Indexed OCR Text

Pages 101-120

وقيد الحنابلة طهارة الخمر بنقلها من مكان لآخر بحالة غير قصد التخليل ،
فإن قصد تخليلها بنقلها لم تطهر ، لأنه يحرم تخليلها ، فلا تترتب عليه الطهارة .
وقال الشافعية (١): لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا ثلاثة أشياء:
الخمر مع إنائها إذا صارت خلاًّ بنفسها ، والجلد ( غير جلد الكلب والخنزير )
المتنجس بالموت يطهر ظاهره وباطنه بالدبغ ، وماصار حيواناً كالميتة إذا صارت
دوداً لحدوث الحياة .
١٢ - الدباغ للجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها إلا جلد الإنسان
والخنزير، وما لا يحتمل الدبغ كجلد حية صغيرة وفأرة، لقول النبي معا له: ((أيما
إهاب دبغ فقد طهر))(٢) وروي أن النبي ◌ُ ◌ّ مر بفناء ( ساحة الدار أو جوانبها)
قوم في غزوة تبوك ، فاستسقاهم ، فقال : هل عندكم ماء ؟ فقالت امرأة : لا ،
يارسول الله ، إلا في قربة لي ميتة، فقال ◌َ ◌ّ: ألست دبغتها ؟ فقالت : نعم ،
فقال : فإن دباغها طهورها))(٣)، ولأن الدبغ يزيل سبب نجاسة الميتات وهو
الرطوبات والدماء السائلة ، فصار الدبغ كالثوب النجس إذا غسل .
والدبغ عند الحنفية مطهر إذا كان بما يمنع النّتَن والفساد ، ولو دباغة
حُكْمية كالتقريب والتشميس ، لحصول المقصود بها . وكل ما يطهر بالدباغة يطهر
(١) الحضرمية: ص ٢٣ .
(٢) روي من حديث ابن عباس عند النسائي والترمذي وابن ماجه ، ومن حديث ابن عمر عند الدارقطني ،
وهو حديث حسن، ورواه مسلم بلفظ ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) ( نصب الراية: ١ / ١١٥ وما بعدها ) والإهاب:
الجلد قبل الدباغة ، فإذا دبغ صار أديماً .
(٣) رواه أبو داود والنسائي عن سلمة بن المحبّق، ورواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده ، والترمذي ،
وأعله هؤلاء براوٍ فيه : هو الجون بن قتادة ( نصب الراية : ١ / ١١٧ ).
وعن ابن عباس قال: تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرّ بها رسول الله عَلَّمَ، فقال: هلا أخذتم
إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ فقالوا: إنها ميتة ، فقال: إنما حرم أكلها )) رواه الجماعة إلا ابن ماجه .
- ١٠١ -

بالذكاة . والدبغ يطهر جلد الكلب والفيل على المعتمد ، واستثناء جلد الآدمي
للكرامة الإلهية ، واستثناء جلد الخنزير لنجاسته العينية، وألحقوا بها ما لا يحتمل
الدباغة كفأرة صغيرة . أما ماعلى جلد الميتة من شعر ونحوه فهو طاهر ، وقميص
الحية طاهر .
والدبغ مطهر أيضاً عند الشافعية(١)، فيطهر كل جلد نجس بالموت ظاهره ،
وكذا باطنه على المشهور وإن كان من غير مأكول اللحم للحديثين السابقين مع
حديث ابن عباس ( في الحاشية ) ، لكن يشترط أن يكون الدبغ بشيء قالع :
وهو نزع فضول الجلد ( وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها ، ويطيبه
نزعها ) بحرِّيف ( ما يحرف الفم أي يلذع اللسان بحرافته ) كالقَرَظ (ورق السَلَّم
مثل شجر الجوز يدبغ به ) والعفص وقشور الرمان ، والشب ( شيء معروف من
جواهر الأرض ) . سواء أكان طاهراً أم نجساً كذرق الطيور، ولا يصح الدبغ
بشمس وتراب وتجميد وتمليح بما لا ينزع الفضول ، وإن جف الجلد ، وطابت
رائحته ؛ لأن الفضلات لم تزل ، وإنما جمدت ، بدليل أنه لو نقع في الماء عادت
إليه العفونة .
ولا يطهر عند الشافعية بالدبغ جلد الكلب والخنزير وماتولد منهما أو من
أحدهما مع حيوان طاهر ، كما لا يطهر عندهم بالدبغ ماعلى جلد الميتة من شعر
ونحوه ، لكن يعفى عن القليل من ذلك لمشقة إزالته .
وقال المالكية والحنابلة على المشهور(٢) : لا يطهر الجلد النجس بالدبغ ،
لحديث عبد الله بن عُكيم، قال: (( كتب إلينا رسول الله ماتم قبل وفاته بشهر
(١) مغني المحتاج: ١ / ٨٢، المهذب: ١ / ٤٨ .
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٥١، بداية المجتهد: ١ / ٧٦، غاية المنتهى: ١ / ١٤، المغني: ١ / ٦٦
ومابعدها ، ٧٩ .
- ١٠٢ -

أن لا تنتفعوا من الميتة ياهاب ولاعصب)) (١) فهو ناسخ لما قبله من الأحاديث ،
لأنه في آخر عمر النبي ◌َ ◌ّ ، ولفظه دال على سبق الترخيص ، وأنه متأخر عنه .
وقال الدردير المالكي: ماورد من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما إهاب
- أي جلد - دبغ ، فقد طهر)) فمحمول على الطهارة اللغوية ، لا الشرعية في
مشهور المذهب . وحينئذ لاتجوز الصلاة عليه .
وعلى القول المشهور عند المالكية من نجاسة الجلد المدبوغ : يجوز استعماله بعد
الدبغ في اليابسات غير المائعات ، كلبسه في غير الصلاة والجلوس عليه في غير
المسجد ، ولا يجوز استعماله في المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان ،
والماء غير المطلق كماء الورد ، والخبز المبلول قبل جفافه ، والجبن ، فلا يوضع فيه ،
ويتنجس بوضعه فيه . واستثنوا من ذلك جلد الخنزير فلا يجوز استعماله مطلقاً ،
دبغ أو لم يدبغ ، في يابس أو مائع ، وكذا جلد الآدمي ، لشرفه وكرامته . وأما
صوف الحيوان ونحوه فلا ينجس بالموت عند المالكية .
وعند الحنابلة روايتان في الانتفاع بالجلد النجس المدبوغ :
إحداهما - لا يجوز، لحديث ابن عكيم المذكور ، وحديث البخاري في تاريخه
((لا تنتفعوا من الميتة بشيء)).
والثانية - وهي الراجحة - يجوز الانتفاع به، لقول النبي مَ ◌ّ السابق:
((هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه )) ، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا فارس
انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة ، ولأنه انتفاع من غير ضرر ، فأشبه
(١) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة) ، وأخرجه أيضاً الشافعي والبيهقي وابن حبان، قال عنه
الترمذي: حديث حسن . وللدارقطني: إن رسول الله ◌َّ كتب إلى جهينة ، إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة ،
فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة ياهاب ولاعصب ( نيل الأوطار: ١ / ٦٤).
- ١٠٣ -

الاصطياد بالكلب ، وركوب البغل والحمار . وصوف الميتة وشعرها ووبرها
وريشها طاهر عند الحنابلة .
والراجح عندي رأي الحنفية والشافعية في أن الدباغ مطهر ، لأن حديث
ابن عكيم فيه اختلاف واضطراب ، قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ : وطريق
الإنصاف فيه : أن يقال : إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ ، لو
صح ، ولكنه كثير الاضطراب ، لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة . والمصير إلى
حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح ، ويحمل حديث ابن عكيم على منع
الانتفاع به قبل الدباغ ، وحينئذ يسمى إهاباً ، وبعد الدباغ يسمى جلداً ،
ولا يسمى إهاباً ، وهذا معروف عند أهل اللغة ، وليكون جمعاً بين الحكمين ، وهذا
هو الطريق في نفي التضاد (١)
ويلاحظ أخيراً أن كلاً من التخلل والدباغ داخل في استحالة أو انقلاب
العين .
١٣ - الذكاة الشرعية ( الذبح ) في تطهير الذبيح: وهو أن يذبح مسلم أو
كتابي ( يهودي أو نصراني ) حيواناً ولو غير مأكول اللحم . فيطهر بالذكاة في
أصح ما يفتى به عند الحنفية من الحيوان غير المأكول الجلد دون اللحم والشحم ،
لأن كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة، لقوله مع اله: ((دباغ الأديم
ذكاته))(٢) ألحق الذكاة بالدباغ ، وبما أن الجلد يطهر بالدباغ ، فيطهر بالذكاة ،
لأن الذكاة كالدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة ، فتفيد الذكاة
(١) نيل الأوطار: ١ / ٦٥.
(٢) روى النسائي عن عائشة: سئل النبي ◌َّ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها. وللدارقطني عنها عن
النبي ◌َّ قال: طُهور كل أديم دباغه. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات ( نيل الأوطار: ١ / ٦٣) وأخرجه أيضاً
ابن حبان والطبراني والبيهقي .
- ١٠٤ -

الطهارة كالدبغ ، إلا في الآدمي والخنزير . وأما فعل المجوسي فليس بذكاة شرعية ،
لعدم أهلية الذكاة ، فلا يفيد الطهارة ، فتعين تطهيره بالدباغ . وكل شيء
لا يسري فيه الدم لا ينجس بالموت كالشعر والريش المجزوز والقرن والحافر والعظم
مالم يكن به دسم . والعصب نجس في الصحيح . ونافجة المسك طاهرة كالمسك .
وأما الحيوان المأكول اللحم ، فيطهر بالذبح جميع أجزائه إلا الدم المسفوح ،
باتفاق المذاهب .
وقال المالكية في المشهور(١): إذا ذبح ما لا يؤكل كالسباع وغيرها ، يطهر لحمه
وشحمه وجلده ، إلا الآدمي والخنزير ، أما الآدمي فلحرمته وكرامته ، وأما
الخنزير فلنجاسة عينه . لكن قال الصاوي والدردير: مشهور المذهب : لا تعمل
الذكاة في محرم الأكل من حمير وبغال وخيل ، وكلب وخنزير ، أما سباع الوحش
وسباع الطير فتطهر بالذبح .
وقال الشافعية والحنابلة(٢) : لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول ؛
لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل ، والجلد تبع للحم ، فإن لم تعمل الذكاة
في اللحم ، لم تعمل فيما سواه ، كذبح المجوسي ، أو الذبح غير المشروع . ولا يقاس
الذبح على الدباغ ، لكون الدبغ مزيلاً للخبث والرطوبات كلها ، مطيباً للجلد
على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير ، والذكاة لايحصل بها ذلك ، فلا يستغنى
بها عن الذبح . وهذا الرأي هو الأرجح لدي ؛ لأن القياس ( قياس الذكاة على
الدباغ ) في التعبديات أمر غير مقبول .
١٤ - النار تطهر في مواضع هي : إذا استحالت بها النجاسة ، أو زال أثرها
(١) بداية المجتهد: ١ / ٤٢٧، القوانين الفقهية: ص ١٨١، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ١ / ٤٥.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٥٨، المغني: ١ / ٧١، غاية المنتهى: ١ / ١٤.
- ١٠٥ -

بها ، كحرق الفخار الجديد ، وتحول الروث إلى رماد ، وإحراق موضع الدم من
رأس الشاة . ومثلها الغلي بالنار كغلي الدهن أو اللحم ثلاثاً . قال ابن عابدين :
(( ولا تظن أن كل مادخلته النار يطهر ، كما بلغني عن بعض الناس أنه توهم ذلك ،
بل المراد أن مااستحالت به النجاسة بالنار ، أو زال أثرها بها يطهر)) وبه يظهر
أن حرق النجاسة بالنار مطهر .
والنار غير مطهرة عند غير الحنفية كما بينا في بحث الاستحالة ، فرماد النجس
ودخانه نجسان . إلا أن المالكية استثنوا على المشهور رماد النجس يطهر بالنار ،
وكذا دخان النجس والوقود المتنجس ، إنه يطهر بالنار .
١٥ - نزح البئر المتنجسة أو غوران ماء البئر قدر ما يجب نزحه منها : مطهر
لها كالنزج .
والنزح : هو نزح ماوجب من الدلاء ، أو نزح جميع الماء بعد استخراج
الواقع في البئر من الآدمي أو غيره من الحيوان. وهو مطهر للبئر. وإذا وجب
نزح جميع الماء من البئر فينبغي سد جميع منابع الماء إن أمكن ، ثم ينزح مافيها من
الماء النجس . وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء ، فتنزح المقادير التالية(١):
أ - إن كان الواقع حيواناً: فإن كان نجس العين كالخنزير ، يجب نزح جميع
الماء . والصحيح عند الحنفية : أن الكلب ليس بنجس العين . وأما إذا لم يكن
نجس العين : فإن كان آدمياً فلا ينجس البئر، وأما سائر الحيوان : فإن كان
لا يؤكل لحمه كسباع الوحش والطيور، فالصحيح أنه يوجب التنجيس . وأما
الحمار والبغل فالصحيح أنه يجعل الماء مشكوكاً فيه .
(١) تحفة الفقهاء: ١ / ١٠١ وما بعدها، ط دار الفكر بدمشق، بتخريج وتحقيق أحاديثها للمؤلف مع الأستاذ
المنتصر الكتاني .
- ١٠٦ -

ب - وإن كان حيواناً يؤكل لحمه ، فيتنجس الماء إن خرج ميتاً . وينزح ماء
البئر كله إن كان منتفخاً أو متفسخاً .
وإن لم يكن منتفخاً ولا متفسخاً فهو في ظاهر الرواية مراتب ثلاثة :
في الفأرة ونحوها : ينزح عشرون دلواً أو ثلاثون بحسب كبر الدلو وصغره .
وفي الدجاجة ونحوها : ينزح أربعون أو خمسون .
وفي الآدمي ونحوه : ينزح ماء البئر كله . وذلك إذا كان على الآدمي نجاسة
بيقين ، حقيقية أو حكمية ، أو نوى الغسل أو الوضوء . ودليلهم على ذلك فعل
الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يصح فيه حديث نبوي .
١٦ - دخول الماء من جانب وخروجه من الجانب الآخر في حوض صغير
مثلما كان فيه ثلاث مرات ، فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثاً : هو وسيلة لتطهير
حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس ، لأنه بزوال أثر النجاسة يصير الماء جارياً ، ولم
يتيقن من بقاء النجس فيه . وعلى هذا إذا تنجس ماء في قناة أو في وعاء ، فيطهر
بصب ماء طاهر عليه في ناحية منه ، حتى يسيل من جوانبه ويخرج من الناحية
الأخرى .
١٧ - الحفر ( أي قلب الأرض بجعل الأعلى أسفل): يطهرها .
١٨ - غسل طرف الثوب أو البدن: يجزئ عن غسله كله إذا نسي المرء محل
النجاسة ، وإن وقع الغسل بغير تحر ، وهو المختار عند الحنفية .
مذاهب غير الحنفية في المطهرات :
عرفنا في ثنايا بحث أنواع المطهرات عند الحنفية آراء المذاهب الأخرى ،
وأفردها هنا إجمالاً ببيان مستقل .
- ١٠٧ -

مذهب المالكية : المطهرات عند المالكية هي ما يأتي (١):
١ - الغسل بالماء الطهور المطلق، لكل مالا يجزئ فيه المسح أو النضح .
ولا يكفي إمرار الماء بل ولابد من إزالة عين النجاسة وأثرها ، ولا يجوز إزالة
النجاسة بمائع غير الماء .
٢ - المسح بخرقة مبللة لما يفسد بالغسل ، كالسيف والنعل والخف.
٣ - النضح للثوب أو الحصير إذا شك في نجاسته ، ينضح بلا نية كالغسل:
وهو رش باليد أو غيرها كفم أو تلقي مطر رشة واحدة ، على المحل المشكوك
بنجاسته بالماء المطلق . ففي حالة الشك يإصابة مكان بالنجاسة ، يجب نضحه
لاغسله ، فإن غسل كان أحوط . ولا يجزئ رش البدن المشكوك في نجاسته ،
وإنما يجب غسله كمحقق الإصابة بالنجاسة .
٤ - التراب الطاهر : طهارة حكمية في حالة التيم .
٥ - الدلك: لما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق
والأماكن التي تطرقها الدواب كثيراً لعسر الاحتراز من ذلك ، بخلاف غير الدواب
كالآدمي والكلب والهر ونحوها ، فلا يعفى عما أصاب الثوب أو البدن من
فضلاتها ، وبخلاف ماأصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فلا عفو عنه .
٦ - تكرار المشي أو المرور: يطهر ثوب المرأة الطويل الذي تجره على
الأرض المتنجسة اليابسة ، فيتعلق به الغبار ، بشرط أن تكون إطالته للستر لا
للخيلاء ، واختلف في النجاسة الرطبة . والتطهير يحصل إذا كانت غير لابسة
للخف ، فإن كانت لابسة لخف فلا عفو .
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٤ - ٣٥، الشرح الصغير: ١ / ٦٤، ٧٨، ٨٢ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٨٢
وما بعدها ، الشرح الكبير : ١ / ٥٦ .
- ١٠٨ -

ومثلها : من مشى برجل مبلولة على نجاسة يابسة : يطهره مابعده ، ويصلي
كل منهما على وضعه ، ولا يجب عليهما الغسل .
ويعفي عن طين المطر، مالم تكن النجاسة غالبة ، أو عينها قائمة .
٧ - التقوير : يطهر الجامدات ، كأن وقعت فأرة في سمن جامد ، طرحت
هي وما حولها خاصة ، قال سحنون : إلا أن يطول مقامها فيه .
فإن وقعت الفأرة في سمن ذائب ، فماتت فيه ، طرح جميعه . وعلى هذا،
إذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء ، تنجس ، سواء تغير أو لم يتغير .
٨ - النزح : إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء ، وجب نزح جميعه ،
فإن لم تغيره ، استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء ، أي ينزح كله بالإضافة إلى
نزح مقدار الدابة .
٩ - غسل مكان النجاسة : إذا ميز موضع النجاسة من الثوب والبدن ، غسل
وحده ، وإن لم يميز غسل الجميع .
8
١٠ - الاستحالة : تطهر الخمر إذا تخللت بنفسها أو خللت ، ولا يطهر جلد
الميتة بالدبغ ، والمعتمد أن رماد النجس ودخانه طاهر . 5
١١ - الذكاة الشرعية تطهر غير المأكول اللحم، إلا الآدمي والخنزير، وعلى
رأي الدردير : مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرم الأكل كالخيل والبغال
والحمير والكلب والخنزير .
والمطهر للمائع والجامد وغيرهما عند الشافعية أربعة هي(١):
١ - ماء مطلق: وهو ما يقع عليه اسم ماء، بلا قيد إضافي كماء ورد ، أو
(١) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: ص ٤، المجموع: ١ / ١٨٨، مغني المحتاج: ١ / ١٧ وما بعدها،
٨٤ وما بعدها .
- ١٠٩ -

وصفي كماء دافق ، وهو أنواع : مانزل من السماء وهو ثلاثة : المطر ، وذوب الثلج
والبرد ، وما نبع من الأرض وهو أربعة : ماء العيون والآبار والأنهار والبحار ..
ويتعين الماء لإزالة خبث ورفع حدث وغيرهما كتجديد الوضوء .
وينضح بول أو قيء صبي لم يَطْعم ( يتناول ) قبل مضي حولين غير لبن
للتغذي ، الأحاديث الصحيحة في ذلك، منها: (( يغسل من بول الجارية ،
ويرش من بول الغلام ))(١) وقد أخذ بهذه التفرقة الشافعية والحنابلة ، ولم يفرق
المالكية بين الذكر والأنثى وقالوا : النضح : طهارة ماشك فيه أي الثوب
المشكوك فيه فقط ، وأوجبوا كالحنفية الغسل في الحالين قياساً للأنثى على
الذكر (٢) ، وإني أميل إلى رأي الشافعية والحنابلة للتصريح بالتفرقة، والحكمة
فيه : أن بول الغلام يخرج بقوة ، فينتشر ، أو أنه يكثر حمله على الأيدي ، فتعظم
المشقة بغسله ، أو أن مزاجه حار ، فبوله رقيق ، بخلاف الأنثى .
٢ - وتراب مطهر لم يستعمل في فرض ، ولم يختلط بشيء ، لقوله تعالى :
﴿ فتيموا صعيداً طيباً ﴾ أي تراباً طاهراً).
٣ - ودابغ : وهو ما ينزع فضلات الجلد وعفونته ، بحيث لو نقع في الماء بعد
اندباغه ، لم يعد إليه النتن والفساد ، كقَرَظ وشَبّ ، ولو كان الدابغ نجساً ، كذرق
طير .
٤ - وتخلل: هو انقلاب الخمر خلاً ، بلا مصاحبة عين تقع فيها ، وإن نقلت
من شمس إلى ظل ، أو عكسه ، فإن صحب تخللها عين وإن لم تؤثر فيها ، أو وقع
فيها عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل ، لم يكن ذلك مطهراً .
(١) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي السمح، وروى الجماعة عن أم قيس بنت مِحْصَّن أن النبي نضح
بول صبي، وروى ابن ماجه عن أم كُرْز أن النبي ◌َ اتّ قال: ((بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل)) ( نيل
الأوطار : ١ / ٤٥ )
(٢) بداية المجتهد: ١ / ٨٢ ، نيل الأوطار: ١ / ٤٧، كشاف القناع: ١ / ٢١٧ وما بعدها ، ط مكة.
- ١١٠ -

والطهارات الحاصلة بالمطهرات الأربعة أربع :
وضوء ، وغسل ، وتيم ، وإزالة نجس ، وهذا الأخير يشمل الإحالة .
ولا يطهر المتنجس الصقيل كسيف ونحوه بالمسح بل لابد من غسله ، كما
لا يطهر النعل بالدلك دون الغسل ، ويطهر الماء بالمكاثرة ولو لم يبلغ قلتين ،
وتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها .
والمطهرات عند الحنابلة(١) : كالشافعية غالباً إلا في الدباغ ، فإنه غير
مطهر عندهم ، وهي الماء ، والتراب ومثله الاستنجاء بالأحجار ، والتخلل .
فتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها أي صب الماء على النجاسة بحيث
يغمرها من غير اعتبار عدد ، ولم يبق للنجاسة عين ، ولا أثر من لون أو ريح ،
إن لم يعجز عن إزالتها أو إزالة أحدهما .
ولا تطهر الأرض المتنجسة بشمس ولا ريح ، ولاجفاف؛ لأنه عطائه أمر
بغسل بول الأعرابي ، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به .
ولا تطهر نجاسة باستحالة ، فلو أحرق السرجين النجس ، فصار رماداً أو
وقع كلب في ملاحة، فصار ملحاً، لم تطهر، لأنه مطلقة ((نهى عن أكل الجلاَّلة
وألبانها ))(٢) لأكلها النجاسة ، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.
ولا تطهر بنار، فالرماد من روث نجس ، والصابون المعمول من زيت
نجس ، ودخان نجاسة وغبارها : نجس ، وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم
صقيل أو غيره : نجس ، وتراب جبل بروث حمار أو بغل ونحوه مما لا يؤكل لحمه :
نجس ، ولو احترق كالخزف . وكذا لو وقع كلب في ملاحة ، فصار ملحاً ، أو في
(١) كشاف القناع: ١ / ٢٢، ٢١٣ - ٢١٨، المغني: ١ / ٣٥ - ٣٩، ٢ / ٩٨.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر، وقال : حسن غريب .
- ١١١ -

صبَّانة ، فصار صابوناً : نجس(١) .
ويستثنى من مبدأ عدم التطهير بالاستحالة : ما يخلق منه الآدمي ، والخمرة
التي انقلبت خلاً بنفسها ، أو بنقلها من موضع إلى آخر لغير قصد التخليل ،
ويحرم تخليلها ، فإن خللت ، ولو بنقلها بقصد التخليل لم تطهر ، لحديث مسلم
عن أنس قال: ((سئل النبي عقلٍ عن الخمر تتخذ خلاً؟ قال: لا )) ودَنَّ الخمر
( أي وعاؤها ) مثلها، يطهر بطهارتها تبعاً لها .
ولا يطهر دهن تنجس بغسله ؛ لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه .
كما لا يطهر باطن حَبّ تشرب النجاسة ، ولا عجين تنجس ، لأنه لا يمكن غسله ،
ولا يطهر لحم تنجس ، ولا إناء تشرب نجاسة ولا سكين سقيت ماء نجساً .
ويطهر السمن الجامد ونحوه بإلقاء النجاسة وماحولها ، وأما المائع فلا يطهر
إن ظلت النجاسة فيه ، كأن ماتت الفأرة فيه ، فإن خرجت حية ، فهو طاهر .
ويلزم غسل ماوقعت فيه النجاسة ، حتى يتيقن من إزالتها ، فإن خفي
موضع نجاسة في بدن أو ثوب أو مكان صغير، كبيت صغير ، فيلزم غسله ،
ولا يكفي الظن ، لأن الطاهر اشتبه بالنجس ، فوجب اجتناب الجميع ، حتى
يتيقن الطهارة بالغسل ، لأن النجاسة متيقنة ، فلا تزول إلا بيقين الطهارة .
أما خفاء موضع النجاسة في مكان كبير كصحراء واسعة ودار واسعة ،
فلا يضر ، منعاً من الوقوع في الحرج والمشقة .
ويجزئ نضح بول أو قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة ، وإن كان نجساً
كبول الكبير ، ولابد من غسل بول الأنثى والخنثى .
ولا يطهر النعل بالدلك ، بل يجب غسله ، كما يجب غسل ذيل ثوب امرأة
(١) حقق ابن تيمية رحمه الله في فتاويه أن استحالة النجاسة يذهب بخبثها وعينها، فلا يبقى حكم النجاسة
لها ، وتكون طاهرة .
- ١١٢ -

تنجس بمشي أو غيره ، كغسل الثوب والبدن . لكن يعفى عن يسير النجاسة على
أسفل الخف والحذاء بعد الدلك ، عملاً بحديث أبي هريرة أن النبي عَ لّ قال :
((إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب))(١) .
ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولاريح ولاجفاف ، عملاً بالحديث السابق
((أهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء)).
والخلاصة : أن الشافعية والحنابلة نظروا في المطهرات إلى أكمل ما يحصل به
مراد الشارع .
وتوسع الحنفية في شأن المطهرات ، وقاربهم فيها أحياناً المالكية . والواقع
العملي وحاجة الناس وأعرافهم كل ذلك يؤيد العمل بمذهب الحنفية .
المبحث الرابع - أنواع المياه :
المياه أنواع ثلاثة : طهور ، وطاهر غير مطهر ، ومتنجس :
النوع الأول - الماء الطهور أو المطلق :
۔
هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، وهو كل ماء نزل من السماء ، أو نبع من
الأرض ، مادام باقياً على أصل الخِلقة ، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي
( اللون والطعم والرائحة ) ، أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو
ملح أو نبات مائي ، ولم يكن مستعملاً ، مثل ماء المطر والأودية(٢) والعيون
والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد ، ونحوها من كل ماء عذب
أو مالح ، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان ، أو ينعقد ملحاً ، أو
يرشح ويتبخر بخار ماء ؛ لأنه ماء حقيقة .
(١) رواه أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عجلان ، وهو ثقة ، وصح في حديث أم سلمة السابق : أن المرور
على طريق جاف مطهر. لكن لم يقيد الحديث بنجاسة قليلة ولاكثيرة .
(٢) الأودية جمع واد : وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل.
الفقه الإسلامي جـ١ (٨)
- ١١٣ -

إلا أن الحنفية قالوا : الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل الانعقاد ، أما
بعد الانعقاد والذوبان ، فإنه يكون طاهراً غير طهور فلا يرفع الحدث ، ويزيل
الخبث .
هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً ، يزال به النجس ، ويستخدم للوضوء
والغسل، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ ﴿وينزل عليكم من
السماء ماء ليطهركم به﴾، ولقوله مع المه عن ماء البحر: ((هو الطهور ماؤه،
الحل ميتته)) (١) وقوله عليه السلام: ((إن الماء طهور، لا ينجسه إلا ماغلب على
ريحه وطعمه ولونه))(٢) .
وبحث الماء الطهور يستتبع معرفة الأمرين التاليين :
أ - التغير غير المؤثر في الطهورية :
اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً : أنه لا يسلبه صفة
الطهارة والتطهير ، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث ( البقاء
في المكان مدة طويلة ) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلَب
( خضرة تعلو على وجه الماء ) ، وما في مقره ومره ، ولابمخالط مجاور (وهو
ما يمكن فصله ) كعود ودهن ولو مطيبين ومنه البخور ولا بجيفة ملقاة على
الشاطئ تغير الماء بريحها ، ولابدابغ إنائه كقطران وقَرَظ ، ولا ببعض المعادن
كملح ماء وكبريت ، ولابما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر . وللفقهاء
تفصيلات وإيراد قيود هي :
(١) رواه سبعة من الصحابة وهم : أبو هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وعلي بن أبي طالب ، وأنس بن مالك ،
وعبد الله بن عمرو، والفراسي ، وأبو بكر الصديق . وحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة، وهو وإن
ذكرت فيه علل ، تأيد بالروايات الأخرى ( نصب الراية: ١ / ٩٥).
(٢) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة، وهو حديث ضعيف السند ( نصب الراية: ١ / ٩٤) لكن حسنه
الترمذي ، وله إسناد صحيح ذكره ابن القطان ، وقال عنه الإمام أحمد : هو حديث صحيح .
- ١١٤ -

قال الحنفية(١) : تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر، مالم يكن
التغير عن طبخ ، فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها ، كماء السيل الذي يختلط
بالتراب والأوراق والأشجار ، وبقيت رقته غالبة ، فإن صار الطين غالباً لاتجوز
الطهارة به . وكالماء الذي اختلط به اللبن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان
مادام باقياً على رقته وسيلانه ، لأن اسم الماء باق فيه ، ولا يمكن الاحتراز عن هذه
الأشياء المخالطة له ، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد ، كأن صار
ماء الصابون تخيناً ، أو صار ماء الزعفران صِبْغاً ، لاتجوز به الطهارة .
وقال المالكية(٣): لا يضر ما تغير بطول مُكْته ، أو بما يجري عليه ، أو بما هو
متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي ، أو بما لا ينفك عنه غالباً ، أو
بالمجاورة ، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح ، على المشهور، وبما طرح فيه من
الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد ، ولو قصداً،
ولا بدابغ طاهر كقَطِران ، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط
في الآبار والبرك من الريح ، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقرب والدلاء
التي يستقى بها ، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ
والقطران والشب ، ولا يضر التغير بالمجاور ؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور ،
ومن المجاور : جيفة مطروحة خارج الماء ، فتغير ريح الماء منها .
ولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء ، أو بأثر بخور دهن به
الإناء من غير دبغ به ، أو رمي في الماء ، فرسب في قراره ، فتغير الماء به ، لأن
العرب كانت تستعمل القطران كثيراً عند الاستقاء وغيره ، فصار كالتغير بالمقَرّ .
(١) فتح القدير: ١ / ٤٨، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٢٦. مراقي الفلاح: ص ٣.
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٣٠ - ٣٦، القوانين الفقهية: ص ٣٠، بداية المجتهد: ١ / ٢٢، الشرح الكبير:
١/ ٣٥ - ٣٩ .
- ١١٥ -

كما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير ، هل هو من جنس ما يضر كالعسل
والدم ، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث ، ويجوز التطهر به .
وكذا لا يضر المشكوك في تغيره بالريق ، كما إذا جعل الماء في الفم ، وحصل شك
فيه ، هل تغير بالريق أو لا ، فإنه يجوز التطهير به .
ويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالباً : وهو ماشأنه مفارقة
الماء غالباً وكان طاهراً ، كلبن وسمن وعسل وحشيش ، فإذا امتزج به ، أو
لاصقه ، كالرياحين المطروحة على سطح الماء ، والدهن الملاصق له ، وتغير أحد
أوصاف الماء لوناً أو طعماً أو ريحاً، لم يجز التطهر به ، ويصبح الماء طاهراً
بنفسه ، غير مطهر لغيره .
والخلاصة : إن خالط الماء شيء طاهر، ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو
ماء مطلق طهور ، وإن غير أحد هذه الأوصاف الثلاثة فهو طاهر عند المالكية
والشافعية والحنابلة ، غير مطهر ، وعند الحنفية : طاهر مطهر ، مالم يطبخ أو
يغلب على أجزائه .
والمالكية يلحقون بالتراب : كل أجزاء الأرض كالكبريت والحديد والنحاس
فإنها لا تسلب طهورية الماء ، إذا غيرت أحد أوصافه ، ولو طرحت فيه قصداً .
وقال الشافعية (١) : لا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه ،
ولو كان مشكوكاً في أن تغيره كثير أو يسير ، لتعذر صون الماء عنه . ولا يضر
متغير بُكْث وإن فحش التغير ، وطين وطُحْلُب ( شيء أخضر يعلو الماء من طول
المكث ) ؛ ومافي مقره وممره ، ككبريت وزرنيخ ونُورة ( كلس ) ، لتعذر صون
الماء عن ذلك ؛ ولا يضر تغير ملح ماء ، لا بملح جبلي ، فيضر التغير به مالم يكن
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٩، المهذب: ١ / ٥.
- ١١٦ -

بمقر الماء أو ممره ؛ ولا تمنع الطهارة بملح انعقد من الماء ، لأنه كان ماء في الأصل ،
فهو كالثلج إذا ذاب فيه .
ولا يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء ، لتعذر صون الماء
عنه ؛ ولا يضر متغير بمجاور طاهر كعود ودهن ، ولو مطيبين ، وكافور صلب ،
أو بتراب ولو مستعملاً طرح فيه في الأظهر ، لأن تغيره بغير التراب تروّح ،
وبالتراب كدورة لاتمنع إطلاق اسم الماء عليه .
ومذهب الحنابلة(١) كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث ( وهو
الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره )(٢) أو بالمقر والممر، أو بالمجاور ، أو
بريح ميتة إلى جانبه ؛ لأن ذلك يشق الاحتراز عنه أو بملح مائي : وهو الماء
الذي يرسل على الأرض السباخ، فيصير ملحاً ؛ لأن المتغير به منعقد من الماء ،
فأشبه ذوب الثلج .
والخلاصة : أن الماء المتغير الذي لا يضر التوضؤ به أربعة أنواع:
١ - ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما.
٢ - مالا يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الأخضر) وسائر
ماينبت في الماء ، وكذا ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه
فيه ، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه ، فتلقيه في الماء ، وماهو في قرار
الماء ، كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به ، أو كان في
الأرض التي يقف الماء فيها .
٣ - ما يوافق الماء في صفتيه : الطهارة والطهورية ، كالتراب إذا غيَّر الماء،
(١) كشاف القناع: ١ / ٢٥ ومابعدها، المغني: ١ / ١٣.
(٢) لأنه عليه الصلاة والسلام توضأ بماء آجن .
- ١١٧ -

لا يمنع الطهورية ؛ لأنه طاهر مطهر كالماء ، فإن تخن بحيث لا يجري على
الأعضاء ، لم تجز الطهارة به ، لأنه طين وليس بماء ، ولافرق في التراب بين وقوعه
في الماء عن قصد أو غير قصد ، وكذلك الملح البحري أو المائي ، والمعدني ، لأن
هذا الأخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء ، فهو كالزعفران وغيره .
٤ - ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة ، كالدهن بأنواعه ، ومثله
القطران والزفت والشمع ، والطاهرات الصلبة ، كالعود والكافور والعنبر ، إذا لم
يتلف في الماء ، ولم يمع فيه ، لأنه تغيير مجاورة ، فأشبه مالو تروح الماء بريح
شيء على جانبه ، ولا خلاف في هذا .
ولا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره ، فإذا سقط
شيء من الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء ، وكان يسيراً ، فلم يوجد
له طعم ولالون ولارائحة كثيرة، جاز الوضوء به، لأنه («ّ اغتسل وزوجته
من جفنة فيها أثر العجين)) .
ب - الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيهاً عند الحنفية :
هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيها حال وجود غيره على الأصح
عند الحنفية(١) : وهو الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية ،
لا الوحشية إذ سؤرها (٢) نجس، ومثل الدجاجة المخلاة ( المتروكة تأكل
القاذورات ) وسباع الطير ، والحية والفأرة ؛ لأنها لاتتحامى عن النجاسة . وهذا
عمل بمقتضى الاستحسان ، تيسيراً على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة ،
وتطوافها بهم ، وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها ، وقد قرر
(١) مراقي الفلاح: ص ٣ .
(٢) السؤر : الباقي من الماء في الإناء بعد شرب حيوان منه.
- ١١٨ -

النبي ◌َ ◌ّ طهارة سؤر الهرة، فقال: ((إنها ليست بنجَس، إنها من الطوافين
عليكم، والطوافات)) (١)، وعن عائشة عن النبي عَ له(( أنه كان يُصغي إلى الهرة
الإناء حتى تشرب ، ثم يتوضأ بفضلها ))(٢).
وتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء . وقال الشافعية بطهارة فم الهرة
وطهارة سؤرها .
النوع الثاني - الماء الطاهر غير الطهور :
وحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث ، أي النجاسة عن الثوب والبدن ،
ولا يزيل الحدث ، فلا يصح الوضوء والغسل به ، وهو ثلاثة أنواع :
أحدها - الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب
طهوريته : وسالب الطهورية عند الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة
الجامدات وإما في المائعات(٢) . والغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته
وسيلانه ، أو التي تزيل طبع الماء ( وهو الرقة والسيلان والإرواء والإنبات )
بالطبخ بنحو حِمَّص وعدس ، ولم يقصد به التنظيف كالصابون والأشنان ؛ لأن
النبي ◌ُّ اغتسل بماء فيه أثر العجين ، وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه
بالخِطْمي ( ورق يدق ويغسل به الرأس ) ، وأمر النبي بغسل الذي وقَصَّتْه
( كسرته ) ناقته ، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر ( شجر النبق ) ، وأمر قيس بن عاصم
حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر(٤) .
(١) رواه الخمسة عن كبشة بنت كلب بن مالك ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرجه أيضاً
البيهقي ، وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني (نيل الأوطار: ١ / ٣٥).
(٢) رواه الدار قطني ( المصدر والمكان السابق ) وأصغى الإناء للهرة : أماله .
(٣) مراقي الفلاح: ص ٣ - ٤، فتح القدير: ١ / ٤٨ ومابعدها .
(٤) نصب الراية: ١ / ١٠٤، نيل الأوطار: ١ / ٢٣٩، والحديث الأول رواه النسائي وابن ماجه والأثرم،
والحديث الثاني رواه أحمد عن عائشة .
- ١١٩ -

i
والغلبة في المائع الذي لاوصف له كالماء المستعمل ، وماء الورد المنقطع
الرائحة : تكون إما بزيادة الوزن كأن اختلط رطلان من الماء المستعمل برطل
من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة ، كالخل له لون
وطعم وريح ، فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء ، ولا يضر ظهور وصف
واحد لقلته ، أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط ، كاللبن له اللون
والطعم ، ولارائحة له .
الماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية : وهو ماشرب منه حمار أو
بغل . وهو عند الحنفية طاهر في نفسه ، مشكوك في إمكان إزالة الحدث به ، فمن
لم يجد غيره توضأ به وتيم ، بسبب تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف
الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته(١) .
وقال المالكية(٢): إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث
ولا يزيل الخبث : هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً ، ويغير أحد أوصافه
( لونه أو طعمه أو ريحه ) ، ولم يكن من أجزاء الأرض ، ولادابغاً لإنائه ، ولامما
يعسر الاحتراز عنه . مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالباً الصابون وماء الورد
والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء ، والليمون وروث الماشية
ودخان شيء محروق ، والحشيش ، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل
تغطيتها ، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في
الماء ، والسمك الميت . فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء ، جعلته طاهراً
غير طهور . ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي ، أو يانائه ، إذا كانا من غير أجزاء
(١) فتح القدير والهداية: ١ / ٧٨ .
(٢) الشرح الكبير: ١ / ٣٧ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٣١، القوانين الفقهية: ص ٣٠ وما بعدها، بداية
المجتهد : ١ / ٢٦ .
- ١٢٠ -