكثر من فعله عالفحم (٢)، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد ، والأجر على قدر النَّصَب، وهي خلاف الأولى ، وقيل : تكره . فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: (( أنه كان مع رسول الله عَ لٍّ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له ، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح برأسه، ومسح على الخفين ))(٣)، وقال صفوان بن عَسال: ((صببت الماء على النبي عَ لَّ في السفر والحضر في الوضوء))(٤) وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبها أخذ الحنابلة فقالوا بالإباحة . ٥ - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: (( أن رسول الله مَ اثٍ كان إذا توضأ حرَّك خاتمه))(٥) . ويندب أيضاً تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء ، وإلا فيفرض تحريكه . وقد بينا أنه عند المالكية : لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه . ٦ - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى لامتهانها . (١) أما الاستعانة بإحضار الماء فلا بأس بها وتركها أفضل، والاستعانة بغسل الأعضاء مكروهة ( مغني المحتاج: ١ / ٦١ ) . (٢) روى ابن ماجه من حديث ابن عباس ((كان النبي ◌َّ لا يكل طهوره إلى أحد ، ولاصدقته التي يتصدق بها إلى أحد ، ويكون هو الذي يتولاها بنفسه )) وهو حديث ضعيف . (٣) متفق عليه بين الشيخين ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٥ ). (٤) رواه ابن ماجه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، قال ابن حجر: وفيه ضعف ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٥ مكرر). (٥) رواه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣). - ٢٥٢ - ٧ - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة ، لغير المعذور . أما المعذور أو المتيم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية ، ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور . ٨ - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين ؛ مبالغة في التنظيف . ٩ - مسح الرقبة بظهر يديه ، لا الحلقوم عند الحنفية(١)؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله مت فلم يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال ، وما يليه من مُقَدَّم العنق))(٢) . وقال جمهور الفقهاء : لا يندب مسح الرقبة ، بل يكره ؛ لأنه من الغلو في الدين . ١٠ - إطالة الغرة والتحجيل: إطالة الغرة : بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه ، وغايتها : غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس . والتحجيل : بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب ، وغايته استيعاب العضدين والساقين . وهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل )» وخبر مسلم: (( أنتم الغُرَّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم (١) هذا هو الراجح الصحيح ، وعده صاحب مراقي الفلاح تبعاً للبحر الرائق من سنن الوضوء ( انظر الدر المختار: ١ / ١١٥) . (٢) رواه أحمد، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٣) والقذال: مابين الأذنين من مؤخر الرأس. - ٢٥٣ - فليطل غُرَّته وتحجيله ))(١) . وقال المالكية : لاتندب إطالة الغرة : وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض ، بل يكره ؛ لأنه من الغلو في الدين ، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد ، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة ، كما حمل عليه الحديث السابق : ((من استطاع منكم أن يطيل غرته)) فقد حملوا الإطالة على الدوام ، والغرة على الوضوء . فيتلخص أن إطالة الغرة لها معنيان : الزيادة على المغسول ، وإدامة الوضوء ، الأول مكروه ، والثاني مطلوب عندهم . ١١ - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند الشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه مع التّ ((بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل ، فرده ، وجعل يقول بالماء : هكذا ، ينفضه))(٢). وقال المالكية : المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد ، قال : ((زارنا رسول الله م التر في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل ، فوُضع له فاغتسل ، ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها))(٣). وعبارة الحنابلة : يباح للمتطهر تنشيف أعضائه(٤)، وتركه أفضل . وهذا هو الراجح . (١) نيل الأوطار: ١ / ١٥٢. (٢) رواه الشيخان، قال الشافعية: ولا دليل في ذلك لإباحة النفض، فقد يكون فعله مُ لّ لبيان الجواز ( مغني المحتاج: ١ / ٦١ ). (٣) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي. والغسل بضم الغين: اسم للماء الذي يغتسل به ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٥ مكرر) اختلف في وصله وإرساله وذكره النووي في فصل الضعيف. (٤) لما رواه ابن ماجه والطبراني في الصغير عن سلمان: أن النبي ◌َ اللّه (( توضأ، ثم قلب جبة كانت عليه ، فمسح بها وجهه )) . - ٢٥٤ - ١٢ - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: ((إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان))(١)، والأظهر عند الحنابلة أنه لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة . ١٣ - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء ، لأن الإسراف في الماء مكروه . ١٤ - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطّست عن يمين المتطهر ، لأنه أعون في التناول . ١٥ - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء . قال الحنابلة : وكذا بعد الغسل . وهو أن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي ◌َّ، فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد . والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً: (( مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ ، أو فيسبغ الوضوء ( أي يتمه ) ، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء )). وزاد الترمذي على مسلم: (( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا (١) رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد، وهو متروك . - ٢٥٥ - أنت، أستغفرك وأتوب إليك)) وزاد فيه أيضاً: ((اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين )) ورواه أحمد وأبو داود . وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: (( من توضأ ثم قال : ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع ( خاتم ) ، فلم يكسر إلى يوم القيامة )) أي لم يتطرق إليه إبطال . قال السامري : ويقرأ سورة القدر ثلاثاً . وأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث ، كما قال النووي رحمه الله . واستحبه الحنفية(١)، والمالكية(٢)، وأباحه بعض الشافعية . خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه : اً - مذهب الحنفية(٣): أ - سنن الوضوء سبع عشرة : غسل اليدين إلى الرسغين ، والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء ، والمضمضة (١) فيقول عند غسل الكفين: ((اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها))، وعند المضمضة: ((اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك)» وعند الاستنشاق: (( بسم الله، اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة النار)) وعند غسل الوجه: ((اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)) وعند غسل اليد اليمنى: (( اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً)) وعند اليسرى: ((اللهم لاتعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري » وعند مسح الرأس: ((اللهم حرم شعري وبشري على النار)) وعند مسح الأذنين: ((اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)) وعند غسل الرجلين: ((اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام )» وأباح بعض الشافعية الدعاء بهذه الأدعية . (٢) قالوا: يكره الكلام حال الوضوء بغير ذكر الله تعالى، وورد أن النبي ◌ُ ◌ّم كان يقول حال الوضوء: اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي في رزقي ، وقنعني بما رزقتني ، ولا تفتني بما زويت عني )) رواه الترمذي عن أبي هريرة ( الشرح الصغير: ١ / ١٢٧ ) . ( ٣) مراقي الفلاح: ص ١٠ - ١٣، الدر المختار: ١ / ٩٥ - ١٢٢. - ٢٥٦ - ثلاثاً ولو بغرفة ، والاستنشاق بثلاث غرفات ، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم ، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها ، وتخليل الأصابع ، وتثليث الغسل ، واستيعاب الرأس بالمسح مرة ، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس ، والدلك ، والولاء ، والنية ، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه ، والبداءة بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس . ب - آداب الوضوء خمسة عشر : مسح الرقبة لا الحلقوم ، الجلوس في مكان مرتفع ، واستقبال القبلة ، وعدم الاستعانة بغيره ، وعدم التكلم بكلام الناس ، والجمع بين نية القلب وفعل اللسان ، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو ، وإدخال خنصره في صاخ أذنيه ، وتحريك خاتمه الواسع، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى ، والامتخاط باليسرى ، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور ، والإتيان بالشهادتين بعده ، وأن يشرب من فضل الوضوء قائماً ، وأن يقول : اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين . ومن آدابه قراءة سورة القدر(١) وصلاة ركعتين في غير وقت الكراهة(٢) ومن الآداب : تعاهد موقيه وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه . ٢ - مذهب المالكية(٣): أ - سنن الوضوء ثمان : غسل اليدين مرة إلى الكوعين أولاً قبل إدخالهما في الإناء ، والمضمضة ، (١) الأحاديث وردت فيها، لكن قال ابن حجر: لم يثبت منها شيء عن النبي ◌َ ◌ّ لا من قوله ولا من فعله . (٢) لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما: ((مامن أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليها إلا وجبت له الجنة)). (٣) الشرح الصغير: ١ / ١١٧ - ١٢٤، الشرح الكبير: ١ / ٩٦ - ١٠٦. الفقه الإسلامي جـ١ (١٧) - ٢٥٧ - والاستنشاق بثلاث غرفات لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر ، ولابد لهذه السنن الثلاث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء ، أو ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء ، والاستنثار ( دفع الماء من الأنف ) ، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مرة واحدة ، وتجديد الماء لهما ، ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح الواجب لرأسه ، وترتيب فرائضه الأربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين ، ثم مسح الرأس ، ثم غسل الرجلين ، فإن قدم فرضاً على موضعه المشروع له ، أعاده وحده مرة ولا يعيد مابعده . والمعتمد في ترك سنة ندب الإعادة دون مابعدها سواء طال الترك أو لا ، لكن من ترك فرضاً من فرائض الوضوء أو الغسل غير النية، أو ترك لمعة ( بقعة ) أتى به وبما بعده من الأعضاء إن لم يطل الترك ، فإن طال بطل كل الفرض لعدم الموالاة الواجبة . ب - فضائل الوضوء عشر : أي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ولا يعاقب على تركها : إيقاع الوضوء في موضع طاهر بالفعل وشأنه الطهارة ، واستقبال القبلة ، والتسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه : بسم الله ، وتقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء (١) ، وتقديم اليد أو الرجل الينى على اليسرى ، وجعل الإناء المفتوح كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى ، والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو ، والغسلة الثانية والثالثة في السنن والفرائض حتى في الرِّجُل ، وترتيب السنن مع بعضها أو مع الفرائض ، واستياك ولو بأصْبُع . اً - مذهب الشافعية(٢): سنن الوضوء حوالي ثلاثين : السواك عرضاً بكل خشن لاأصبعه في الأصح (١) ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء والناس ، بل بقدر ما يجري على العضو، وإن لم يتقاطر منه . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٥٥ - ٦٢، الحضرمية: ص ١١ - ١٣، وفي بعض الكتب مثل بجيرمي الخطيب: ١ / ١٣٩: سنن الوضوء عشر. - ٢٥٨ - لغير صائم بعد الزوال، والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين(١) ، والتلفظ بالنية واستصحابها ، وغسل الكفين : فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو ماء قليل قبل غسلهما ثلاث مرات ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والأفضل - في الأظهر كما رجح النووي خلافاً للرافعي - الجمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها ، والمبالغة فيها لغير الصائم ، وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل والدلك والسواك (٢)، ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على العمامة ، ثم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنها وصاخيه بماء جديد . وتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى ، والتتابع ( الموالاة ) والتيامن ، وإطالة غرته وتحجيله ، وترك النفض والاستعانة بالصب إلا لعذر والتنشيف في الأصح ، وتحريك الخاتم (٣)، والبداءة بأعلى الوجه ، والبداءة في اليد والرجل بالأصابع(٤)، ودلك العضو، ومسح المأقين ( طرفي العين مما يلي الأنف )(٥) ، واستقبال القبلة ، ووضع الإناء في حالة الاغتراف فيه عن يمينه إن كان واسعاً ، فإن صب منه وضعه عن يساره ، وألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ 5 ( ٦٧٥ غم ) . وألا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة ، ولا يلطم وجهه بالماء ، ولا يمسح الرقبة ، وأن يقول بعده : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ، (١) فإن ترك التسمية في أول الوضوء ولو عمداً، أتى بها قبل فراغه، فيقول: بسم الله في أوله وآخره، كما في الأكل والشرب . (٢) ويأخذ الشاك باليقين وجوباً في الواجب وندباً في المندوب ، وتكره الزيادة على الثلاث . (٣) فإن لم يصل الماء إلى ماتحته إلا بالتحريك وجب . (٤) فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب . (٥) بالسبابتين إن لم يكن بها نحو رمص وإلا وجب . - ٢٥٩ - سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، ويسن أن يقول بعده : وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد ، ويقرأ سورة القدر ، ويصلي ركعتين . ٤ - مذهب الحنابلة (١) : جملة سنن الوضوء حوالي عشرين : استقبال القبلة ، والسواك عند المضمضة ، وغسل الكفين ثلاثاً لغير قائم من نوم ليل ، ويجب ذلك للمستيقظ ليلاً ، والبداءة قبل الوجه بالمضمضة ، ثم الاستنشاق ، والمبالغة فيهما لغير صائم ، والمبالغة في سائر الأعضاء لصائم وغيره ، والاستنثار باليسار، وتخليل أصابع اليدين والرجلين ، وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه ، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل ، وبين الأذنين ، ومسح الأذنين بعد الرأس بماء جديد ، ومجاوزة موضع الفرض ، والغسلة الثانية والثالثة ، وتقديم النية على مسنونات الوضوء ، واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء ، وغسل باطن الشعور الكثيفة في الوجه غير اللحية ، وأن يزيد في ماء الوجه ؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً ، ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه ، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة ، ويباح للمتطهر تنشيف أعضائه وتركه أفضل ، ووضع الإناء الواسع عن يمينه ليغترف منه ، وترك نفض الماء ، ولا يكره فعله في الأظهر وفاقاً للأئمة الثلاثة ، والدعاء ( السابق عند الشافعية ) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره إلى السماء(٢)، وكذا يدعو به بعد الغسل . المطلب السادس - مكروهات الوضوء : المكروه عند الحنفية نوعان : مكروه تحريماً : وهو ما كان إلى الحرام أقرب ، (١) كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٢، المغني: ١ / ١١٨، ١٣٩ - ١٤٢. (٢) روى حديث الدعاء أحمد وأبو داود، كما قدمنا، وفي بعض رواياته: ((فأحسن الوضوء ، ثم رفع نظره إلى السماء». - ٢٦٠ -